العشرة المبشرون بالجنة: قبسات ولمحاتالصفحة المطبوعة 49
الصِّدِّيق في ركب الإيمان
أدرك الصِّدِّيق رضي الله عنه قافلة الإسلام مبكراً، وكان إسلامه وليد رحلةٍ إيمانيةٍ طويلةٍ من البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفِطر السليمة ويلبي رغباتها، ويتفق مع العقول الراجحة، والبصائر النافذة، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قَطَعَ الفيافي والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية وتنقَّل من شمالها إلى جنوبها، وشرقها إلى غربها، واتصل اتصالاً وثيقاً، بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وكان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم(80) .
إن المتطلع لطبيعة شخصية أبي بكر سيجد أنها طبيعة دينية، فالرجل لم يمل قلبه إلى أحجار الجاهلية وأصنامها، ولم تستهوه يوماً أو تطلبها نفسه، ولم يُعرف عنه أنه سجد يوماً لصنمٍ، ويحدثنا الصِّدِّيق بنفسه عن نفسه فيقول: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشّمُ العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يُجبني فقلت: إني عار فأكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه(81) .
ولم يشرب الخمر قط حتى في الجاهلية مع أنها كانت عادة شائعة بينهم، وقلَّ ما تجد من يتركها منهم.
عن أبي العالية الرياحي قال: قيل لأبي بكر الصِّدِّيق في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي؛ فإن من شرب الخمر كان مضيّعاً في
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.