آداب الطعام في تراث الآل والأصحابالصفحة المطبوعة 82
الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كما سيأتي ذكره في هذا الباب من حديث ابن عباس، وإذا كان ذلك الأخير مِن فِعلِه صلى الله عليه وسلم، دلَّ على الجواز، ويتأيَّد بفعل الخلفاء الراشدين بعده.
المسلك الثالث : الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل، فقال أبو الفرج الثقفي في نصرِهِ الصِّحاحَ: والمراد بالقيام هنا المشي، يقال: قام في الأمر، إذا مشى فيه، وقمتُ في حاجتي، إذا سعيتُ فيها وقضيتُها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي مواظبًا بالمشي عليه. وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر: وهو حَملُ النهي على من لم يُسمِّ عند شربه، وهذا إن سلم له في بعض ألفاظ الأحاديث، لم يسلم له في بقيتها.
وسلك آخرون في الجمع : حَمْل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين.
قال الحافظ عن المسلك الأخير: وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرًا، فقال: إن ثبتت الكراهة حُملت على الإرشاد والتأديب، لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري، وأيَّده بأنه لو كان جائزًا ثم حرَّمه، أو كان حرامًا ثم جوَّزه، لبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانًا واضحًا، فلما تعارضت الأخبار بذلك، جَمَعْنا بينها بهذا.
وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب، مخافة وقوع ضررٍ به، فإن الشرب قاعدًا أمكن وأبعد من الشَّرَق، وحصول الوجع في الكبد أو الحلق، وكلُّ ذلك قد لا يأمن منه مَن شرب قائمًا»(188) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.