الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 39
أخْرَوِيًّا، حَيْثُ ترَتَّبَ عَلَى مَفْهُومِ الإلْزَامِ الثَّوَابُ أوِ العِقَابُ. وبالتَّالِي اسْتَطَاعَتِ الشَّرِيعَةُ أنْ تَرْتَقِيَ باللُّغَةِ مِنْ مُجَرَّدِ وَسِيلَةِ تَخَاطُبٍ بَيْنَ الخَلْقِ، حَتَّى أضْحَتِ اللِّسَانَ النَّاطِقَ باسْمِ الشَّرْعِ. الأمْرُ الَّذِي يُلْمِحُ إلَى كَوْنِ العَرَبِيَّةِ صَنْعَةً عِلْمِيَّةً، ومَلَكَةً لِسَانِيَّةً وَاسِعَةً، قَادِرَةً أنْ تَفِيَ بحَاجَاتِ النَّاسِ أبَدًا، وإنَّمَا يتَكَوَّنُ القُصُورُ مِنَ النَّاطِقِينَ بِهَا.
اصْطَبَغَ عَصْرُ الرِّسَالَةِ بكَوْنِهِ عَهْدَ النَّشْأةِ والتَّأسِيسِ للقَوَاعِدِ الأصُولِيَّةِ، الَّتِي انْطَلَقَتْ مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ المُتَمثِّلِ بالقُرْآنِ الكَرِيمِ والسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، يُعَاوِنُهُ فِي إبْدَاءِ النُّصْحِ والرَّأيِ والمَشُورَةِ فَرِيقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِبَارِ، الَّذِينَ رَبَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعَمِلَ عَلَى تَأهِيلِهِمْ، وأثَارَ فِيهِمْ دَوَافِعَ الاجْتِهَادِ والنَّظَرِ، واجْتَهَدَ فِي مَحْضَرِهِمْ لِيَكتَسِبُوا آلِيَّةَ الاجْتِهَادِ، ويَشْحَذُوا فِكْرَهُمْ فِي تَأمُّلِ الوَقَائِعِ، والبَحْثِ فِي الاستِفْتَاءَاتِ والمَسَائِلِ، لاستِنبَاطِ الفَتَاوَى والأحْكَامِ المُنَاسِبَةِ.
فاجْتَهَدَ الصَّحَابَةُ عَلَى عَيْنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وعِنْدَ غِيَابِهِ، فيُقِرُّهُم عَلَى مَا أصَابُوا فِيهِ، ويُصَحِّحُ لَهُمْ مَا جَانَبُوا فِيهِ الحَقَّ. هَادِفًا إلَى تَعْلِيمِهِمْ طُرُقَ التَّفْكِيرِ المَنْطِقيِّ السَّلِيمِ، عَنْ طَرِيقِ تَعْلِيلِ الأحْكَامِ، وإقْرَارِ بَعْضِ الاجْتِهَادَاتِ ونَقْضِ بَعْضِهَا الآخَرِ.
فَعُرِفَ عَهْدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بمَرْحَلَةِ البِدَايَةِ لنَشْأةِ القَوَاعِدِ الأصُولِيَّةِ، الَّتِي أُتِيحَ لَهَا أنْ تتَطَوَّرَ فِي العُهُودِ المُتَتَالِيَةِ، حَتَّى اسْتَقَامَتْ قَوَاعِدَ مُتَكَامِلَةً