الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 436
الفَصْلُ الثَّانِي: مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ
مُخْطِئٌ ذَاكَ المُغَالِي الَّذِي يَلْوِي أعْنَاقَ النُّصُوصِ، لتَتَوَافَقَ ومَا يَذْهَبُ إلَيْهِ مِنِ اجْتِهَادٍ رَجِيحٍ، بقَدْرِ مَا هُوَ مُخْطِئٌ ذَلِكَ الَّذِي يَظُنُّ أنَّ الاجْتِهَادَ قَاصِرٌ عَلَى المَسَائِلِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ، كَذَا بإطْلاقٍ! فَالاجْتِهَادُ تَفَاعُلٌ ذِهْنِيٌّ وعَمَلٌ بَحْثِيٌّ يَقُومُ عَلَى تَصَوُّرِ المَسَائِلِ ومَا تَؤُولُ إلَيْهِ، فِي مُلاحَظَةٍ دَقِيقَةٍ للظَّرْفِ والبِيئَةِ، فِي سَبِيلِ المُطَابَقَةِ بَيْنَ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ والوَاقِعِ الفِعْلِيِّ.
وبِمَا أنَّ الاجْتِهَادَ مُتَفَرِّعٌ عَنْ بَوَاعِثَ لازِمَةٍ مِنْ دَاخِلِ النَّصِّ وخَارِجِهِ، ومُتَأتٍّ كَذَلِكَ مِنِ انْعِدَامِ النَّصِّ والافْتِقَارِ إلَيْهِ. فَقَدْ حَلَّقَ عُمَرُ فِي بَحْثِهِ التَّنْظِيرِيِّ والتَّنْزِيلِيِّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ المَجَالَيْنِ تَفَهُّمًا وتَطْبِيقًا.
لذَلِكَ، يَأتِي هَذَا الفَصْلُ فِي مَبْحَثَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:
المَبْحَثُ الأوَّلُ: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا فِيهِ نَصٌّ. المَبْحَثُ الثَّانِي: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ.