العشرة المبشرون بالجنة: قبسات ولمحاتالصفحة المطبوعة 215
معكم رجلاً أميناً حق أمين». فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح». فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة»(537)
أبو عبيدة رضي الله عنه صنيعة إسلامية
عجيب أمر الإسلام حين يخالط القلوب ويتمكن من شغافها ويصنع للرجال أقداراً وللحادثات أبطالاً.
إن العرب بصفة عامة معروفون بتمسكهم واعتزازهم بأنسابهم، فالرجل يعتزُّ بوالده ويفخر بنسبه وحسبه، إلا أنه لما جاء الإسلام جعل التمسك لا يكون إلا بالدين والاعتزاز لا يتعلق إلا به، لدرجة أنه يمكننا أن نلمح الرجل يقتل والده لتكون كلمة الله هي العليا، ويقتل أخاه، بل ويقتل ولده إذا لزم الأمر.
إن الإسلام غيَّر معيار التمايز والاعتزاز، وهذا أمر نشاهده جلياً دون لبس أو خفاء مع أبي عبيدة رضي الله عنه، ذلكم البطل العظيم والأمين الكريم الذي طغى حبه لدينه على كل شيء، وملك عليه زمام حياته كلها لدرجة أنه قتل والده المشرك في غزوة بدر؛ لأنه نابذ المسلمين العداء، وحاول أن يصد عن سبيل الله.
ففى غزوة بدر في هذه المعركة الفاصلة، سقطت روابط القرابة، فانهارت الأبو ة وزالت البنوة، وانطلق عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة يبحث بلهفة عن ولده الذي خالفه واتبع محمداً ليرديه صريعاً ويتخلص منه، وحاول أبو عبيدة الابتعاد عن أبيه مراراً فلم يفلح، فما كان منه إلا أن تصدَّى له وأرداه صريعاً، لا يبالى بأية آصرة من آواصر الدنيا، فالإسلام والشرك لا يلتقيان مهما كانت روابط القرابة بين أتباع كل منهما.
وقد شهد أبو عبيدة بدراً، فقتل يومئذ أباه(538) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.