آداب الطعام في تراث الآل والأصحاب
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الموضوع | الصفحة |
|---|---|
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 7 |
| المقدمة | 11 |
| الفصل الأول: تعريف الآداب وأهميتها | 16 |
| الفصل الثاني: الصحابة والآل، تعريفهم وفضلهم | 21 |
| الفصل الثالث: آداب الطعام والشراب | 33 |
| أولًا: آداب الأكل | 34 |
| ثانيًا: آداب الشرب | 75 |
| ثالثًا: آداب الولائم والمأدبات | 86 |
| فهرس المراجع | 103 |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين.
أ ما بعد؛
فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.
وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:
PDF 935]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.
والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخر به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.
ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.
وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في ذلك
PDF 10المجال.
وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.
ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها حتى تمويلها لطباعتها؛ فكانت هذه السلسلة من
PDF 11الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.
وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.
نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مَبَرَّة الآل والأصْحَاب
المقدمة
إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ٧٠ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71].
أمَّا بعد، فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
أمَّا بعد، فَدينُ الإسلام دينٌ كامل الشرائع، تامُّ الأحكام، مُكتمل الآداب، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «هذه أكبر نعم الله عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دينٍ غيره، ولا إلى نبيٍّ غير نبيِّهم، صلوات الله وسلامه عليه؛
PDF 13ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن»(1)
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: «﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع»(2) .
ومن تلك الآداب التي اشتمل عليها الإسلام: آداب الطعام، فقد اهتم بها الشرع، فوضع للطعام آداباً وجعل له أحكامًا.
وذلك لأن «مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلى بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجة، على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدِّين. وعليه نبَّه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51]، فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل، ويقوي به على التقوى، فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملًا سدى، يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى»(3) .
وقد وضع القرآن الكريم القوانين الكلية لآداب الطعام والشراب، فقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51]، وقال تعالى:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 14﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
قال العلامة السعدي رحمه الله - تحت عنوان: « دلالة القرآن على أصول الطب » -: «أصول الطب ثلاثة: حفظ الصحة باستعمال الأمور النافعة، والحِمية من الأمور الضارة، ودفع ما يعرض للبدن من المؤذيات.
ومسائل الطب كلها تدور على هذه القواعد.
وقد نبَّه القرآن عليها في قوله تعالى في حفظ الصحة ودفع المؤذي: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، فأمر الله بالأكل والشرب اللَّذينِ لا تستقيم الأبدان إلا بهما، وأطلق ذلك ليدلَّ على أن المأكول والمشروب بحسب ما يلائم الإنسان، وينفعه في كلِّ وقت وحال.
ونهى عن الإسراف في ذلك، إما بالزيادة في كثرة المأكولات والمشروبات، وإما بالتخليط في المطعوم والأوقات، وهذا حميَّة عن كلِّ ما يؤذي الإنسان. فإذا كان القوت الضروري من الطعام والشراب يصير بحالةٍ يتأذَّى منه البدن ويتضرر، مُنع منه، فكيف بغيره؟»(4) .
وجاءت السنة المطهرة بزيادة بيانٍ وتفصيلٍ، فوضعت أحكامًا وآدابًا كثيرةً للطعام والشراب.
وقد اهتم بتلك الآداب العلماءُ، فألَّفوا فيها المؤلفات المستقلة، ككتاب: آداب الأكل لأبي العباس، شهاب الدين الأقفهسي ثم القاهري
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 15الشافعي، (ت: 808)، أو ذكروها ضمن كتب الآداب، ككتاب: الآداب الشرعية للعلامة ابن مفلح الحنبلي، (ت: 763).
وفى هذا البحث - إن شاء الله تعالى - سنتناول جانبًا من هذا الموضوع، ألا وهو: آداب الطعام في تراث آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الأطهار، وصحابته الأبرار، رضي الله عنهم أجمعين، وذلك لما لهم من فقهٍ في الدين، ومحافظة على الآداب، وقدرٍ عالٍ من المحافظة على الشرع وأحكامه، ومرجعيةٍ في الفقه والسلوك لعموم المسلمين.
منهجية البحث:
وقد سلكتُ في هذا البحث خطةً، تتلخص في الآتي:
1 - قسمتُ البحث إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول : تكلمتُ فيه على: الأدب، وما يتعلق به من مهمَّات.
فبينتُ أهمية الأدب وفضله ومنزلته، وعقوبة تاركه، وذلك لما للأدب من أهمية كبيرة في حياتنا، ودورٍ كبير في صلاح هذه الأمة ورُقيِّها.
الفصل الثاني : تكلمتُ فيه على الأصحاب والآل.
فعرَّفتهم أولًا، ثم تكلمتُ على فضائلهم، ومنزلتهم، وحقوقهم على عموم المسلمين.
وذلك اعترافًا بقدر الآل والأصحاب، وآكد حقهم علينا، ولما لسيرة الآل والأصحاب رضي الله عنهم
PDF 16من دورٍ مهمٍ في مسيرة إصلاح العالم الإسلامي، فهم الأئمة والقادة والسادة، ولما للآل والأصحاب من منزلة عظيمة في قلوب المسلمين.
الفصل الثالث : جمعتُ فيه جملة من الآثار في آداب الطعام والشراب.
وذلك من خلال: "كتب المصنفات"، و"كتب الآداب"، و"كتب السير والتراجم"، و"كتب الطبقات"، و"كتب الزهد والرقائق"، وغيرها من الكتب.
وقد قسمتُ هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام:
الأول : آداب الأكل، أو الطعام.
الثاني : آداب الشرب.
الثالث : آداب الولائم والمأدبات.
2 - حكمتُ على الآثار من الناحية الحديثية، وذلك بذكر درجة الأثر، وذلك في الأغلب من الآثار.
3 - خلَّلتُ الآثار ببعض الفوائد العلمية والسلوكية والتربوية، وذلك لكي تتنوع الفوائد، ويعمَّ النفع جميع الأبواب.
هذا وصلى الله على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلّم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
الفصل الأول: تعريف الآداب وأهميتها
أ) تعريفها:
قال صاحب "لسان العرب": «الأَدَبُ: الَّذِي يَتَأَدَّبُ بِهِ الأَديبُ مِنَ النَّاسِ؛ سُمِّيَ أَدَباً لأَنه يَأْدِبُ الناسَ إِلَى المَحامِدِ، ويَنْهاهم عَنِ المقَابِح. وأَصل الأَدْبِ: الدُّعاءُ، وَمِنْهُ قِيلَ للصَّنِيع يُدْعَى إِلَيْهِ الناسُ: مَدْعاةٌ ومَأْدُبَةٌ.
قال ابْنُ بُزُرْج: لَقَدْ أَدُبْتُ آدُبُ أَدَباً حَسَنًا، وأَنت أَدِيبٌ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: أَدُبَ الرَّجلُ يَأْدُبُ أَدَباً، فَهُوَ أَدِيبٌ، وأَرُبَ يَأْرُبُ أَرَابةً وأَرَباً، فِي العَقْلِ، فَهُوَ أَرِيبٌ. غَيْرُهُ: الأَدَبُ: أَدَبُ النَّفْسِ والدَّرْسِ. والأَدَبُ: الظَّرْفُ وحُسْنُ التَّناوُلِ. وأَدُبَ، بِالضَّمِّ، فَهُوَ أَدِيبٌ، مِنْ قَوْمٍ أُدَباءَ. وأَدَّبه فَتَأَدَّب: عَلَّمه، وَاسْتَعْمَلَهُ الزَّجَّاجُ فِي اللهِ عز وجل، فَقَالَ: وَهَذَا مَا أَدَّبَ اللهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّه، صلى الله عليه وسلم. وَفُلَانٌ قَدِ اسْتَأْدَبَ: بِمَعْنَى تَأَدَّبَ. وَيُقَالُ للبعيرِ إِذَا رِيضَ وذُلِّلَ: أَدِيبٌ مُؤَدَّبٌ»(5) .
وقال صاحب "المصباح المُنير": «أَدَّبْتُه أَدَبًا، مِنْ بَابِ ضَرَبَ، عَلَّمْتُه رِيَاضَةَ النَّفْسِ وَمَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: الْأَدَبُ يَقَعُ عَلَى كُلِّ رِيَاضَةٍ مَحْمُودَةٍ يَتَخَرَّجُ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي فَضِيلَةٍ مِنْ الْفَضَائِلِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ نَحْوَهُ. فَالْأَدَبُ: اسْمٌ لِذَلِكَ، وَالْجَمْعُ آدَابٌ، مِثْلُ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ. وَأَدَّبْته تَأْدِيبًا، مُبَالَغَةٌ وَتَكْثِيرٌ. وَمِنْهُ قِيلَ: أَدَّبْته تَأْدِيبًا إذَا عَاقَبْته عَلَى إسَاءَتِهِ؛
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 18لِأَنَّهُ سَبَبٌ يَدْعُو إلَى حَقِيقَةِ الْأَدَبِ. وَأَدَبَ أَدَبًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْضًا، صَنَعَ صَنِيعًا وَدَعَا النَّاسَ إلَيْهِ، فَهُوَ آدِبٌ عَلَى فَاعِلٍ»(6)
وقال صاحب "تاج العروس": «قَالَ شَيخنَا نَاقِلًا عَن تقريراتِ شُيُوخه: الأَدَبُ مَلَكَةٌ تَعْصِمُ مَنْ قَامَت بِهِ عمَّا يَشِينُه،...، وَفِي (التوشيح): هُوَ استعمالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلاً وفِعْلاً، أَو الأَخْذُ أَو الوُقُوفُ مَعَ المُسْتَحْسَنَات، أَو تَعْظِيمُ مَنْ فوقَكَ، والرِّفْقُ بمَن دُونَكَ»(7) .
وبهذه التعريفات للأدب، يتضح لنا أن مقصود الأئمة من لفظ "الأدب" أمران:
الأول : الأدب العام: الذي يتناول إخلاص التوحيد لله تبارك وتعالى، وشعائر الدين، وإحسان المعاملة بين الخلق بعضهم بعضًا.
الثاني : الأدب الخاص: الذي يتناول حالاتٍ مخصوصةً للعبد في هذه الدار، من آداب طعامٍ وشراب، وقضاء حاجة، وأخلاقًا مخصوصةً حثَّ الشارع عليها وبيَّنها.
وهذا الثاني هو موضوع رسالتنا.
ب - أهمية الأدب :
ليس أدل على أهمية الأدب من كثرة اهتمام العلماء به، وحثِّهم عليه،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 19وعلى تعلُّمه، وسلوك طريقه، وقد قيل في ذلك أقوالٌ باهرةٌ منها:
«أربعةٌ يسود بها العبد: العلم، والأدب، والفقه، والأمانة»، «وكان يقال: عزُّ الشريف أدبُه، وعزُّ المؤمن استغناؤُه عن الناس»(8) .
وقال بعض السلف: «ناهيكَ مِن شرف الأدب أنَّ أهله متبوعون، والناس تحت راياتهم، فيعطف ربُّك تعالى عليهم قلوبًا لا تعطفها الأرحام، وتجتمع بهم كلمةٌ لا تأتلف بالغلبة، وتُبذل دونهم مُهج النفوس»(9) .
وقول بعض الحكماء: «العقلُ بلا أدبٍ، كالشَّجرِ العاقرِ، ومع الأدبِ كالشَّجرِ المُثمِرِ»(10) .
وقيل: «الأدبُ بين أهله نسبٌ. الأدبُ وسيلةٌ إلى كلِّ فضيلةٍ، وذريعةٌ إلى كلِّ شريعةٍ»(11) .
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وَلِكُلِّ حَالٍ أَدَبٌ: فَلِلْأَكْلِ آدَابٌ. وَلِلشُّرْبِ آدَابٌ. وَلِلرُّكُوبِ وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ وَالنَّوْمِ آدَابٌ. وَلِلْبَوْلِ آدَابٌ. وَلِلْكَلَامِ آدَابٌ. وَلِلسُّكُوتِ وَالِاسْتِمَاعِ آدَابٌ. وَأَدَبُ الْمَرْءِ: عُنْوَانُ سَعَادَتِهِ وَفَلَاحِهِ. وَقِلَّةُ أَدَبِهِ: عُنْوَانُ شَقَاوَتِهِ وَبَوَارِهِ. فَمَا اسْتُجْلِبَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِمِثْلِ الْأَدَبِ، وَلَا اسْتُجْلِبَ حِرْمَانُهُمَا بِمِثْلِ قِلَّةِ الْأَدَبِ»(12) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ج - عقوبة تارك الأدب:
لما كان الأدب بهذه المنزلة، كان المفرِّطُ فيه وتاركُه، والمتهاونُ فيه، قد نادى على نفسه بالخسران.
قال ابن القيم رحمه الله: «وقال بعضهم: الْزَمْ الأدبَ ظاهرًا وباطنًا. فما أساء أحدٌ الأدبَ في الظاهر، إلا عوقب ظاهرًا. وما أساء أحدٌ الأدبَ باطنًا إلا عوقب باطنًا.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: مَن تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن، عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة. وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل»(13) .
وقيل: «مَن ترك الأدبَ عقم عقلُه»(14) . وقيل: «تَركُ الأدبِ داعيةٌ إلى كسادِ المرءِ»(15) .
د - حاجتنا إلى الآداب:
الأدبُ أسلوبٌ حضاريٌّ مطلوبٌ لإقامة المجتمع الصالح، وإنه لمن الدعامات الأساسية لاجتماع الناس اجتماعًا سويًّا أن يسود بينهم سلوك الأدب.
فاستخدامُ الأدب في التعامل مع الناس، يورِّث الألفة بينهم، ويكفُل حقوقهم، ويسلُّ السَّخيمة من صدورهم، فتسود المجتمع المحبة والأخوَّة.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كما أنَّ الأدبَ مقياسٌ لاستفادة الشخص من التوجيهات السلوكية للشريعة الإسلامية، فالإسلامُ العظيمُ قد تكفَّل للمجتمع بالسعادة إن اتَّبع الآداب التي سنَّها وشرعها الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فسيادةُ الأدب بين الناس مقياسٌ لاستفادتهم من الشريعة وقبولهم لها(16) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثاني: الصَّحابة والآل، تعريفهم وفضلهم
1 - الصَّحابة، تعريفهم، وفضلهم:
الصَّحابة لغة : قال الجوهري في الصحاح: «والصَّحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدرٌ. وجَمع الأصحابِ أصاحيبُ. وقولهم في النداء: يا صاحِ، معناه يا صاحبي. ولا يجوز ترخيم المضاف إلا في هذا وحدَه، سُمِعَ من العرب مرخَّمًا. وأَصْحَبْته الشيء: جعلته له صاحبًا.
واستصحبته الكتاب وغيره. وكل شيء لاءَمَ شيئًا فقد استصحبه. واصطحب القوم: صحب بعضهم بعضها، وأصله اصتحب، لأن تاء الافتعال تتغير عند الصاد مثل اصطحب...، وأصحب البعير والدابة، إذا انقاد بعد صُعوبة، قال الشاعر:
| ولَسْتُ بِذي رَثْيَةٍ إمَّرٍ | إذا قِيدَ مُسْتَكْرَهًا أَصْحَبا |
وأَصْحَبَ الرجلُ، إذا بَلَغَ ابنُهُ. والمُصْحَبُ من الزِقاقِ: ما الشَعَرُ عليه. وقد أَصْحَبْتَهُ، إذا تَرَكْتَ صوفَهُ أو شعره عليه ولم تعطنه. حكاه عنه يعقوب. وحمار أصحبُ، أي أَصْحَرُ، يَضرِبُ لَوْنُهُ إلى الحمرة»(17) .
أما الصحابة في الاصطلاح ، فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
الأول هو مَن طالت
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 23مجالسته أو صُحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف مَن وفدَ عليه وانصرف. وهذا القول حكاهُ أبو المظفر السمعاني عن الأصوليين.
الثاني : هو مَن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة، مؤمناً به، ومات على ذلك. وهذا قول الإمام أحمد والبخاري وجمهور المحدِّثين.
الثالث : هو مَن لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تخلَّل ذلك ردَّةٌ. وهذا قول الحافظ ابن حجر(18) .
والقول الثالث هو أرجح الأقوال.
«فخرج بقولنا: ( مَن اجتمع ): مَن أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به، لكن لم يجتمع به، مثل أن يكون أقبل على المدينة ليبايع النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فمات الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يصِله، فهذا ليس بصحابي، وإن كان قد أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكنه اصطلحوا على أن يُسموه مخضرمًا، ومرتبتُه بين الصحابة الخلَّص، وبين التابعين الخلَّص، لأنك إن نظرتَ إلى كونه أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ألحقتَه بالصحابة، وإن نظرتَ إلى أنه لم يجتمع به ألحقته بالتابعين، ولهذا كان في منزلةٍ بين منزلة الصحابة والتابعين ويسمى مخضرمًا.
وقولنا: ( مؤمنًا به ): خرج بذلك من اجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم مؤمناً بغيره، ولما مات الرسول صلى الله عليه وسلم آمن به، فهذا ليس بصحابي لأنه حين اجتماعه به لم يكن مؤمناً به.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ودخل في قولنا: ( مَن اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم) مَن كان أعمى واجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون صحابيًّا، وبهذا يكون قولنا: (من اجتمع به)، أحسن من قول بعض العلماء: (مَن رآه مؤمنًا به)؛ لأننا لو قلنا: (مَن رآه)، خرج بذلك الأعمى.
وقولنا: ( ولو حُكمًا ): دخل فيه الصبي الذي في المهد إذا اجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم، كما لو جيء بصبيٍّ من أبناء المسلمين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم مات النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يمُيِّزَ هذا الصبي، فإن هذا مؤمنٌ بالرسول صلى الله عليه وسلم حكمًا؛ وقلبًا؛ لأنه صبيٌّ لا عقل له، لكنه مؤمن بإيمان أبويه، وعلى هذا فمحمد بن أبي بكر الذي وُلد في حجة الوداع يعتبر صحابيًّا.
وقولنا: ( ومات على ذلك ): دخل فيه من ارتد، ثم رجع إلى الإسلام، ومات على الإسلام، فإنه يكون صحابيًّا، فالردَّة لا تبطل الصُّحبة، إلا أن يموت على الردة، كما أنها لا تبطل الأعمال الصالحة، إلا أن يموت عليها، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وخرج به من اجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ثم ارتد ومات على الردة، فإنه لا يكون صحابيًّا»(19) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فضائل الصحابة:
أولًا: في القرآن الكريم:
إن القارئ لكتاب الله تعالى تستوقفه العديد من النصوص التي تضمَّنت مدحَ الصحابة الكرام، والإعلاء من شأنهم، وقد جاءت في سياقات مختلفة، ومشاهد متنوعة.
فتارة يمدحهم على مواقفهم المشهودة مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ٩ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ١١ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 9 - 12].
وتارة ينوِّه على جهادهم وبذلهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: ﴿لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨٨ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 89].
وتارةً يصرِّح برضى الله عنهم، ويظهر ما في قلوبهم من الرضى عن الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم
PDF 26بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]، وكما في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
وتارة يُخبر بصدقهم، ويلفت الأنظار إلى تضحياتهم وبذلهم، كما في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ٨ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 8 - ٩].
وتارة يشير إلى أنَّ لهم أمثالًا مضروبة في كتب الأمم السابقة كالتوراة والإنجيل، كما في قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وتارةً يصرِّح بتحقُّق توبة الله تعالى عليهم، ونزول رحمته بهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ
PDF 27الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 117].
وتارةً يمدحهم بقوة الإيمان وصدق التوكل، مع الصبر على البلاء، والشجاعة، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٢ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 172 - 173].
وتارةً يمدحهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، وأن يشاورهم في الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
ثانيًا: في السُّنة المطهرة:
تضافرت نصوص السُّنة الشريفة على بيان فضائل الصحابة، وبيان رفيع مقامهم، والإحاطة بجميع ما ورد فيهم لفظًا ومعنى طويل، وإنما نكتفي ها هنا بإشارة سريعة لبعض ما ورد فيهم، ومن ذلك:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: « خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ(20) » .
وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَأْتِي عَلَى
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 28النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ(21)
وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ، قَالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ»، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: « النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ(22) » .
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الخَنْدَقِ، وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ(24) » .
2 - الآل تعريفهم وفضلهم:
الآل لغة : قال ابن منظور : «آلُ الرَّجُلِ: أَهْلُه. وَآلُ اللهِ وَآلُ رَسُولِهِ: أَولياؤه، أَصلها أَهل، ثُمَّ أُبدلت الْهَاءُ هَمْزَةً فَصَارَتْ فِي التَّقْدِيرِ أَأْل، فَلَمَّا تَوَالَتِ الْهَمْزَتَانِ أَبدلوا الثَّانِيَةَ أَلفًا، كَمَا قَالُوا آدَمُ وَآخَرُ، وَفِي الْفِعْلِ آمَنَ وآزَرَ»(25) .
أما الآل في الاصطلاح : فقد اختلف العلماء في تحديدهم على عدة أقوال، كما حكى ذلك الإمام ابن القيم .
قال رحمه الله: «وَاخْتلف فِي آل النَّبِي صلى الله عليه وسلم على أَرْبَعَة أَقْوَال: فَقيل: هم الَّذين حُرِّمت عَلَيْهِم الصَّدَقَة، وَفِيهِمْ ثَلَاثَة أَقْوَال للْعُلَمَاء :
أَحدهَا: أَنهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب. وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة عَنهُ .
وَالثَّانِي: أَنهم بَنو هَاشم خَاصَّة. وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد، وَاخْتِيَار ابْن الْقَاسِم صَاحب مَالك.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَالثَّالِث: أَنهم بَنو هَاشم وَمن فَوْقهم إِلَى غَالب، فَيدْخل فيهم بَنو الْمطلب، وَبَنُو أُميَّة، وَبَنُو نَوْفَل، وَمن فَوْقهم إِلَى بني غَالب. وَهَذَا اخْتِيَار أَشهب من أَصْحَاب مَالك، حَكَاهُ صَاحب الْجَوَاهِر عَنهُ، وَحَكَاهُ اللَّخْمِيّ فِي التَّبْصِرَة عَن أصبغ، وَلم يحكه عَن أَشهب .
وَهَذَا القَوْل فِي الْآل أَعنِي أَنهم الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة، هُوَ: مَنْصُوص الشَّافِعِي وَأحمد والأكثرين، وَهُوَ اخْتِيَار جُمْهُور أَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن آل النَّبِي صلى الله عليه وسلم هم ذُريَّته وأزواجه خَاصَّة. حَكَاهُ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد، قَالَ في بَاب عبد الله بن أبي بكر، فِي شرح حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ: اسْتدلَّ قوم بِهَذَا الحَدِيث على أَن آل مُحَمَّد هم وأزواجه وَذريته خَاصَّة، لقَوْله فِي حَدِيث مَالك، عَن نعيم المُجْمِر، وَفِي غير مَا حَدِيث: اللَّهُمَّ صلِّ على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد، وَفِي هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أبي حميد: اللَّهُمَّ صلِّ على مُحَمَّد وأزواجه وَذريته، قَالُوا: فَهَذَا تَفْسِير ذَلِك الحَدِيث، وَيبين أَن آل مُحَمَّد هم أَزوَاجه وَذريته، قَالُوا: فَجَائِزٌ أَن يَقُول الرجل لكل من كَانَ من أَزوَاج مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَمن ذُريَّته صلى الله عَلَيْك إِذا واجهه، وَصلى الله عَلَيْهِ إِذا غَابَ عَنهُ، وَلَا يجوز ذَلِك فِي غَيرهم . قَالُوا: والآل والأهل سَوَاء، وَآل الرجل وَأَهله سَوَاء، وهم الْأزْوَاج والذرية، بِدَلِيل هَذَا الحَدِيث .
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن آله صلى الله عليه وسلم أَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. حَكَاهُ ابْن عبد الْبر
PDF 31عَن بعض أهل الْعلم، وأقدمُ من رُوِيَ عَنهُ هَذَا القَوْل جَابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ذكره الْبَيْهَقِيّ عَنهُ، وَرَوَاهُ عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره، وَاخْتَارَهُ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي، حَكَاهُ عَنهُ أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ فِي تعليقة، وَرجحه الشَّيْخ محيي الدّين النووي فِي شرح مُسلم، وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِي
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن آله صلى الله عليه وسلم هم الأتقياء من أمته. حَكَاهُ القَاضِي حُسَيْن، والراغب، وَجَمَاعَة»(26) .
والراجح - والله أعلم - من هذه الأقوال هو القول الأول، مع إضافة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهنَّ وإن لم يكنَّ من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأصالة، إلا أنهنَّ منهم قطعاً بالتبعية، ويدل عليه حديث زيد بن ثابت الآتي ذكره.
فضلهم ومناقبهم:
من فضائلهم ومناقبهم رضي الله عنهم:
1 أنهم وصيةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن يَزِيدِ بْنِ حَيَّان، قَالَ: «انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 32فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ»(27)
2 - تشريفُ الله تعالى لهم بالصلاة عليهم في التشهد، تبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في قولنا: « اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ...».
3 - كلُّ نسبٍ مقطوعٌ يوم القيامة إلا نسبهم، فعن جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ لِلنَّاسِ حِينَ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَلِيٍّ بن أبي طالب: أَلَا تُهَنِّئُونِي؟ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ إِلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي(28) »» .
4
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 33أنَّ رعاية حقِّهم وإكرامهم من رعاية حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم وإكرامه، فعَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما، عَنْ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «ارْقُبُوا مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم في أَهْلِ بيْتِه»(29)
قال الإمام النووي رحمه الله: «ومعنى: ارقبوه: راعوه واحترموه وأكرموه»(30) ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قوله: ارقبوا محمدًا في أهل بيته؛ يخاطب بذلك الناس، ويوصيهم به، والمراقبةُ للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم، فلا تؤذوهم، ولا تسيئوا إليهم»(31) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثالث: آداب الطعام والشراب
قبل الخوض في الحديث عن الآداب الواردة في الأكل والشرب، لا بد من الإشارة إلى أمرٍ غاية في الأهمية، ألا وهو أن الله تعالى أمر الإنسان بالتَّفكر في ملكوت السموات والأرض، وتدبُّر آياته عز وجل في هذا الكون الفسيح، ومن آياته التي أمر تعالى بالتفكُّر فيها، وتدبُّر شأنها: طعام الإنسان وشرابه، الذي لا قوام له إلا به، وهو ألصق شيء به، وأقرب شيء إليه، وألزم شيء له، لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المتكرر، لينظر إلى قصته العجيبة اليسيرة، فإنَّ يُسْرها قد ينسيه ما فيها من العجب، وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته، معجزة تستحق التدبُّر والتأمُّل والتفكُّر، وتستحق شُكر المنعِم سبحانه وتعالى، وحَمْده عز وجل على نعمه العظيمة.
قال الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ٢٤ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ٢٥ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ٢٦ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ٢٧ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ٢٨ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ٢٩ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ٣٠ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ٣١ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24 - 32]، ومعنى الكلام: فلينظر الإنسانُ كيف خَلق اللهُ طعامَه الذي جعله سببًا لحياته؟ وكيف دبَّر أمره؟ وهذا النظر نظر القلب بالفكر، أي ليتدبَّر كيف خلق الله تعالى طعامه الذي به قوام حياته، وكيف هيَّأ له أسباب المعاش، ليستعدَّ بها للمعاد.
ولمَّا كان الطعام والشراب بهذه المنزلة والأهمية في حياة الإنسان،
PDF 35وهو من الضرورات التي يستحيل على الإنسان أن ينفكَّ عنها، جاءت الشريعة الإسلامية بوضع ضوابط وأحكام وآداب لها، حتى ينتفع الإنسان منه غاية النفع، ويكون وسيلة إلى رضوان الله تعالى.
وسينصبُّ حديثنا في هذا البحث على الآداب الواردة في الطعام والشراب.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن جميع هذه الآداب قد وردت في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، عميد أهل البيت، وسيد وإمام الصحابة الكرام، فهو المعلِّم، وهو القدوة، وهو الأسوة، في كل صغيرة وكبيرة، إلا أننا لطبيعة البحث آثرنا أن نقتصر - في الغالب - على ما ورد من آثار عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وآله المباركين، وكيف اقتدوا به عليه الصلاة والسلام في مثل هذا الأمر، ولم يخرموا عنه، بل كانوا يعلِّمون تلاميذهم وأتباعهم هذه الآداب، ويحثُّونهم عليها، ولربما أنكروا تهاون البعض فيها، فيذكِّرونه تذكرة الناصح المشفق، والعالم الرفيق.
أولًا: آداب الأكل
1 - يسنُّ غسل الأيدي قبل الطعام وبعده، والمضمضة بعده، لا سيما إذا كان للطعام دسَمٌ.
أمَّا غسلُها قبل الطعام فلما قد يكون قد علق فيها من وسخ، أو قذر، أو غيره، فيأكل بها وهي نظيفة. وأمَّا غسلُها بعده فأمرُه ظاهرٌ.
فَعَنْ أَبانَ بنِ عُثْمانَ: «أنَّ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ رضي الله عنه أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ
PDF 36تَمَضْمَضَ وَغَسَلَ يَدَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وَجْهَهُ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»(32)
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «لَوْ أَنِّي أَكَلْتُ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَشَرِبْتُ لَبَنَ اللِّقَاحِ، مَا بَالَيْتُ أَنْ أُصَلِّيَ وَلَا أَتَوَضَّأَ، إِلَّا أَنْ أُمَضْمِضَ فِيَّ، وَأَغْسِلَ أَصَابِعِي مِنْ غَمْرِ اللَّحْمِ»(33) .
وَعَنْ إِبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ: «أَنَّ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ كَانَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه وَهُوَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ، فَتُلِقِّيَ بِجِفْنَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ وَهُوَ فِي الرَّحْبَةِ، قَالَ: فَجَلَسَ وَأَكَلَ مِنْهَا هُوَ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ مِنْ غَمْرِ اللَّحْمِ، ثُمَّ دَخَلَ فَصَلَّى»(34) .
وَعَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ مَضْمَضَ فَاهُ وَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى»(35) .
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ: «أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ وَأَنَسَ بنَ مالِكٍ وَالْحَارِثَ الْهَمْدَانِيَّ رضي الله عنهم، كَانُوا يُمَضْمِضُونَ مِنَ اللَّبَنِ»(36) .
وَعَنِ عامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: «أَنَّ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمانِ رضي الله عنه دَعَا بِلَبَنٍ فَشَرِبَ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 37وَشَرِبْتُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ وَتَمَضْمَضْتُ»(37)
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله عنه أَنَّهُ: «كَانَ يَشْرَبُ اللَّبَنَ فَيُمَضْمِضُ»(38) .
2 - يستحب التسمية في أول الطعام، والحمد بعده.
فقد علَّمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن التسمية على الطعام من أعظم آدابه، وأنه يمنع الشيطان من مشاركة الإنسان طعامه، وقد طبّق الصحابة والآل هذا الأدب النبوي، وعلّموه أتباعهم.
فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «إِنَّ شَيْطَانَ الْمُؤْمِنِ يَلْقَى شَيْطَانَ الْكَافِرِ، فَيَرَى شَيْطَانَ الْمُؤْمِنِ شَاحِبًا، أَغْبَرَ مَهْزُولًا، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانُ الْكَافِرِ: مَا لَكَ، وَيْحَكَ، قَدْ هَلَكْتَ، فَيَقُولُ شَيْطَانُ الْمُؤْمِنِ: لَا وَاللهِ مَا أَصِلُ مَعَهُ إِلَى شَيْءٍ، إِذَا طَعِمَ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ، وَإِذَا شَرِبَ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ، وَإِذَا نَامَ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ، وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ، فَيَقُولُ الْآخَرُ: لَكِنِّي آكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَأَشْرَبُ مِنْ شَرَابِهِ، وَأَنَامُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَهَذَا شَاحِبٌ، وَهَذَا مَهْزُولٌ»(39) .
وَعَنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه: أنَّ أَبَا بكرِ بنَ أَبِي قُحافةَ رضي الله عنه بعثَ يزيدَ بنَ أَبِي سفيانَ إِلَى الشامِ، فأوصاهم وصية طويلة، وكان ممَّا أوصاهم به، قوله: «وستَرونَ بَلَدًا تَغدوا وتروحُ عَلَيْكُمْ فِيهِ ألوانُ الطعامِ، فَلا يأْتيكم لونٌ إِلَّا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 38ذكرتُم اسمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَلا ترفَعوا لَوْنًا إِلَّا حمدتُم اللهَ عز وجل عليهِ»(40)
وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: «كَانَ سَلْمَانُ رضي الله عنه إِذَا أَكَلَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَفَانَا الْمَؤُونَةَ، وَأَوْسَعَ عَلَيْنَا فِي الرِّزْقِ»(41) .
وَعَنِ ابْنِ أَعْبَدَ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ رضي الله عنه: «يَا ابْنَ أَعْبَدَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الطَّعَامِ؟ قَالَ: وَمَا حَقُّهُ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ؟ قَالَ: تَقُولُ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي مَا شُكْرُهُ إِذَا فَرَغْتَ؟ قُلْتُ: وَمَا شُكْرُهُ؟ قَالَ: تَقُولُ: الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا»(42) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّهُ أُكِلَ عِنْدَهَا طَعَامٌ، فَقَالَتْ: آدِمُوهُ، قَالُوا: بِمَا نَأْدِمُهُ؟ قَالَتْ: تَحْمَدُونَ اللهَ عَلَيْهِ إِذَا فَرَغْتُمْ»(43) .
وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ أَبُو سَعِيدٍ رضي الله عنه إِذَا وُضِعَ لَهُ الطَّعَامُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَجَعَلْنَا مُسْلِمِينَ»(44) .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ الْوَعْلَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ رضي الله عنه، صَاحِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكُمَا، فَنَزَعَ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 39وِسَادَةً كَانَ مُتَّكِئًا عَلَيْهَا، فَأَلْقَاهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: لَا نُرِيدُ هَذَا، إِنَّمَا جِئْنَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: إِنَّهُ مَنْ لَمْ يُكرِمْ ضَيْفَهُ فَلَيْسَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَا إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم، طُوبَى لِعَبْدٍ أَمْسَى مُتَعَلِّقًا بِرَسَنِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَفْطَرَ عَلَى كِسْرَةٍ، وَمَاءٍ بَارِدٍ، وَيْلٌ لِلَّوَّاثِينَ الَّذِينَ يَلُوثُونَ مِثْلَ الْبَقَرِ، ارْفَعْ يَا غُلَامُ، ضَعْ يَا غُلَامُ، فِي ذَلِكَ، لَا يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى»(45)
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: «أَكَلْنَا مَعَ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنها طَعَامًا، فَأَغْفَلْنَا الْحَمْدَ لِلهِ، فَقَالَتْ: يَا بَنِيَّ، لَا تَدَعُوا أَنْ تَأْدِمُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللهِ، أَكْلًا وَحَمْدًا، خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ»(46) .
فَوائد:
أ) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: لا حرج أن يزيد الإنسان على بسم الله، الرحمن الرحيم، لأن هذين الاسمين أثنى الله بهما على نفسه في البسملة في القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فلا حرج، وإن اقتصر على: بسم الله، كفى(47) .
ب) حَمْدُ اللهِ على الطعام على يسره وسهولته، من الأسباب الجالبة لرضى المولى عز وجل، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا»(48) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد جاء في بعض الأحاديث صفة حمد الله تعالى بعد الطعام، ومن ذلك:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: « الحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، رَبَّنَا »، وفي رواية: « الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ »، وَقَالَ مَرَّةً: « الحَمْدُ لِلهِ رَبِّنَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى، رَبَّنَا(49) » .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِ سِنِينَ، أَوْ تِسْعَ سِنِينَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قُرِّبَ لَهُ طَعَامٌ يَقُولُ: « بِسْمِ اللهِ »، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: « الْلَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَأَسْقَيْتَ، وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ، وَهَدَيْتَ وَاجْتَبَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ(50) » .
3 - يستحب إذا نسي التسمية في أول الطعام أن يقول: بِسْمِ اللهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ.
فَعَنْ عَلِيّ بنِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «إِذَا طَعِمْتَ فَنَسِيتَ أَنْ تُسَمِّيَ، فَقُلْ: بِسْمِ اللهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ»(51) .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه قَالَ: «إِذا نَسِيَ أَحَدُكُم أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعالى
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 41حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ في طَعامِهِ، فَلْيَقُلْ إِذَا ذَكَرَ: بِسْمِ اللهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ طَعامَهُ جَديدًا، وَيَتَقَيَّأُ الخَبيثُ ما كَانَ أَصابَ مِنْ طَعامِهِ قَبْلَ ذَلِكَ»(52)
وقوله: في أوله وآخره: أي في أول الطعام وآخره، فالتسمية حق للطعام، فإن نسيها عند البدء، فليقلها عند ذكرها، فهي مجلبة للبركة، ممحقة للشيطان.
4 - يستحب أن يأكل مما يليه.
عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه دَعَاهُمْ لِغَدَائِهِ، فَهَابُوا وَكَانَ فِيهِمْ مُعَيْقِيبٌ، وَكَانَ بِهِ جُذَامٌ، فَأَكَلَ مُعَيْقِيبٌ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: خُذْ مِمَّا يَلِيكَ، وَمِنْ شِقِّكَ، فَلَوْ كَانَ غَيْرُكَ مَا آكَلَنِي فِي صَحْفَةٍ، وَلَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ»(53) .
والشاهد من الأثر قول عمر: خُذْ مِمَّا يَلِيكَ.
قال القرطبي رحمه الله: «كُلْ ممَّا يَليك: سُنَّة مُتَّفقٌ عليها، وخلافُها مكروهٌ شديدُ الاستقباحِ، لكن إذا كان الطعامُ نوعًا واحدًا. وسببُ ذلك الاستقباحِ: أنَّ كلَّ آكلٍ كالحائزِ لما يليه من الطعامِ، فآخذ الغيرِ له تعدٍّ عليه، مع ما في ذلك من تقزُّزِ النفوسِ مما خاضت فيه الأيدي والأصابع، ولما فيه من إظهارِ الحرصِ على الطعامِ، والنَّهمِ. ثمَّ هو سوءُ أدبٍ من غيرِ فائدةٍ إذا كان الطعامُ نوعًا واحدًا. وأما إذا اختلفت أنواعُ الطعامِ فقد أباحَ ذلك العلماءُ؛ إذ ليس فيه شيءٌ من تلك الأمورِ المستقبحةِ»(54) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
5 - يستحب أن يتسوَّك بعد الطعام، ويخلِّل أسنانه بعد الطعام(55) .
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه لَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا اسْتَنَّ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مِنْهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ وَصِيفَيْنِ»(56) .
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه يَأْمُرُ بِالْإِخْلَالِ، وَيَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ إِذَا تُرِكَ وَهَّنَ الْأَضْرَاسَ»(57) .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فالخلال نافعٌ للثَّة والأسنان، حافظٌ لصحتها، نافعٌ من تغيُّر النكهة»(58) .
فَائدة:
استخدام السواك من الأسباب الجالبة لمرضاة الله تعالى: فعن عائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»(59) .
6 - يستحب لعق الأصابع بعد الطعام.
عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قُرِّبَ الطَّعَامُ لَمْ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 43يَمْسَحُوا أَيْدِيَهُمْ حَتَّى يُنَقُّوهَا بِاللَّعْقِ»(60)
وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قال: «لَا يَصْلُحُ لِمُسْلِمٍ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا أَنْ يَمْسَحَ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا»(61) .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يُؤْتَى بِخُبْزِهِ وَلَحْمِهِ وَلَبَنِهِ وَزَيْتِهِ وَبَقْلِهِ وَخَلِّهِ، فَيَأْكُلُ، ثُمَّ يَمُصُّ أَصَابِعَهُ، وَيَقُولُ هَكَذَا، فَيَمْسَحُ يَدَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَيَقُولُ: هَذِهِ مَنَادِيلُ آلِ عُمَرَ»(62) .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِكَ تَكُونُ الْبَرَكَةُ»»(63) .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أيضًا قَالَ: «مَا رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه يَتَوَضَّأُ مِنْ طَعَامٍ قَطُّ، وَكَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، ثُمَّ يَمْسَحُ يَدَهُ بِالتُّرَابِ»(64) .
وَعَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: «قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي يَزِيدَ: كُنْتَ تَشْهَدُ طَعَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَيَّ شَيْءٍ كُنْتَ تَرَاهُ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَرَاهُ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ»(65) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قالَ الْخَطَّابِيُّ: عَابَ قَوْمٌ أَفْسَدَ عَقْلَهُمُ التَّرَفُّهُ فَزَعَمُوا أَنَّ لَعْقَ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبَحٌ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي عَلِقَ بِالْأَصَابِعِ أَوِ الصَّحْفَةِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مَا أَكَلُوهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَائِرُ أَجْزَائِهِ مُسْتَقْذَرًا، لَمْ يَكُنِ الْجُزْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ مُسْتَقْذَرًا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْبَرُ مِنْ مَصِّهِ أَصَابِعَهَ بِبَاطِنِ شَفَتَيْهِ، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَدْ يُمَضْمِضُ الْإِنْسَانُ فَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فِي فِيهِ، فَيُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ وَبَاطِنَ فَمِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ ذَلِكَ قَذَارَةٌ أَوْ سُوءُ أَدَبٍ»(66) .
7 - يسنُّ أن يفتتح أهلُ العلم والفضل الطعامَ.
فَعَنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمانِ رضي الله عنه، قَالَ: «كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعَ يَدَهُ»(67) .
قال الإمام النووي رحمه الله: «فيه بيان هذا الأدب وهو أنه يبدأ الكبير والفاضل في غسل اليد للطعام وفي الأكل»(68) .
8 - يستحب تخمير آنية الطعام (أي: تغطيتها).
فَعَنْ أُمِّ سَعِيدٍ، قَالَتْ: «أَتَيْتُ عَلِيًّا رضي الله عنه بِسَحُورٍ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: هَلَّا خَمَّرْتِيهِ؟ هَلْ رَأَيْتِ الشَّيْطَانَ حِينَ وَلَغَ فِيهِ؟
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 45أَهْرِقِيهِ، وَأَبَى أَنْ يَشْرَبَهُ»(69)
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نُوكِئَ الْأَسْقِيَةَ»(70) .
وهذا أدب ظاهر لا حاجة لكبير تفسير له، فالطعام المكشوف عرضة لسقوط القاذورات فيه، أو وقوع الذباب عليه، أو غير ذلك، فإن أمن الإنسان كل ذلك، فإنه لا يأمن الشيطان عدو الإنسان أن يفعل به ما فيه ضرر وأذى، فالأخذ بالهدي النبوي بركة وصيانة.
قال القسطلاني رحمه الله: «خمرته: غطيته صيانة من الشيطان، إذ إنه لا يكشف غطاء، ومن الوباء الذي قيل إنه ينزل في ليلة من السماء، ومن النجاسة والقاذورات والحشرات ونحوها»(71) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
9 - يستحب عدم الإكثار من الطعام، والأكل دون الشبع، ويجوز الأكل حتى الشبع أحيانًا.
فَعَنِ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ قَالَ: «وَاللهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا(72) مَا كَانُوا يَشْبَعُونَ ذَلِكَ الشِّبَعَ، يَأْكُلُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا رَدَّ نَفَسَهُ، أَمْسَكَ ذَائِبًا نَاحِلًا مُقْبِلًا عَلَيْهِ فَمُهُ»(73) .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ رضي الله عنه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَلْحَقَ بِصَاحِبَيْكَ، فَأَقْصِرِ الْأَمَلَ، وَكُلْ دُونَ الشِّبَعِ، وَأَقْصِرِ الْإِزَارَ، وَارْقَعِ الْقَمِيصَ، وَاخْصِفِ النَّعْلَ، تَلْحَقْ بِهِمَا»(74) .
وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عُمَرَ فَاخْصِفْ نَعْلَكَ، وَشَمِّرْ ثَوْبَكَ، وَكُلْ دُونَ الشِّبَعِ»(75) .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ يَجُوعُونَ كَثِيرًا، وَيَتَقَلَّلُونَ مِنْ أَكْلِ الشَّهَوَاتِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ الطَّعَامِ، إِلَّا أَنَّ اللهَ لَا يَخْتَارُ لِرَسُولِهِ إِلَّا أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ وَأَفْضَلَهَا. وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَشَبَّهُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الطَّعَامِ - وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ»(76) .
وأما جواز الأكل حتى الشبع أحيانًا فقد دلَّت عليه بعض الآثار، منها:
عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، كَانَ يَقُولُ: «أَللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 47بَطْنِي مِنَ الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الحَقْ». وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟» قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ، قَالَ: «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي». قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي، فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْتِ، قَالَ: «يَا أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «خُذْ فَأَعْطِهِمْ». قَالَ: فَأَخَذْتُ القَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله
PDF 48عليه وسلم وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ». قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ». فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: «اشْرَبْ». فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ». حَتَّى قُلْتُ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا قَالَ: «فَأَرِنِي». فَأَعْطَيْتُهُ القَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلَةَ»(77)
والشاهد من الحديث قول أبي هريرة رضي الله عنه: « لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا ».
فَوائد:
أ) عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: « مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ(78) » .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح الحديث: «فأحسنُ ما أكلَ المؤمنُ في ثُلث بطنه، وشربَ في ثُلث بطنه، وترك للنفَس ثُلثًا، كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم».
ب) قول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأما مفسدات القلوب الخمسة: من
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 49كثرة الخلطة، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام، فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلوب»(79) فمحمول على مداومة الشبع، قال الإمام النووي رحمه الله: «ما جاء في كراهة الشِّبَعِ فمحمولٌ على المداومة عليه لأنه يُقسِّي القلب، ويُنسي أمر المحتاجين»(80)
10 - يُنهى عن الإسراف في الأكل، والأكل فوق الشبع.
عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قالَ: «أَحَلَّ اللهُ الْأَكْلَ وَالشَّرَابَ مَا لَمْ يَكُنْ إِسْرَافًا، وَلَا مَخِيلَةً»(81) .
وَعَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «إِيَّاكُمْ وَالبِطْنَة في الطَّعامِ وَالشَّرابِ، فَإِنَّها مَفْسَدَةٌ لِلجَسَدِ، مُورِثَةٌ لِلسَّقْمِ، مَكْسَلَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، وَعَلَيْكُم بِالقَصْدِ فيها، فَإِنَّهُ أَصْلَحُ لِلجَسَدِ، وَأَبْعَدُ مِنَ السَّرَفِ، وِإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمينَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنْ يَهْلِكَ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلى دِينِهِ»(82) .
تنبيهَات
الأول : تناول العلماء مسألة الأكل فوق الشبع:
فقالت الحنفية حرام، إلا إذا قصد التقوى على صوم الغد، أو لئلا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 50يستحي الضيف أو نحو ذلك. وعندهم أنه ترد شهادته(83)
وقالت المالكية : الأكل إلى حد التخمة وإفساد المعدة حرام(84) .
وقالت الشافعية : يكره الأكل فوق الشبع(85) .
وقال الحنابلة : يكره الأكل كثيرًا مع خوف التخمة.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى تحريمه، وصححه المرداوي(86) .
الثاني : أن من أسباب الترف: التَّوسُّع في المأكل والمشرب، والتَّفنُّن في إعداد الطعام وتزيينه، والإكثار من الحديث عنه، والتفاخر به، والله عز وجل قد أراد منا التَّرفع عن ذلك كله، والتَّعلق بما في الجنة من النعيم المقيم، والتمتع الدائم، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31].
وقد كان الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك التَّعلق بأنواع الطعام والشراب، بل كان ينقطع عن التَّلذذ بالطعام أيامًا، فيكتفي منه بأقل القليل، وقد قالت أُمُّ المُؤْمِنينَ عائِشَةُ رضي الله عنها لِعُرْوَةَ ابنِ الزُّبَيْرِ: «ابْنَ أُخْتِي؛ إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ، ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَة أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَارٌ، فَقُلْتُ يَا خَالَةُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 51يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا»(87)
وَعَنْها رضي الله عنها أيضاً قَالَتْ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ، مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا، حَتَّى قُبِضَ»(88) .
وهذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «يَدْخُلُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَإِذَا عِنْدَهُمْ لَحْمٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا اللَّحْمُ؟ فَقَالَ: اشْتَهَيْتُهُ. قَالَ: أَوَ كُلَّمَا اشْتَهَيْتَ شَيْئًا أَكَلْتَهُ؟ كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفًا أَنْ يَأْكُلَ كُلَّمَا اشْتَهَاهُ»(89) .
وَعَنْ حَفْصِ بْنِ أَبِي الْعَاصِي، قَالَ: «كُنَّا نَتَغَدَّى عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِخُبْزِ جَشْبٍ، وَكَانَ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يَنْخُلُوا الدَّقِيقَ، وَيَقُولُ: هُوَ طَعَامٌ، فَنَتَغَدَّا ثَرِيدًا بِلَبَنٍ، أَوْ ثَرِيدًا بِلَحْمٍ غَلِيظٍ، فَلَا يَأْكُلُ الْقَوْمُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى طَعَامٍ هُوَ أَلْيَنُ مِنْهُ. فَقَالَ: أَوَ مَا كُنْتَ تَرَانِي أُحْسِنُ أَعْمَدُ إِلَى صَاعٍ أَوْ صَاعَيْ زَبِيبٍ فَيُرَشُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ يُصَفَّى كَأَنَّهُ دَمُ الْغَزَّالِ، وَأَعْمَدُ إِلَى صَاعٍ أَوْ صَاعَيْ دَقِيقٍ فَيُحَوَّرُ لِي، وَأَعْمَدُ إِلَى عَنَاقٍ فَتُذْبَحُ وَيُلْقَى عَنْهَا شَعْرُهَا، ثُمَّ تُخْرَجُ مِنَ التَّنُّورِ كَأَنَّهُ صَنًّا؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَرَاكَ عَالِمًا بِطَيِّبِ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَجَلْ وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَكِنِّي لَا أَتَعَجَّلُ طَيِّبَاتِي وَقَدْ سَمِعْتُ اللهَ ذَكَرَ قَوْمًا فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾» [الأحقاف: 20](90) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وليس التَّمتع بما ذكره الفاروق رضي الله عنه حرامًا، لكنه كان يريد أن يدرك منزلة صاحبيه: النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي الله عنه.
قال البيهقي رحمه الله: «قَالَ الْحَلِيمِيُّ رحمه الله: وَهَذَا الْوَعِيدُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ لِلْكُفَّارِ، الَّذِينَ يُقْدِمُونَ عَلَى الطَّيِّبَاتِ الْمَحْظُورَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: 20] فَقَدْ يَحْسُنُ مِثْلُهُ، عَلَى الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطَّيِّبَاتِ الْمُبَاحَةِ، لِأَنَّ مَنْ تَعَوَّدَهَا مَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى الدُّنْيَا فَلَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَرْتَكِبَ فِي الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَاذِّ، وَكُلَّمَا أَجَابَ نَفْسَهُ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا دَعَتْهُ إِلَى غَيْرِهَا، فَيَصِيرَ إِلَى أَنْ لَا يُمْكِنَهُ عِصْيَانُ نَفْسِهِ فِي هَوًى قَطُّ، وَيَنْسَدَّ بَابُ الْعِبَادَةِ دُونَهُ، فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ بِهِ إِلَى هَذَا لَمْ يُبْعَدْ أَنْ يُقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: 20] فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَوَّدَ النَّفْسُ مَا يَمِيلُ بِهَا إِلَى الشَّرَهِ، ثُمَّ يَصْعُبَ تَدَارُكُهَا، وَلْتَرْضَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، عَلَى السَّدَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ، مِنْ أَنْ يَضْرِبَ عَلَى الْفَسَادِ، ثُمَّ يَجْتَهِدَ فِي إِعَادَتِهَا إِلَى الصَّلَاحِ»(91) .
وقد كانت قلة الشبع، وعدمُ الاحتفال الزائد بالطعام والشراب، سمةً للمسلمين، ولما دخلت جيوش المسلمين أرض مصر استوصف حاكمُها جندَ المسلمين، فوصفوهم بأنهم: لا يملؤون بطونهم، وبأنهم يأكلون وهم مستعدون للقيام، فقال: اتركوا هؤلاء، فإنهم لا يُغلبون أبدًا(92) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
11 - يجوز القِران بين التَّمر، أي: الجمع بين أكثر من تمرة في المرة الواحدة، إذا استأذن مَن يأكل معه في ذلك.
فَعَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، قَالَ: أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ(93) مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه فَرَزَقَنَا تَمْرًا، فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ، وَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا، « فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ القِرَانِ »، ثُمَّ يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: «الإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ»(94) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: «كُنْتُ فِي أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرِ عَجْوَةٍ، فَجَعَلْنَا نَأْكُلُ السِّنِينَ مِنَ الْجُوعِ، وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا إِذَا قَرَنَ أَحَدُهُمْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إِنِّي قَرَنْتُ فَاقْرِنُوا»(95) .
قال الإمام النووي رحمه الله: «هذا النهي متفَقٌ عليه حتى يستأذنهم، فإذا أذنوا فلا بأس. واختلفوا في أن هذا النهي على التحريم، أو على الكراهة والأدب؛ فنقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنه للتحريم، وعن غيرهم أنه للكراهة والأدب، والصواب التفصيل؛ فإن كان الطعام مشتَركًا بينهم، فالقِران حرام إلابرضاهم، ويحصل الرضا بتصريحهم به، أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حال، أو إدلال عليهم كلهم بحيث يعلم يقينًا أو ظنًّا قويًّا أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام. وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشتُرط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام. ويستحب أن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 54يستأذن الآكلين معه، ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيَّفهم به، فلا يحرم عليه القران. ثم إن كان في الطعام قلةٌ فحسنٌ ألا يقرن لتساويهم، وإن كان كثيرًا بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقًا التأدب في الأكل، وترك الشَّره، إلا أن يكون مستعجلًا ويريد الإسراع لشغل آخر،...، وقال الخطابي: إنما كان هذا في زمنهم، وحين كان الطعام ضيقًا، فأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الإذن. وليس كما قال، بل الصواب ما ذكرنا من التفصيل، فإن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، لو ثبت السبب، كيف وهو غير ثابت! والله أعلم»(96)
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «فِي مَعْنَى التَّمْرِ الرُّطَبُ، وَكَذَا الزَّبِيبُ وَالْعِنَبُ وَنَحْوُهُمَا، لِوُضُوحِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ»(97) . أي أنَّ النَّهي عن القِران ليس خاصًّا بالتمر فقط، دون غيره من المطعومات، بل يشمل غيره، لتحقُّق العلة في الكلِّ، وإنما جاء التصريح بالتمر في الحديث؛ لأنه كان غالب قوتهم، والله أعلم.
وقال الحافظ أيضًا: «ما يوضع بين يدي الضِّيفان، وكذلك النِّثار في الأعراس، سبيلُه في العرف سبيلُ المكارمة، لا التَّشاحِّ؛ لاختلاف الناس في مقدار الأكل، وفي الاحتياج إلى التناول من الشيء، ولو حُمل الأمر على تساوي السُّهمان بينهم لضاق الأمر على الواضع والموضوع له، ولما ساغ لمن لا يكفيه اليسير أن يتناول أكثر مِن نصيب مَن يُشبعه اليسير، ولمَّا لم
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 55يتشاحَّ الناسُ في ذلك، وجرى عملُهم على المسامحة فيه، عُرِف أن الأمرَ في ذلك ليس على الإطلاق في كل حالة. والله أعلم»(98)
12 - يُكره الأكل متكئًا.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ، قَالَ: «كَانُوا(99) يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا تُكَأةً، مَخَافَةَ أَنْ تَعْظُمَ بُطُونُهُمْ»(100) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ، فَقِيلَ: أَنْ يَتَمَكَّنَ فِي الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، وَقِيلَ: أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَحْسَبُ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْآكِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ، قَالَ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنَى لَا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا عَلَى الْوِطَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ؛ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنِّي لَا آكُلُ إِلَّا الْبُلْغَةَ مِنَ الزَّادِ، فَلِذَلِكَ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ وَفِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ مُحْتَفِزٍ وَالْمُرَادُ: الْجُلُوسُ عَلَى وَرِكَيْهِ غير مُتَمَكِّنٍ، وَأخرج ابن عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: زَجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّكَاءِ، قُلْتُ: وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنْ مَالِكٍ إِلَى كَرَاهَةِ كُلِّ مَا يُعَدُّ الْآكِلُ فِيهِ مُتَّكِئًا، وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا، وَجَزَمَ ابنُ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 56الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِير الاتِّكاءِ بِأَنَّهُ الْميلُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِإِنْكَارِ الْخَطَّابِيُّ ذَلِك، وَحَكى ابنُ الْأَثِيرِ فِي "النِّهَايَةِ": إِنَّ مَنْ فَسَّرَ الِاتِّكَاءَ بِالْمِيلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلًا، وَلَا يُسِيغُهُ هَنِيئًا، وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ»(101)
13 - يُنهى عن الأكل بالشِّمال.
فَعَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ: «أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَتَى الْغَائِطَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَسْتَطِيبُ بِشِمَالِي، وَإِنَّمَا آكُلُ بِيَمِينِي»(102) .
وَعَنْ ابنِ أَبي مَرْيَمَ قالَ: «رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه رَجُلًا وَقَدْ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى لِيَأْكُلَ بِهَا، قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ يَدُكَ عَلِيلَةً، أَوْ مُعْتَلَّةً»(103) .
وَعَنْ أُمِّ المُؤْمِنينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها: «رَأَتِ امْرَأَةً تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا فَنَهَتْهَا»(104) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا بِشَمَائِلِكُمْ، فَإِنَّ آدَمَ أَكَلَ بِشِمَالِهِ وَنَسِيَ، فَأَوْرَثَهُ ذَلِكَ النِّسْيَانَ»(105) .
فَائدة:
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حكم الأكل والشرب بالشمال، والحكمة من النهي عن ذلك:
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله بعد أن ساق حديثًا في الأمر بالأكل باليمين، والنهي عن ذلك بالشمال: «وفي هذا الحديث أدب الأكل والشرب، ولا يجوز لأحد أن يأكل بشماله، ولا أن يشرب بشماله؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وفي أمره عليه السلام بالأكل باليمين والشرب بها، نهي عن الأكل بالشمال والشرب بها، لأن الأمر يقتضي النهي عن جميع أضداده، فمن أكل بشماله أو شرب بشماله وهو بالنهي عالم فهو عاص لله، ولا يحرم عليه مع ذلك طعامه ذلك ولا شرابه؛ لأن النهي عن ذلك نهي أدب لا نهي تحريم، والأصل في النهي أنَّ ما كان لي مُلكًا فنهيتُ عنه فإنما النهي عنه تأدبٌ وندبٌ إلى الفضل والبر، وإرشاد إلى ما فيه المصلحة في الدنيا، والفضل في الدين، وما كان لغيري فنهيتُ عنه فالنهي عنه نهي تحريم وتحظير، والله أعلم. وقد جاءت السنة المجتمع عليها أن اليمين للأكل والشرب، والشمال للاستنجاء، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى باليمين، كما نهى أن يؤكل أو يشرب بالشمال، وما عدا الأكل والشرب والاستنجاء فبأي يديه فعل الإنسان ذلك فلا حرج عليه، إلا أن التيامن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّه في الأمر كله، فينبغي للمؤمن أن يحب ذلك ويرغب فيه، ففي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة على كل حال»(106) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ثبت النهي عن الأكل بالشمال وأنه من
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 58عمل الشيطان من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر، عند مسلم، وعند أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته: من أكل بشماله أكل معه الشيطان الحديث، ونقل الطيبي أن معنى قوله: إن الشيطان يأكل بشماله: أي يَحملُ أولياءَه من الإنس على ذلك ليضاد به عباد الله الصالحين، قال الطيبي: وتحريرُه لا تأكلوا بالشمال، فإنْ فعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإن الشيطان يحمل أولياءه على ذلك، انتهى. وفيه عدولٌ عن الظاهر، والأولى حملُ الخبر على ظاهره، وأن الشيطان يأكل حقيقة؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به، فلا يحتاج إلى تأويله. وحكى القرطبي في ذلك احتمالين، ثم قال: والقدرة صالحة. ثم ذكر من عند مسلم أن الشيطان يستحلُّ الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، قال: وهذا عبارة عن تناوله، وقيل: معناه استحسانه رفع البركة من ذلك الطعام إذا لم يذكر اسم الله. قال القرطبي: وقوله صلى الله عليه وسلم: فإن الشيطان يأكل بشماله ظاهره أن من فعل ذلك تشبَّه بالشيطان. وأَبْعدَ وتَعسَّفَ مَن أعاد الضمير في شماله على الآكل. قال النووي: في هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهة ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذ وعطاء، كما وقع في بعض طرق حديث ابن عمر»(107)
قلت: وفي أثر ابن عباسٍ الأخير بيان حكمة أخرى من النهي عن الأكل والشرب بالشمال، ألا وهي أن ذلك يورث النسيان، فإن صحَّ ذلك، فمثله لا يقال بالرأي.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد تضاف حكمة أخرى إلى النهي: فيقال إن النهي عن الأكل بالشمال لأن فيه استهانة بنعمة الله، لأن الشيء إذا حُقر، يُتناول بالشمال عادة(108) .
14 - يستحب البدء بالطعام إذا حضر قبل الصلاة.
فَعَنْ أَبي المَلِيحِ، قالَ: «كُنَّا مَعَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَقَدْ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَتُلُقِّيَ بِقَصْعَةٍ فِيهَا ثَرِيدٌ وَلَحْمٌ، فَقَالَ: اجْلِسُوا فَكُلُوا، فَإِنَّمَا صُنِعَ الطَّعَامُ لِيُؤْكَلَ، فَأَكَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ وَمَضْمَضَ وَصَلَّى»(109) .
وَعَنْ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ»(110) .
وَعَنْ قَنَانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ النَّهْمِيِّ، عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَحَضَرَ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَنَا عَلِيٌّ: أَفْطِرُوا فَإِنَّهُ أَحْسَنُ لِصَلَاتِكُمْ»(111) .
وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: «كُنَّا عَلَى طَعَامٍ لَنَا وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَحَبَسَنِي
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَعَنْ نَافِعٍ قالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ»(113) .
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبيعِيِّ: «أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنه كَانَ يَقُولُ: الْعَشَاءُ قَبْلَ الصَّلَاةِ يُذْهِبُ النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ»(114) .
وَعَنْ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه وَشِوَاءٌ لَهُ فِي التَّنُّورِ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى نَأْكُلَ، لَا يَعْرِضُ لَنَا فِي صَلَاتِنَا»(115) .
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «قَدِمْتُ مِنَ الْعِرَاقِ، فَقُرِّبَ عَشَاءُ أَبِي طَلْحَةَ وَمَعَهُ مَنْ شَاءَ اللهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِي: هَلُمَّ فَكُلْ، فَقُلْتُ: حَتَّى أُصَلِّيَ، فَقَالَ: قَدْ أَخَذْتَ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، هَلُمَّ فَكُلْ»(116) .
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، بعد أن ساق جملة من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى: «فهذه الأحاديث كلُّها تدل على أنه إذا أقيمت الصلاةُ وحضر العَشاءُ فإنه يبدأ بالعَشاء، سواء كان قد أكل منه شيئًا أو لا، وأنه لا يقوم حتى يقضي حاجته من عشائه، ويفرغ منه. وممَّن روي عنه تقديم العشاء على الصلاة: أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وأنس،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 61وغيرهم. وإلى هذا القول ذهب الثوري وأحمد في المشهور عنه وإسحاق، وابن المنذر. وقال أحمد: لا يقوم حتى يفرغ من جميع عشائه، وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في وقت. قال: لأنه إذا تناول منه شيئًا ثم تركه، كان في نفسه شغلٌ مِن تَركِه الطعام إذا لم ينل منه حاجته.
وحاصل الأمر؛ أنه إذا حضر الطعام كان عذرًا في ترك صلاة الجماعة، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لا بد أن يكون له ميل إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم.
وعلى ذلك دلَّ تعليل ابن عباس والحسن وغيرهما، وكذلك ما ذكره البخاري عن أبي الدرداء. فأما إذا لم يكن له ميل بالكلية إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل على الصلاة.
وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة قبل الأكل، إلا أن يكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وهذا مذهب الشافعي، وقول ابن حبيب المالكي.
وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون الطعام خفيفًا، حكاه ابن المنذر، عن مالك.
وقالت طائفة: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون الطعام يخاف فساده لما في تأخيره من إفساد الطعام، وهذا قول وكيع، رواه الترمذي في جامعه عنه. وفي هذا القول بعدٌ، وهو مخالف ظاهر الأحاديث الكثيرة»(117) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
15 - النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة، والشرب فيهما.
فَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: «كَانَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه بِالْمَدَائِنِ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ(118) بِقَدَحِ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَانَا عَنِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَقَالَ: « هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ(119) » .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ أُتِيَ بِجَامٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ خَبِيصٌ(120) ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُوِّلَ عَلَى رَغِيفٍ ثُمَّ أَكَلَهُ»(121) .
قال الإمام النووي رحمه الله: «وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَإِنَاءِ الْفِضَّةِ، عَلَى الرَّجُلِ وَعَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحابُنا العِراقِيُّونَ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلا يَحْرُمُ، وَحَكَوْا عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ تَحْرِيمَ الشُّرْبِ وَجَوَازَ الْأَكْلِ وَسَائِرَ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهَذَانِ النَّقْلَانِ بَاطِلَانِ.
إلى أن قال: فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 63إِنَاءِ الذَّهَبِ وَإِنَاءِ الْفِضَّةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطَّهَارَةِ، وَالأَكْلِ بَمعلَقَةٍ مِنْ أَحَدِهِما، وَالتَّجَمُّر بِمَجْمَرَةٍ مِنْهُما، وَالبَوْل في الْإِنَاءِ مِنْهُمَا، وَجَمِيعِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ، وَمِنْهَا الْمُكْحُلَةُ وَالمِيلُ وَطَرفُ العالِيَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ الْإِنَاءُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَيَسْتَوِي في التَّحْريمِ الرَّجُلُ وَالمَرْأَةُ بِلاخِلافٍ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَاءِ الْوَرْدِ وَالْأَدْهَانِ مِنْ قَارُورَةٍ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالُوا: فَإِنِ ابْتُلِيَ بِطَعَامٍ فِي إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَيُخْرِج الطَّعَامَ إِلَى إِنَاءٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا وَيَأْكُلُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنَاءٌ آخَرُ، فَلْيَجْعَلْهُ عَلَى رَغِيفٍ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنِ ابْتُلِيَ بِالدُّهْنِ في القارُورَةِ فِضَّةٍ فَلْيَصُبَّهُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَصُبَّهُ مِنْ اليُسْرَى في اليَمينِ وَيَسْتَعْمِلْهُ.
ثم قال: وَأَمَّا اتِّخَاذُ هَذِهِ الْأَوَانِي مِنْ غيرِ اسْتِعمالٍ فَلِلشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهُ. وَالثَّانِي: كَرَاهَتُهُ، فَإِنْ كَرِهْنَاهُ اسْتَحَقَّ صَانِعُهُ الْأُجْرَةَ، وَوَجَبَ عَلى كاسِرِهِ أَرَشُ النَّقْصِ، وَإِلا فِلا، وَأَمَّا إِناءُ الزُّجاجِ النَّفيسِ فَلا يَحْرُمُ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا إِنَاءُ الْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَنَحْوِهَا، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَوَازُ اسْتِعْمَالِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حرمها. والله أعلم»(122) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «واختُلف في علة المنع: فقيل: إن ذلك يرجع إلى عينهما، ويؤيده قوله: هي لهم، وإنها لهم.
وقيل: لكونهما الأثمانَ وقيمَ المتلفات، فلو أبيح استعمالهما لجاز
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 64اتخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس فيجحف بهم، ومثَّله الغزالي بالحُكَّام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس، فلو مُنعوا التصرف لأخلَّ ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين حبسٌ لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس. ويرِدُ على هذا جوازُ الحلي للنساء من النقدين، ويمكن الانفصال عنه، وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية، وبه صرح أبو علي السنجي، وأبو محمد الجويني.
وقيل: علةُ التحريم السَّرفُ والخيلاءُ، أو كسرُ قلوب الفقراء، ويرِدُ عليه جوازُ استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذَّ، وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده.
وقيل: العلةُ في المنع التَّشبُّه بالأعاجم، وفي ذلك نظرٌ، لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرَّدُ التَّشبُّه لا يصل إلى ذلك.
واختُلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها، كما تقدم، والأشهر المنع، وهو قول الجمهور، ورخَّصت فيه طائفة، وهو مبنيٌّ على العلة في منع الاستعمال، ويتفرَّع على ذلك غرامة أَرْش ما أفسد منها، وجواز الاستئجار عليها»(123) .
16 - يجوز الأكل في آنية أهل الكتاب وصحائفهم، ما لم يُعلم فيها نجاسة فتُغسل.
فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْضَ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 65الْمُشْرِكِينَ، فَلَا نَمْتَنِعُ أَنْ نَأْكُلَ فِي آنِيَتِهِمْ، وَنَشْرَبَ فِي أَسْقِيَتِهِمْ»(124)
وفي رواية أخرى لحديث جابر: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ»(125) .
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَظْهَرُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَيَأْكُلُونَ فِي أَوْعِيَتِهِمْ، وَيَشْرَبُونَ فِي أَسْقِيَتِهِمْ»(126) .
وَعَنِ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّد بنِ سِيرِين، قَالَا: «كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجِيئُونَ بِالسَّمْنِ فِي ظُرُوفِهِمْ، فَيَشْرَبُهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ فَيَأْكُلُونَهُ وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ»(127) .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ: «أَنَّ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه اسْتَسْقَى، فَآتَاهُ دِهْقَانُ سَفَطِيَّةً فِيهَا خَمْرٌ فَغَسَلَهَا، وَشَرِبَ فِيهَا»(128) .
قال الإمام الخطابي رحمه الله، بعد أن ساق حديث جابر: «ظاهر هذا يبيح استعمال آنية المشركين على الإطلاق من غير غسل لها وتنظيف، وهذه الإباحة مقيدة بالشرط الذي هو مذكور في الحديث الذي يليه في هذا الباب».
ثم قال: «والأصل في هذا أنه إذا كان معلومًا من حال المشركين أنهم
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 66يطبخون في قدورهم لحم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمور، فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف، فأما مياههم وثيابهم فإنها على الطهارة، كمياه المسلمين وثيابهم، إلا أن يكونوا من قوم لا يتحاشون النجاسات، أو كان من عادتهم استعمال الأبوال في طهورهم، فإن استعمال ثيابهم غير جائز، إلا أن لا يعلم أنه لم يصبها شيء من النجاسات، والله أعلم»(129)
17 - يُنهى عن الأكل من الهدي، والنذر، وجزاء الصيد.
عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: «مَنِ اهْتَدَى هَدْيًا تَطَوُّعًا فَعَطِبَ نَحَرَهُ دُونَ الْحَرَمِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ»(130) .
وَعَنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قالَ: «لَا يُؤْكَلُ مِنَ النَّذْرِ، وَلَا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَلَا مِمَّا جُعِلَ لِلْمَسَاكِينِ»(131) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «لَا تَأْكُلْ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ»(132) .
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَا: «إِنْ أَكَلَ مِنْهُ - أي: هدى التطوع - غَرِمَ»(133) .
تَنْبِيه
في الأكل من النذر، وطعام الهدي، خلافٌ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 67بين العلماء:
قال الإمام النووي رحمه الله: «(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الأَكْلِ مِنَ الضَّحِيَّةِ وَالهَدْيِ الْوَاجِبَيْنِ:
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ جُبْرَانًا، أَوْ مَنْذُورًا، وَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ: لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْوَاجِبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، وَبَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ دَمَ القِرانِ وَالتَّمَتُّعِ دَمُ نُسُكٍ لا جُبْرانٍ.
وَكَذا قالَ أَحْمَدُ: لا يَأْكُل مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْهَدَايَا، إلَّا مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَدَمِ التَّطَوُّعِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ مِنْ الْهَدَايَا كُلِّهَا إلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ وَنُسُكَ الْأَذَى وَالْمَنْذُورَ وَهَدْيَ التَّطَوُّعِ إذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ»(134) .
18 - يُنهى عن مداومة أكل اللحم.
فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ، فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ»(135) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَعَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه لِبَنِيهِ: «لَا تُدِيمُوا أَكْلَ اللَّحْمِ، وَلَا تَلَمَّظُوا بِالْمَاءِ الْعَذْبِ، وَلَا تُدِيمُوا لُبْسَ الْقَمِيصِ»(136) .
وَعَنْ أَبَي بكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: «إِيَّاكُمْ وَالْخَمْرَيْنِ؛ اللَّحْمَ، وَالنَّبِيذَ، فَإِنَّهُمَا مَفْسدَةٌ لِلْمَالِ، حُرْقَةٌ لِلدَّيْنِ»(137) .
وَعَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «يَا بَنِي تَمِيمٍ، لَا تُدِيمُوا أَكْلَ اللَّحْمِ، فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ»(138) .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وينبغي أن لا يداوم على أكل اللحم، فإنه يورث الأمراض الدموية والامتلائية، والحميات الحادة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر. ذكره مالك في الموطأ عنه. وقال أبقراط: لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان»(139) .
19 - ينهى عن عيب الطعام.
عَنْ حَنَشِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لَا يَكَادُ يَعِيبُ طَعَامًا، فَقَالَ غُلَامُهُ يَرْفَأُ أَوْ أَسْلَمُ: لَأَجْعَلَنَّهُ حَتَّى يَعِيبَهُ، فَجَعَلَ لَبَنًا حَامِضًا،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 69ثُمَّ قَرَّبَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُ فَقَطَّبَ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَطْيَبَ هَذَا مِنْ رِزْقِ اللهِ عز وجل»(140)
في هذا الأثر تعليم من عمر رضي الله عنه لمولاه ولغيره ألَّا يعيب الطعام مهما كان، إن كان حلالًا، لأنه من رزق الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن يحمله غضبه، أو عدم رضاه عن فعلٍ معيَّنٍ، على ذمِّه، والحطِّ من قدره، فهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان هدى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعيب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، ولم يَعِبْهُ.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ»(141) .
قال الإمام النووي رحمه الله: «هذا من آداب الطعام المتأكدة، وعيبُ الطعامِ كقوله مالحٌ، قليلُ الملحِ، حامضٌ، رقيقٌ، غليظٌ، غيرُ ناضجٍ، ونحوذلك، وأما حديث ترك أكل الضب فليس هو من عيب الطعام، إنما هو إخبارٌ بأن هذا الطعام الخاص لاأشتهيه»(142) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: «ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا، أي مباحًا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمُّه وينهى عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخِلقة كُره، وإن كان من جهة الصَّنعة لم يكره، قال: لأن صنعة الله لا تُعاب، وصنعة الآدميين تُعاب، قلت: والذي يظهر التعميم فإن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 70فيه كسر قلب الصانع،...، قوله: وإن كرهه تركه، يعني مثل ما وقع له في الضب، ووقع في رواية أبي يحيى: وإن لم يشتهه سكت، أي عن عيبه. قال ابن بطَّال: هذا من حسن الأدب؛ لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره، وكلٌّ مأذونٌ في أكله من قبل الشرع، ليس فيه عيب»(143)
20 - يستحب التعجيل بطعام الإفطار لمن كان صائمًا.
فَعَنْ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَعْجَلَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهَمْ سُحُورًا»(144) .
وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ: «أَنَّهُ كَانَ يُفْطِرُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ إِذَا أَمْسَى، بَعَثَ رَبِيبًا لَهُ يَصْعَدُ ظَهْرَ الدَّارِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَذَّنَ فَيَأْكُلَ وَنَأْكُلَ، فَإِذَا فَرَغَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَيَقُومَ يُصَلِّي، وَنُصَلِّيَ مَعَهُ»(145) .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «كَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يَكْتُبُ إِلَى أُمَرَائِهِ: لَا تَكُونُوا مِنَ الْمُسْرِفِينَ بِفِطْرِكُمْ، وَلَا تَنْتَظِرُوا بِصَلَاتِكُمُ اشْتِبَاكَ النُّجُومِ»(146) .
وَعَنْ ثَرْوَانَ بْنِ مِلْحَانَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِعَمَّارٍ رضي الله عنه: إِنَّ أَبَا مُوسَى رضي الله عنه، قَالَ: لَا تُفْطِرُوا حِينَ تَبْدُو الْكَوَاكِبُ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ»(147) .
وَعَنْ عَلْقَمَةَ،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 71قَالَ: «أُتِيَ عَبْدُ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه بِجَفْنَةٍ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا فَكُلُوا، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، حِينَ حَلَّ الطَّعَامُ لِآكِلٍ»(148)
وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَفْطَرَ عَلَى عِرْقٍ، وَإِنِّي أَرَى الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ»(149) .
وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَوَّارَةَ، قَالَ: «انْطَلَقْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، فَنَزَلْتُ مَعَهُ، فَكَانَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، نَزَلَ حُذَيْفَةُ وَأَصْحَابُهُ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُفْطِرَ»(150) .
وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، يَقُولُ لِابْنِ النَّبَّاحِ: غَرَبَتِ الشَّمْسُ؟ فَيَقُولُ: لَا تَعْجَلْ، فَيَقُولُ: غَرَبَتِ الشَّمْسُ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى»(151) .
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، قَالَ: «مِنْ أَخْلَاقِ النَّبِيِّينَ التَّبْكِيرُ فِي الْإِفْطَارِ، وَالْإِبْلَاغُ فِي السَّحُورِ، وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ»(152) .
فهذه الآثار جميعها تدل على مسألة واضحة وهي استحباب تعجيل الفطر
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 72لمن كان صائمًا، وعدم تأخير ذلك لوقت طويل دون سبب أو عذر، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ(153)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قوله: « لا يزال الناس بخير »، في حديث أبي هريرة: « لا يزال الدين ظاهرًا »، وظهور الدين مستلزِمٌ لدوام الخير. قوله: ما عجَّلوا الفطر، زاد أبو ذر في حديثه: « وأخروا السحور »، أخرجه أحمد. و(ما) ظرفية، أي مدة فعلهم ذلك امتثالًا للسنة، واقفين عند حدِّها، غير متنطِّعين بعقولهم ما يغيِّر قواعدها. زاد أبو هريرة في حديثه: « لأن اليهود والنصارى يؤخرون »، أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما، وتأخير أهل الكتاب له أمدٌ وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا بلفظ: « لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم »، وفيه بيان العلة في ذلك، قال المهلَّب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة، واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح. قال الشافعي في الأم: تعجيل الفطر مستحبٌ، ولا يُكره تأخيره إلا لمن تعمَّده، ورأى الفضل فيه، ومقتضاه أن التأخير لا يُكره مطلقًا، وهو كذلك، إذ لا يلزم من كون الشيء مستحبًا أن يكون نقيضه مكروهًا مطلقًا.
تنبيه: من البدع المنكرَة ما أُحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 73قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعمًا ممَّن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذِّنون إلا بعد الغروب بدرجة؛ لتمكين الوقت، زعموا، فأخَّروا الفطر، وعجَّلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قلَّ عنهم الخير، وكثر فيهم الشر، والله المستعان»(154)
21 - يجوز الجمع بين صنفَين من الطعام، يخلطهما ببعضهما.
عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه: «أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ فَكَانُوا إِذَا جَاءُوا بِلَوْنٍ خَلَطَهُ بِصَاحِبِهِ»(155) .
ظاهر الأثر هو خلط نوعَين من الطعام متناسقَين، وليس بينهما تعارض أو تضادّ، لأن ذلك يضر بالجسم وصحته، ويورث العلل.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خلط الأطعمة: «ومن تدبَّر أغذيته صلى الله عليه وسلم، وما كان يأكله، وجدَه لم يجمع قطُّ بين لبنٍ وسمكٍ، ولا بين لبنٍ وحامضٍ، ولا بين غذاءين حارَّين، ولا باردَين، ولا لزجَين، ولا قابضَين، ولا مُسهِّلَين، ولا غليظَين، ولا مُرخِيَين، ولا مستحيلَين إلى خلطٍ واحدٍ، ولا بين مختلفَين كقابضٍ ومسهِّلٍ، وسريعِ الهضمِ وبطيئِه، ولا بين شويٍ وطبيخٍ، ولا بين طريٍّ وقديدٍ، ولا بين لبنٍ وبيضٍ، ولا بين لحمٍ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 74ولبنٍ، ولم يكن يأكل طعامًا في وقت شدة حرارته، ولا طبيخًا بائتًا يسخَّن له بالغدِ، ولا شيئًا من الأطعمةِ العفنةِ والمالحةِ، كالكوامخِ، والمخلَّلاتِ، والملوحاتِ، وكلُّ هذه الأنواع ضارٌّ مُوَّلِدٌ لأنواعٍ من الخروج عن الصحة والاعتدال.
وكان يُصلح ضررَ بعض الأغذية ببعضٍ إذا وجد إليه سبيلًا، فيكسر حرارةَ هذا ببرودةِ هذا، ويبوسةَ هذا برطوبةِ هذا، كما فعل في القثَّاء والرطب، وكما كان يأكل التمرَ بالسمن، وهو الحيس، ويشرب نقيعَ التمر يلطِّف به كيموسات الأغذية الشديدة»(156) .
22 - يستحب أن يُترك الطعام الساخن حتى يذهب بخاره (أي: تذهب سخونته).
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما: «أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا ثَرَدَتْ غَطَّتْهُ شَيْئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرُهُ، ثُمَّ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ»(157) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَا يُؤْكَلُ طَعَامٌ حَتَّى يَذْهَبَ بُخَارُهُ»(158) .
وَعَنْ عُمَيْرِ بْنِ فَائِضٍ اللَّخْمِيِّ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه بِإِيلِيَاءَ قَاعِدًا، فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ تَفُورُ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: دَعُوهَا حَتَّى يَذْهَبَ بَعْضُ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما في هذه الآثار من النهي عن أكل الطعام الحار إنما هو مستفاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم من عدم أكله الحار، ونهيه عن ذلك، لما في ذلك من الضرر.
قال المناوي رحمه الله: «نهى عن الطعام الحار: أي عن أكله، حتى يبرد: أي يصير بين الحرارة والبرودة، والنهي للتنزيه، فإن تحقق أضراره له حرم»(160) .
وقال في موضع آخر: «نهى عن أكل الطعام الحار حتى يمكن أكله، بأن يبرد قليلًا، فيكره أكل شديد الحرارة، لأنه لا بركة فيه»(161) .
ولهذا جاء النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الطعام لتذهب حرارته، بل المطلوب الصبر حتى يبرد من تلقاء نفسه.
قال الشوكاني رحمه الله: «وكذا لا ينفخ في الإناء لتبريد الطعام الحار، بل يصبر إلى أن يبرد، كما تقدم، ولا يأكله حارًّا فإن البركة تذهب منه، وهو شراب أهل النار»(162) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثانيًا: آداب الشرب
1 - يستحب إذا شرب أن يتنفس في الإناء ثلاثًا.
فَعَنْ ثُمَامَةَ، قَالَ: «كَانَ أَنَسٌ رضي الله عنه إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا»(163) .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه جَالِسًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ زَمْزَمَ، قَالَ: فَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا، فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ، فَاحْمَدِ اللهَ عز وجل، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ، مِنْ زَمْزَم(164) »» .
والمقصود بالتنفس في الإناء هو التنفس خارجه، فلا يقتصر على نفَسٍ واحدٍ، بل يفصل بين الشُّربَين بنفسَين أو ثلاثة خارج الإناء، كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله(165) ، وجاء بيان الحكمة في ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ»(166) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأما النهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن التنفس في الإناء فمحمول على التنفس داخله.
قال الخطابي رحمه الله في بيان الحكمة من النهي عن التنفس في الإناء: «قد يحتمل أن يكون النهي عن ذلك من أجل ما يخاف أن يبدر من ريقه ورطوبة فيه فيقع في الماء، وقد تكون النَّكهة عن بعض من يشرب متغيرة فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته، فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه، وأن لا يتنفس فيه»(167) .
2 - يستحب في الشرب إذا كانوا جماعة البدأ بالأيمن فالأيمن.
فَعَنْ غَيْلَانَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «دُعِيَ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رضي الله عنه إِلَى وَلِيمَةٍ، فَأُتِيَ بِشَرَابٍ، فَنَاوَلَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ»(168) .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «أُتِيَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه بِشَرَابٍ وَهُوَ بِالْمَوْقِفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَ سَيِّدَ أَهْلِ الْيَمْنِ وَهُوَ عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا أَفْطَرْتَ، وَأَمَرْتَ أَصْحَابَكَ أَنْ يُفْطِرُوا»(169) .
تقديم الأيمن فالأيمن سنة ماضية عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن بطَّال رحمه الله: «قال المهلب: التَّيامن في الأكل والشرب وجميع الأشياء من السنن، وأصله ما أثنى الله به على أصحاب اليمين في الآخرة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 78التَّيامن استشعارًا منه لما شرف الله به أهل اليمين، ولئلا تكون أفعاله كلها إلا مرادًا بها ما عند الله، وليحتذي حكمة الله في أفعاله، فنبَّه أن سنة المناولة في الطعام والشراب مَن على اليمين. قال غيره: وما روي عن مالك أنه قال ذلك في الماء خاصة، فلا أعلم أحدًا قاله غيره، وحديث عائشة: أن النبي عليه السلام كان يحب التيامن في طهوره، وتنعُّله، وترجُّله، يعم الماء وجميع الأشياء»(170)
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: «من أدب المواكلة والمجالسة أن الرجل إذا أكل أو شرب ناول فضله الذي على يمينه كائنًا من كان، وإن كان مفضولًا وكان الذي على يساره فاضلًا»(171) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وقوله: الأيمن فالأيمن، أي يقدم مَن على يمين الشارب في الشرب، ثم الذي عن يمين الثاني، وهلمَّ جرَّا، وهذا مستحب عند الجمهور، وقال ابن حزم: يجب. إلى أن قال: وفي الحديث أن سنة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن، وأن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه، بل لمعنى في جهة اليمين، وهو فضلها على جهة اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحًا لمن هو على اليمين، بل هو ترجيح لجهته»(172) .
3 - اختلف السلف في الشرب من في السقاء، (أي من فمِ الإناء)، فأباحه بعضهم، ونهى عنه آخرون.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فممَّن رُوي عنه الإباحة: ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما.
فَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالشُّرْبِ مِنْ فِي الْإِدَاوَةِ»(173) .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه يَشْرَبُ مِنْ فَمِ الْإِدَاوَةِ»(174) .
وَعَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ يَشْرَبُ مِنْ فِي السِّقَاءِ»(175) .
وممَّن رُوي عنه النهي: أبو هريرة رضي الله عنه.
فَعَنْ عِكْرِمَةَ: «أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه سُئِلَ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فقال: يُنهى عنه»(176) .
تَنْبِيه:
رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الشرب من في السقاء، ورُوي عنه أنه شرب من في السقاء.
أما النهيُ: فرواه البخاري وغيره عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ(177) » .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأما شربُه من في السقاء: فقد رواه الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدته كبشة قالت: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ»(178) .
وعنده أيضًا عن عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَامَ إِلَى قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ فَخَنَثَهَا ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا»(179) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الجمع بين هذه الأحاديث: «قَالَ شَيْخُنَا(180) فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِعُذْرٍ، كَأَنْ تَكُونَ الْقِرْبَةُ مُعَلَّقَةً، وَلَمْ يَجِدِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الشُّرْبِ إِنَاءً مُتَيَسِّرًا، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّنَاوُلِ بِكَفِّهِ، فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ، وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّهْيِ.
قُلْتُ: - أي الحافظ ابن حجر -: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ كُلَّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَةَ كَانَتْ مُعَلَّقَةً، وَالشُّرْبُ مِنَ الْقِرْبَةِ الْمُعَلَّقَةِ أَخَصُّ مِنَ الشُّرْبِ مِنْ مُطْلَقِ الْقِرْبَةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي أَخْبَارِ الْجَوَازِ عَلَى الرُّخْصَةِ مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَحْدَهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ، أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى النَّسْخِ، وَاللهُ أعلم.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَقَد سَبَقَ ابنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى نَحْوِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَالِ ضَرُورَةٍ، إِمَّا عِنْدَ الْحَرْبِ، وَإِمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنَاءِ، أَوْ مَعَ وُجُودِهِ لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِشُغْلِهِ مِنَ التَّفْرِيغِ مِنَ السِّقَاءِ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرِبَ مِنَ إِدَاوَةٍ، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْقِرْبَةُ كَبِيرَةً، لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ وُجُودِ الْهَوَامِّ، كَذَا قَالَ، وَالْقِرْبَةُ الصَّغِيرَةُ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ شَيْءٍ مِنَ الْهَوَامِّ فِيهَا، وَالضَّرَرُ يَحْصُلُ بِهِ وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا، وَاللهُ أعلم»(181) .
4 - اختلف السَّلف في الشرب قائماً؛ فكرهه بعضهم، وأجازه الأكثر.
فممَّن رُويت عنه الكراهة: أنس بن مالك رضي الله عنه.
فَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا فَكَرِهَهُ»(182) .
وممَّن روي عنه الجواز: عمر وعثمان وعليّ وابن عمر وعائشة وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عن الجميع.
فَعَنْ مَالِكٍ: «أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا»(183) .
وَعَنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ»(184) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَعَنِ النَّزَّالِ، قَالَ: «أَتَى عَلِيٌّ رضي الله عنه عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ، فَشَرِبَ قَائِمًا. فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ»(185) .
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: «أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَائِشَةَ رضي الله عنهما، كَانَا لَا يَرَيَانِ بِالشُّرْبِ بَأْسًا وَهُمَا قَائِمَانِ»(186) .
وَعَنِ الْحُرِّ بْنِ صَبَّاحٍ، قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا تَرَى فِي الشُّرْبِ قَائِمًا؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي أَشْرَبُ وَأَنَا قَائِمٌ، وَآكُلُ وَأَنَا أَمْشِي»(187) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد أن ساق جملة من أحاديث النهي، وأحاديث الجواز، للشرب قائمًا: «وسلك العلماء في ذلك مسالك:
أحدها : الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم.
المسلك الثاني دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وابن شاهين، فقرَّرا على أن أحاديث النهي على تقدير ثبوتها منسوخة بأحاديث الجواز، بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز. وقد عكس ذلك ابن حزم فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي، متمسكًا بأن الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع، فمن ادعى
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 83الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كما سيأتي ذكره في هذا الباب من حديث ابن عباس، وإذا كان ذلك الأخير مِن فِعلِه صلى الله عليه وسلم، دلَّ على الجواز، ويتأيَّد بفعل الخلفاء الراشدين بعده.
المسلك الثالث : الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل، فقال أبو الفرج الثقفي في نصرِهِ الصِّحاحَ: والمراد بالقيام هنا المشي، يقال: قام في الأمر، إذا مشى فيه، وقمتُ في حاجتي، إذا سعيتُ فيها وقضيتُها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي مواظبًا بالمشي عليه. وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر: وهو حَملُ النهي على من لم يُسمِّ عند شربه، وهذا إن سلم له في بعض ألفاظ الأحاديث، لم يسلم له في بقيتها.
وسلك آخرون في الجمع : حَمْل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين.
قال الحافظ عن المسلك الأخير: وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرًا، فقال: إن ثبتت الكراهة حُملت على الإرشاد والتأديب، لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري، وأيَّده بأنه لو كان جائزًا ثم حرَّمه، أو كان حرامًا ثم جوَّزه، لبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانًا واضحًا، فلما تعارضت الأخبار بذلك، جَمَعْنا بينها بهذا.
وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب، مخافة وقوع ضررٍ به، فإن الشرب قاعدًا أمكن وأبعد من الشَّرَق، وحصول الوجع في الكبد أو الحلق، وكلُّ ذلك قد لا يأمن منه مَن شرب قائمًا»(188) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
5 - يُنهى عن الشرب من ثُلمة القدح، (أي: مكان الكسر فيه إذا كان مكسورًا)، أو مِن عندِ أُذُنه، (أي يده).
فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَا: «كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ، أَوْ مِنْ عِنْدِ أُذُنِ الْقَدَحِ»(189) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْرِ الْقَدَحِ أَوْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ».
وَعَنْهُ رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَرِهَ الشُّرْبَ مِنْ كَسْرِ الْقَدَحِ»(190) .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ قَالَ: «كَانُوا(191) يَكْرَهُونَ أَنْ يُشْرَبَ مِنَ الثُّلْمَةِ تَكُونُ فِي الْإِنَاءِ، أَوْ يَشْرَبُ مِنْ قِبَلِ أُذُنِهِ»(192) .
قال الخطابي رحمه الله: «إنما نُهي عن الشراب من ثلمة القدح؛ لأنه إذا شرب منها تصبب الماء وسال قطره على وجهه وثوبه، لأنَّ الثلمة لا تتماسك عليها شفَّة الشارب كما تتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح. وقد قيل: إنه مقعد الشيطان، فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك: أنَّ موضع
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 85الثلمة لا ينال التنظيف التام إذا غُسِل الإناء، فيكون شربه على غير نظافة، وذلك من فعل الشيطان وتسويله، وكذلك إذا خرج الماء فسال من الثلمة فأصاب وجهه وثوبه، فإنما هو من إعنات الشيطان وإيذائه إياه، والله أعلم»(193)
6 - يستحب عرضُ الشراب على مَن بحضرته، إذا كانوا جماعة.
فَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «أُتِيَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعودٍ رضي الله عنه بِشَرَابٍ، فَقَالَ: نَاوِلْ عَلْقَمَةَ، نَاوِلِ الْأَسْوَدَ»(194) .
وهذا من باب الأدب الرفيع مع الجلساء، والإكرام لهم، فإنه يقدمهم على نفسه.
7 - يباح الشرب في الطواف.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ فِي الطَّوَافِ»(195) .
ذكرتُ هذا الأمر لا على أنه من باب آداب الشرب، وإنما لبيان جوازه وعدم الحرج فيه، فقد يظن البعض أنه يكره له أن يشرب أثناء طوافه، لأن الطواف عبادة، فيجب أن تُنزَّه عن الطعام والشراب، فجاء مثل هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه لبيان أن الشرب في الطواف لا يضر العبادة، ولا يخلُّ بصحتها، خاصة إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، وإن شاء الإنسان أن يتورع عن ذلك فله ذلك، ولكن لا يعتقد كراهة هذا الفعل ممن فعله، أو أنه لا بد من الإنكار عليه بسببه.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
8 - يباح للرجل الشرب من سؤر المرأة، (أي: فضلةِ شرابها).
فَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِفَضْلِ شَرَابِ الْمَرْأَةِ، وَلَا بِفَضْلِ وَضُوئِهَا، وَيَقُولُ: هِيَ أَنْظَفُ ثِيَابًا وَأَطْيَبُ رِيحًا»(196) .
والمرأة هنا تشمل الحائض وغير الحائض، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشرب من فضل زوجته الحائض، ولا يَكره ذلك، ولا يستقذره، فالمرأة غير الحائض من باب أولى.
روى مسلم في صحيحه، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ»(197) .
وهذا الأمر لبيان جواز مثل هذا الفعل، وأنه لا حرج فيه، لأنه قد يظن البعض أنه المرأة وخاصة الحائض ينبغي أن تجتنب، كما كان ذلك فعلُ اليهود، فلا تُآكل، ولا تُشارب، وتهجر، وهذا من العنت للمرأة، والاعتراض على أمر الله تعالى، فالله سبحانه هو الذي خلق هذه المرأة، وهو الذي ركّب فيها هذه الخاصية، وهو الحيض، فليس الأمر إليها، ولا بيدها، فمن جعل من هذا الأمر سببًا لاستقذار المرأة، وهجرها في طعامها وشرابها، فقد ضادّ الله تعالى في حكمته وشريعته، فليحذر المؤمن من ذلك.
ثالثًا: آداب الولائم والمأدبات
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
1 - يستحب إطعام الطعام للإخوان والضيفان، والفقراء والمساكين.
فَعَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «بَعَثَتِ امْرَأَةُ الْحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه إِلَيْهِ إِنَّا قَدْ صَنَعْنَا لَكَ مِنَ الطَّعَامِ طَيِّبًا، وَصَنَعْنَا لَكَ طِيبًا، فَانْظُرْ أَكْفَاءَكَ فَأْتِنَا بِهِمْ، فَدَخَلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَسْجِدَ فَجَمَعَ السُّؤَّالَ الَّذِينَ فِيهِ، وَالْمَسَاكِينَ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَيْهَا، فَأَتَاهَا جَوَارِيهَا فَقُلْنَ: قَدْ وَاللهِ جَلَبَ عَلَيْكِ الْمَسَاكِين، وَدَخَلَ الْحُسَيْنُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَعْزِمُ عَلَيْكِ بِمَا كَانَ لِي عَلَيْكِ مِنْ حَقٍّ أَنْ لا تَدَّخِرِي طَعَامًا وَلا طِيبًا، فَفَعَلْتُ، وَأَطْعَمَهُمْ، وَغَلَّفَهُمْ وَصَرَفَهُمْ»(198) .
وَعَنْ أَبي حِبْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه يَقُولُ: «وَاللهِ لأَنْ أُطْعِمَ أَخِي الْمُسْلِمِ لُقْمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، وَلأَنْ أَهِبَ لأَخِي دِرْهَمًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةٍ، وَلأَنْ أَهِبَ لأَخِي الْمُسْلِمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ أَحَبُّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَةً»(199) .
وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ بنِ الحُسَيْنِ رضي الله عنهم: «يَدْعُو نَفَراً مِنْ إِخْوانِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ فَيُطْعِمُهُمُ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ، وَيُطَيِّبُهُم، وَيُجَمِّرُهُم، وَيَرُوحُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ مَنْزِلِهِ»(200) .
وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُهُ شَبِعَ، فَأَقُولُ قَدْ شَبِعَ تَعْنِي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 88ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه فَلَمَّا رَأَيْتُهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ يَتِيمَانِ، صَنَعْتُ لَهُ شَيْئًا، فَدَعَاهُمَا، فَأَكَلَا مَعَهُ، فَلَمَّا نَامَا جِئْتُهُ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: ادْعُ فُلَانَةً، قُلْتُ: قَدْ نَامَا، وَقَدْ أَشْبَعْتُهُمَا، قَالَ: فَادْعِي لِي بَعْضَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَدُعِيَ لَهُ مَسَاكِينُ، فَأَكَلُوا مَعَهُ»(201)
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رضي الله عنه: «أَنَّهُ مَرَّ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى مَسَاكِينَ يَأْكُلُونَ كِسَرًا لَهُمْ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَدَعَوْهُ إِلَى طَعَامِهِمْ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]، ثُمَّ نَزَلَ فَأَكَلَ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُونِي، فَحَمَلَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَطْعَمَهُمْ وَكَسَاهُمْ وَصَرَفَهُمْ»(202) .
وَعَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ، قَالَ: «سَأَلْنَا سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ عَمَلٍ نَعْمَلُهُ، فَقَالَ: تُفْشِي السَّلَامَ، وَتُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتُصَلِّي وَالنَّاسُ نِيَامٌ»(203) .
فكلُّ هذه الآثار وغيرها، تدلُّ دلالة واضحة على حسن الصحابة الكرام، والآل الأبرار، للبذل والعطاء، والكرم والسخاء، وتقديم غيرهم على أنفسهم، ولو أدى ذلك إلى أن يبيت الواحد منهم طاويًا، وهذا خلق تعلموه من سيدهم وحبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان أكرم الناس يدًا، وأكثرهم بذلًا، حتى صدق فيه قول القائل:
| تَراهُ إذا ما جِئتَهُ مُتَهلِّلًا | كأنَّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ آمِلُه | |
| هو البحرُ من أيِّ النواحي أتيتَهُ | فلُجَّتُه المعروفُ والبرُّ ساحِلُه |
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| تعوَّدَ بسْطَ الكفِّ حتَّى لو أنَّه | أرادَ انقباضًا لم تُطِعْهُ أنامِلُه | |
| فلو لم يكُنْ في كفِّهِ غيرَ نفسِهِ | لجادَ بها فلْيَتَّقِ اللهَ سائِلُه |
2 - يستحب إهداء الطعام والتَّصدُّق به، لا سيما في أوقات المجاعة، وقلة الطعام.
فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: «أُهْدِيَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسُ شَاةٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي فُلانًا وَعِيَالَهُ أَحْوَجُ إِلَى هَذَا مِنِّي، فَبَعَثَ بِهَا وَاحِدٌ إِلَى آخَرَ، حَتَّى تَدَاوَلَهَا أَهْلُ سَبْعَةِ أبْيَاتٍ، حَتَّ رَجَعَتْ إِلَى الأَوَّلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩](204) .
3 - إذا قدَّم له أخوه طعامًا فليأكل منه، ولا يسأل عنه.
فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: «إِذَا دَخَلْتَ عَلَى رَجُلٍ لَا تَتَّهِمُهُ فِي بَطْنِهِ، فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ»(205) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «إِذَا أَطَعَمَكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ طَعَامًا فَكُلْ، وَإِذَا سَقَاكَ شَرَابًا، فَاشْرَبْ وَلَا تَسْأَلْ، فَإِنْ رَابَكَ فَاشْجُجْهُ بِالْمَاءِ»(206) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى رَاعٍ دَعَانَا لِطَعَامٍ، وَأَتَانَا بِنَبِيذٍ فَكَرِهْتُهُ، فَأَخَذَهُ عَلِيٌّ(207) فَشَرِبَهُ، وَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ»(208) .
في هذه الآثار جملةٌ من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم عند الاجتماع مع إخوانه، وأكله من طعامهم، فمن ذلك:
حسنُ الظن بالمسلم، وأنه لا يقدِّم لأخيه إلا ما كان حلالًا مباحًا، قال الإمام البيهقي رحمه الله: «وهذا إن صح فلأن الظاهر أن المسلم لا يطعمه، ولا يسقيه، إلا ما هو حلال عنده»(209) .
وكذلك لا ينبغي للمدعو أن يسأل عن حال هذا الطعام؛ هل هو حلال، أم حرام؟ لأن الأصل في المسلم استقامة الحال، وعدم التهمة في دينه وماله، ومن كان حاله كذلك، فأكله وشرابه حلال.
كما أن في السؤال عن حال الطعام والشراب كسرًا لقلب أخيك المسلم، فإنه سيفهم من هذا السؤال عدم الثقة به، وحمل حاله على الشبهة، وهذا أمر لا ينبغي.
4 - يجوز للمرأة أن تخدم أضيافها، فتٌقدِّم لهم الطعام ونحوه.
فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: «دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 91فِي عُرْسِهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ، وَهِيَ العَرُوسُ، قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَكَلَ، سَقَتْهُ إِيَّاهُ»(210)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمنِ الفتنة، ومراعاةِ ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل»(211) .
وقال الإمام النووي رحمه الله: «وفي هذا جواز تخصيصِ صاحبِ الطعام بعضَ الحاضرين بفاخرٍ من الطعام والشراب إذا لم يتأذَّ الباقون، لإيثارهم المخصَّص لعلمِه، أو صلاحِه، أو شرفِه، أو غير ذلك، كما كان الحاضرون هناك يؤثِرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُسَرّون بإكرامه، ويفرحون بما جرى»(212) .
5 - يستحب إجابة الدعوة، ويتأكد الأمر في إجابة الدعوة إلى الوليمة.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ»(213) .
وَعَنْ حُمَيْدِ بنِ نُعَيْمٍ: «أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ وَعُثْمانَ بنَ عَفَّانَ رضي الله عنهما دُعِيا إِلى طَعامٍ، فَأَجابا، فَلَمَّا خَرَجا، قالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ: قَدْ شَهِدْتُ طَعامًا وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَشْهَدْهُ. قالَ: وَما ذاكَ؟ قالَ: خَشِيتُ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 92أَنْ يَكونَ جُعِلَ مُباهاةً»(214)
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رضي الله عنه: «أَنَّهُ مَرَّ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى مَسَاكِينَ يَأْكُلُونَ كِسَرًا لَهُمْ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَدَعَوْهُ إِلَى طَعَامِهِمْ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]، ثُمَّ نَزَلَ فَأَكَلَ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُونِي، فَحَمَلَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَطْعَمَهُمْ وَكَسَاهُمْ وَصَرَفَهُمْ»(215) .
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لحديث: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا»: «فيه الأمر بحضورها، ولا خلاف في أنه مأمور به، ولكن هل هو أمر إيجاب أو ندب؟ فيه خلاف،...، وأما الأعذار التي يسقط بها وجوب إجابة الدعوة أو ندبها، فمنها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يُخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شرِّه، أو لطمعٍ في جاهه، أو ليعاونه على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من خمر، أو لهو، أو فرشِ حريرٍ، أو صورِ حيوانٍ غير مفروشة، أو آنية ذهب أو فضة، فكل هذه أعذارٌ في ترك الإجابة، ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه»(216) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قوله: فقد عصى الله ورسوله، هذا دليل وجوب الإجابة؛ لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب»(217) .
6 - من دُعي إلى طعامٍ وكان صائمًا فإن شاء قال: إني صائم، ودعا بالبركة لأصحاب الطعام، وإن شاء أفطر وأجاب الدعوة.
فَعَنْ ثَابِتٍ البُنانِيِّ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 93قَالَ: «أُتِيَ أَنَسٌ رضي الله عنه بِطَعَامٍ، فَقَالَ لِي: ادْنُ. فَقُلْتُ: لَا أَطْعَمُ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ لَا أَطْعَمُ، قُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»(218)
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبيعِيِّ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، فَدَعَا لِي بِشَرَابٍ، فَقَالَ: اشْرَبْ، فَقُلْتُ: لَا أُرِيدُ، قَالَ: أَصَائِمٌ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ مَسْعودٍ رضي الله عنه يَقُولُ: إِذَا عُرِضَ عَلَى أَحَدِكُمْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ»(219) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ أَنَا صَائِمٌ»(220) .
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «تَزَوَّجَ أَبِي فَدَعَا النَّاسَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنه فِيمَنْ دَعَا، فَجَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ صَائِمٌ فَصَلَّى، يَقُولُ: دَعَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ خَرَجَ»(221) .
وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: «آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنهما، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ؟ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 94فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ سَلْمَانُ»(222)
والشاهد من الخبر قول سلمان لأبي الدرداء: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ أبو الدرداء.
وَعَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: اطْعَمُوا، فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ، فَعَزَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُفْطِرُوا فَأَفْطَرُوا»(223) .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «أُتِيَ عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه بِشَرَابٍ وَهُوَ بِالْمَوْقِفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَ سَيِّدَ أَهْلِ الْيُمْنِ وَهُوَ عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا أَفْطَرْتَ، وَأَمَرْتَ أَصْحَابَكَ أَنْ يُفْطِرُوا»(224) .
والشاهد من هذه الآثار جميعها أن من دُعي إلى طعام وكان صائمًا، فهو بالخيار بين البقاء على صومه، مع الدعاء لصاحب الدعوة بالبركة، وإن شاء أجاب الدعوة وأفطر، وهذا بلا شك في صوم التطوع.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وكل هذا دالٌّ على ما لإجابة الدعوة من مكانة في الشريعة، وأن إجابتها من أعظم الأسباب في تطييب قلب المسلم، وحفظ مكانته.
قال الإمام النووي رحمه الله: «فليقل إني صائم محمولٌ على أنه يقول له اعتذارًا له وإعلامًا بحاله، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور، سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح وطالبه بالحضور، لزمه الحضور، وليس الصوم عذرًا في ترك إجابة الدعوة، ولكن إذا حضر لا يلزمه الأكل، ويكون الصوم عذرًا في ترك الأكل، بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا،...، وأما الأفضل للصائم؛ فقال أصحابنا: إن كان يشقُّ على صاحب الطعام صومه، استحب له الفطر، وإلا فلا»(225) .
7 - يجوز الأكل من بيوت الأقربين والأصدقاء بلا إذن، ما لم يكن الطعام في حرز(226) .
فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَلْهَانِيِّ قَالَ: «أَدْرَكْتُ السَّلَفَ، وَإِنَّهُمْ لَيَكُونُونَ فِي الْمَنْزِلِ الْوَاحِدِ بِأَهَالِيهِمْ، فَرُبَّمَا نَزَلَ عَلَى بَعْضِهُمُ الضَّيْفُ، وَقِدْرُ أَحَدِهِمْ عَلَى النَّارِ، فَيَأْخُذُهَا صَاحِبُ الضَّيْفِ لِضَيْفِهِ، فَيَفْقِدُ الْقِدْرَ صَاحِبُهَا فَيَقُولُ: مَنْ أَخَذَ الْقِدْرَ؟ فَيَقُولُ صَاحِبُ الضَّيْفِ: نَحْنُ أَخَذْنَاهَا لِضَيْفِنَا، فَيَقُولُ صَاحِبُ الْقِدْرِ: بَارَكَ اللهُ لَكُمْ فِيهَا، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. وقَدْ أدْرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ أبا أُمامَةَ، وعَبْدَ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، والمِقْدامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنهم»(227) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «كَانَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَبُو بَرْزَةَ رضي الله عنهما مُتَوَاخِيَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُما يَزُورُ الآخَرَ، فَإِذا صادَفَهُ فِي مَنْزِلِهِ الْتَقَيَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَالَ لَأَهْلِهِ: هَلْ عِنْدَكُمْ غَدَاءٌ فَنَأْكُلُ؟ وَكانَ الآخَرُ يَفْعَلُ بِصَاحِبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ»(228) .
وهذا من باب كمال الألفة بين الإخوة، وطيب المعشر، وسخاء النفس، فإنهم رضي الله عنهم كانوا لا يعُدُّون الواحدَ أخًا للآخر حتى يكون أخوه أحقَّ منه بما يملك.
فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا صَاحِبُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ بِأَحَقَّ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ»(229) .
قال الزمخشري رحمه الله: «يحكى عن الحسن البصري أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه، وقد استلوا سلالًا من تحت سريره، فيها الخبيص وأطايب الأطعمة، وهم مُكِبُّون عليها يأكلون، فتهلَّلت أسارير وجهه سرورًا، وضحك، وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم، يريد كبراء الصحابة ومَن لقيهم مِن البدريين رضي الله عنهم. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسَه، فيأخذ منه ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته، أعتقها سرورًا بذلك. وعن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما، قال: من عِظَمِ حُرمة الصديق أن جعله الله من الأُنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن»(230) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال ابن الجوزي رحمه الله: «إِنما أباح الأكل من بيوت القرابات المذكورين، لجريان العادة ببذل طعامهم لهم، فإن كان الطعام وراء حِرْزٍ، لم يجز هتك الحرز»(231) .
وقال ابن مفلح رحمه الله: «يُباح الأكل من بيت القريب والصديق من مالٍ غيرِ مُحرَزٍ عنه، إذا علم أو ظن رضا صاحبه بذلك، نظرًا إلى العادة والعرف، هذا هو المتوجه، وما يُذكر عن الإمام أحمد من الاستئذان، فمحمولٌ على الشك في رضا صاحبه أو على الورع»(232) .
8 - من دُعي إلى طعامٍ وكان هناك منكر، وجب عليه تغيير هذا المنكر، إن استطاع ذلك.
فَعَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «دَعَانِي أَبُو مَسْعُودٍ رضي الله عنه إِلَى طَعَامٍ، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ صُورَةً، فَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى كُسِرَتْ»(233) .
وَعَنِ سَالِمِ بنِ عُمَرَ قَالَ: «عَرَّسْتُ فِي عَهْدِ أَبِي رضي الله عنه، فَآذَنَ أَبِي النَّاسَ، وَكَانَ فِيمَنْ آذَنَ أَبُو أَيُّوبَ رضي الله عنه، وَقَدْ سَتَرْتُ بَيْتِي بِجُنَادِيٍّ أَخْضَرَ، فَجَاءَ أَبُو أَيُّوبَ فَدَخَلَ وَأَبِي قَائِمٌ يَنْظُرُ، فَإِذَا الْبَيْتُ سُتِرَ بِجُنَادِيٍّ أَخْضَرَ، فَقَالَ: أَيْ عَبْدَ اللهِ، تَسْتُرُونَ الْجُدُرَ؟ فَقَالَ أَبِي وَاسْتَحْيَى: غَلَبَنَا النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ، قَالَ: مَنْ أَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النِّسَاءُ، فَلَمْ أَخْشَ أَنْ يَغْلِبَنَّكَ، لَا أَطْعَمُ لَكَ طَعَامًا، وَلَا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 98أَدْخُلُ لَكَ بَيْتًا، ثُمَّ خَرَجَ»(234)
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أَنَّهُ أُتِيَ بِجَامٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ خَبِيصٌ(235) ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُوِّلَ عَلَى رَغِيفٍ ثُمَّ أَكَلَهُ»(236) .
والشاهد من أثر أنس رضي الله عنه أنه قلب الخبيص على الرغيف، لكي لا يأكل في إناء الفضة، وهذا كما قال بعض السلف: هذا نهيٌ في سكون(237) ، فرحم الله السلف، ما أفقههم.
وأما أثر أبي مسعود، وأبي أيوب، فمحمولٌ على الأخذ بالعزيمة في إنكار المنكر، خاصة إذا وقع المنكر من شخص ذي مكانة ينبغي ألا يقع من مثله، وأن يكون المنكِر ممن هو أهل للإنكار في علمه، وفقهه، ورفقه، ودرايته، وأن إنكاره لهذا المنكر لن يؤدي إلى ما هو أشد منكرًا منه، فحينها يجب الكفّ عن الإنكار، والاكتفاء بهجر مكان المنكر.
قال البغوي رحمه الله: «مَن دُعي إلى وليمة فيها شيء من المناكير، أو الملاهي، فإن الواجب أن لا يجيب، إلا أن يكون ممَّن لو حضر تُترك وتُرفع بحضوره، أو بنهيه»(238) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
9 - يستحب الانصراف بعد الطعام، إلا أن يُعلم إذن ربِّ البيت في القعود.
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: 53].
قال ابن عباس رضي الله عنه: «﴿وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾، أي: أكلْتُم، ﴿فَانتَشِرُوا﴾، أي: فاخرجوا»(239) .
وهذا أدب ينبغي التحلي به، لأنه دالٌّ على فقه في النفس، ومراعاة لأحوال الخلق، ومقابلة للمعروف بمثله، فلا يُقابَل صاحب الدعوة الذي تكلَّف عناء التحضير والإعداء للوليمة، بمثل هذا الثقل وعدم المبالاة من المدعويين، حتى لربما يضطر صاحب الدعوة التصريح بما يُستحى منه في مثل هذه المواقف.
قال ابن بطَّال رحمه الله في شرحه لحديث نزول آية الأحزاب: «وفيه من الفقه أن من أطال الجلوس في بيتِ غيرِه حتى أضرَّ بصاحب المنزل، أنه مباح له - أي صاحب المنزل - أن يقوم عنه، أو يخبره أن له حاجة إلى قيامه لكي يقوم، وليس ذلك من سوء الأدب»(240) .
قال القاسمي رحمه الله في تفسير الآية السابقة: «وهذا المنهيّ عنه لم يزل يرتكبه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 100ثقلاء القرويين ومن شاكلهم من غلظاء المدنيين، الذين لم يتأدَّبوا بآداب الكتاب الكريم والسنة المطهرة. وهو أنهم إذا دعوا لتناول طعامٍ يتعجلون المجيء قبل وقته بساعات، مما يغمّ نفس الداعي وأهله، ويُذهب لهم جانباً من عزيزِ وقتِهم عبثاً، إلا في سماع حديثهم البارد، وخدمتهم المستكرهة»(241)
10 - يستحب أن يبدأ بأضيافه قبل نفسه.
فَعَنْ عِيسَى بْنِ عَمِيلَةَ الْفَزَارِيِّ قَالَ: «أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه يَحْلِبُ غُنَيْمَةً لَهُ، فَيَبْدَأُ بِجِيرَانِهِ وَأَضْيَافِهِ قَبْلَ نَفْسِهِ»(242) .
وهو أدب رفيع، وفيه مدى كرم النفس مع المدعوِّين، وأن هذا الطعام خاص لهم دون غيرهم، ولو كان صاحب الدعوة نفسه، وليس هذا على إطلاقه، فإن من عادة بعض الأقوام ألا يبدأ الضيف بالأكل إلا بعد أن يبدأ صاحب الدعوة بذلك، وهو محمول على أنه ليس في الطعام ما يؤذي، أو أنه إِذنٌ لهم ببدء الطعام، فالعرف هو الحاكم في مثل هذه الأحوال.
11 - يستحب ألا يرفع الرجل يده من الطعام قبل أصحابه.
فَعَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «لُؤْمٌ بِالرَّجُلِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَصْحَابِهِ»(243) .
جاء في معنى اللؤم أنه: «ضِدُّ العِتْقِ والكَرَمِ. واللَّئِيمُ: الدَّنيءُ الأصلِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 101الشحيحُ النَّفْسِ»(244) والمعنى أن من فعل هذا الفعل مع أضيافه، فإنه دالُّ على بخله وشحّه، ومحبته لسرعة انتهائهم من الطعام، وفي ذلك من الحرج على المدعوّين ما لا يخفى.
12 - يقدم الطعام لأضيافه من غير قَسمٍ عليهم ليأكلوا.
فَعَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: «أَكَلْتُ فِي بَيْتِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ طَعَامًا، فَلَمَّا شَبِعْتُ أَخَذْتُ الْمِنْدِيلَ وَرَفَعْتُ يَدِي، فَقَالَ لِي مُحَمَّدٌ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: الطَّعَامُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ»(245) .
لأنه ينبغي أن يُجَلَّ اسم الله تعالى من أن يُذكر على مثل هذه الأمور، ويمكن أن يَعزِم عليه، وأن يدعوه إلى الطعام بغير الحلف، كأن يُلحَّ عليه بقوله: ائت، تخيَّر، كُلْ، تفضَّل، وإذا آنس من رفيقه الأكل نشَّطه بألفاظ، ولكنه لا يحلف عليه. ولا شك أن الشخص الغريب، أو الشخص الذي يأتيك لأول مرة على طعام، ربما يكون في نفسه شيءٌ من الحياء، ويحتاج منك إلى شيء من الإلحاح، أو شيء من التشجيع على الأكل، فهذا من الأدب مع الضيف، لكنه على أية حال لا يقسم، فهذا من الأمور السيئة المنتشرة بين الناس.
13 - يستحب أن يقدِّم ما لديه من طعام لأضيافه من غير تكلُّف.
فَعَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رضي الله عنه أَنَّه دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَدَعَا لَهُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 102اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَانَا، أَوْ لَوْلَا أَنَّا نُهِينَا أَنْ يَتَكَلَّفَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ، لَتَكَلَّفْنَا لَكَ»(246)
وَعَنْ جابِرٍ رضي الله عنه: أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ، وقَرَّبَ إلَيْهِ خُبْزًا وخَلًّا، ثُمَّ قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهانا عَنِ التَّكْلِفَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَتَكَلَّفْتُ لَكُمْ، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ»(247) .
وَعَنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: «هَلَاكُ الرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ مِنْ إَخْوانِهِ، فَيَحْتَقِرَ مَا فِي بَيْتِهِ أَنْ يُقَدِّمَهُ إِلَيْهِ، وَهَلاكُ الْقَوْمِ أَنْ يَحْتَقِروا مَا قُدِّمَ إِلَيْهِم»(248) .
فهذه الآثار في النهي عن التكلف محمولة على عدم القدرة على التكلف بأن يكون ليس عنده من الطعام إلا هذا الطعام، وليس معه مال ليشتري طعامًا، أما مع القدرة عليه فلا بأس به.
وقد عقد الإمام البيهقي في كتابه: شعب الإيمان، فصلاً بعنوان: فَصْلٌ فِي التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وذكر فيه العديد من الأخبار في جواز ذلك(249) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فهرس المراجع
الآثار، لأبى يوسف القاضي، الناشر: دار الكتب العلمية.
أحاديث معلَّة ظاهرها الصحة، لمقبل بن هادي الوادعي.
آداب الزفاف، لمحمد ناصر الدين الألباني، الناشر: دار السلام.
إرواء الغليل، لمحمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي.
الإسراف، دراسة فقهية مقارنة، لعبد الله بن محمد الطريقي.
إعلام الموقعين، لابن قيم الجوزية، الناشر: دار الكتب العلمية.
تاج العروس، لمحمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، الناشر: دار الهداية.
تاريخ بغداد، لأحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت.
تحريم آلات الطرب، لمحمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مؤسسة الريان.
تحقيق الرغبة في توضيح النخبة، لعبد الكريم بن عبد الله الخضير، الناشر: مكتبة دار المنهاج.
الترف وأثره في الدعاة والصالحين، لمحمد بن موسى الشريف، الناشر: دار الأندلس الجديدة.
تفسير الزمخشري، لمحمود بن عمر بن أحمد الزمخشري، الناشر: دار الكتاب العربي.
تفسير السَّعدي، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، الناشر: دار الرسالة.
تفسير القاسمي، لمحمد جمال الدين القاسمي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
تفسير القرآن العظيم، لإسماعيل بن عمر بن كثير، الناشر: دار الكتب العلمية.
تقريب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الناشر: دار الرشيد.
تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الناشر: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند.
تهذيب الكمال، ليوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، المشهور بالمزي، الناشر: دار الرسالة.
تهذيب اللغة، لمحمد بن أحمد الأزهري، الناشر: دار إحياء التراث العربي.
التواضع والخمول، لابن أبي الدنيا، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
جامع العلوم والحكم، لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، الناشر: دار السلام للنشر والتوزيع.
جلاء الأفهام، لابن قيم الجوزية.
الجواهر السليمانية شرح المنظومة البيقونية، لمصطفى بن إسماعيل السليماني، الناشر: دار الكيان.
حصول الطلب بسلوك الأدب، لمحمد موسى الشريف، الناشر: دار الأندلس الجديدة.
حلية الأولياء، لأحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصفهاني، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
رياض الصالحين، ليحيى بن شرف النووي، الناشر: المكتب الإسلامي.
زاد المسير في علم التفسير، لعبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، الناشر: دار الكتاب العربي.
الزهد والرقائق لعبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، الناشر: دار الكتب العلمية.
سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني، الناشر: دار المعارف.
سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني، الناشر: دار المعارف.
سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، الناشر: دار إحياء الكتب العربية.
سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، الناشر: المكتبة العصرية.
سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سورة، الناشر: دار الغرب الإسلامي.
سنن الدارقطني، لعلي بن أحمد بن النعمان الدارقطني، الناشر: دار الرسالة.
سنن النسائي، لأحمد بن شعيب بن علي الخرساني، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامي.
سير أعلام النبلاء، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، الناشر: مؤسسة الرسالة.
شرح العقيدة السفارينية، لمحمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار البصيرة.
شُعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الناشر: مكتبة الرشد.
صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، الناشر: دار طوق النجاة.
صحيح الجامع، لمحمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي.
صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري، الناشر: دار إحياء التراث العربي.
الطب النبوي، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، الناشر: دار ابن حزم.
طبقات ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع، الناشر: مكتبة العلوم والحكم.
علل ابن أبي حاتم، لعبد الرحمن بن محمد بن إدريس، الناشر: دار الحميضي.
فقه السنة، لسيد سابق، الناشر: دار الفتح الإسلامي.
القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، الناشر: مؤسسة الريان.
لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن علي بن منظور، الناشر: دار صادر.
المتحابون في الله، لابن قدامة المقدسي، الناشر: دار الطباع - دمشق.
مجموع فتاوى ابن تيمية، لأحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن القاسم.
مدارج السالكين، لابن قيم الجوزية، الناشر: دار الكتاب العربي.
المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم، الناشر: دار الكتب العلمية.
المسند، لأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الناشر: دار الرسالة.
المصباح المنير، لأحمد بن محمد بن علي الفيومي، الناشر: المكتبة العلمية.
مصنف ابن أبي شيبة، لعبد الله بن محمد بن إبراهيم العبسي، الناشر: دار الرشد.
مصنف عبد الرزاق، لعبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني، الناشر: المجلس العلمي بالهند.
معالم السنن، لحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي، الناشر: المطبعة العلمية - حلب.
المعجم الأوسط، لسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، الناشر: دار الحرمين.
المعجم الكبير، لسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، الناشر: مكتبة ابن تيمية.
مكارم الأخلاق، لعبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان، المعروف بابن أبي الدنيا، الناشر: مكتبة القرآن - القاهرة.
الموطأ، لمالك بن أنس، الناشر: المكتبة العلمية.
نزهة النظر، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الناشر: مطبعة الصباح.
نيل الأوطار، لمحمد بن علي الشوكاني، الناشر: دار الحديث.