الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 70
ثَانِيًا: نَشْأتُهُ وأثَرُهَا فِي صَقْلِ شَخْصيَّتِهِ:
عَاشَ عُمَرُ فِي صِغَرِهِ حَيَاةَ الفَقْرِ والعَوَزِ، وتَذَوَّقَ شَظَفَ العَيْشِ وقَسْوَتَهُ. مَا جَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ قَوِيَّةً تُقَاوِمُ الصِّعَابَ، وذَاتِهِ أشَدَّ تَحَمُّلاً للمَسْؤُولِيَّةِ، وحَيَاتِهِ أبْعَدَ عَنِ الدَّعَةِ والتَّرَفِ. أمْضَى شَطْرًا مِنْ عُمْرِهِ فِي الجَاهِليَّةِ بَيْنَ أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ. وتَرَبَّى فِي كَنَفِ وَالِدِهِ، الَّذِي كَانَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ، مَا فَتِئَ يُكَلِّفُهُ بالشَّاقِّ مِنَ العَمَلِ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ ضَرْبًا شَدِيدًا إذا قَصَّرَ.
وَرِثَ عُمَرُ عَنِ الخَطَّابِ طِبَاعَهُ الصَّارِمَةَ، الَّتي لا تَعْرِفُ الخَوَرَ، فعَاشَ حَازِمًا لا يُدَانِيهِ التَّرَدُّدُ، ومُصَمِّمًا لا يَقْبَلُ أنْصَافَ الحُلُولِ.
أثَّرَتْ فِيهِ الجَاهِليَّةُ إذْ نَشَأَ فِي أحْضَانِ الوَثَنيَّةِ، حتَّى غَدَا مُعَادِيًا لِلدِّينِ الجَدِيدِ كَأشَدِّ مَا يَكُونُ العَدَاءُ، ثم سُرْعَانَ مَا يَنقَلِبُ بَعْدَ إسْلامِهِ عَلَى الشِّرْكِ وأهْلِهِ جُملَةً وَاحِدَةً، وتتَحَوَّلُ صَرَامَتُهُ عَلَى أعْدَاءِ اللهِ، واستَفَادَ المُسْلِمُونَ مِنْ قُوَّتِهِ فِي الحَقِّ.
صَحِبَ الخَمْرَ، وأحَبَّهَا فعَاقَرَهَا بنَهَمٍ(90) فلمَّا دَخَلَ شُعَاعُ الإيمَانِ قَلْبَهُ أُلهِمَ بُغْضَهَا، فدَعَا اللهَ أنْ يُبَيِّنَ فِي الخَمْرِ حُكْمَهُ، حتَّى إذَا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا قَالَ: «انْتَهَينَا، انْتَهَينَا»(91) وبَاتَ بَعْدَ إسْلامِهِ مِنْ أبْعَدِ النَّاسِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.