حسن الجوار في تراث الآل والأصحابالصفحة المطبوعة 70
والشاهد قولها: «التَّذمُّم للجار»: والتذمُّم: يعني الاستنكاف والاستحياء، وتذمَّم لفلان: أي حفظ ذِمامه، أي: عهده وحرمته، وطرح عن نفسه ذمَّ الناس له؛ إن لم يحفظه(144) .
ولا يكون حفظ عهد الجار وحفظ حرمته إلا بالعفو عن هفواته وزلاته، والصبر على ما كان منه، فذلك أوقع في قلبه من مجرِّد كفِّ الأذى، وهو دليلٌ على حسن خلق رفيع، يوشك أن يؤتي ثماره.
ويروى أنّ رجلًا جاء إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال له: «إنَّ لي جاراً يُؤْذِينِي وَيَشْتُمُنِي وَيُضَيِّقُ عَلَيَّ، فَقالَ: اِذْهَبْ، فَإِنْ هُوَ عَصَى اللهَ فِيكَ، فَأَطِعِ اللهَ فِيهِ»(145) .
إنها دعوة صادقة من الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لتحمُّل أذى الجيران، وعدم مقابلة إساءاتهم بمثلها، وهذا هو معنى الصبر على أذى الجار.
وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ جَارًا لَهُ فَقَالَ: «إِنْكَ إِنْ سَبَبْتَ النَّاسَ سَبُّوكَ، وَإِنْ نَافَرْتَهُمْ نَافَرُوكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ، وَإِنْ فَرَرْتَ مِنْهُمْ أَدْرَكُوكَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ تُقَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِينَ أَلْفِ زِمَامٍ، كُلُّ زِمَامٍ بِسَبْعِينَ أَلْفِ مَلَكٍ»(146) .
وهذا من فقه ابن مسعود رضي الله عنه، فقد بيَّن للرجل أن معاملةَ الناس بمثل معاملتهم في السوء والشرِّ، طريقةٌ غير سديدة، وليست من الحكمة في شيء،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.