الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 290
سَبِيلاً إلَى هِدَايَةِ عُمَرَ، الَّذِي مَا فَتِئَ يَتَزَوَّدُ مِنْ مَعِينِهِ طِيلَةَ حَيَاتِهِ. مَا حَدَاهُ أنْ يَبْرُزَ مِنْ بَيْنِ المُجْتَهِدِينَ.
فمَعْرِفَتُهُ بِلُغَةِ التَّشْرِيعِ رَافِدٌ فَيَّاضٌ مِنْ رَوَافِدِ اجْتِهَادِهِ، يَمُدُّهُ بأسْبَابِ القُوَّةِ فِي الرَّأيِ، «ولا تَزَالُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ سَلِيقَةً تَمُدُّ صَاحِبَهَا بِمَا لا تَمُدُّهُ بِهِ المَعْرِفَةُ المُكْتَسَبَةُ، مَهْمَا تَنَاهَتْ فِي الإتْقَانِ والمِرَاسِ»(712) .
عَرَفَ عُمَرُ هَذِهِ المَكَانَةَ للسَّلِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وأدْرَكَ مَبْلَغَ أثَرِهَا عَلَى الاجْتِهَادِ ومَا يتَعَلَّقُ مِنْهُ باسْتِثْمَارِ النُّصُوصِ، فحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّوَاصِي برِعَايَتِهَا وتَنْمِيَتِهَا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: «بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ، مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللهِ عز وجل: ﴿أَو يَأخُذَهُم عَلىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُم لَرَءوفٌ رَحيمٌ﴾(713) ؟
فَقَالُوا: مَا نَرَى إلاَّ أنَّهُ عِنْدَ تَنَقُّصِ مَا يُرَدِّدُهُ مِنَ الآيَاتِ. فَقَالَ عُمَرُ: «مَا أرَى إلاَّ أنَّهُ على مَا تَنْتَقِصُونَ مِنْ مَعَاصِي اللهِ».
فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَقِيَ أعْرَابِيًّا، فَقَالَ: يَا فُلانُ، مَا فَعَلَ رَبُّكَ؟ قَالَ: قَدْ تَخَيَّفْتُهُ. يَعْنِي: تَنَقَّصْتُهُ. فَرَجَعَ إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ. فَقَالَ: «قَدَّرَ اللهُ ذَلِكَ(714) . هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ فِي أشْعَارِهَا؟».
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.