بذل الإخلاص في سيرة عمرو بن العاصالصفحة المطبوعة 357
القرن العاشر، وفيه يحيى هذا عاش حتى فتحت مصر، وكان مقرباً من عمرو ولم يذكر شيئاً عن مكتبة الإسكندرية، فحادثة المكتبة إذن من أوهام القفطي أخذها عن خرافة شائعة في عصره.
فمن جملة هذا العرض لآراء نخبة من الفئات في هذه المسألة يحق لنا أن نعتقد: أن كذب الحكاية أرجح من صدقها، وأنها موضوعة في القرن الذي كتبت فيه ولم تتصل بالأزمنة السابقة له بسند صحيح، أو ربما كانت مدسوسة على الرواة المتأخرين؛ للتشهير بالخليفة المسلم، وتسجيل التعصب الذميم عليه وعلى الإسلام.
وإذا كانت هذه الحكاية من تلفيق النيات السيئة فالمعقول ألا توضع قبل القرن السادس الهجري الذي تسربت فيه إلى الكتب المدونة، وهذا يفسر لنا كل غموض يستوقف النظر في الحكاية من جميع أطرافها.
لأن تلفيق هذه الحكاية يستلزم عناصر شتى لا تجتمع كلها في وقت واحد قبل القرن السادس للهجرة...
وقد يستلزم تلفيق الحكاية أن تكون مصر وأخبارها موضع اهتمام ومثار قيل وقال، ولم تكن مصر قبلة أنظار العالم كما كانت في أوقات الحروب الصليبية، يوم كانت هي ميدان الفصل ومناط الظفر والهزيمة بين جيوش الدنيا المحشودة فيها أو على أبوابها. وقد يستلزم كذلك أن يكون العصر عصر حَزَازَة بين الإسلام وخصومه كما كان عصر الحروب الصليبية وما قبله بقليل.