بذل الإخلاص في سيرة عمرو بن العاص
مبرة الآل والأصحاب
سلسلة سير الآل والأصحاب (17)
بذل الإخلاص
في سيرة
عمرو بن العاص
رضي الله عنه
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر
239,8 عبد الحق، وليد محمد سالم
بذل الإخلاص في سيرة عمرو بن العاص رضي الله عنه / وليد محمد سالم عبد الحق.
ط1- الكويت: مبرة الآل والأصحاب، 2013.
408 ص؛ 24 سم. (سيرة الآل والأصحاب؛ 17).
ردمك: 978-99966-64-17-5.
1. عمرو بن العاص 2. الصحابة والتابعون أ. العنوان.
رقم الإيداع: 234/2013
ردمك: 978-99966-64-17-5
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
1435هـ / 2014م
مبرة الآل والأصحاب
هاتف: 22560203 - 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
مبرة الآل والأصحاب
سلسلة سير الآل والأصحاب (17)
بذل الإخلاص
في سيرة
عمرو بن العاص
رضي الله عنه
عرض سيرة عمرو بن العاص رضي الله عنه ورد الشبهات المثارة حوله
وليد محمد سالم عبد الحق
مراجعة وتنقيح مركز البحوث والدراسات بالمبرة
بسم الله الرحمن الرحيم
فهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الموضوع | الصفحة |
|---|---|
| مقدمة المركز | 9 |
| شكر وتقدير | 13 |
| المقدمة | 15 |
| منهج البحث | 23 |
| التمهيد | 25 |
| المبحث الأول: مكانة الصحابة في الإسلام، ولمحة سريعة عن أصول عقيدة المسلم فيهم | 27 |
| مكانة الصحابة في الإسلام | 29 |
| لمحة سريعة عن أصول عقيدة المسلم في الصحابة رضي الله عنهم | 41 |
| المبحث الثاني: الفتنة التي حصلت بين الصحابة رضي الله عنهم | 53 |
| أساس الفتنة | 55 |
| ما تناقلته الألسن من كلام بعضهم في بعض إبّان الفتنة | 66 |
| موقف المسلم من الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم | 81 |
| الفصل الأول: ترجمة الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه | 91 |
| اسمه ونسبه | 93 |
| كنيته، ونشأته | 95 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| والده | 97 |
| والدته | 100 |
| إخوته لأبيه | 100 |
| إخوته لأمه | 102 |
| زوجاته | 104 |
| أولاده | 106 |
| إسلامه | 107 |
| صفاته | 110 |
| شجاعته | 111 |
| كفاءته وبصره بالحرب | 115 |
| دهاؤه | 118 |
| كرمه وورعه وصدقه | 123 |
| حلمه | 125 |
| مناقبه | 126 |
| أعماله | 128 |
| جهاده | 131 |
| عدله وأمانته | 134 |
| تواضعه | 136 |
| عبادته | 137 |
| أحاديثه | 137 |
| بلاغته وشِعره وحِكَمه وأمثاله | 139 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| تجارته وتركته | 152 |
| وفاته | 160 |
| الفصل الثاني: الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه | 165 |
| المبحث الأول: شبهات تتعلق بنسب عمرو بن العاص رضي الله عنه | 165 |
| مدخل | 165 |
| الشبهة الأولى: أن العاص بن وائل والد عمرو نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ | 171 |
| الشبهة الثانية: ما قيل في والدته بأنها كانت من صاحبات الرايات البغايا | 181 |
| المبحث الثاني: شبهات تتعلق بعدالته | 195 |
| الشبهة الأولى: وصفه بالغدر | 197 |
| الشبهة الثانية: اعترافه عند موته باتباع الهوى والركون إلى الدنيا | 228 |
| الشبهة الثالثة: الثروة التي خلفها بعد موته | 243 |
| المبحث الثالث: شبهات حول علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم | 251 |
| الشبهة الأولى: لعن النبي صلى الله عليه وسلم له حين هجاه | 253 |
| الشبهة الثانية: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه | 258 |
| الشبهة الثالثة: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اجتماع عمرو بمعاوية رضي الله عنهما، وأن اجتماعهما لا يأتي بخير | 267 |
| المبحث الرابع: شبهات حول علاقته بالصحابة رضي الله عنهم | 275 |
| الشبهة الأولى: تأليبه على قتل عثمان رضي الله عنه | 277 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الشبهة الثانية: ركونه إلى حزب معاوية رضي الله عنه طمعًا في الدنيا | 284 |
| الشبهة الثالثة: اتقاؤه عليًا رضي الله عنه بعورته أثناء المبارزة | 296 |
| الشبهة الرابعة: قتله وتحريقه لمحمد بن أبي بكر رضي الله عنه | 305 |
| المبحث الخامس: شبهات حول فتحه لمصر وحكمه لها، وعلاقته بأهلها عمومًا والأقباط خصوصًا | 313 |
| توطئة | 315 |
| المحور الأول: لمحة سريعة عن الأقباط من حيث أصلهم، ومسكنهم، وديانتهم | 315 |
| المحور الثاني: أسباب الفتح الإسلامي لمصر | 318 |
| الشبهة الأولى: الاستيلاء على أموال الأقباط | 319 |
| الشبهة الثانية: كتابته لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يصف أهل مصر بأوصاف غير لائقة | 340 |
| الشبهة الثالثة: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه أحرق مكتبة الإسكندرية | 348 |
| الشبهة الرابعة: تركه تحطيم (أبو الهول) والأهرام | 366 |
| الخاتمة | 379 |
| قائمة المصادر والمراجع | 383 |
| فهرس الآيات | 401 |
| فهرس الأحاديث | 404 |
| فهرس الآثار | 407 |
مقدمة المركز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد، فهذا هو كتاب (بذل الإخلاص) الذي يندرج ضمن السلسلة الرائدة (سير الآل والأصحاب) التي حملت المبرة على عاتقها بيانها للناس، وإيصالها لهم بأسلوب علمي رصين، يجمع بين سهولة الأسلوب، وجدية التناول، والتزام المنهج العلمي في البحث، مع لغة راقية بعيدة عن تبادل الاتهامات، وأجواء الشحن الطائفي، يأتي هذا الكتاب في إطار سياسة المبرة في التعاون العلمي مع الكفاءات البحثية خارج المبرة بما يصب في هدفها السامي: تاريخ الآل والأصحاب، وتصفيته من الشوائب التي كدَّرته، من قبل المستشرقين ومن دار في فلكهم من أعداء الإسلام، فضلاً عن تقديم صورة صافية نقية تبرز صورتهم الحقيقية للناس، وتصحح كثيراً من الأخطاء والمفاهيم التي شاعت بين أبناء المسلمين عنهم.
ومن بين شخصيات الصحابة التي طالها كثير من الظلم والإجحاف شخصية الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، مما جعل من المناسب إفراده بمصنفٍ يبدِّد ظلاماً ويحقُّ حقيقة، فقد افتُرى عليه كثير من الأقوال والمواقف والشبهات التي لا تثبت أمام النقد العلمي
PDF 10والتاريخي الموضوعي، مع قلة المصنفات التي تناولت تلك القضايا بالدراسة والتحليل.
والحق أن شخصية عمرو بن العاص رضي الله عنه مثيرة للاهتمام والدراسة فهو ذلك الحكيم الكبير – المعروف- جاهلية وإسلاماً- بحكمته البالغة، ورجاحة عقله، وبُعْد نظره، ثم هو ذلك المؤمن الصادق مسلم القلب – كما شهد له النبي – وهو ذلك القائد الباسل، المغوار الذي لا يشق له غبار، وهو الحاكم العادل، الذي فتح مصر – قلب الدنيا حينها – وحَكَمَها.
فإذا أضيف إلى ما سبق مشاركته في أحداث الفتنة بين الصحابة وبروز دوره فيها، مع بلوغ ذلك الدور ذروته في حادثة التحكيم المشهورة، فنحن أمام شخصية ثرية حافلة بالمناحي والزوايا، التي يجدر تحليلها ودراستها وفق منهج علمي منصف موضوعي، لا يغتر ببهرج التاريخ غير المحقق، ولا ينساق خلف الدعاوى العارية عن الدليل، ولا يهدر- في نفس الوقت – قيمة العقل، وقراءته للأحداث بعين التحليل والاستنباط.
لهذا كان ذلك الكتاب بين يديك الذي يتعرض للذب عن الصحابي الجليل (عمرو بن العاص رضي الله عنه) وبيان فضائله ومناقبه ومناقشة الشبهات المثارة حوله بأسلوب علمي دعوي هادئ، أفاد فيه الأخ الباحث وليد محمد سالم عبد الحق وأجاد، وبذل فيه جهداً
PDF 11طيباً يشكر عليه، ثم كان دور إخوانه في مركز البحوث والدراسات بالمناقشة والمشاورة، وإكساب العمل صبغة أعمال المبرة بمنهجيتها العلمية والفكرية الفريدة الرائدة.
هذا، وفي الختام فإن مبرة الآل والأصحاب تجدد رؤيتها، واستعدادها للتعاون مع كل الباحثين وطلبة العلم الجادين بما يصب في خطها العلمي الدعوي في الدفاع عن الآل والأصحاب.
محمد سالم الخضر
رئيس مركز البحوث والدراسات
شكر وتقدير
الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، له الحمد كما ينبغي لكمال وجهه وعظيم سلطانه. أحمده على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، وما بنا من نعمة فمن الله، ومن عد نعمة الله فلن يحصيها.
فلله الحمد والشكر على أن يسر لي كتابة هذا البحث، وأعانني على إتمامه، فله الحمد أولاً وآخراً؛ على توفيقه وتسديده، وأسأله سبحانه المزيد من فضله ونواله، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
ومن منطلق الهدي النبوي والأدب المحمدي «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ » - أخرجه أحمد في مسنده (13) رقم (7938)- أتوجه بالشكر لوالدَيَّ الكريمين اللذين لهما الفضل الكبير بعد الله عز وجل في طلبي للعلم وتحصيله والنظر فيه؛ فالله أسأل أن يحفظهما ويرعاهما ويقر عيني بهما في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأثني بالشكر لمركز البحوث والدراسات بمبرة الآل والأصحاب على مشاركته في عملي في هذا الكتاب، ابتداءً باقتراح فكرته، ثم الإشراف عليه، والتدقيق والمراجعة، والاستدراك على بعض مباحثه، وإبداء الملاحظات القيمة، حتى خرج على الوجه اللائق، والشكر
PDF 14موصول لإدارة المبرة لاهتمامهم بالكتاب ولقيامهم بطبعه ونشره.
كما أتوجه بالشكر لكل من علمني أو أرشدني أو نبهني على خطأ.
وأخيراً هذا جهد المقل؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأبى الله الكمال إلا لكتابه العزيز قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكرِ لَمَّا جَآءَهُم وَإِنَّهُ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ لَّا يَأتِيهِ البَٰطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلفِهِ تَنزِيلٞ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٖ﴾. سورة فصلت الآية (41-42).
وكتبه
وليد محمد سالم عبد الحق
wwwaled2010@hotmail.com
1/1/1435 ھ
بدولة الكويت حرسها الله
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ﴾(1) .
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُم رَقِيبٗا﴾(2) .
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَولٗا سَدِيدٗا يُصلِح لَكُم أَعمَٰلَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزًا عَظِيمًا﴾(3) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أما بعد:
فإن من الضروريات الخمس التي يجب على المسلم حفظها الدين الإسلامي، فسعادة المرء في الدنيا والآخرة بدينه، وبقدر ما يحافظ المرء على دينه يحصل له من العزة والكرامة.
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي(4) » .
بل شرف الأمة بشرف دينها، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»(5) . فلكي تبقى لنا كرامتنا وعزتنا وتبلغ أمتنا الإسلامية قمة مجدها وشرفها وسؤددها؛ كان لزاماً على كل مسلم أن يحافظ على دينه وأن يصون مبادئه، والحفاظ على الدين يكون بتطبيقه، وتخليصه مما ليس منه، وبالتصدي لكل ما يقدح فيه، أو ينقص منه.
وإن مما يقدح في الدين؛ القدح في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هم الواسطة بيننا وبين نبينا صلى الله عليه وسلم، فهم نقلة دينه وحملة أمانته، وعليهم المُعَوَّل في فهمه ودراية أحكامه، فلهم الفضل الأعظم على من جاء
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 17بعدهم من الأمة؛ ولذلك وجب شكرهم بالوفاء لجهودهم، والدفاع عن أعراضهم بشتى الوسائل والطرق، ومن أهم هذه الوسائل الكتابة، فالكتابة في هذا المجال ذات أهمية عظيمة؛ إذ هي تتعلق بأساسيات الدين القويم، فلذا أحببت أن تكون لي مشاركة في هذا الباب أدلو فيه بدلوي، باذلاً فيه جهدي؛ لعلي أبلغ بحبي لأولئك الأخيار بعض ما قصدت من الدفاع عنهم في بحث متواضع تدور مسائله حول الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه. ووسمته ب (بذل الإخلاص في سيرة عمرو بن العاص رضي الله عنه)
وقد تناولت فيه: - بعد التمهيد- ترجمته، وسيرته، والشبه المثارة حوله مقرونة بالرد عليها وتفنيدها، وبيان فسادها على أصول البحث العلمي المتجرد، سالكاً في ذلك المنهج الاستقرائي التحليلي المعروف، راجياً من الله أن يجعله لوجهه خالصاً، وللذنوب ممحصاً، ومن عذابه وغضبه مخلصاً، وأن ينفع به كاتبه، وقارئه، والناظر فيه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أسباب اختيار الموضوع:
ثمة أسباب عدة دفعتني لدراسة هذا الموضوع، ومن ذلك:
أولاً: أني لم أطلع على دراسة لهذا الموضوع أثناء كتابتي لهذا البحث.
ثانياً: ما رأيته من روايات ضعيفة؛ شوهت صورة ذلك العَلَم
PDF 18الكبير، وتلك الشخصية التاريخية الفذة وذلك بالنيل من ديانته، وسيرته، وحسن رأيه، مع أنه كان موضع ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو أحد عماله وأمرائه، ويكفيه فخراً وشرفاً أنّه صاحب تلك الشهادة الرفيعة الصادرة من المدرسة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وسلام وتحية: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ كما سيأتي في ثنايا البحث فكان مما يجدر بي دراسة هذه الروايات لتظهر لنا شخصيته الحقيقية، وليزول ماعلق في أذهان البعض من نظرة سيئة تجاهه؛ نتيجة تلك الروايات الضعيفة.
ثالثاً: أن دراسة هذا الموضوع يعتبر أصلاً أصيلاً من أصول الدين، وباباً عظيماً من أبوابه، لها أهمية عظيمة؛ إذ الصحابة هم حملة هذا الدين إلينا، والطعن فيهم طعنٌ في الدين، بل طعنٌ في من اصطفاهم لرسوله - ننزه الله عن ذلك -، ودراسة هذه الروايات وبيان زيفها تمنع الوقيعة في صحابة رسول الله لمن كان مستنده تلك الروايات.
رابعاً: أن الذب عن المسلمين كما هو معلوم من أجلِّ القربات، وأعظم الطاعات كما في حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها مرفوعاً «مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ(6) » . فكيف الشأن بمن يذب عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويدافع عن أعراضهم!.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الدراسات السابقة:
لقد اعتنى علماء الإسلام في القديم والحديث عناية كبيرة بالكتابة في شأن الصحابة من حيث ذكر فضائلهم، وواجبنا نحوهم، وذكر تراجمهم، وهذه الكتب منها ما هو مختص ومستقل بهم، ومنها ما هو مضمن في كتب ضمن مواضيع أخرى، وهذه المصنفات المستقلة منها ماهو في عموم الصحابة ككتاب فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل المتوفى سنة (241هـ)، وكتاب فضائل الصحابة للنسائي المتوفى سنة (303هـ)، ومنها ما هو خاص ببعض الصحابة ككتاب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه للعشاري المتوفى سنة (451هـ)، وكتاب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابن المغازلي المتوفى سنة (483 هـ).
ولست الآن في صدد ذكر الكتب التي صنفت في الصحابة عموماً، بل أريد ما كتب في الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه على وجه الخصوص، وبالأخص المؤلفات التي تناولت دراسة الروايات التي شوهت تاريخ وشخصية هذا الصحابي الجليل.
ولقد وجدت عدة كتب تناولت تاريخه في الجاهلية والإسلام منها كتاب:
1- عمرو بن العاص لعباس محمود العقاد:
ذكر في كتابه نشأة عمرو والتعريف به منذ مزاولته للتجارة قبل الإسلام إلى إمارته الثانية على مصر في زمن معاوية، فهو يحلل الآثار
PDF 20الواردة في أخبار عمرو؛ ليصل إلى معرفة طبيعة عمرو ونفسيته ثم يربط الوقائع والأحداث بتلك الطبيعة والنفسية، وقد أبدع في جانب التحليل، وتيقن إلى ما وصل إليه فتجده ربما يؤكد وقوع الحدث لمطابقته لطبيعته وإن ضعفه المؤرخون.
2- تاريخ عمرو بن العاص، د. حسن إبراهيم:
وهي رسالة تقدم بها إلى الجامعة المصرية كلية الآداب ونوقش فيها وفي غيرها من المسائل- سنة 1921 م – وحصل بها على درجة الدكتوراة في الآداب، واحتوى الكتاب على تاريخ عمرو من الولادة إلى الوفاة، وركز في كتابه على تحليل شخصية عمرو حيث يقول ص284: وقد امتاز عمرو بين قومه بمزايا عديدة ظهر أثرها في أعماله ظهوراً بيناً، وتجلت صورتها للناس كلما ذكر اسمه، فكانت ذات أثر كبير في أحوال الأمة الإسلامية: الدينية والسياسية والحربية والاجتماعية.
وبتحليل نفس عمرو يعرف المرء الصلة بين مواهبه وبين هذه الأحوال، تلك النفس التي حللناها فيما مررنا به من استقصاء أخباره وتتبع آثاره وذكر أقواله المأثورة وحكمه التالدة.
وامتاز كتابه بترجيح الخلاف الواقع بين المؤرخين؛ حيث يذكر الروايات المختلفة ويقارن بينها ثم يرجح بحسب ما تم التوصل إليه.
3- القائد المسلم والسفير الأمين للواء الركن محمود شيت خطاب:
اهتم في كتابه بالمجال العسكري وهو جانب عظيم ولا غرو، فهو اللواء الركن.
4- عمرو بن العاص القائد والسياسي، د. عبد الرحيم علي:
اهتم بجانب عمرو القيادي والسياسي، بل هو الدافع له لكتابة هذا الكتاب، كما نص عليه في المقدمة، فتجده يذكر الروايات ويحلل ويستنتج منها شخصية عمرو.
5- حياة عمرو بن العاص لمحمود شلبي:
أسلوب قصصي جميل ذكر مناقبه وحروبه والفتوحات التي شارك فيها، وما حصل له من الولايات، ثم انضمامه إلى صف معاوية حينما حصل الخلاف بينه وبين علي رضي الله عنهم، وختم بوفاته.
6- مشاهير العرب (عمرو بن العاص فاتح مصر)، لعبد السلام العشري:
أسلوب قصصي جميل، بدأ كتابه بحلف الفضول ثم إرساله للحبشة من قبل قريش؛ لمقابلة النجاشي ليرجع إليهم من هاجر إليه من المسلمين، وبعدها إسلامه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله على سرية ذات السلاسل وأرسله إلى ملك البحرين ليعرض عليه الإسلام، وذكر بعدها فتوحات الشام وفتح مصر في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنه، ثم انضمامه إلى صف معاوية حينما حصل الخلاف بينه وبين علي رضي الله عنهم، وختم بوفاته.
وجميع الكتب المتقدمة جميلة ومفيدة، وكما يقال: لا يخلو كتاب
PDF 22من فائدة، لكن لعدم الاعتناء بصحة الرواية في بعض ما تقدم، ولعدم التدقيق في البعض الآخر، شملت هذه الكتب على بعض الروايات التي فيها لمز لهذا الصحابي الجليل، أو وصْفه بأشياء لا تتناسب مع مجتمعات الصحابة(7)
وينبغي لمن أراد أن يدرس شخصية صحابي من خلال ذكر الروايات؛ أن يحلل تلك الروايات بما يتناسب مع مجتمعهم لا بواقعنا ومجتمعنا.
وأفضل من رأيت اعتنى في كتابة تاريخ هذا الصحابي الجليل بذكر الرواية الصحيحة، والتنبيه على الرواية الضعيفة التي شوهت تاريخه هو كتاب:
7- عمرو بن العاص الأمير المجاهد للدكتور منير محمد الغضبان:
إلا أن موضوع الكتاب لا يتناسب معه جمع الروايات الضعيفة ودراستها لأن هدف صاحب الكتاب هو عرض الصورة التاريخية الصحيحة لهذا الصحابي الجليل، ولم أرى أثناء كتابتي لهذا البحث من تناول الجزئية التي أردتها وهي دراسة هذه الروايات الضعيفة دراسة تحليلية إلا بعد انتهائي من كتابة هذا البحث، فقد أوقفت على كتاب درء الانتقاص عن عمرو بن العاص لمحمد كمال(8) وهو كتاب مفيد،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 23إلا أنَّ بحثي أوسع من حيث إيراد الشبه والرد عليها، كما أني جعلت- قبل إيراد الشبه والرد عليها- تمهيداً ذكرت فيه مكانة الصحابة في الإسلام، و لمحة سريعة عن أصول عقيدة المسلم فيهم، وذكرت الفتنة التي وقعت في عهد الصحابة، وموقف المسلم منها، ثم ذكرت في الفصل الأول ترجمة مختصرة لعمرو بن العاص رضي الله عنه؛ لأظهر فيها شخصيته الحقيقية ولتكون مع التمهيد للقارئ؛ تأصيلاً لدحر الشبه من حيث الجملة، قبل الدخول للفصل الثاني(حيث الرد على الشبه المثارة حوله بالتفصيل).
منهج البحث
وقد سلكت في هذا البحث النهج التالي:
1- ذكر ترجمة مختصرة للصحابي الجليل مدار البحث، موثقة من المصادر المعتمدة.
2- ذكر الشبهات المثارة حول الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه وتوثيقها -غالبا- والرد عليها.
3- نقض هذه الشبهات من خلال المنهج التالي:
أ- دراسة سند الرواية والحكم عليه صحة وضعفاً، مع توثيق ذلك بكلام الأئمة.
ب- النظر في متن الرواية ( من حيث الصحة وعدمها)، من خلال وجوه النقد التالية:
دلالة بعض ألفاظ المتن على
بطلانه. النقد التاريخي.
3- المقارنة بين بعض الروايات، وإظهار التناقض بينها - إن وجد- مما يؤدي إلى إسقاطها.
د- توجيه الرواية في حالة صحة سندها أو على افتراض صحة السند إن أمكن.
4- بيان موقف المسلم من الخطأ الصادر من الصحابي على افتراض صحة الرواية.
التمهيد
المبحث الأول: مكانة الصحابة في الإسلام، ولمحة سريعة
عن أصول عقيدة المسلم فيهم.
المبحث الثاني: الفتنة التي وقعت بين الصحابة.
المبحث الأول: مكانة الصحابة في الإسلام، ولمحة سريعة عن أصول عقيدة المسلم فيهم
مكانة الصحابة رضي الله عنهم
لمحة سريعة عن أصول عقيدة المسلم في الصحابة رضي الله عنهم
مكانة الصحابة في الإسلام
إن الله سبحانه وتعالى اصطفى لهداية الأنام رسله الطيبين الطاهرين الكرام؛ ليكونوا على خير هدى ووئام، وختمهم بحبيبه وخليله سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، فنصره وأيده فله الفضل والإنعام، واصطفى له خير الناس من بعده لصحبته فآمنوا به وأيدوه ونصروه على الدوام.
قال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخدَعُوكَ فَإِنَّ حَسبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصرِهِ وَبِالمُؤمِنِينَ﴾(9) ذكر الطبري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه، والثوري في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ الحَمدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصطَفَىٰٓ(10) ﴾ .
بأن المراد به: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الطبري: «اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدِّين الذي بعثه بالدعاء إليه دون المشركين به، الجاحدين نبوّة نبيه»(11) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فكانوا الرعيل الأول، الذين حازوا قصب السبق في الدين، ونالوا شرف الصحبة الذي لا يعادله شرف.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ»(12) .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : «من كان منكم متأسياً فليتأسّ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوماً اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم»(13) .
وللصحابة مكانة عظيمة في الإسلام بينها الله في كتابه وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته؛ ليعرفوا لهم قدرهم وليتأسوا بهم، وقد أثنى الله سبحانه عليهم بما لم يثنه على أمة من الأمم سواهم في آيات كثيرة منها
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 31قوله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَٰجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسرَةِ مِن بَعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنهُم ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم إِنَّهُ بِهِم رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾(14)
وقوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَو ءَامَنَ أَهلُ الكِتَٰبِ لَكَانَ خَيرٗا لَّهُم مِّنهُمُ المُؤمِنُونَ وَأَكثَرُهُمُ الفَٰسِقُونَ﴾(15) .
ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّٰبِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَٰجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحسَٰنٖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضُواْ عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّٰتٖ تَجرِي تَحتَهَا الأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗا ذَٰلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾(16) .
ومنها قوله تعالى:﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُٓ أَشِدَّآءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَينَهُم تَرَىٰهُم رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبتَغُونَ فَضلٗا مِّنَ اللَّهِ وَرِضوَٰنٗا سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِّن أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُم فِي التَّورَىٰةِ وَمَثَلُهُم فِي الإِنجِيلِ كَزَرعٍ أَخرَجَ شَطَٔهُ فََٔازَرَهُ فَاستَغلَظَ فَاستَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ مِنهُم مَّغفِرَةٗ وَأَجرًا عَظِيمَا﴾(17) .
وقوله تعالى: ﴿لِلفُقَرَآءِ المُهَٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 32وَأَموَٰلِهِم يَبتَغُونَ فَضلٗا مِّنَ اللَّهِ وَرِضوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ الصَّٰدِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالإِيمَٰنَ مِن قَبلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٞ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ﴾(18)
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُم أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرضِ لَا يَستَوِي مِنكُم مَّن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَٰتَلَ أُوْلَٰٓئِكَ أَعظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعدُ وَقَٰتَلُواْ وَكُلّٗا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٞ﴾(19) .
في هذه الآية بشارة لجميع الصحابة المتقدمين السابقين، والمتأخرين اللاحقين، وإن كانوا متفاوتين في الدرجات والفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل؛ إلا أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم والوعد بالجنة(20) .
وأما بيانه صلى الله عليه وسلم لذلك ففي أحاديث كثيرة، منها: ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ(21) » .
وعنه رضي الله عنه قال: قال
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 33رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ(22) مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ(23)
وعن أبي بردة عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ(24) » .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»(25) .
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(26) » .
قال ابن القيم: «قال الشافعي: وقد أثنى الله على الصحابة في التوراة والإنجيل والقرآن، وسبق لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم».
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: «لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام، نظر إليهم رجل من أهل الكتاب، فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير، وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً من هؤلاء، وقد شهد لهم الصادق المصدوق الذي لاينطق عن الهوى بأنهم خير القرون على الإطلاق، كما شهد لهم ربهم تبارك وتعالى بأنهم خير الأمم على الإطلاق»(27) .
كيف لا يكونوا خير الأمم ومعلمهم ومؤدبهم أفضل الخلق وسيد ولد آدم محمد صلوات ربي وسلامه عليه، تعلموا منه الأدب والعلم والعمل والتضحية لأجل الدين، وتفرقوا بعد موته في الأمصار؛ ليبلغوا دين الله، وليفقهوا الناس في دينهم.
قال ابن القيم : «والعلم إنما انتشر في الآفاق عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين فتحوا البلاد بالجهاد، والقلوب بالعلم والقرآن، فملئوا الدنيا خيراً وعلماً، والناس اليوم في بقايا آثار علمهم.
قال الشافعي في رسالته وقد ذكر الصحابة فعظمهم وأثنى عليهم ثم قال: وهم فوقنا في كل علم، واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر اُسْتُدْرِكَ به علم]واُسْتُنْبِطَ به] وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا، ومن أدركنا ممن أدركنا ممن نرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم؛ إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وكذلك
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 36نقول ولم نخرج من أقاويلهم كلهم... وعلماؤهم وتلاميذهم، هم الذين ملئوا الأرض علماً. فعلماء الإسلام كلهم تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم، وهلم جرا، وهؤلاء الأئمة الأربعة الذين طبق علمهم الأرض شرقاً وغرباً، هم تلاميذ تلاميذهم، وخيار ما عندهم ما كان عن الصحابة، وخيار الفقه ما كان عنهم، وأصح التفسير ما أخذ عنهم. وأما كلامهم في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وقضائه وقدره ففي أعلى المراتب، فمن وقف عليه وعرف ما قالته الأنبياء عرف أنه مشتق منه مترجم عنه، وكل علم نافع في الأمة فهو مستنبط من كلامهم ومأخوذ عنهم... وهذه تآليف أئمة الإسلام التي لا يحصيها إلا الله، وكلهم من أولهم إلى آخرهم يقر للصحابة بالعلم والفضل، ويعترف بأن علمه بالنسبة إلى علومهم كعلومهم بالنسبة إلى علم نبيهم»(28)
قال عطاء بن أبي رباح : «ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن عباس رضي الله عنه، أكثر فقهاً ولا أعظم جفنة، أصحاب القرآن عنده يسألونه، وأصحاب العربية عنده يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، فكلهم يصدر في رأي واسع»(29) .
وعن نافع قال: «كان عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس يجلسان للناس عند قدوم الحاج. قال: كنت أجلس إلى هذا يوماً، وإلى
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 37هذا يوماً، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما يسأل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يفتي»(30)
وقال مالك : «قد أقام ابن عمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستين سنة، يفتي الناس في الموسم وغير ذلك، وكان من أئمة الدين»(31) .
قال وكيع عن هشام بن عروة، قال: «رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد- يعني المسجد النبوي- يؤخذ عنه»(32) .
فالصحابة خير جيل أنجبته الرسالات السماوية، فهم مصابيح الهدى في كل عصر، وقدوة الشعوب في كل جيل، وأئمة الناس في كل ما يصلح شؤونهم من دين ودنيا، وعلم وحكمة، وأدب وفضيلة، وبذل وفداء، كانوا ليوث غابة وغيوث سحابة، لا يريدون من الدنيا إلا مقدار ما يبلغهم الآخرة؛ لذا لم يرغبوا فيها، فكتبت لهم السعادة، ولم يتظاهروا بأعمالهم فخلَّدها لهم التاريخ، ولم يلتفتوا إلى بقاء ذِكْرِهِمْ فحفِظَه لهم الخلف. إن سيرهم لتقرع الأسماع، وتجتذب الأنظار، وتحرك أوتار القلوب، وتستثير الألسنة الصامتة، وتحرك القلوب
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 38الراقدة، نسرد أحاديثهم لنستلهم منها الدروس والعبر. إن كل موقف وحدث يصوغ فن الموعظة، وصنوف الحكم، بل لايزال أثره جديداً كلما عاود القلب النابض تأمُّلَه(33)
روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال- موضحاً دور الصحابة رضي الله عنهم، وجهادهم في نشر الإسلام وإرساء دعائمه-: «إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خص نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بصحابة، آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم في كتابه، فقال: رحماء بينهم. فقاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه وأسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل الله بهم الشرك، وأزال رؤوسه، ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بَعْدُ فيها»(34) .
فإذا كان ابن عباس رضي الله عنه وهو من هو بين الصحابة رضي الله عنهم ينظر إليهم بعين الإجلال هذه، ويحتفظ لهم في قلبه بهذه المنزلة الرفيعة، فما أحرانا نحن بأن نحترمهم ونتولاهم ونتقرب إلى الله بحبهم(35) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وها هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقارناً بينهم وبين من خذله فيقول: «لقد رأيت أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم. إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب»(36) .
ويقول أيضاً في حقهم آسفاً على ذهابهم: «أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح(37) إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وصفاً صفاً، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يُعزون عن الموتى، مُرْهُ(38) العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 40السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين. أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم، ونَعُضَّ الأيدي على فراقهم»(39)
«هذه هي منزلة الصحابة- رضي الله عنهم - عند علماء الأمة، وهي هبة من الله وفضل حباهم به وأصفاهم له، ووفقهم لمنازلة أسبابه وتعاطي دواعيه من متابعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وإيمانهم به، وجهادهم معه وبذلهم النفوس والأموال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولا شك أن العلماء حينما يُجلون ويُعَظمون كل من صح أن يطلق عليه اسم الصحبة؛ إنما يكونون بذلك قد اقتدوا بالصحابة أنفسهم، فإنهم كانوا يرون أن للصحبة فضلاً لا يعادله فضل»(40) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لمحة سريعة عن أصول عقيدة المسلم في الصحابة رضي الله عنهم
يتضح لنا أخي الكريم مما تقدم أصول وأمور لا بد أن نجعلها نصب أعيننا، ونعلم أنها من عقيدتنا.
أولاً: حب الصحابة كلهم والترضي عنهم؛ لأمور عدة:
الأمر الأول: أن هؤلاء القوم اصطفاهم الله اصطفاءً ربانياً؛ لصحبة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فجمع الله الطيب مع الطيب، فهذا اصطفاء رباني يوجب لهم الحب رضي الله عنهم وأرضاهم.
الأمر الثاني: أن الله شرفهم بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنيئاً لقوم رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم رؤية واحدة ولو لحظة؛ ولهذا فإن فضل الصحبة لا يوازيه فضل.
الأمر الثالث: نصرتهم لدين الله تعالى: فهؤلاء القوم كان لهم من السابقة العظيمة الفريدة في نصر دين الله تعالى، والتفاني في الدفاع عنه ﴿وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وسبحان الله!! كم بذلوا- من الغالي والنفيس- في نصرة دينه وقتال أعدائه، سواء في قتال الكفار والمرتدين في ساحة المعارك، أو في مجال العلم ونفي الشبه عنه، فقد قدموا نفوسهم رخيصة في سبيل الله، حتى قال الصحابي الجليل خبيب رضي الله عنه:
| وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا | عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي |
|---|---|
| وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ | يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ(41) ( 41 ) |
فهذه صورة مصغرة عن هوان أنفسهم في سبيل الله واسترخاصها في طلب مرضاته. فإذا كانت النفوس في ذات الله فإنها تهون، فرضي الله عنهم كم قدموا أنفسهم، وبذلوا من أموالهم، وإن نسيت فلا أنسى تلك الصورة الحية من التضحية، والتي قام بها عبد الله بن حرام رضي الله عنه في غزوة أحد حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنه جابر: أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَٰتَا﴾ الآية(42) وكل ذلك منه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 43محبة في نصر دين الله تعالى وإعلاء كلمته.
الأمر الرابع: صبرهم على أذى المشركين، ولقد صبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين صبراً عجيباً، وكم حصل لهم من الأذى، رضي الله عنهم وأرضاهم.
الأمر الخامس: هجرهم لأوطانهم: فلقد تركوا بيوتهم وأموالهم، وتركوا عشائرهم لأجل هذا الدين، رضي الله عنهم وأرضاهم، وبعد ذلك كتب الله لهم الأجر العظيم.
الأمر السادس: تقديمهم حب الله ورسوله على كل شيء، أليس قد قيل لزيد بن الدَّثِنَة رضي الله عنه وأرضاه لما ربط للقتل:( يَا زَيْدُ، أُنْشِدُكَ اللَّهَ، أَتُحِبُّ أَنَّكَ الْآنَ فِي أَهْلِكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا مَكَانَكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لاَ وَاللَّهِ، مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا يُشَاكُ فِي مَكَانِهِ بِشَوْكَةٍ تُؤْذِيهِ وَأَنِّي جَالِسٌ فِي أَهْلِي) قال أبو سفيان: والله ما رأيت من قوم قط أشد حباً لصاحبهم من أصحاب محمد له(43) . فدل على أنهم يفدونه صلى الله عليه وسلم بدمائهم وأرواحهم من عظيم حبهم له.
الأمر السابع: سابقتهم للإسلام، والله سبحانه وتعالى قد أثنى عليهم في غير ما آية لسبقهم للإسلام، وكلما كان الإنسان أسبق للخير كان في الرتبة أعلى.
الأمر الثامن:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 44تبليغ دين الله على أيديهم(44) فهم الواسطة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أمته، فمنهم تلقت الأمة عنه الشريعة(45)
الأمر التاسع: أنهم نشروا الفضائل بين هذه الأمة من الصدق والنصح والأخلاق والآداب التي لا توجد عند غيرهم، ولا يعرف هذا من كان يقرأ عنهم من وراء جدر، بل لا يعرف هذا إلا من عاش في تاريخهم، وعرف مناقبهم وفضائلهم وإيثارهم واستجابتهم لله ولرسوله(46) .
الأمر العاشر: أنهم خير القرون في جميع الأمم، كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ(47) » .
الأمرالحادي عشر: نحبهم لأن حبهم دين وإيمان وإحسان، قال الطحاوي : «ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم. ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم. ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان»(48) .اھ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
| يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي | رزق الهدى من للهداية يسأل |
|---|---|
| اسمع كلام محقق في قوله | لا ينثني عنه ولا يتبدل |
| حب الصحابة كلهم لي مذهب | ومودة القربى بها أتوسل |
| ولكلهم قدر وفضل ساطع | لكنما الصديق منهم أفضل(49) ( 49 ) |
ثانياً: من أصول أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم:
لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنهم خير القرون وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه(50) فإذا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 46كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم؟ ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل، نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح»(51)
ثالثاً : «أن الصحابة رضي الله عنهم بشر عاشوا حياتهم كما عاش غيرهم يفرحون ويحزنون، ويختلفون مع غيرهم في وجهات النظر، لكنهم اختلفوا عن غيرهم في أن ما كان بينهم لم يصل إلى أن يحقد بعضهم على بعض، فكانوا قدوة لمن بعدهم في كل شيء: في سلمهم وحربهم، في جدهم ومرحهم، في رضاهم وغضبهم؛ لأن الله اختارهم وجعلهم في موضع القدوة. والدارس لتاريخ الصحابة الكرام- رضي الله عنهم - ممن لا يرضى لنفسه أن يصطاد في الماء العكر يعرف هذه الحقيقة جيداً(52) » .
فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما دار بين القتلى في
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 47الجمل رأى طلحة بن عبيد الله فجعل يمسح التراب عن وجهه وقال: رحمة الله عليك أبا محمد، يعز علي أن أراك مجدولاً تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري(53) والله لوددت أني كنت مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة(54)
قال ابن كثير : «وثبت عنه أيضاً من غير وجه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان ممن قال الله فيهم: ونزعنا ما في صدروهم من غل إخواناً على سرر متقابلين»(55) .
رابعاً: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَٰنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَٰنِ وَلَا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 48رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾(56) وطاعة النبي في قوله صلى الله عليه وسلم:«لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع، من فضائلهم ومراتبهم....، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم؛ منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون(57)
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «لا تسبوا أصحاب محمد، فإن الله عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سيقتتلون»(58) .
سئل عمر بن عبد العزيز عن علي وعثمان، والجمل وصفين وما كان بينهم، فقال: «تلك دماء كف الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها»(59) .
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «ومن السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساويهم التي شجرت بينهم. فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو واحداً منهم، أو تنقص أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم أو عاب واحداً منهم فهو مبتدع... لا يقبل الله منه صرفاً ولا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 49عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة، وخير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع»(60)
قال إبراهيم بن آزر الفقيه : «حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية، فأعرض عنه. فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم، فأقبل عليه، وقال اقرأ: ﴿تِلكَ أُمَّةٞ قَد خَلَت لَهَا مَا كَسَبَت﴾»(61) .
وعن سعيد بن المسيب: «أن رجلاً كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد بن مالك ينهاه، ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى، فقام سعد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان مسخطاً لك فيما يقول: فأرني به آفة، واجعله آية للناس، فخرج الرجل فإذا هو ببختي يشق
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 50الناس، فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط فسحقه حتى قتله، فأنا رأيت الناس يتبعون سعداً ويقولون: هنيئاً لك أبا إسحاق أجيبت دعوتك»(62)
وكان الصحابة رضي الله عنهم على جانب كبير من الاتزان في الحكم على الأشياء فهم لا يبحثون عن الزلة لكي يسقطوا صاحبها من معيار العدالة(63) .
خامساً: من أصول أهل السنة والجماعة: أن الصحابة كلهم عدول، ومقتضى العدالة لهم أنه لا يُتكلم فيهم بموازين الجرح والتعديل التي وجدت عند أئمة الحديث، وهذا مما اتفق عليه أئمة أهل السنة والجماعة على وجه العموم، وأن من نقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما ينقدهم لمرض في قلبه وخبث في طويته.
ومن أسباب عدم جعلهم تحت موازين الجرح والتعديل: أن الله سبحانه وتعالى قد عدلهم في كتابه، فقال سبحانه: ﴿لَا يَستَوِي مِنكُم مَّن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَٰتَلَ أُوْلَٰٓئِكَ أَعظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعدُ وَقَٰتَلُواْ وَكُلّٗا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرٞ﴾(64) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والرسول صلى الله عليه وسلم قد زكاهم، بل جعل الرسول صلى الله عليه وسلم لهم السياج المنيع فلا يتعرض لهم أبداً(65) فقال صلى الله عليه وسلم «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ»(66) .
فهذه- أخي الكريم- لمحة سريعة عن أصول عقيدة المسلم في الصحابة رضي الله عنهم؛ مما ينبغي لكل مسلم أن يجعلها نصب عينيه لتكون له كالميزان فيما أثير حولهم من الشبه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الثاني: الفتنة التي حصلت بين الصحابة رضي الله عنهم
الفتنة التي حصلت بين الصحابة
أساس الفتنة التي حصلت بين الصحابة.
ما تناقلته الألسن من كلام بعضهم في بعض إبّان الفتنة.
موقف المسلم من الفتنة التي وقعت بين الصحابة.
أساس الفتنة
وحاصل الفتنة أن في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله عنه بدت في الأفق سمات الاضطراب في المجتمع الإسلامي؛ نتيجة بعض عوامل التغيير التي أدت إلى ظهور هذه الفتنة العظيمة بين الصحابة، وإليك بعضها:
ظهور نشاط سري لأفراد وجماعات من الموالي أظهروا الإسلام وأخفوا معتقداتهم القديمة؛ بغية تحطيم الدولة الإسلامية من داخلها وإثارة الفتنة والفرقة بين المسلمين؛ وذلك ببث العقائد الفاسدة ونشر الإشاعات بدوافع نفسية أوعرقية.
2- وينضم للعنصر الأول عنصر الأعراب الذين لم يدخل في قلوبهم الإيمان وهم: قبائل مختلطة وفيهم من حسن إسلامه، ومنهم من أسلم خوفاً ونفاقاً، ومنهم من تمسك بالإسلام تمسكاً تلازمه الشدة والتعصب بالرأي والغلو في الدين، وهولاء هم القراء سلف الخوارج(67) .
3- دخول أقوام شتى مختلفة المشارب والمذاهب في دين الإسلام نتيجة الفتوحات الإسلامية منهم نصارى العرب في العراق
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 56والشام ومنهم الفرس ومنهم الأقباط وما إلى ذلك، وكان من هؤلاء نفر يحملون في أنفسهم حقداً على الإسلام من أمثال الذي قتل سيدنا عمر وغيرهم كثير هنا وهناك، كانوا يتحينون الفرص للنيل من عزة الإسلام.
4-كان بعض الشباب المتحمس للإسلام، والذي لم يفقه الإسلام كما فقهه الصحابة أو كبار الصحابة، لا يفهمون ما اجتهده عثمان في باب السياسة الشرعية، وقد كان عمر رضي الله عنه ومن قبله أبو بكر رضي الله عنه قد اجتهدا وفعلا ما فعل سيدنا عثمان، ولكن طوائف من الناس وعلى رأسهم هؤلاء الشباب لم يفهموا ذلك(68) .
5- طبيعة التحول الاجتماعيِّ في عهد عثمان رضي الله عنه:
شهدت خلافة عثمان رضي الله عنه تطورات خطيرة في حياة الدولة الإسلامية؛ فقد حكم عثمان الدولة الإسلامية بعد أن تحولت من دولة محدودة النطاق تقوم في المدينة المنورة وتحكم شبه الجزيرة العربية إلى دولة عالمية يمتد سلطانها ليشمل إلى ذلك ممالك العراق والشام ومصر وإفريقية وأرمينية وبلاد فارس وبعضاً من جزر البحر الأبيض المتوسط، ولم يكن الزمن كافياً لترسيخ التعاليم الإسلامية في نفوس كثير منهم مما ساعد- مع غيره من العوامل – على وجود خلخلة فكرية وظواهر سلبية دخيلة على النهج الإسلامي؛ مما كان له أثر في عدم استقرار الدولة.
6-
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 57الرخاء وأثره على المجتمع الإسلامي في عهد عثمان رضي الله عنه:
أقبلت الدنيا على المسلمين؛ من أثر الفتوح وكثرت واردات بيت المال من الغنائم والأسلاب، فضلاً عما يخص المجاهدين،... وهذا الرخاء سيكون له أثر على المجتمع؛ إذ يترتب عليه من انشغال الناس بالدنيا والافتتان بها، كما أنها مادة للتنافس والبغضاء خاصة بين أولئك الذين لم يصقل الإيمان نفوسهم من أعراب البادية وجفاتها.
7- اختلاف الطبع بين عمر وعثمان أدى إلى تغير أسلوبهما في معاملة الرعية، فكان عثمان ألين طبعاً وأرق في المعاملة، ورغبوا في الصدر الأول من خلافته وأصبحت محبته مضرب المثل:
أحبك والرحمن * حب قريش عثمان(69) .
ثم تَجَرّؤوا عليه لرقة طبعه حتى قال: «أتدرون ما جرّأكم علي؟ ماجرّأكم علي إلا حلمي»(70) .
وأخذ بعض اليهود يتحيَّنون فرصة الظهور مستغلِّين هذه العوامل، ومتظاهرين بالإسلام، واستعمال التَّقيَّة، ومن هؤلاء: عبد الله بن سبأ اليهودي الملقب بابن السَّوداء الذي أظهر إسلامه في زمن عثمان بن عفان واشتهر أكثر من غيره؛ لأنه أسلم متأخراً، وظهر له نشاط ملحوظ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 58في الشام والعراق ومصر خاصة، كما ظهر مع الخوارج والناقمين يرسم خططاً ويدلي بآراء هدامة ذكرها معظم المؤرخين القدامى- في كتبهم-(71) وعلى رأسهم الإمام الطبري الذي اعتبره رأس الفتنة وأساس البلاء، وخلاصة ما جاء به: أن أتى بمقدِّمات صادقة، وبنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السُّذَّج، والغلاة، وأصحاب الأهواء من النَّاس. وقد سلك في ذلك مسالك ملتوية لبّس فيها على من حوله، حتى اجتمعوا عليه، فطرق باب القرآن يتأوله على زعمه الفاسد حيث ادعى رجعة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع، وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ القُرءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖ﴾(72) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقُبِل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء، وحينما استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه المرسوم، وهو خروج الناس على الخليفة عثمان رضي الله عنه، فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووثب
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 59على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر، ووجد في الأعراب مادة ملائمة لتنفيذ خطته، فالقراء منهم استهواهم عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصحاب المطامع منهم هيج أنفسهم بالإشاعات المغرضة المفتراة على عثمان، مثل تحيزه لأقاربه، وإغداق الأموال من بيت مال المسلمين عليهم، وأنه حمى الحمى لنفسه إلى غير ذلك من التهم والمطاعن التي حرك بها نفوس الغوغاء ضد عثمان رضي الله عنه(73) وهذه التهم: بعضها كذب وبهتان فقد كتبوا على لسانه، وبعضها أمور اجتهادية، بعضها من باب المصالح المرسلة، وبعض هذه التهم زعموا- قد فعلها أحد الخلفاء ولكنهم استغلوا لين عثمان فلم يكن له طبع عمر فَتَجَرّؤوا عليه. قال ابن عمر رضي الله عنه: لقد عتبوا على عثمان أشياء، ولو فعلها عمر ما عتبوا عليه(74) ولم يكتف المغرضون بهذا فقاموا بتزوير الكتب على لسان كبار الصحابة كعلي وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم وبعثوا بها إلى الأمصار يأمرونهم بالقدوم على
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فثارت ثائرتهم وقدموا من أمصارهم إلى المدينة ظانين أن الدين وصل في السوء منتهاه، فما كان منهم إلا أن قدموا المدينة فحاصروا عثمان وطلبوا منه بعض الأمور منها: ترك الخلافة وإلا فالقتل لا محالة، فأبى عثمان ترك الخلافة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللَّهَ مُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى أَنْ تَخْلَعَهُ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ، وَلَا كَرَامَةَ».
يقولها له مرتين أو ثلاثاً. وفي رواية: «يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ، فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي. يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللَّهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي(76) » .
وحضر لدى عثمان مجموعة من الصحابة لحراسته والدفاع عنه، منهم: أبو هريرة، وابن عمر، والحسن، والحسين، وابن الزبير، لكن لما اشتد الحصار عزم عثمان عليهم في وضع سلاحهم، وخروجهم، ولزوم بيوتهم؛ حفظاً لدماء المسلمين(77) .
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، وجاءه زيد بن ثابت، فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 61يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين. قال عثمان: لا حاجة لي في ذلك، كفوا(78) وعرف رضي الله عنه أنه مقتول، وقد ساره صلى الله عليه وسلم بهذه الفتنة، ولما استئذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حائط من حيطان المدينة قال لأبي موسى: «افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ(79)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكف الناس عن الدماء، وأصبر الناس على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه، فحاصروه وسعوا في قتله وقد عرف إرادتهم لقتله، وقد جاءه المسلمون من كل ناحية ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم وهو يأمر الناس بالكف عن القتال ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم، وروي أنه قال لمماليكه: من كف يده فهو حر، وقيل له: تذهب إلى مكة، فقال: لا أكون ممن ألحد في الحرم، فقيل له: تذهب إلى الشام، فقال: لا أفارق دار هجرتي، فقيل له: فقاتلهم فقال: لا أكون أول من خلف محمداً في أمته بالسيف، فكان صبر عثمان حتى قُتِل من أعظم فضائله عند المسلمين»(80) .
ثم بايع الصحابة الذين في المدينة بالخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ولم ينازعه فيها أحد.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال ابن حزم: «وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومن كان معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها، ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة، ولا أحدثوا إمامة أخرى، ولا جددوا بيعة لغيره، هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه، بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن، فإذ لا شك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافاً عليه ولا نقضاً لبيعته ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة؛ لسد الفتق الحادث في الإسلام؛ من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلماً(81) ، وكان علي رضي الله عنه يرى تأخير القصاص حتى يستتب له الأمر لاسيما وأن اشترك في قتله كثير»، فكان يقول لهم: «يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم، ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأياً ترونه إن شاء الله»(82) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولم يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يريده من إقامة الحدود ونحو ذلك؛ لكون الناس مختلفين عليه،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 63وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به»(83)
وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يدعو على قتلة عثمان، فعن محمد بن الحنفية يقول: سمعت أبي ورفع يديه حتى يرى بياض إبطيه وقال: «اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل ثلاثاً يرددها»(84) .
وذهب علي رضي الله عنه لملاقاة طلحة والزبير رضي الله عنهما، مريداً الصلح والاتفاق وجمع الشمل، ولم تكن الحرب مرادة من الطرفين، وكاد الصلح أن يتم بين طلحة وعلي قبل معركة الجمل «فباتوا على الصلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمر عثمان{منهم ابن سبأ اليهودي}(85) بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهكلة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب{قبل أن يجتمع الطرفان على قتلهم قصاصاً}(86) في السر، واستسروا بذلك؛ خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر، فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالاً وعليهم ظلمة، فخرج مضريهم إلى مضريهم وربعيهم إلى ربعيهم ويمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 64السلاح فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم...، وقصف أهل البصرة أولئك حتى ردوهم إلى عسكرهم، فسمع علي وأهل الكوفة الصوت وقد وضعوا رجلاً قريباً من علي؛ ليخبره بما يريدون، فلما قال: ما هذا؟ قال: ذاك الرجل ما فاجأنا إلا وقوم منهم بيتونا فرددناهم من حيث جاؤوا فوجدنا القوم على رجل فركبونا وثار الناس...»(87) فأوهم قتلة عثمان الطرفين أنه غدر بهم، وحصلت الفتنة، معركة الجمل، ولم تكن برضا الطرفين، وقتل فيها خلق كثير منهم طلحة والزبير، وكان معاوية بالشام يطالب بقتلة عثمان وامتنع من الدخول في البيعة حتى يُسلم له قتلة عثمان، ولم ينازعه في الخلافة إنما اشترط تسليم القتلة وكان يرى أنه ولي دمه، وانضم إليه عمرو بن العاص رضي الله عنه ولم يشهد معركة الجمل وكان بفلسطين ثم كانت الفتنة العظيمة وقعة صفين.
فالحاصل أن هذه الفتنة احتار فيها أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف محل نظرهم واجتهادهم: فمنهم من رأى الصواب مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ومنهم من رأى الصواب مع معاوية رضي الله عنه في المطالبة بقتلة عثمان رضي الله عنه، وطرف آخر اعتزل القتال وهم خلق كثير(88) لأنه رأى أنها فتنة، القاعد فيها خير
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 65من القائم، ثم إن بعض من اعتزل رجع للقتال مع علي رضي الله عنه لما قتل عمار؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ(89)
ومن هذا التقرير يتبين لك أخي الكريم أن المسألة بينهم كانت محل اجتهاد، بين مصيب له أجران، ومخطئ له أجر، وأن المخطئ فيهم كان متأولاً رضي الله عنهم أجمعين.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما تناقلته الألسن من كلام بعضهم في بعض إبّان الفتنة
معلوم أن ما حصل من الخلاف بين الطائفتين في عهد الصحابة شر مستطير، وفتنة عظيمة كانت من عواقبها السيئة: وقعتا الجمل وصفين، وهما فتنتان عظيمتان، زهقت فيهما أرواح خير البشر بعد الأنبياء عليهم السلام.
ولولا أن ما حصل بينهم سُطِر في تاريخنا، وتناقلته الأجيال لقطعنا أنه ضَرْبٌ من الخيال، وأنه من أساطير الأولين؛ لأنه أمر لا يتوقع، بل هم أنفسهم لم يتوقعوا أن يصل الأمر بهم إلى حرب طاحنة تزهق فيها الأرواح وتبتر فيها الأعضاء(90) .
فهذا الحدث ثابت في تاريخنا وتراثنا نقرأه فتتحسر له قلوبنا بل تتقطع، ولكن نسلي أنفسنا بأنه أمر أراده الله فلا راد لأمره، ويبقى أنهم بشر يجتهدون فيصيبون، ويخطئون، وهما طائفتان عظيمتان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(91) .
وقوله صلى الله عليه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 67وسلم: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ(92) فوصف الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لاينطق على الهوى- الطائفتين بأنهما عظيمتان، وأنهما من المسلمين، وأن أَوْلاهما بالحق وأقربهما الطائفة التي تقتل الخوارج، وهي طائفة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. فكلا الطائفتين متأول للقتال، غفر الله للجميع. ومعلوم أنه إذا وصل الخلاف إلى القتال سينتج عنه تخطئة كل منهما للآخر ودعاء بعضهم على بعض، بل قد يصل الأمر بمقتضى الطبيعة البشرية إلى اللعن عند ثوران الغضب؛ ولذا وردت روايات في هذا الأمر أعرضت عن إيرادها في الشبه؛ لأنه حصل بينهم ما هو أعظم من ذلك وهو القتال. إلا أن ماورد من الروايات من كلام بعضهم في بعض قد زيد فيه وأقحم فيه ماليس منه؛ فكان لزاماً أن أذكر بعض هذه الروايات؛ لمعرفة صحيحها من سقيمها، ولمعرفة توجيهها.
من هذه الروايات:
1- ما روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ذم عمرو بن العاص رضي الله عنه:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
روى ذلك الطبري(93) معلقاً من طريق أبي مخنف عن عبد الملك بن أبي حرة.
وأبو مخنف: هو لوط بن يحيى، قال الذهبي: أخباري تألف لا يوثق به، تركه أبوحاتم، وضعفه الدارقطني، وقال عنه ابن معين: (ليس بشيء)(94) ، وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا حاتم عنه، ففض يده: وقال: أحد يسأل عن هذا، وذكره العقيلي في الضعفاء(95) .
وعبد الملك بن أبى حرة مجهول العين أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(96) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً روى عنه عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل المزني.
ونحو ذلك ما أورده الطبري معلقاً: من ذم علي رضي الله عنه لمن خرج عنه ووصفه لهم بالمكر والغدر من طريق أبي مخنف عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب.
أبو مخنف تقدم الكلام عليه، و مالك بن أعين الجهني: مجهول روى عن زيد بن وهب، روى عنه أبو مخنف لوط بن يحيى، قاله أبو حاتم(97) فالأثر لا يصح له إسناد، وسيأتي الكلام في إبطال قضية
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 69الخلع في قصة التحكيم(98)
2- ماروي من قنوت أمير المؤمنين علي على عمرو بن العاص ولعنه:
ورد ذلك في قصة التحكيم والخلع من طريق أبي محنف المتقدم، والقصة ضعيفة سنداً ومتناً، وسيأتي وجه إبطالها في الكلام عن التحكيم.
نعم وردت آثار عن علي رضي الله عنه أنه قنت على معاوية رضي الله عنه بعد الحرب، كما في مسند أبي حنيفة(99) حدثنا محمد بن أحمد، ثنا بشر بن موسى، ثنا المقرئ، ثنا أبوحنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: «ما قنت أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وما قنت علي حتى حارب أهل الشام، وكان يقنت على معاوية».
هذا السند رجاله ثقات عدا أبي حنيفة على جلالة علمه وفقهه، فقد اختلف العلماء في قبول روايته للحديث(100) وشيخه حماد بن أبي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 70سليمان صدوق له أوهام كما في التقريب(101) وهناك طرق أخرى(102) للأثر فهو حسن في أقل أحواله.
وقنوت علي على معاوية، أو على عمرو، أو ذمه لهما لو سلم ثبوته، غير مستنكر؛ لأن معاوية وعمرو خارجان عن طاعته، لكنهما متأولان عفا الله عن الجميع.
والذي ثبت عن علي رضي الله عنه قنوته على معاوية لا لعنه، فالصحابة أحرص الناس تقيداً بالدين؛ لعلمهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»(103) وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الفَاحِشِ وَلاَ البَذِيءِ»(104) وقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(105) ونقل
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 71عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما دار بين القتلى في الجمل رأى طلحة بن عبيد الله فجعل يمسح التراب عن وجهه وقال: «رحمة الله عليك أبا محمد، يعز علي أن أراك مجدولاً تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري، والله لوددت أني كنت مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(106)
قال ابن كثير: «وروي من غير وجه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّن غِلٍّ إِخوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾»(107) .
بل ذكر الدينوري: أنه بلغ علياً أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية، ولعن أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما.
فأتياه فقالا: يا أميرالمؤمنين، ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟، قال: بلى، ورب الكعبة المسدنة(108) قالوا: فلم تمنعنا من
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 72شتمهم ولعنهم؟، قال: كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي من لجج به(109)
3- ماروي أن أم المؤمنين عائشة لعنت عمرو بن العاص رضي الله عنه. وبيان ذلك أنه روي عن مسروق أنه كان عند عائشة فذكر عندها أن علياً رضي الله عنه قتل ذا الثدية، فقالت لي: «إذا أنت قدمت الكوفة فاكتب لي ناساً ممن شهد ذلك ممن تعرف من أهل البلد».
فلما قدمت وجدت الناس أشياعاً فكتبت لها من كل شيع عشرة ممن شهد ذلك قال فأتيتها بشهادتهم. فقالت: «لعن الله عمرو بن العاص فإنه زعم لي أنه قتله بمصر»(110) .
ورد هذا الأثر عند الحاكم من طريق جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن أبي وائل، عن مسروق قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: إني رأيتني على تل وحولي بقر تنحر، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك لتكونن حولك ملحمة، قالت: أعوذ بالله من شرِّكَ، بئس ما قلت، فقلت لها: فلعله إن كان أمراً سيسوءك فقالت: والله لئن أَخِرَّ من السماء أحب إلي من أن أفعل ذلك، فلما كان بعدُ ذُكر عندها أن علياً رضي الله عنه قتل ذا الثدية،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 73فقالت لي: إذا أنت قدمت الكوفة فاكتب لي ناساً ممن شهد ذلك ممن تعرف من أهل البلد. فلما قدمت وجدت الناس أشياعاً، فكتبت لها من كل شيع عشرة ممن شهد ذلك قال: فأتيتها بشهادتهم فقالت: لعن الله عمرو بن العاص فإنه زعم لي أنه قتله بمصر(111)
إلا أنّ ابن أبي شيبة أخرجه من طريق أبي معاوية عن الأعمش بدون ذكر قتل ذي الثدية ولعن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
قال ابن أبي شيبة(112) : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة، قالت: رَأَيْتُنِي عَلَى تَلٍّ كَأَنَّ حَوْلِي بَقَرًا تُنْحَر، فَقَالَ مَسْرُوقٌ: إنِ اسْتَطَعْتِ أَنْ لاَ تَكُونِي أَنْتِ هِيَ فَافْعَلِي، قَالَ: فَابْتُلِيت بِذَلِكَ رَحِمَهَا اللَّهُ.
وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير هو الميزان في حديث الأعمش، وهو أحفظ الناس لحديثه وروايته عنه مقدمة على غيره. قال أيوب بن إسحاق: سألت أحمد ويحيى عن أبي معاوية وجرير قالا: أبو معاوية أحب إلينا. يعنيان في الأعمش، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان أبو معاوية إذا سئل عن أحاديث الأعمش يقول: قد صار حديث الأعمش في فمي علقماً، أو هو أمر من العلقم؛ لكثرة ما يردد عليه حديث الأعمش. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 74أبا نعيم يقول: لزم أبو معاوية الأعمش عشرين سنة.
وقال إبراهيم الحربي: قال لي الوكيعي: ما أدركنا أحداً كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبي معاوية(113) .
وقال الحافظ ابن حجر: «هو الميزان في حديث الأعمش»(114) .
وجرير بن عبد الحميد- الراوي عن الأعمش عند الحاكم- قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه(115) .
وقعت روايات أخرى في رؤيا عائشة تؤيد رواية أبي معاوية - لم تذكر ما قيل في لعنها عمرو- عند نعيم بن حماد(116) من طريق هشيم بن بشير عن حصين، وهشيم مشهور بالتدليس، ولم يصرح بالسماع.
وعند نعيم أيضاً: من طريق هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي وتابع هشيماً أبو أسامة عند ابن أبي شيبة(117) ويحيى بن سعيد عند ابن أبي الدنيا(118) .
وهذه الروايات الثلاث الأخيرة فيها مجالد بن سعيد، قال الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره(119) وقال عبد الرحمن
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 75بن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان قال:
سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: حديث مجالد عند الأحداث يحيي بن سعيد وأبي أسامة ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء، يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره(120) .
وأما سماع الشعبي من عائشة ففيه خلاف، والراجح ثبوت سماعه؛ فالمثبت مقدم على النافي. قال الحاكم :...وربما توهم متوهم أن الشعبي لم يسمع من أم سلمة و ليس كذلك فإنه دخل على عائشة وأم سلمة جميعاً ثم أكثر الرواية عنهما جميعاً(121) . يضاف إلى ذلك أن الشعبي ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب على المشهور بمعنى سنة تسع عشرة أوحدود العشرين وماتت عائشة في خلافة معاوية سنة سبع أوثمان وخمسين(122) ، فسيكون عمر الشعبي حين وفاتها مايقارب سبع وثلاثين سنة، وهو وقت كبير كافٍ لثبوت المعاصرة.
وجاءت رواية أخرى فيها ذكر اللعن بالإبهام «لعن الله فلاناً».
قال البيهقي في الدلائل(123) :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الحسين بن الحسن بن عامر
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 76الكندي، بالكوفة من أصل سماعه، حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة الكاتب، قال: حدثنا «عمر بن(124) »عبد الله بن عمر ابن محمد بن أبان بن صالح، قال: هذا كتاب جدي محمد بن أبان فقرأت فيه: حدثنا الحسن ابن الحر، قال: حدثنا الحكم بن عتيبة، وعبد الله بن أبي السفر، عن عامر الشعبي، عن مسروق، قال: قالت عائشة فذكر بنحو ما وقع عند الحاكم.
هذا الإسناد ضعيف فيه: محمد بن أبان بن صالح بن عمير الجعفي الكوفى أبو عمير.
قال يحيى: ضعيف لا يكتب حديثه، وقال مرة: ليس بشيء وقال البخاري: ليس بالقوي. وضعفه أحمد، وأبو داود، والنسائي، قال ابن حبان: كان ممن يقلب الأخبار، وله الوهم الكثير في الآثار(125) .
ثم لو سلم أن الرواية التي فيها لعن عمرو بن العاص رضي الله عنه صحيحة، فعائشة رضي الله عنها مع جلالة قدرها وكبير فضلها وغزير علمها قد تخطئ كغيرها من البشر؛ لأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا هو صلى الله عليه وسلم.
وهذه الفتنة قد وقع فيها ما هو أشد من اللعن وهو القتل. «مع أن
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 77المرء قد يتكلم بالكلمة التي لاينبغي له أن يتكلم بها لشدة غضب وموجدة على من قالها له، وأن الفاضل قد يتكلم بالكلام الذي ينكره هو على نفسه إذا ثاب إليها، إلا أنه محمول على هذه الكلمة ومدفوع إليها بما في نفسه من الغضب والحنق وغير ذلك. ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب، فجئته حين تعالى النهار، قال: فوجدته في بيته جالساً على سرير مفضياً إلى رماله، متكئاً على وسادة من أدم، فقال لي: يا مال، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم برضخ، فخذه فاقسمه بينهم، قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري، قال: خذه يا مال، قال: فجاء يرفأ، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد؟ فقال عمر: نعم، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاء، فقال: هل لك في عباس، وعلي؟ قال: نعم، فأذن لهما، فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن، فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهم وأرحهم... الحديث(126)
فانظر إلى العباس رضي الله عنه وهو يقول عن علي «الكاذب الآثم الغادر الخائن» يقول هذا في حضرة الخليفة الراشد، والمبشرين بالجنة، ولم ينكر ذلك عليه أحد منهم...ورأوه خرج لشدة موجدة عباس على علي
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 78وغضبه منه فقاله، وقد أيد هذا المعنى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أنه لا انفكاك لأي عبد عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً فِي غَضَبِى فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلاَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ(127)(128) والمعنى: إن ما وقع من سبه ودعائه صلى الله عليه وسلم على أحد ونحوه ليس بمقصود، بل هو مما جرت به العادة، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربه سبحانه ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً، وإنما كان يقع هذا منه صلى الله عليه وسلم نادراً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا لعاناً، والله أعلم(129)
وعمرو بن العاص رضي الله عنه صحابي جليل، ولا يمكن حمل كلامه إلا على أنه توهم أنه قتل ذا الثدية فاشتبه عليه فأخطأ، والإنسان معرض للوهم والنسيان، ولا يستوجب ذلك لعنه أو سبه، عفا الله عنها وعنه وعنا وعن جميع المسلمين.
قال ابن عبد البر في الاستذكار عند حديث سهو النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «وفي هذا الحديث بيان أن أحداً لا يسلم من الوهم والنسيان؛
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 79لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء فغيرهم بذلك أحرى(130)
وهذا ابن عمر رضي الله عنه يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ويشهد عمراته ثم يسأل عن عدد عمرات النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أربعاً إحداهن في رجب. فلما أُخبرت عائشة رضي الله عنها بقوله قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط(131) .
قال الحافظ ابن حجر : «وفي هذا الحديث أن الصحابي الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم قد يخفى عليه بعض أحواله، وقد يدخله الوهم والنسيان، لكونه غير معصوم»(132) .
فالإنسان طبيعته النِّسْيَان بل هو محل النسيان، وأول من نسي أول إنسان أبونا آدم عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَلَقَد عَهِدنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبلُ فَنَسِيَ وَلَم نَجِد لَهُ عَزمٗا﴾(133) .
وقال صلى الله عليه وسلم «فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ(134) » .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال ابن عباس: «إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عُهد إليه فنسي»(135) .
قال أبو تمام:
| لا تنْسينْ تلك العهود فإنما | سُمِّيت إنساناً لأنك ناسي(136) ( 136 ) |
|---|
وقال الشاعر:
| ومَا سُمِّيَ الإنْسانُ إِلاَّ لنَسْيِهِ | ومَا القَلْبُ إلا أنَّه يَتَقَلَّبُ(137) ( 137 ) |
|---|
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
موقف المسلم من الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم
اعلم أنه يجب علينا أن نكف ألسنتنا عما شجر بين الصحابة من الفتن، ونترضى عنهم جميعاً؛ لأنهم اصطفاهم الله لصحبة أفضل الخلق، ونقل شريعته، وأما الآثار التي تروي مساويهم قليل ماصح منها، وهي بين أمر اجتهادي - صاحبه بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد مخطئ له أجر- وآخر ليس عن اجتهاد، وهو نزر يسير، فنحن لا ندعي لهم العصمة لكن يغمس في بحر حسناتهم، ولا ننسى أن لهم من السوابق ما يكفر به هذا النزر، وواجبنا نشر الحسنة وستر السيئة، وقد عُلم من ديننا الإسلامي تشوفه للستر على عامة الناس، فكيف بالصحابة الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله، أليس هم أولى بذاك؟!.
بلى هم أولى وأحرى؛ لأن في نشر أخطائهم مفسدة عظيمة، ويكفي مفسدة أن يوغل قلبك على من أمرت بمحبته والترضي عنه، فكيف لو بلغ الحال بك أنك تشك في نقلة هذا الدين!!.
لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم لهم سياجاً منيعاً فلا يتعرض لهم أبداً فقال صلى الله عليه وسلم «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ(138) » .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد أكد الصحابة ومن بعدهم من التابعين والعلماء على هذا المبدأ وشددوا في ذلك؛ لخطورة مايؤول إليه من فساد دين صاحبه.
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «لا تسبوا أصحاب محمد، فإن الله عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سيقتتلون»(139) .
وعن أبي عمار الهمداني عريب بن حميد قال: جاء رجل إلى علي، فوقع في عائشة، فقام عمار فقال: اخرج مقبوحاً منبوحاً، والله إنها لزوجة رسول الله في الدنيا والآخرة(140) .
وسئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: «قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا»(141) .
قال أبو يوسف يعقوب الفسوي:
حدثنا سعيد بن عفير حدثني يعقوب عن أبيه أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر بن عبد العزيز إلى المدينة يتأدب بها، فكتب إلى صالح ابن كيسان يتعاهده، فكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص علي بن أبي طالب، فأتاه عمر فقام يصلي، فجلس عمر فلم يبرح حتى سلم من
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 83ركعتين، ثم أقبل على عمر بن عبد العزيز فقال: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ قال: فعرف عمر ما أراد، فقال: معذرة إليك والله لا أعود. قال: فما سمع عمر بن عبد العزيز بعد ذلك ذاكراً علياً إلا بخير(142)
ولما سئل عمر بن عبد العزيز- بعد ذلك - عن علي وعثمان والجمل وصفين وما كان بينهم، فقال: «تلك دماء كف الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها»(143) .
عن العوام بن حوشب قال: «اذكروا محاسن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، تأتلف عليه قلوبكم، ولا تذكروا غيره فتحرشوا الناس عليهم»(144) .
قال أبو بكر المروذي، قال: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة وهو يعقوب، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟ فقال أبو عبد الله: «ما أقول فيها إلا الحسنى، رحمهم الله أجمعين(145) » .
قال أبو يعقوب بن العباس: كنا عند أبي عبد الله سنة سبع وعشرين أنا وأبو جعفر بن إبراهيم فقال له أبو جعفر أليس نترحم على
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 84أصحاب رسول الله كلهم؛ معاوية، وعمرو بن العاص، وعلى أبي موسى الأشعري، والمغيرة؟ قال: نعم كلهم وصفهم الله في كتابه فقال سيماهم في وجوههم من أثر السجود(146)
وقال أبو زرعة: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة»(147) .
وقال أبو سليمان الخطابي: «أما ما شجر بين الصحابة من الأمور، وحدث في زمانهم من اختلاف الآراء، فإنه باب كلما قل التسرع فيه والبحث عنه كان أولى بنا وأسلم لنا، ومما يجب علينا أن نعتقد في أمرهم أنهم كانوا أئمة علماء، قد اجتهدوا في طلب الحق وتحروا وجهته وتوخوا قصده، فالمصيب منهم مأجور والمخطئ معذور، وقد تعلق كل منهم بحجة وفزع إلى عذر، والمقايسة عليهم والمباحثة عنهم اقتحام فيما لا يعنينا. والله تعالى يغفر لنا ولهم برحمته»(148) .
قال الباقلاني: «ويجب أن يعلم أن خير الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل الصحابة العشرة الخلفاء الأربعة رضي الله عن الجميع وأرضاهم، ونقر بفضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 85نعترف بفضل أزواجه رضي الله عنهن، وأنهن أمهات المؤمنين، كما وصفهن الله تعالى ورسوله، ونقول في الجميع خيراً...ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم، والسكوت عنه... وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قيل له: ما تقول فيما شجر بين الصدر الأول؟ فقال: أقول كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَٰنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَٰنِ وَلَا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، وسئل عن ذلك جعفر بن محمد الصادق؛. فقال: أقول ما قال الله: ﴿عِلمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾»(149)
قال القرطبي: وقد تُعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر؛ لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيراً في الواجب عليه؛ لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه. ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار... قال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 86والنبوة، فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة»(150)
قال النووي: «واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيباً، وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ؛ لأنه لاجتهادٍ والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته»(151) .
قال ابن تيمية: «ما ينقل عن الصحابة من المثالب فهو نوعان، أحدهما: ما هو كذب، إما كذب كله وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى ومثل هشام بن محمد ابن السائب الكلبي وأمثالهما من الكذابين...
النوع الثاني: ما هو صدق، وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 87تخرجها عن أن تكون ذنوباً، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب، وما قدر من هذه الأمور ذنباً محققاً فإن ذلك لا يقدح فيما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة»(152)
وقال أيضا: «... ويمسكون عما شجر بين الصحابة. ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم خير القرون، وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم»(153) .
وقال: «ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر من محاسن الصحابة وفضائلهم لا يجوز أن يدفع بنُقُولٍ بعضها منقطع، وبعضها محرف، وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 88قد تيقنا ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف قبلنا، وما يصدق ذلك من المنقولات المتواترة من أدلة العقل، من أن الصحابة رضي الله عنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانها؟!»(154)
وأقوال السلف وعلماء الأمة في هذا الباب كثير جداً، وقد اقتصرت على نزر يسير منه؛ ليكون نموذجاً لبيان ما عليه سلف الأمة، وإلا فالأمر مجمع عليه لا يسعه الاجتهاد، وقد نقل ابن حجر الإجماع في ذلك.
قال ابن حجر: «واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً وأن المصيب يؤجر أجرين»(155) .
وهذه الأقوال الواردة عن السلف في هذا الباب إن دلت على شيء دلت على عظم هذا الأمر، وأن القادم عليه قادم على هلاك نفسه، فمن أراد السلامة فعليه بمنهج سلف الأمة: وهو حفظ اللسان من الوقيعة فيهم، والإمساك عما شجر بينهم من الخلاف بلسانه وبنانه، وألا يخوض في هذه المسائل إلا ماكان من مقصد محمود كالتفقه في
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 89الدين إن تعلق به حكم فقهي، أومن باب الدفاع عنهم وتَبْيين الروايات الضعيفة، التي تصفهم بأوصاف لا تتناسب مع خير البرية بعد نبي البشرية، عليه أزكى صلاة وسلام وتحية.
فإذا علمت أخي الكريم منهج السلف في هذه الفتنة - مما تقدم- من كف اللسان عن الوقيعة فيهم، والإمساك عما شجر بينهم، وحبهم جميعاً والترضي عنهم؛ فالزمه فإنه الصراط المستقيم، والنهج القَوِّيم. ومن سلك غيره فقد سلك طريق الردى، فإن كان مُشْفِقاً فنفسه أولى؛ قبل أن يتندم ولات ساعة مندم.
الفصل الأول: ترجمة الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه
المبحث الأول: * اسمه ونسبه * كنيته، *نشأته، *أسرته * إسلامه * صفاته الخَلقية والخُلقية * مناقبه * أعماله * جهاده * عبادته * أحاديثه * بلاغته وشِعره وحِكَمه وأمثاله * تجارته وتركته * وفاته
إنه صاحب رسول الله قبل كل شيء، إنه القائد المحنك، أحد دواهي العرب، فاتح مصر وأميرها إنه عمرو بن العاص رضي الله عنه.
اسمه ونسبه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي(158)
كنيته، ونشأته
أبو عبد الله، وقيل أبو محمد(159) .
نشأته:
نشأ عمرو في مكة إذ هو قرشي من بني سهم وقد تقدم أنها تولت وظائف اجتماعية مهمة في مكة، كالحكومة- فصل الخصومات
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 96والمرافعات والأموال المحجرة، وأنها كانت تنافس بني مناف، وهذا يدل على مكانة القبيلة في مكة وسيادتها، فنشأ عمرو وترعرع في مجتمع له سيادته ومكانته، والقبيلة التي لها سيادة ومكانة يكون لها تأثير على أفرادها، فكيف إذا كان الأب كذلك له سيادته ومكانته في القبيلة! فقد كان أبوه من عظماء الجاهلية، وأحد حكامها، وقد كانت هذه المكانة سبباً قوياً لبناء هذه الشخصية الفذة، فكيف إذا زاد عليها تعلمه للفروسية، فكان أحد فرسانها، وفصاحته وبلاغته ودهائه التي أوتيها، فكان أحد سفرائها، وتكمل شخصية الرجل ونفوذه؛ بثرائه وعدم احتياجه لأموال الآخرين، فقد كان أبوه يلبس الحرير والديباج، كما في البخاري، ولم يقتصر عمرو على تراث أبيه فقد كان يرحل للتجارة. ووفرة المال تمنح صاحبها الاستقلال بنفسه ورأيه فلا يداهن أحدا راجياً نواله، ولا يتردد في معارضته خشية انقطاع أُعْطياته.
فهذه العوامل جعلت عمرو بن العاص يختلف عن أي شخص آخر، وجعلت له ثقله في المجتمع الجاهلي والإسلامي، فقد كان في الجاهلية يُرسَل للسفارة؛ فقد أرسلته قريش إلى ملك الحبشة في شأن من هاجر إليه من المسلمين، ولا يختار في هذه المهام إلا ذو المكانة العالية. ولو نظرنا في الإسلام حيث يوليه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية ذات السلاسل بوجود أبي بكر وعمر، ويرسله إلى ملك عمان ليبلغ الدعوة، ثم يولى الإمارات من بعده من قبل الخلفاء، ولك أن تتخيل عمر بن الخطاب حينما نظر إلى عمرو بن العاص وهو يمشي فقال: لاينبغي لأبي عبد الله أن يمشي في الأرض إلا أميراً(160) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والده
العاص (أو العاصي)(161) بن وائل، كان العاص أحد العظماء والحكام في الجاهلية وقائد بني سهم في حرب الفجار الثاني، لأجله عقد حلف الفضول- الذي دعا إليه الزبير بن عبد المطلب - لجحده متاع الزبيدي فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان، وتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُؤدَّى إليه حقه. ثم مشوا إلى العاصي بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه.
وكان من ذوي الثراء يلبس حلة حِبَرَة(162) وقميص مكفوف بحرير، ويلبس كذلك قباء من ديباج(163) أدرك الإسلام، وظل على الشرك حتى
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 98مات، ويعد من أول من حارب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ألد أعدائه، ومع ذلك كان له بعض المواقف المنصفة من خصومه، فهو الذي وقف في وجه قريش لما كادوا أن يجهزوا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أعلن إسلامه بين ظهرانيهم(164)
قال ابن اسحق قال: حدثني نافع عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر بن الخطاب قال: أي أهل مكة أنقل للحديث؟ قالوا: جميل بن معمر الجمحي، فخرج عمر، وخرجت وراء أبي وأنا غلام أعقل كلما رأيت، حتى أتاه، فقال: يا جميل هل علمت أني أسلمت؟ فو الله ما راجعه الكلام حتى قام يجر رداءه، وخرج عمر معه، وأنا مع أبي، حتى إذا قام على باب المسجد (الكعبة) صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش إن عمر قد صبا، فقال عمر: كذبت ولكني أسلمت، فبادروه فقاتلهم وقاتلوه حتى قامت الشمس على رؤوسهم وبلح(165) فجلس وعرشوا على رأسه قياماً، وهو يقول: اصنعوا ما بدا لكم، فأقسم بالله لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم، فبينا هم على ذلك إذ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 99أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبره وقميص قومسي، فقال: مه؟ فقالوا: خيراً، عمر بن الخطاب صبا، فقال: فمه؟! رجل اختار لنفسه ديناً أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم؟! هكذا عن الرجل. فو الله لكأنما كان ثوب كشف عنه، فلما قدمنا المدينة، قلت: يا أبه من الرجل صاحب الحلة الذي صرف القوم عنك؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي(166)
وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿أَفَرَءَيتَ الَّذِي كَفَرَ بَِٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا﴾(167) .
فعن خباب قال: كنت قينا بمكة، فعملت للعاصي بن وائل السهمي سيفاً فجئت أتقاضاه فقال:
لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلت: لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يميتك الله ثم يحييك. قال: إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد، فأنزل الله ﴿أَفَرَءَيتَ الَّذِي كَفَرَ بَِٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحمَٰنِ عَهدٗا﴾(168) وكان من كبار المستهزئين بنبينا صلى الله عليه وسلم،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 100ولهذا روي في وفاته أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَينَٰكَ المُستَهزِءِينَ﴾(169) .أرسل الله عزوجل جبريل عليه السلام لينتقم ممن تطاول على النبي صلى الله عليه وسلم وكان منهم العاص بن وائل، فلما مر به العاصي بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فركب إلى الطائف على حمار فريض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته(170)
والدته
النابغة من بني جَلاّن بن عنزة بن أسد(171) بن ربيعة بن نزار(172) .
وهي النابغة بنت حريملة، وقيل: بنت خزيمة، وقيل: سلمى بنت النابغة، سبية من عنزة(173) .
إخوته لأبيه
لعمرو أخ من أبيه وهو هشام بن العاص وأمه حرملة بنت هشام بن
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 101المغيرة، وأبو جهل خاله، وكان هشام قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم إلى مكة للهجرة إلى المدينة، وكان واعد عمر أن يمضي معه إلى المدينة، وقال له: انتظرني في أضاة بني غفار. فأخذه أبوه فكبله، فلم يزل محبوساً بمكة حتى مات أبوه العاص بن وائل في آخر السنة الأولى من الهجرة، ثم حبسه قومه بعد أبيه فلم يزل يحتال حتى تخلص، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الخندق، وكان من خيار المسلمين، وكان يكنى أبا العاص، فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا مطيع، وكان أصغر سناً من أخيه عمرو بن العاص، خرج هشام مع من وجهه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الشام، فقتل في قول الكلبي يوم أجنادين(174) وفي قول الواقدي باليرموك، ولا عقب لهشام بن العاص(175)
وكان عمروبن العاص رضي الله عنه يحبه حباً شديداً ويفضله على نفسه فيماروي عنه، قال ابن سعد رحمه الله:
قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر قال: قال سفيان بن عيينة: قالوا لعمرو بن العاص: أنت خير أم أخوك هشام بن العاص؟ قال: أخبركم عني وعنه، عرضنا أنفسنا على الله، فقبله وتركني، قال سفيان: وقتل في بعض تلك المشاهد، اليرموك أو غيره(176) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ولأخيه بالإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ: عَمْرٌو وَهِشَامٌ(177) » .
إخوته لأمه
1- عمرو(178) بن أبي أثاثة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي. وهومن مهاجرة الحبشة.
قال ابن عبد البر: وعروة هذا قديم الإسلام بمكة، لم يذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، وذكره موسى بن عقبة وأبو معشر، والواقدي(179) .
2- عقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط من بني الحارث بن فهر. وأبوه نافع جاء له ذكر في السيرة النبوية، إذ كان من ضمن النفر الذين هاجموا زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البلاذري: فاعترضها رجال من قريش بذي طوى. فبدر إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، ونافع بن عبد قيس بن لقيط بن عامر الفهري، وهو أبو عقبة بن نافع، صاحب المغرب(180) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح دمه يوم فتح مكة.
قال ابن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي إسحاق الدوسي عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها فقال لنا: إن ظفرتم بهبار بن الأسود أو الرجل الآخر الذي سبق معه إلى زينب.
قال ابن هشام : «وقد سمى ابن إسحاق الرجل في حديثه وقال: هو نافع بن عبد قيس فحرقوهما بالنار، قال فلما كان الغد بعث إلينا، فقال: إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما»(181) .
قال ابن كثير: تفرد به ابن إسحاق وهو على شرط السنن ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا الليث، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبى هريرة أنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» ثم قال حين أردنا الخروج: «إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا(182) » .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
3-أرنب بنت عفيف بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس(183) ، تزوجها قيس بن عمرو بن المؤمل(184) .
هؤلاء الثلاثة هم إخوة عمرو بن العاص رضي الله عنه من أمه.
زوجاته
1- ريطة بنت منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، وأمها زينب بنت وائل بن هشام بن سعيد بن سهم، تزوجها عمرو بن العاص في سن مبكرة، فأنجبت له عبد الله رضي الله عنه، روي أنها أسلمت يوم الفتح وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبدالله بن الزبيرقال: لما كان يوم الفتح أسلمت ريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبدالله بن عمرو بن العاص، وأتت رسول الله، فبايعته.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها وفي وأهل بيتها: نعم أهل البيت عبد الله وأم عبد الله. وليست لها رواية(185) .
2-
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 105أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، أسلمت بمكة وبايعت قبل الهجرة، وهي أول من هاجر من النساء بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة(186)
قال ابن إسحاق: وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط في هدنة الحديبية، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل، وقال: أبى الله ذلك(187) .
وفيها نزل: ﴿فَامتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ﴾(188) .
قال ابن عبد البر: يقولون إنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة، فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة، فقتل عنها يوم مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام، فولدت له زينب ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميداً. ومنهم من يقول: إنها ولدت لعبد الرحمن إبراهيم وحميداً ومحمداً وإسماعيل، ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهراً وماتت. وهي أخت عثمان لأمه(189) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
3- ذكر محمد بن حبيب البغدادي: أن عمراً تزوج بعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية(190) .
ويقال: خطبها عمرو بن العاص ومحمد بن أبي بكر فامتنعت عليهما(191) .
أولاده
1- ولِد لعمرو: عبد الله، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، أحد السابقين أسلم قبل أبيه، وكان فاضلاً حافظاً عالماً قرأ الكتاب، وهو أحد المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج السهمي(192) ، وكان لعبد الله بن عمرو من الولد محمد، وبه كان يكنى. وأمه بنت محمية بن جزء الزبيدي، وهشام، وهاشم، وعمران، وأم إياس، وأم عبد الله، وأم سعيد، وأمهم أم هاشم الكندية من بني وهب بن الحارث(193) .
قال ابن حزم لعبد الله بالوهط(194) ومكة عقب كثير، يناهزون
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 107المائة، منهم: كان المحدث عمرو، وأخواه عمر، وشعيب، بنو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، وأختهم عابدة: أمها عمرة بنت عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان زوجها الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وبسببها ردت أموال عمرو بن العاصي، بعد أن قبضها بنو العباس(195)
محمد، قال ابن حجر: وذكر العدوي في الأنساب أن محمداً صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وقال ابن سعد: أمه بلوية، وقال ابن البرقي: اسمها خولة بنت حمزة بن السليل(196) ، ومحمد لا عقب له(197) .
إسلامه
اختلف في السنة التي أسلم فيها عمرو بن العاص، فقيل: أسلم بين الحديبية وخيبر، ولا يصح، والصحيح ما ذكره الواقدي وغيره أن إسلامه كان سنة ثمان، وقدم هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة للمدينة مسلمين، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إليهم قال: «قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها(198) » .
قال الطبري:« كان سبب إسلام عمرو بن العاص ما حدثنا ابن
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 108حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى بن أبي أوس عن حبيب بن أبي أوس قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه إلى أذني قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكراً، وإني قد رأيت رأياً فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت، قلت: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فلأن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن يظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلا يأتينا منهم إلا خير، فقالوا: إن هذا لرأي، قلت: فاجمعوا له ما نهدي إليه، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدماً كثيراً ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فو الله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده، قال: فقلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد، فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال: مرحباً بصديقي أهديت لي شيئاً من بلادك، قلت: نعم، أيها الملك قد أهديت لك أدماً كثيراً، ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من
PDF 109أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره يعني النجاشي-، فلو انشقت الأرض لي لدخلت فيها فرقاً منه، ثم قلت: والله أيها الملك لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله، فقلت: أيها الملك أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: فتبايعني له على الإسلام قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامداً لرسول الله لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبل الفتح وهو مقبل من مكة، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان، قال: والله لقد استقام المنسم(199) وإن الرجل لنبي، أذهب والله أسلم فحتى متى، فقلت: والله ما جئت إلا لأسلم، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما قبله، وإن الهجرة تجب ما قبلها، فبايعته ثم انصرفت(200)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفاته
قال ابن عبد الحكم: وكانت صفة عمرو بن العاص كما حدثنا سعيد بن عفير عن الليث بن سعد: قصيراً، عظيم الهامة، ناتئ الجبهة، واسع الفم، عظيم اللحية، عريض ما بين المنكبين، عظيم الكفين والقدمين. قال: قال الليث يملأ هذا المسجد(201) .
قال بحير بن ذاخر المعافري:... فقام عمرو بن العاص على المنبر فرأيت رجلاً ربعة(202) قصد القامة، وافر الهامة، أدعج، أبلج، عليه ثياب موشية، كأن به العقيان تأتلق، عليه حلة وعمامة وجبة(203) .
أما صفاته الخُلقية: فقد كان عمرو بن العاص من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية والإسلام مذكوراً بذلك فيهم(204) ، فكان من رجال قريش شجاعة، ورأياً، ودهاء، وحزماً، وكفاءة، وبصراً بالحروب، ومن أشراف أمراء العرب، ومن أعيان المهاجرين، امتاز رضي الله عنه بأخلاق عالية وصفات رفيعة مع جميع طبقات المجتمع من أهلٍ، وأصحابٍ، وخدمٍ. وسأذكر مواقفاً حصلت له تدل على بعض ما تحلى به من هذه الصفات:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
شجاعته
- في غزوة أحد : خرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا، وكان منهم عمرو بن العاص خرج بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي أم ابنه عبد الله، وكان عمرو مشركاً آنذاك(205) .
- في يوم الأحزاب: عن جابر بن عبد الله قال: لقد رأيتني أحرس الخندق، وخيل المشركين تطيف بالخندق، وتطلب غرة ومضيقاً من الخندق، فتقتحم فيه، وكان عمرو بن العاص وخالد ابن الوليد هما اللذان يفعلان ذلك يطلبان الغفلة من المسلمين(206) .
وفي يوم الأحزاب: لما أخزى الله المشركين وهزم الأحزاب وحده، انسحب المشركون بجيوشهم وعسكرهم، وكان قائدهم أبو سفيان، فخاف أن يطلبهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله نقيم في جريدة من الخيل بإزاء محمد وأصحابه. فإنا لا نأمن أن نطلب. فقال عمرو: أنا أقيم. وقال: لخالد بن الوليد ما ترى أبا سليمان؟ فقال: أنا أيضاً أقيم. فأقام عمرو وخالد في مائتي فارس وسار
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فالشجاعة صفة ملازمة لعمرو من قبل الإسلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ؛ إِذَا فَقِهُوا(208) » .
أما بعد إسلامه - بعد أن صار هدفه في الحرب إما النصر أو الشهادة - فتاريخه حافل ومن شواهد ذلك:
ما دار بينه وبين مسيلمة الكذاب حين مر عليه يوم قدم من عمان إلى المدينة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. قال عمرو: فأقبلت حتى مررت على مسيلمة، فأعطاني الأمان، ثم قال: إن محمداً أرسل في جسيم الأمور، وأرسلت في المحقرات. وقلت: أعرض علي ما تقول. فقال: يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين، لا زاداً تنقرين ولا ماء تكدرين. ثم قال: يا وبر(209) يا وبر إنما أنت إبراد(210)
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 113وصدر وسائرك حفر(211) نقر، ثم أتى بأناس يختصمون إليه في نخلات قطعها بعضهم لبعض؛ فتسجى قطيفة، ثم كشف رأسه ثم قال: والليل الأدهم، والذئب الأصحم ما جاء ابن أبي مسلم من محرم. ثم تسجى الثانية فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس ما حرمته رطباً إلا كحرمته يابس. قوموا فلا أرى عليكم في ماصنعتم بأساً. قال عمرو: أما والله إنك لكاذب وإنا لنعلم أنك لمن الكاذبين فتوعدني.
وفي اليرموك قال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 114فأمهلوهم، حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فو الذي يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب، ويجزي بالإحسان إحساناً، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراً، وقصراً قصراً، فلا يهولكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل(212)
- وشد على عمرو بن العاص جماعة من الروم فانكشف عنه أصحابه وثبت عمرو فجالدهم طويلا وقاتل قتالاً شديداً ثم تراجع إليه أصحابه(213) .
- ولما حملت الأزد يوم اليرموك ودوس ودوخت المشركين دوخة عظيمة وحمل المشركون حملة هائلة انكشف المسلمون وكان صاحب لوائهم عياض بن غنم الأشعري، فولى منهزماً واللواء بيده، فصاح به الناس: إنما ثبات القوم وأهل الحرب بألويتهم. فابتدر لأخذه عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، كلاهما يتسابق إليه، فأخذه عمرو، ولم يزل يقاتل به حتى انهزمت الروم، وفتح الله على أيدي المسلمين(214) .
وفي رواية أخرى: فلما رأى عمرو بن العاص صاحب الراية ينكشف بها، أخذها ثم جعل يتقدم، وهو يصيح: إلي يا معاشر المسلمين، فجعل يطعن بها قدماً، وهو يقول: اصنعوا كما أصنع، حتى إنه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 115ليرفعها، وكأن عليها ألسنة المطر من العلق(215)
وكان لعمرو بن العاص سيف يسمى: اللُّجُّ، وقال في حروب الشام: الرجز:
أضربهم باللج حتى يخلّوا الفرج لمن مشى ودج(216) .
كفاءته وبصره بالحرب
اجتمعت في عمرو صفات القائد العظيم المحنك، وهي القوة والشجاعة، والبصيرة بالحرب، والخبرة بفنون القتال، وكانت هذه الصفات ظاهرة في شخصيته؛ لذلك كان يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ في توليه القيادة، ومما يدل على ذلك أنه:
- أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية نحو الشام، فبعثه إلى أخوال أبيه العاص ابن وائل من بلي فكان قدومه إلى المدينة في صفر سنة ثمان، ووجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة سنة ثمان، فيما ذكره الواقدي وغيره إلى السلاسل من بلاد قضاعة في ثلاثمائة(217) .
روى ابن سعد عن عبد الله بن بريدة قال: قال عمر لأبي بكر لما
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 116لم يدع عمرو بن العاص الناس أن يوقدوا ناراً: ألا ترى إلى هذا ما صنع بالناس يمنعهم منافعهم؟ قال: فقال أبو بكر: دعه، فإنما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا لعلمه بالحرب(218)
ولهذا قال عمرو بن العاص: ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد ابن الوليد في حربه منذ أسلمنا أحداً من أصحابه(219) .
- عندما اهتم أبو بكر بالشام وعنّاه أمره، وكان أبو بكر قد رد عمرو بن العاص إلى عمله الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاه إياه من صدقات سعد هذيم وعذرة وغيرهم قبل ذهابه إلى عمان، ووعده أن يعيده إلى عمله بعد عوده من عمان، فأنجز له أبو بكر عدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما عزم على قصد الشام كتب له: إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ووعدك به أخرى إنجازاً لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وليته، وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.
فكتب إليه عمرو: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به. فأمره وأمر الوليد بن عقبة وكان على بعض صدقات قضاعة أن يجمعا العرب،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 117ففعلا، وأرسل أبو بكر إلى عمرو بعض من اجتمع إليه، وأمره بطريق سماها له إلى فلسطين، وأمر الوليد بالأردن وأمده ببعضهم، وأمر يزيد بن أبي سفيان على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه، فيهم سهيل بن عمرو في أمثاله من أهل مكة، وشيَّعه ماشياً، وأوصاه وغيره من الأمراء(220)
لما تحركت جيوش المسلمين نحو الشام في عهد الخليفة أبي بكر رضي الله عنه، بلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل، وخرج هرقل حتى نزل بحمص، فأعد لهم الجنود وعبى لهم العساكر، وأراد اشتغال بعضهم عن بعض لكثرة جنده وفضول رجاله، وأرسل إلى عمرو أخاه تذارق لأبيه وأمه، فخرج نحوهم في تسعين ألفاً، وبعث من يسوقهم حتى نزل صاحب الساقة ثنية جِلَّق بأعلى فلسطين، وبعث جَرَجة بن توذرا نحو يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه، وبعث الدراقص فاستقبل شرحبيل بن حسنة، وبعث الفيقار بن نسطوس في ستين ألفاً نحو أبي عبيدة. فهابهم المسلمون، وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفاً سوى عكرمة في ستة آلاف. ففزعوا جميعاً بالكتب وبالرسل إلى عمرو: أن ما الرأي؟ فكاتبهم وراسلهم: إن الرأي الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة، وإذا نحن تفرقنا لم يبق الرجل منا في عدد يقرن فيه لأحد ممن استقبلنا وأعد لنا لكل طائفة منا، فاتعدوا اليرموك ليجتمعوا به وقد كتب إلى أبي بكر بمثل ما كاتبوا به عمراً، فطلع عليهم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 118كتابه بمثل رأي عمرو(221) وتوافقُ رأي أبي بكر ورأي عمرو بن العاص رضي الله عنه، يدل على شجاعته ودهائه وبصره بالحرب.
دهاؤه
لعل صفة الدهاء من أظهر صفات عمرو رضي الله عنه، حتى عرف بها بين قومه قبل الإسلام وبعده، وهي صفة تنم عن اتقاد ذكائه ووفور قريحته وقد وظَّفها عمرو جيداً في خدمة دينه، ومن أصدق الدلائل وأظهر الشواهد على ذلك:
- لما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم، فكانت وقعة أجنادين، وذلك أنه سار بجيشه وعلى ميمنته ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بني مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعاً من الروم عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غوراً، وأنكأها فعلاً، وقد كان وضع بالرملة جنداً عظيماً، وبايلياء جنداً عظيماً، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر.
فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج.
وبعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسي، ومسروق بن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 119بلال العكي على قتال أهل إيليا، وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه إمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء. وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل، فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته حتى عرف ما أراد، وقال الأرطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله.
فدعا حرسيّاً فسارَّه فأمره بقتله فقال: اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص، فقال للأرطبون: أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أحببت أن آتيك بهم، ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت.
فقال الأرطبون: نعم! فاذهب فأتني بهم، ودعا رجلاً فساره فقال: اذهب إلى فلان فرده.
وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب. وبلغت عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو.
ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالاً عظيماً، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو بن العاص،
PDF 120وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري، أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئاً بعد أجنادين، فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلاً يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني.
وكتب إليه معه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك.
فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا للأرطبون: من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد؟ فقال: صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف.
فرجع الرسول إلى عمرو، فأخبره بما قال، فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له: إني أعالج حرباً كئوداً(222) صدوماً، وبلاداً ادخرت لك، فرأيك.
فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمراً لم يقل ذلك إلا لأمر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس(223) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لما حضرت القبط(224) باب عمرو وبلغ عمراً أنهم يقولون: ما أَرَثَّ العرب وأهون عليهم أنفسهم، ما رأينا مثلنا دان لهم، فخاف أن يستثيرهم ذلك من أمرهم، فأمر بجزر فذبحت فطبخت بالماء والملح، وأمر أمراء الأجناد أن يحضروا وأعلموا أصحابهم، وجلس وأذن لأهل مصر، وجيء باللحم والمرق، فطافوا به على المسلمين فأكلوا أكلاً عربياً، انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعاً وجرأة، وبعث في أمراء الجنود في الحضور بأصحابهم من الغد، وأمرهم أن يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا، وأذن لأهل مصر فرأوا شيئاً غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوّام بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر، ونحوا نحوهم فافترقوا، وقد ارتابوا، وقالوا: كدنا. وبعث إليهم أن تسلحوا للعرض غداً، وغدا على العرض وأذن لهم فعرضهم عليهم، ثم قال: إني قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم أنكم في شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم فخشيت أن تهلكوا؛ فأحببت أن أريكم حالهم وكيف كانت في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب فظفروا بكم وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني، فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم في اليوم الثالث
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 122غير تارك عيش اليوم الثاني وراجع إلى عيش اليوم الأول، فتفرقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم، وبلغ عمر، فقال لجلسائه: والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة(225) كسورات الحروب من غيره، إن عمراً لَعِضٌّ(226) ثم أمره عليها وقام بها(227)
وقال معاوية لعمرو بن العاص رضي الله عنه: ما بلغ من دهائك يا عمرو؟ قال عمرو: لم أدخل في أمرٍ قط فكرهته إلا خرجت منه(228) .
فهو داهية قريش ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم(229) .
قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد. فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، والمغيرة للمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير(230) .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استضعف رجلاً في رأيه وعقله، قال: أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد، يريد خالق الأضداد(231) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فعن قبيصة بن جابر أنه قال: صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلاً أبين، أو قال: أنصع طرفاً منه ولا أكرم جليساً ولا أشبه سريرةً بعلانيةٍ منه(232) .
كرمه وورعه وصدقه
من صفات القائد العظيم المحنك، الكرم والورع والصدق، ومن تتبع تراجم عمرو يجد هذه الصفات متمثلة فيه، ومن دلائل ذلك:
أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما كان عند الموت دعا حرسه فقال: أي صاحب كنت لكم؟ قالوا: كنت لنا صاحب صدق تكرمنا وتعطينا وتفعل وتفعل(233) .
- حصل ذات يوم بين عمرو بن العاص وبين المغيرة بن شعبة كلام في الوهط(234) ، فسبَّه المغيرة، فقال عمرو يا آل هصيص، أيسبني ابن شعبة، قال ابنه عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، دعوت بدعوى القبائل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعوى القبائل، قال: فأعتق ثلاثين رقبة(235) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
- عن أبي عمران الفلسطيني قال: بينا امرأة عمرو بن العاص تفلي رأسه إذ نادت جارية لها فأبطأت عنها فقالت: يا زانية، فقال عمرو: رأيتيها تزني؟ قالت: لا. قال: والله لتضربن لها يوم القيامة ثمانين سوطاً، فقالت لجاريتها وسألتها تعفو، فعفت عنها، فقالت: هل يجزي عني؟ فقال لها وما لها ألا تعفو وهي تحت يدك! فأعتقيها. فقالت: هل يجزئ عني ذلك؟ قال: فلعل(236) .
- أن عمرو بن العاص قاتل الروم بالإسكندرية يوماً من الأيام قتالاً شديداً، فلما استحر القتال بينهم بارز رجل من الروم مسلمة بن مخلد فصرعه الرومي، وألقاه عن فرسه، وأهوى إليه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه، وكان مسلمة لا يقام بسبيله، ولكنها مقادير ففرحت بذلك الروم وشق ذلك على المسلمين، وغضب عمرو بن العاص لذلك، وكان مسلمة كثير اللحم ثقيل البدن فقال عمرو بن العاص عند ذلك: ما بال الرجل المسَّتَةُ(237) الذي يشبه النساء يتعرض مداخل الرجال ويتشبه بهم، فغضب مسلمة من ذلك ولم يراجعه... ثم اعتذر عمرو بعد ذلك، فقال: استغفر لي ما كنت قلت لك، فاستغفر له، وقال عمرو: والله ما أفحشت قط إلا ثلاث مرات؛ مرتين في الجاهلية، وهذه الثالثة، وما منهن مرة إلا وقد ندمت، وما استحييت من واحدة منهن أشد مما استحييت مما قلت لك، والله إني لأرجو أن لا أعود إلى الرابعة ما بقيت(238) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حلمه
تقدم أن من من صفات القائد العظيم المحنك الكرم والورع والصدق وقد وجدت هذه الصفات في عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولقد توجها بحلمه العظيم فمن ذلك:
في عام طاعون عمواس لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيباً فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظه، فطعن فمات، واستخلف على الناس معاذ بن جبل، قال: فقام خطيباً بعده، فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذاً يسأل الله أن يقسم لآل معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبدالرحمن بن معاذ فمات، ثم قام فدعا به لنفسه، فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئاً من الدنيا، فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام خطيباً في الناس فقال: أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبلوا منه في الجبال، فقال أبو واثلة
PDF 126الهذلي: كذبت والله، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شر من حماري هذا. قال: والله ما أرد عليك ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه، ثم خرج وخرج الناس، فتفرقوا، ورفعه الله عنهم، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص، فوالله ما كرهه(239)
فهذه بعض الصفات التي يتحلى بها عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهي أخلاق رفيعة ولا غرو في ذلك فهو من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم.
مناقبه
يكفي في فضله صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أكبر منقبة له، إذ فضل الصحبة لا يعادله فضل، وذكرت في المقدمة بعضاً من الآيات والأحاديث الدالة على فضل الصحابة إلا أن عمراً ورد في مناقبه وفضله أحاديث خاصة به، منها:
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ(240)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ: عَمْرٌو وَهِشَامٌ»(241)
3- قال طلحة رضي الله عنه: «ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ إني سمعته يقول: «إِنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْشٍ»(242) .
4- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: «كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَذْهَبُونَ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مُحْتَبٍ بِحَمَائِلِ(243) سَيْفِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَقَعَدْتُ مَعَ سَالِمٍ، وَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ كَانَ مَفْزَعُكُمْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، أَلاَ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَ هَذَانِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 128الرَّجُلاَنِ الْمُؤْمِنَانِ؟»(244)
5- عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يَا عَمْرُو اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلاَحَكَ، وَثِيَابَكَ، وَأْتِنِي، فَفَعَلْتُ فَجِئْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ الْبَصَرَ وَصَوَّبَهُ، وَقَالَ: يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ وَجْهًا، فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَيُغْنِمَكَ، وَأَزعَبُ(245) لَكَ مِنَ الْمَالِ زَعبَةً صَالِحَةً، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي الْمَالِ، إِنَّمَا أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْجِهَادِ، وَالْكَيْنُونَةِ مَعَكَ، قَالَ: يَا عَمْرُو، نَعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ، لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ(246) » .
أعماله
تولى عمرو بن العاص رضي الله عنه الكثير من المناصب والأعمال من النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده.
فقد أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية نحو الشام(247) فبعثه إلى
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أخوال أبيه العاص بن وائل من بلي يدعوهم إلى الإسلام ويستنفرهم إلى الجهاد، فشخص عمرو إلى ذلك الوجه، فكان قدومه إلى المدينة في صفر سنة ثمان، ووجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة سنة ثمان فيما ذكره الواقدي وغيره إلى السلاسل من بلاد قضاعة في ثلاثمائة.
وكانت أم والد عمرو من بلي، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض بلي وعذرة، يستألفهم بذلك، ويدعوهم إلى الإسلام، فسار حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له: السلاسل وبذلك سميت تلك الغزوة ذات السلاسل، فخاف فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الغزوة يستمده، فأمده بجيشٍ من مائتي فارس من المهاجرين والأنصار أهل الشرف، فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنه، وأمر عليهم أبا عبيدة، فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وإنما أنتم مددي. وقال أبو عبيدة: بل أنت أمير من معك، وأنا أمير من معي، فأبى عمرو، فقال له أبو عبيدة: يا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي: إذا قدمت على عمرو، فتطاوعا، ولا تختلفا، فإن خالفتني أطعتك. قال عمرو: فإني أخالفك، فسلم له أبو عبيدة، وصلى خلفه في الجيش كله، وكانوا خمسمائة(248) فأصابهم برد شديد فقال لهم عمرو: لا يوقدن أحد ناراً. قال: ثم قابل القوم، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فقال: يا نبي الله كان في أصحابي قلة فخشيت أن يرى العدو قلتهم، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 130يكون لهم كمين، قال: فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم(249)
وبعثه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة إلى سواع، صنم هذيل؛ ليهدمه قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابي، فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال أسلمت لله(250) .
- وبعثه صلى الله عليه وسلم في السنة نفسها إلى جَيْفَر وعمرو ابني الجُلَنْدَي بِعُمَان- وكان الملك منهما جيفراً، وكانا من الأزد -؛ مصدقاً فخليا بينه وبين الصدقة، فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم وأخذ الجزية من المجوس الذين بها، ولم يزل رضي الله عنه بِعُمَان حتى مات النبيّ صلى الله عليه وسلم(251) ، فخرج منها فقدم المدينة فبعثه أبو بكر الصديق أحد الأمراء إلى الشام، فتولى ما تولى من فتحها، وشهد اليرموك(252) .
وكان عمرو بن العاص من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر، وهو الذي افتتح قنسرين، وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية(253) وولاه بعد موت يزيد بن أبي سفيان، فلسطين والأردن،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 131وولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولى سعيد بن عامر بن خذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية، وكتب إلى عمرو ابن العاص، فسار إلى مصر، فافتتحها، فلم يزل عليها والياً حتى مات عمر، فأقره عثمان عليها أربع سنين أو نحوها، ثم عزله عنها، وولاها عبدالله بن سعد العامري(254) .فقدم عمرو المدينة فأقام بها، فلما نشب الناس في أمر عثمان خرج إلى الشام فنزل بها في أرض له بالسبع من أرض فلسطين، حتى قتل عثمان رضي الله عنه فصار إلى معاوية، فلم يزل معه يظهر الطلب بدم عثمان وشهد معه صفين، ثم ولاه معاوية مصر فخرج إليها فلم يزل بها واليا، وابتنى بها دارا ونزلها إلى أن مات بها(255)
وتولية عمرو بن العاص رضي الله عنه هذه المناصب والأعمال من قبل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده؛ تدل دلالة ظاهرة على فضله ودهائه وكفاءته وخبرته بالسياسة، وهذا ما شهد له عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظر إلى عمرو بن العاص يمشي فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً(256) .
جهاده
كان عمرو شغوفاً بالجهاد وكان شغله الشاغل؛ لينصر دين الله، ولكي يرزقه الله الشهادة، ولا غرو في ذلك فهو من فرسان قريش
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 132وشجعانهم ودهاتهم وأبطالهم في الجاهلية والإسلام، ولبصره بالحرب وخبرته بفنون القتال زيادة على ماتقدم كان محط الأنظار لتوليته أميراً للمجاهدين، فلذلك لما أسلم سنة ثمان، أمّره النبي في ذات السلاسل وأحسن في إمارته، وفعل أفعال تدل على قوة ذكائه وبصره بالحرب استنكرها كثير من الصحابة بداية لخفاء مقصده، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فأبان مقصده في منعهم من إيقاد النار مع ماهم فيه من برد شديد، ومنعهم من تتبع العدو، فقال: يا نبي الله كان في أصحابي قلة فخشيت أن يرى العدو قلتهم، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين، قال: فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم(257)
وشهد فتح مكة، وبعثه صلى الله عليه وسلم إلى صنم هذيل سواع فهدمه. وشهد مع رسول الله حنين وحصار الطائف، ولما نادى سعد بن عبيد بن أسيد بن عمرو بن علاج الثقفي قال: ألا إن الحي مقيم. قال: يقول عيينة بن حصن: أجل والله مجدة كرام، فقال عمرو بن العاص: قاتلك الله تمدح قوماً مشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصره؟ فقال: إني والله ما جئت معكم أقاتل ثقيفاً، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلاً، فإن ثقيفاً قوم مباركون. فأخبر عمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقالته فتبسم صلى الله عليه وسلم ثم قال: هذا الحمق المطاع(258)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وشارك في قتال أهل الردة، وفي فتوح الشام في عهد أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما وكان أحد أمراء الأجناد، وأبلى بلاء حسناً، ولا ننسى أنه أشار على المسلمين بالاجتماع في اليرموك لما تكالب عليهم العدو، وأنه شد عليه جماعة من الروم فانكشف عنه أصحابه وثبت عمرو فجالدهم طويلاً وقاتل قتالاً شديداً ثم تراجع إليه أصحابه، وأنه لما انكشف المسلمون تسابق عمرو بن العاص وخالد بن الوليد؛ لأخذ الراية فسبقه عمرو، ولم يزل يقاتل به حتى انهزمت الروم وفتح الله على أيدي المسلمين(259) وهو الذي أشار على عمر بفتح مصر ودخلها بأربعة الآف مقاتل. وقد تقدم(260) في صفاته الخُلُقية بيان شجاعته وكفاءته وبصيرته ودهائه بالحرب مما يغني عن تكراره.
ولقد أحسن الدكتور إبراهيم في وصف حب عمرو للجهاد حيث يقول:
«أما حبه للجهاد فقد كان يفوق الوصف- ذلك الحب الذي استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيما، حتى كان يتسابق إليه غير مبال بجموع أعدائه مهما كثرت، وقوة جنده مهما قلت، وإن محاولته فتح مصر بأربعة آلاف مقاتل أو أقل لأقوى دليل وأسطع برهان على صحة مانقول»(261) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عدله وأمانته
لم يعرف عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ظلم الرعية أثناء الأعمال التي تولاها بل كان يترفق بهم، ويراعي أحوالهم، فضلاً عن أنه كان موضع ثقة الخليفة العادل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجعله أميراً على مصر طوال حياته، ولو رأى منه ما يخالف الجادة، لعزله وولى غيره كما عزل غيره من العمال.
ومن صور عدله أن تأخر في استلام الخراج من أهل مصر إنظاراً لهم حتى كتب إليه عمر في ذلك، فكتب إليه عمرو بن العاص:
بسم الله الرحمن الرحيم لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليكم، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج، ويزعم أني أعند عن الحق، وأنكب عن الطريق، وإني والله ما أرغب عن صالح ما تعلم، ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم، فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيراً من أن يخرق بهم، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى عنهم عنه والسلام(262) .
ومن ذلك أنه لما زوج ابنه عبد الله بن عمرو فبلغه تقصيره في حق زوجته عنفه على ذلك وشكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن عمرو
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 135قال: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي جعلت لا أنحاش لها، مما بي من القوة على العبادة، من الصوم والصلاة، فجاء عمرو بن العاص إلى كنته، حتى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟قالت: خير الرجال أو كخير البعولة، من رجل لم يفتش لنا كنفاً، ولم يعرف لنا فراشاً، فأقبل علي، فعذمني، وعضني بلسانه، فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب، فعضلتها، وفعلت، وفعلت ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكاني، فأرسل إلي النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته، فقال لي: أتصوم النهار؟ قلت: نعم، قال: وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني(263)
وهو يرى أحوج الناس للعدل من كان تحت سلطته، فهذه نظرة إلى حادثة جزئية في بيته تعطي فهما لشخصيته هو لمعنى العدل.
فعن معاوية بن صالح عن أبي عمران الفلسطيني قال بينا امرأة عمرو بن العاص تفلي رأسه إذ نادت جارية لها فأبطأت عنها، فقالت: يا زانية! فقال عمرو: رأيتيها تزني، قالت: لا، قال: والله لتضربن لها يوم القيامة ثمانين سوطاً، فقالت لجاريتها وسألتها تعفو فعفت عنها، فقالت: هل يجزي عني؟ فقال لها: وما لها ألا تعفو وهي تحت يدك،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 136فهو عفو العاجز الضعيف عن الثأر (فأعتقيها، فقالت، هل يجزئ عني ذلك؟ قال: فلعل)(264) والقادر والسلطان هما مناط العدل الحقيقي فيمن تحت يدهما(265)
تواضعه
عن الحسن البصري: قال: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلاً مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبه، أليس رجلاً صالحاً؟ قال: بلى. قال: قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبك، وقد استعملك. فقال: قد استعملني، فوالله ما أدري أحباً كان لي منه، أو استعانة بي، ولكني سأحدثك برجلين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبهما عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر(266) .
وقال محمد بن الأسود بن خلف بن بياضة الخزاعي: إنا لجلوس في الحجر وناس من قريش، إذ قيل: قدم الليلة عمرو بن العاص من مصر، فما أكبر بأن دخل، فابتدرناه بأبصارنا، فلما طاف دخل الحجر، وصلى ركعتين، ثم قال: كأنكم قد قرضتموني بهنت، فقال القوم: لم نذكر إلا خيراً، ذكرناك وهشاماً، فقال بعضنا: هذا أفضل، وقال بعضنا: هذا أفضل. فقال عمرو: سأخبركم عن ذلك، إنا أسلمنا فأحببنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناصحناه، فذكر يوم اليرموك، فقال: أخذ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 137بعمود الفسطاط حتى اغتسل وتحنط، وتكفن، ثم أخذ بعمود الفسطاط حتى اغتسلت، وتحنطت، وتكفنت، ثم اعترضنا على الله تبارك وتعالى، فقبله، فهو خير مني. قبله، فهو خير مني. قبله، فهو خير مني(267)
عبادته
من المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم من أحرص الناس على فعل الطاعات على تفاضل بينهم، وعمرو بن العاص كما أنه من أهل الإمارة والجهاد كان كذلك له نصيب وافر من العبادات الأخرى، فعن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرو بن العاص كان يسرد الصوم، وقلما كان يصيب من العشاء أول الليل أكثر ما كان يصيب من السحر، قال وسمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ فَصْلًا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ(268) » ( .
أحاديثه
تقدم الحديث عن شغف عمرو للجهاد، وتوليته الأعمال من قبل النبي صلى الله عليه وسلم منذ إسلامه؛ لما آتاه الله من دهاء وبصيرة بالحرب؛ فلذلك لم يكن ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يستقر أيضاً كثيراً بالمدينة؛ بل مات النبي صلى الله عليه وسلم وعمرو رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 138بِعُمَان لتنفيد المهمات التي كلفه بها النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمرو بن العاص السهمي رضي الله عنه سهماً من سهام الإسلام كما قال هو عن نفسه لأبي بكر لما عناه أمر الشام، فأراد أن يبعثه في بعث الشام إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به(269) ولا شك أن من يقوم بهذه الأعباء لن يكن مكثراً من رواية الأحاديث عن رسول صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الأحاديث التي رواها تبلغ بالمكرر تسعة وثلاثين، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين(270)
ومن أحاديثه التي تدل على فقهه وفطنته مع حداثة عهده بالإسلام، تيممه للجنابة في غزوة ذات السلاسل لما خشي على نفسه الهلاك من البرد، روى أبو داود وغيره عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت رسول الله يقول: ﴿وَلَا تَقتُلُوٓاْ أَنفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُم رَحِيمٗا﴾ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً(271) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بلاغته وشِعره وحِكَمه وأمثاله
تمتع عمرو بن العاص رضي الله عنه ببلاغة منطقه، وفصاحة لسانه، ورصانة شعره، ويظهر ذلك في خطبه، ومكاتباته. فهو الخطيب المصقع، والفصيح المفَّوه، فمما ورد من خطبه الفصيحة ما روي عن بحير بن ذاخر المعافري أنه قال: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة... فأقام المؤذنون للصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر... فحمد الله وأثنى عليه حمداً موجزاً، وصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم، ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحض على الزكاة، وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول وكثرة العيال، وقال في ذلك:
يا معشر الناس إياي وخلالاً أربعاً، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العزة، إياي وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال في غير درك ولا نوال، ثم إنه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه والتدبير لشأنه وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل ولا يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه؛ فيحور من الخير عاطلاً وعن حلال الله وحرامه غافلاً.
يا معشر الناس إنه قد تدلت الجوزاء، وذكت الشعرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السخائل(272) وعلى الراعي بحسن رعيته حسن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 140النظر، فحي لكم على بركة الله إلى ريفكم فنالوا من خيره، ولبنه، وخرافه، وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها فإنها جنتكم من عدوكم، وبها مغانمكم وأثقالكم. واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيراً، وإياي والمشمومات والمعسولات فإنهن يفسدن الدين، ويقصرن الهمم، حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لكم منهم صهراً وذمة، فعفوا أيديكم وفروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا: أني معترض الخيل كاعتراض الرجال فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، واعلموا: أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم، وتشوق قلوبهم إليكم وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض، فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله قال؛ لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة. فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم، فإذا يبس العود وسخن العمود وكثر الذباب وحمض اللبن وصوح البقل وانقطع الورد من الشجر فحي على فسطاطكم
PDF 141على بركة الله، ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته، أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم. قال: فحفظت ذلك عنه فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لما حكيت له خطبته إنه يا بني يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حداهم على الريف والدعة(273)
ومما يدل على فصاحته وبلاغته وقوة تصوره وتخيله الواسع - ماكتبه لأمير المؤمنين في وصف مصر.
قال بعض المؤرخين: إنه لما استقر عمرو بن العاصي رضي الله عنه على ولاية مصر كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن صف لي مصر؛ فكتب إليه: ورد كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يسألني عن مصر: اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء؛ طولها شهر، وعرضها عشر، يكنفهاجبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الروحات، تجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر، له أوان يدر حِلابُه، ويكثر فيه ذبابه، تمده عيون الأرض وينابيعها حتى إذا ما اصلخم(274) عجاجه(275) وتعظمت أمواجه، فاض
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 142على جانبيه فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن في المخايل(276) ورق الأصائل(277) فإذا تكامل في زيادته، نكص على عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في درته(278) فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة، وذمة مخفورة، يحرثون بطون الأرض ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب؛ لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جدهم؛ فإذا أحدق الزرع وأشرق، سقاه الندى وغذاه من تحته الثرى؛ فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء(279) فإذا هي ديباجة رقشاء(280) فتبارك الله الخالق لما
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 143يشاء. والذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنيها فيها، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يُستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها، في عمل جسورها وترعها؛ فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال؛ والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل.
فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لله درك يا بن العاص! لقد وصفت لي خبراً كأني أشاهده(281) .
كذلك ما كتبه أيضاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما سأله عن البحر، وكان قد ألح معاوية في زمانه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غزو البحر وقرب الروم من حمص، وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه فكتب إليه عمرو: إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ركد خرق(282) القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة، هم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا برق(283) .
فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية لا والذي بعث محمداً بالحق لا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 144أحمل فيه مسلماً
أبداً(284) .
وليست هذه الفصاحة والبلاغة عن عمرو بمستنكرة فهو أحد الشعراء المشهورين والبلغاء المعروفين، حسن الشعر، جميل المنطق، حفظ عنه الكثير في مشاهد شتى.
ومن شعره في أبيات له يخاطب عمارة بن الوليد بن المغيرة عند النجاشي:
| إِذَا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعَاماً يُحِبُّهُ | وَلَمْ يَنْهَ قَلْباً غَاوِياً حَيْثُ يَمَّمَا |
|---|---|
| قَضَى وَطَراً مِنْهُ وَغَادَرَ سُبَّةً | إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا تَمْلأُ الفَمَا(285) ( 285 ) |
ومن شعره يوم أحد وكان آنذاك كافراً:
| خَرَجْنَا مِنْ الْفَيْفَا عَلَيْهِمْ كَأَنّنَا | مَعَ الصّبْحِ مِنْ رَضْوَى الْحَبِيكِ الْمُنَطّقِ(286) ( 286 ) |
|---|
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| لَدَى جَنْبَ سَلْعٍ(287) ( 287 ) | وَالْأَمَانِيّ تَصْدُقُ |
| فَمَا رَاعَهُمْ بِالشّرّ إلّا فُجَاءَةً | كَرَادِيسُ(288) ( 288 ) خَيْلٍ فِي الْأَزِقّةِ تَمْرُقُ |
| أَرَادُوا لِكَيْمَا يَسْتَبِيحُوا قِبَابَنَا | وَدُونِ الْقِبَابِ الْيَوْمَ ضَرْبٌ مُحَرّقُ |
| وَكَانَتْ قِبَابًا أُومِنَتْ قَبْلَ مَا تَرَى | إذْ رَامَهَا قَوْمٌ أُبِيحُوا وَأُحْنِقُوا(289) ( 289 ) |
| كَأَنّ رُءُوسَ الْخَزْرَجِيّينَ غَدْوَةً | وَأَيْمَا نَهم بِالْمَشْرِفيّةِ بَرْوَقُ(290) ( 290 ) |
ومن شعره في يوم أحد أيضاً:
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| أَيْقَنْت أَنّ الْمَوْتَ حَقّ | وَالْحَيَاةَ تَكُونُ لَغْوًا |
| حَمَلَتْ أَثَوَابِي عَلَى | عَتَدٍ يَبُذّ الْخَيْلَ رَهْوَا(293) ( 293 ) |
| سَلِسٍ إذَا نُكِبْنَ فِي الْ | بَيْدَاءِ يَعْلُو الطّرَفَ عُلْوَا |
| وَإِذَا تَاؤُهُ | مِنْ عِطْفِهِ يَزْدَادُ زَهْوَا(294) ( 294 ) |
| رَبِذٍ كَيَعْفُورِ الصّرِي | مَةِ رَاعَهُ الرّامُونَ دَحْوَا(295) ( 295 ) |
| شَنِجٍ نَسَاهُ سبِطٍ | لِلْخَيْلِ إرْخَاءً وَعَدْوَا(296) ( 296 ) |
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| فَفِدَى لَهُمْ أُمّي غَدَا | ةَ الرّوْعِ إذْ يَمْشُونَ قَطْوَا(297) ( 297 ) |
| سَيْرًا إلَى كَبْشِ الْكَتِي | بَةِ إذْ جَلَتْهُ الشّمْسُ جَلْوَا(298) ( 298 ) |
ومن شعره عندما رجع من عمان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد خرج معه -لتشيعه- أبو صفرة ظالم بن سراق، وجفير بن جعفر، وعبادة بن الجلندي في سبعين فارساً من وجوه أهل عمان، فأنشأ عقبة بن النعمان العتكي أبياتاً مطلعها:
| وَفَيْنَا لِعَمْرٍو يَوْمَ عَمْرٍو كَأَنَّهُ | طَرِيدٌ نَفَتْهُ مَذْحِجٌ وَالسَّكَاسِكُ(299) ( 299 ) |
|---|
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ أَعْظِمْ بِحَقِّه | عَلَيْنَا وَمَنْ لا يَعْرِفِ الحق هالك |
فمدحهم عمرو بن العاص في قصيدة له حيث يقول (من الطويل):
| أَقُولُ وَحَوْلِي آلُ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ | جَزَى اللَّهُ عَنِّي الأَزْدَ(300) ( 300 ) خَيْرَ جَزَاءِ |
|---|---|
| أَتَيْتُ عُمَانًا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ | وَلَيْسَتْ بِأَرْضٍ لِي وَلا بِسَمَاءِ |
| فَحَيَّ هَلا بِالأَزْدِ أَرْبَابِ نِعْمَةٍ | وَأَهْلِ حِبَاءٍ صَادِقٍ وَوَفَاءِ |
| تَضَمَّنَنِي مِنْهُمْ عِبَادٌ وَجَيْفَرٌ | وَظَالِمٌ الدَّاعِي لِكُلِّ علاء |
| أَتَيْتُ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ سَالِمًا | أُجَرْجِرُ فِيهَا مِئْزَرِي وَرِدَائِي |
| عَلَى حِينِ أَنْ جَاشَتْ مَعَدُّ(301) ( 301 ) بِرِدَّةٍ | وَأَوْبَاشُ هَذَا الْحَيِّ حَيِّ ضِبَاءِ(302) ( 302 ) |
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| فَمَا بَيْنَنَا إِلا سُيُوفٌ وَتَارَةً | بِهَسْمٍ(303) ( 303 ) وَأْشَطَانِ الْجُزُورِ ظِمَاءِ |
| مُقَرَّبَةُ الآجَالِ مِنَّا وَمِنْهُمُ | عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ ذَا بِخَفَاءِ |
| تَدُورُ رَحَا الآجَالِ فِينَا وَفِيهِمُ | بِدَوْرِ فَنَاءٍ أَوْ بِدَوْرِ بَقَاءِ(304) ( 304 ) |
وله حكم وأمثال نفيسة يستفيد منها المرء في حياته منها:
1- قوله رضي الله عنه: لا أملُّ ثوبي ما وسعني، ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أملُّ دابتي ما حملتني، إن الملال من سيء الأخلاق.
2- وقال لعبد الله ابنه رضي الله عنه: يا بنين سلطان عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم(305) خير من سلطان ظلوم، وسلطان غشوم(306) ظلوم
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 150خير من فتنة تدوم. يا بني، زلة الرجل عظم يجبر، وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر. يا بني، استراح من لا عقل له فأرسلها مثلاً.
3- قال عمرو بن العاص لمعاوية رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين لا تكونن لشيء من أمر رعيتك أشد تعمداً منك لخصاصة الكريم حتى تعمل في سدها، ولطغيان اللئيم حتى تعمل في قمعه، واستوحش من الكريم الجائع، ومن اللئيم الشبعان، فإن الكريم يصول إذا جاع، واللئيم يصول إذا شبع.
4- قال معاوية لعمرو بن العاص رضي الله عنه: من أبلغ الناس؟ قال: من اقتصر على الإيجاز وسلب الفضول. قال فمن أصبر الناس؟ قال: أردهم لجهله بحلمه.
5- قال عمرو لمعاوية رضي الله عنه: ما بطن قوم قط إلا فقدوا عقولهم، وما قضيت عزيمة رجل مات بطيناً.
6- قال رضي الله عنه: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعرف خير الشرين.
7- قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: ليس الحليم من يحلم عن من يحلم عنه ويجاهل من جاهله، ولكن الحليم من يحلم عن من يحلم عنه ويحلم عن من جاهله.
8- قال رضي الله عنه: الرجال ثلاثة: فرجل تام، ونصف رجل، ولا شيء. فأما الرجل التام: فالذي يكمل الله له دينه وعقله، فإذا أراد أمراً لم
PDF 151يمضه حتى يستشير أهل الرأي والألباب، فإذا وافقوه حمد الله وأمضى رأيه فلا يزال ذلك مضياً موفقاً. والنصف رجل: الذي يكمل الله له دينه وعقله فإذا أراد أمراً لم يستشر فيه أحداً، وقال: أي الناس كنت أطيعه أو أترك رأيي لرأيه فيصيب ويخطئ. والذي لاشيء: الذي لا دين ولا عقل ولا يستشير فلا يزال ذلك مخطئاً مدبراً. قال عمرو: والله إني لأستشير في الأمر الذي أردته حتى أستشير خدمي وما علي بعرض عقولهم وأسمع.
9- قال عمرو بن العاص: رضي الله عنه لجلسائه وتذاكروا شيئاً من أمر الدنيا: أي شيء رأيتم أحسن؟ فذكروا النساء المرأة الحسنة والدابة، فقال عمرو: وما شيء أحسن من غمرات ثم تنجلي.
10- قال معاوية بن أبي سفيان لعمرو بن العاص: ما ألذ الأشياء؟ قال: يا أمير المؤمنين مر أحداث قريش فليقوموا، فلما قاموا قال: إسقاط المروءة، يريد أن الرجل إذا لم يهمه مروءته تلذذ وعمل ما يشتهي ولم يلتفت إلى لوم لائم.
11- قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: نكح العجز التواني فولد منه الندامة.
12- قال رضي الله عنه: لا وجع إلا العين ولا حزن إلا الدين.
13- قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما وضعت سري عند أحد فأفشاه فلمته عليه، أنا كنت أضيق به حين استودعته.
14- قال عمرو بن العاص رضي الله عنه:
PDF 152انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويبصر في عين أخيه القذى فيعيبه، ويكون في عينه الجذع فلا يعيبه، ويكون في دابته الصعر فيقومها بجهده ويكون فيه الصعر فلا يقوم نفسه(307)
تجارته وتركته
تقدم أن العاص والده كان ثرياً، وأنه كان يلبس الحرير والديباج، ومع ذلك فقد بدأ عمرو بن العاص رضي الله عنه بالتجارة والاعتماد على النفس من أول أمره فخرج مع نفر من قريش للتجارة، فلما قدم إلى بيت المقدس فإذا هم بشَمَّاس(308) من شَمَامِسَة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج في بعض جبالها يَسيحُ، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوباً بينهم، فبينما عمرو يرعى إبله إذ مر به ذلك الشَّمَّاسُ وقد أصابه عطش شديد في يوم الحر فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة له فشرب حتى روى ونام الشَّمَّاسُ مكانه وكانت إلى جنب الشَّمَّاس حيث نام حفرة فخرجت منها حية عظيمة فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها، فلما استيقظ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 153الشَّمَّاسُ نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه الله منها فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها فقتلها فأقبل إلى عمرو فقبل رأسه وقال قد أحياني الله بك مرتين؛ مرة من شدة العطش ومرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا. فقال له الشَمَّاسُ: وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك؟ قال رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيراً فإني لا أملك إلا بعيرين، فأملي أن أصيب بعيراً آخر فتكون لي ثلاثة أبعرة. فقال له ذلك الشَّمَّاسُ: أرأيت دية أحدكم بينكم كم هي؟ قال: مائة من الإبل. قال له ذلك الشَّمَّاسُ: لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير، قال: يكون ألف دينار. فقال له ذلك الشَّمَّاسُ: إني رجل غريب في هذه البلاد وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس وأسَيحُ في هذه الجبال شهراً جعلت ذلك نذراً على نفسي وقد قضيت ذلك وأنا أريد الرجوع إلى بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي؟ ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين؛ لأن الله عز وجل أحياني بك مرتين. فقال له عمرو: وأين بلادك؟ قال: مصر في مدينة يقال لها الإسكندرية. فقال له عمرو: لا أعرفها ولم أدخلها قط، فقال له ذلك الشَّمَّاسُ: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها.
فقال عمرو: وتفي لي بما تقول وعليك بذلك العهد والميثاق. فقال له ذلك الشَّمَّاسُ: نعم لك الله علي بالعهد والميثاق أن أفي لك وأن أردك إلى أصحابك. فقال عمرو: وكم يكون مكثي في ذلك؟ قال:
PDF 154شهراً: تنطلق معي ذاهباً عشرة أيام، وتقيم عندنا عشراً، وترجع في عشر، ولك علي أن أحفظك ذاهباً، وأن أبعث معك من يحفظك راجعاً. فقال له عمرو: أنظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك، فانطلق عمرو إلى أصحابه فأخبرهم بما عاهده عليه ذلك الشَّمَّاسُ وقال لهم: تقيموا علي حتى أرجع إليكم، ولكم علي العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم وبعثوا معه رجلاً منهم فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير فأعجبه ذلك، وقال: ما رأيت مثل مصر قط وكثرة ما فيها من الأموال، ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها وما بها من الأموال فازداد عجباً، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيداً فيها عظيماً يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم أكرة من ذهب مكللة يترامى بها ملوكهم وهم يتلقونها بأكمامهم، وفيما اختبروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم أنها من وقعت الأكرة في كمه واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم، فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه ذلك الشَّمَّاسُ الإكرام كله وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس عمرو وذلك الشَّمَّاسُ مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقونها بأكامهم، فرمى بها رجل منهم فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو فعجبوا من ذلك وقالوا ماكذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابي يملكنا هذا ما لا يكون أبداً، وإن ذلك الشَّمَّاسُ مشى في أهل
PDF 155الإسكندرية وأعلمهم أن عمراً أحياه مرتين وأنه قد ضمن له ألفي دينار وسألهم أن يجمعوا له ذلك فيما بينهم ففعلوا ذلك ودفعوها إلى عمرو فانطلق عمرو وصاحبه وبعث معهما الشماس دليلاً ورسولاً وزودهما وأكرمهما حتى رجع وصاحبه إلى أصحابهما؛ فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها مالاً، فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفاً قال عمرو: وكان أول مال اعتقدته وتأثلته(309)
وكان لعمرو بستان عظيم بالطائف يُسمى الوهط يتمناه الملوك.
قال عمرو بن العاص بعد الخندق: والله ليظهرن محمداً على قريش! فلحقت بمالي بالوهط وأقللت من الناس(310) .
وعن عمرو بن دينار أخبرني مولى لعمرو بن العاص أن عمرو بن العاص أدخل في عريش الوهط ألف ألف عود كل عود بدرهم(311) .
قال ابن الأعرابي: عرش عمرو بن العاص بالوهط ألف ألف عود
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 156كرم(312) على ألف ألف خشبة ابتاع كل خشبة بدرهم، فحج سليمان بن عبد الملك فمر بالوهط فقال: أحب أن أنظر إليه فلما رآه، قال: هذا أكرم مال وأحسنه، ما رأيت لأحد مثله لولا أن هذه الحرة في وسطه، فقيل له ليست بحرة ولكنها مسطاح الزبيب، وكان زبيبه جمع في وسطه فلما رآه من البعد ظنه حرة سوداء وقال ابن موسى: الوهط قرية بالطائف على ثلاثة أميال من وج(313) كانت لعمرو بن العاص(314)
وقد زاد ماله ونمى بما أنعم الله على الدولة الإسلامية قاطبة من كثرة الموارد والخيرات، وقد نص الذهبي في السير بأنه: «خلف أموالاً كثيرة، وعبيداً، وعقاراً»(315) .
إلا أنني لم أجد رواية صحيحة تنص أن أنه خلف مالاً كثيراً، أو
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 157تحصر ماله، وأحسن ما وجدت في الباب روايتين؛ أحسنهما ما رواه أبو عمر الكندي المصري في كتاب الولاة وكتاب القضاة(316) قال: حدثنا ابن قديد، قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدثني نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن أبي فراس، قال: مات عمرو بن العاص، ولم يترك إلا سبعة دنانير، وكانت وفاة عمرو ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين واستخلف ابنه عبد الله على صلاتها وخراجها.
نعيم بن حماد الخزاعي أبو عبد الله المروزي روى له البخاري مقروناً، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، واختلف فيه، وثقة قوم وضعفه آخرون(317) .
قال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيراً فقيه عارف بالفرائض وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال باقي حديثه مستقيم(318) .
وقال الذهبي: أحد الأئمة الأعلام على لين في حديثه(319) .
والرواية الثانية: عند ابن عساكر في تاريخه قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم نا عبد العزيز بن أحمد أنا أبو محمد بن أبي نصر نا أبو علي الحسن بن حبيب نا يزيد بن عبد الصمد نا أبو سهل ناه قل بن زياد حدثني الأوزاعي حدثني رجل من قريش قال لما حضرت
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 158عمرو بن العاص الوفاة، قال له ابنه عبد الله: يا أبتاه أوص في مالي ومالك ما بدا لك، قال: فدعا كاتباً، فقال: اكتب، فجعل يكتب، قال: فلما أسرع في المال، قال: يا أبة لا أحسبك إلا قد أتيت على مالي ومال إخوتي، فلو بعثت إلى إخوتي فتحلل ذلك منهم، قال عمرو للكاتب: اقرأه، فقرأه فقال عبد الله بن عمرو: بخ بخ، قال: فقال له عمرو: يا عبد الله أتشكر هذا فوالله لامرأة من المهاجرات أقبلت تتغير في صرحو(320) تقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمله عليه في سبيل الله خير من هذا كله، جاء ذاك من حيث جاء وجاء هذا من حيث جاءنا عبد الله، والله لقد هلكنا إلا أنا معتصمين بلا إله إلا الله(321)
والسند ضعيف فيه مبهم – رجل من قريش-.
ولو افترض صحة الروايتين، لحمل على أنه تصدق بالكثير حتى لم يبق من الأموال النقدية إلا سبعة دنانير، وترك لورثته عبيداً وعقاراً.
وكان أنفس ماله بستانه العظيم بالطائف- الوهط- وكان يمتلكه من قبل أن يمن الله عليه بالإسلام، وقد وقفه عند موته، وجعله صدقة لله سبحانه وتعالى تضاف إلى ميزان حسناته بعد موته.
فعن عمرو بن دينار قال: كتب عمرو بن العاص رضي الله عنه في وصيته في
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 159الوهط وجعلها صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث وهي إلى الأكبر من ولدي المتبع فيها عهدي وأمري، فإن لم يقم بعهدي ولا أمري فليس لي بولي حتى يرثه الله قائماً على أصوله(322)
فعمرو رضي الله عنه مع ما كان عليه من سعة الرزق وبسطة المال فلم يخدعه عن آخرته ولم يكترث به، بل كان ينظر إليه بعين الازدراء؛ لذلك أذهب الكثير منه بالصدقة.
وهكذا هو شأن الصحابة رضوان الله عليهم لا يكترثون بالمال، فمن اغتنى منهم، فغاية ما في الأمر أن المال تملكه يداه، ولا يتعلق به قلبه.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفاته
حضرته الوفاة وهو بمصر أميراً عليها، ففي صحيح مسلم(323) عن ابن شماسة المهري أنه قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، يبكي طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إني قد كنت على أطباق(324) ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه، فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: ما لك يا عمرو؟ قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لاني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار، فإذا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 161دفنتموني فَشُنُّوا علي التراب شَنَّاً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.
ثم وضع يده موضع الغلال من ذقنه وقال: اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، وكانت تلك هجيراه حتى مات(325) .
وفي رواية: أنه قال: اللهم إنك أمرتنا فركبنا، ونهيتنا فأضعنا، فلا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله. وما زال يقولها حتى مات(326) .
قال أبو زرعة: ومات عمرو بن العاص بمصر في يوم عيد، وصلى عليه ابنه عبد الله بن عمرو، كما حدثني عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: حدثني ربيعة بن لقيط: أن عبد الله لما تقدم ليصلي عليه قال: والله ما أحب أن لي بأبي أبا رجل من العرب، وما أحب أن الله يعلم أن عيني دمعت عليه فزعاً، وأن لي حمر النعم، ثم كبر(327) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وذلك في يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة ثمان وأربعين وقيل: سنة إحدى وخمسين. والأول أصح.
وله بضع وثمانون سنة، قال الذهبي: كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عاماً، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين رضي الله عنه(328) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثاني: الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه
المبحث الأول: شبهات تتعلق بنسب عمرو بن العاص.
المبحث الثاني: شبهات تتعلق بعدالته.
المبحث الثالث: شبهات حول علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث الرابع: شبهات حول علاقته بالصحابة رضي الله عنه.
المبحث الخامس: شبهات حول فتحه لمصر وحكمه لها، وعلاقته بأهلها عموماً والأقباط خصوصاً.
مدخل
الناظر في الشبهات المثارة حول الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه بعد التأمل يرى أنها على خمسة أقسام:
القسم الأول: شبهات تتعلق بنسب عمرو بن العاص.
القسم الثاني: شبهات حول علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم.
القسم الثالث: شبهات حول علاقته بالصحابة رضي الله عنهم. وأساسها الفتنة التي حصلت في عهد الصحابة، وقد تقدم في التمهيد حاصل هذه الفتنة وموقف المسلم منها(329) .
القسم الرابع: شبهات حول فتحه لمصر وحكمه لها.
القسم الخامس: شبهات تتعلق بعدالته رضي الله عنه ومفادها: أنه ليس على جانب متين من الدين. حاشاه وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ»(330) .
أَبَعْدَ هذه التزكية من تهمة، وبعد هذه الشهادة من مطعن؟!!، وقانا الله شر الهوى ونزغات الشيطان، وهنا لا بد من إشارات ومنارات على الطريق، حريٌ بكل مسلم أن يضعها نصب عينيه؛ حتى
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 166يسلم من إثم الوقيعة في المسلمين، ويسلم المسلمون من لسانه ويده. وبيان ذلك:
أنه ينبغي للمسلم قبل أن يصدر أحكامه على الآخرين أن يجعل ما بلغه من أخبارهم في ميزان التثبت والعدالة، ويكون ذلك على النحو التالي:
1- النظر في ثبوت ذلك عنه، فغير الثابت كعدمه، إذ ليس من العدل أن ننسب لغير الصحابة أمراً ما بدون بينة صحيحة، فكيف بالصحابي!.
2- فإذا صحت النسبة إليه نظرنا هل ذلك الأمر اجتهادي يسوغ الخلاف فيه أم لا؟، فإن كان من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف ففي الأمر سعة؛ إذ ليس قول أحد المجتهدين أولى من الآخر، فكلا القولين مبني على الظن، ولكل وجهة نظر، والعقول تتفاوت، وفي هذا النوع من المسائل يتأتى معنى العبارة الشهيرة (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) أي في المسائل الاجتهادية التي ليس فيها نص قاطع ولا إجماع ولا قياس جلي(331) .
3- فإذا كان الأمر لا يسوغ فيه الخلاف لكن يمكن حمله
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 167على محمل حسن، فيُلتمس له العذر ويُحمل على ذلك المحمل الحسن؛ إذ الأفضل حمل فعل المسلم أو قوله على السلامة لاسيما إن كان من أهل الفضل والعدالة.
4- فإن لم يكن ما تقدم؛ يُصدر الحكم، لكن أحياناً بعض الأحكام كالتكفير والتبديع تصدر على الفعل نفسه لا على الفاعل؛ إذ قد يكون متأولاً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مُخْطِئاً، فمن عمل عملاً كفرياً أو بدعياً وكان متاولاً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مخطأً؛ فإنه يحكم على الفعل بأنه كفر أو بدعة لا على صاحبه؛ لوجود هذه الموانع. ثم عندنا قاعدة عظيمة من قواعد الفقه المجمع عليها، وهي: أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين، فمن ثبت إسلامه أو فضله أو عدالته بيقين لا يزول عنه الإسلام أو الفضل أو العدالة إلا بيقين، فتنبه.
قال السرخسي: إن التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع، فإن النبي عليه السلام أمر الشاك في الحدث بأن لا ينصرف من صلاته حتى يستيقن بالحدث، لأنه على يقين من الطهارة وهو في شك من الحدث(332) .
ومن خلال التقسيم المتقدم للشبه سيكون مسار البحث في هذا الفصل على خمسة مباحث:
المبحث الأول:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
شبهات تتعلق بنسب عمرو بن العاص.
وفيه مطلبان:
الشبهة الأولى: أن العاص بن وائل والد عمرو نزل فيه
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ .
الشبهة الثانية: ما قيل في والدته بأنها كانت من صاحبات الرايات – البغايا.
المبحث الأول: شبهات تتعلق بنسب عمرو بن العاص رضي الله عنه
الشبهة الأولى: أن العاص بن وائل والد عمرو نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
قال الأميني: نسبه: أبوه هو الأبتر بنص الذكر الحميد: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ وعليه أكثر أقوال المفسرين والعلماء(333) .
الجواب:
هذه السورة العظيمة المباركة- سورة الكوثر- سيكون الكلام عليها من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: هل هي مكية أو مدنية؟ الجانب الثاني: في من نزلت؟ والجانب الثالث: بيان معنى الأبتر؟
أما الجانب الأول: هل هي مكية أو مدنية؟
اختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال: إنها مكية، وهوقول ابن عباس والكلبي ومقاتل(334) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبه قال الجزري(335) ، والزمخشري(336) ، وابن عطية(337) والزركشي(338) ، واستدلوا بأثر ابن عباس رضي الله عنه في تحديد السور المكية والمدنية، وكذلك روايات لبعض التابعين كقتادة وجابر بن زيد وغيرهما من التابعين.
ذكر الزركشي السور المكية حسب هذه الروايات مرتبة، ومنها سورة الكوثر وقال: فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة، وعليه استقرت الرواية من الثقات وهي خمس وثمانون سورة(339) .
ومنهم من قال: إنها مدنية، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة(340) . وبه قال ابن كثير(341) ، وصوَّبه السيوطي. وقال: رجحه النووي في شرح مسلم لما أخرجه مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة فرفع رأسه متبسماً فقال: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّآ أَعطَينَٰكَ الكَوثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟» فَقُلْنَا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:" فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّوَجَلَّ...الحديث(342) .
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال ابن عاشور: تعارضت الأقوال والآثار في أنها مكية أو مدنية تعارضاً شديداً، فهي مكية عند الجمهور، واقتصر عليه أكثر المفسرين، ونقل الخفاجي عن كتاب (النشر) قال: أجمع من نعرفه على أنها مكية(343) . قال الخفاجي: وفيه نظر مع وجود الاختلاف فيها.
وأنس أسلم في صدر الهجرة فإذا كان لفظ (آنفاً) في كلام النبي صلى الله عليه وسلم مستعملاً في ظاهر معناه وهو الزمن القريب، فالسورة نزلت منذ وقت قريب من حصول تلك الرؤيا.
ومقتضى ما يروى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ أن تكون السورة مكية، ومقتضى ظاهر تفسير قوله تعالى: (وانحر) من أن النحر في الحج أو يوم الأضحى تكون السورة مدنية، ويبعث على أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ ليس ردّاً على كلام العاصي ابن وائل... والأظهر أن هذه السورة مدنية(344) ؛ لما تقدم، ولأن قوله: (أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم) قرينة تقوي قول من قال بأنها نزلت في المدينة، إذ لوكانت نزلت في مكة لكان منهم من يعرف الكوثر، فسؤال النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عنه وعدم معرفتهم له يدل على قرب الزمن المذكور.
والذي تميل إليه النفس أنها مدنية؛ لأن حديث أنس نص صحيح
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 174صريح في كونها نزلت في المدنية، لأن أنس بن مالك أنصاري خزرجي، وفي صحيح مسلم أنه قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته)(345)
ويؤيد هذا القول؛ قول سعيد بن جبير أنه قال: كانت هذه الآية، يعني قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر﴾ يوم الحديبية، أتاه جبريل عليه السلام فقال: انحر وارجع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطب خطبة الفطر والنحر ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البُدن فنحرها، فذلك حين يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر﴾(346) .
ثم مااستدلوا به من الآثار في تحديد السور المكية والمدنية - على افتراض صحته- يَرِد عليه أنهم أنفسهم اختلفوا في بعض السور وهي محددة في هذه الآثار، وبعض السور لم تذكر في هذه الآثار وهي مجمع عندهم على مكيتها أو مدنيتها؛ فدل على أن الاستدلال بها غير قطعي، فيترجح كفة من قال إنها مدينة بحديث أنس؛ إلا إذا ثبت أنها نزلت في مكة، فيقال: نزلت مرتين؛ مرة في مكة، ومرة في المدينة، وهذا أمر جار على بعض سور القرآن.
الجانب الثاني: في من نزلت؟ اختلف السلف في ذلك على أقوال:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
1- نزلت في العاص بن وائل. قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة وعكرمة. وذكر الرازي أنه قول عامة أهل التفسير.
وذلك؛ لماروي أنه عليه السلام كان يخرج من المسجد والعاص بن وائل السهمي يدخل، فالتقيا فتحدثا، وصناديد قريش في المسجد، فلما دخل، قالوا من الذي كنت تتحدث معه؟ فقال ذلك الأبتر، وروي أيضاً أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة(347) .
2- نزلت في عقبة بن أبي مُعَيط قاله شِمْر بن عطية(348) .
3- نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش قاله ابن عباس أيضاً، وعكرمة.
قال ابن كثير: وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحَسَّاني، حدثنا بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا المُصَنْبر المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 176شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾.
هكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح(349) .
4- نزلت في أبي لهب، وهو مروي عن عطاء: وذلك حين مات ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب أبو لهب إلى المشركين وقال: بُتِرَ محمد الليلة. فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾(350) .
5- نزلت في أبي جهل، مروي عن ابن عباس(351) .
6- وعنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ يعني: عدوك. وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر، وغيرهم.
قال الرازي: واعلم أنه لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه(352) .
7-نزلت في عمرو بن العاص قبل إسلامه قبل البيهقي:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 177وأخبرنا أبو عبد الله قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا يونس، عن أبي عبد الله الجعفي جابر(353) عن محمد بن علي قال: كان القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ أن يركب الدابة، ويسير على النجيب، فلما قبضه الله عز وجل قال عمرو بن العاص: لقد أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّآ أَعطَينَٰكَ الكَوثَرَ﴾ عوضاً يا محمد من نصيبك بالقاسم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ قال البيهقي: كذا روي بهذا الإسناد، وهو ضعيف. والمشهور أن الآية نزلت في أبيه(354)
وهذا القول ضعيف كما ذكر البيهقي، في إسناده علتان.
الأولى: جابر الجعفي وهو ضعيف كما ذكره ابن حجر في التقريب(355) .
الثانية: الانقطاع؛ فإن محمد بن علي هو الباقر حفيد الحسين بن علي رضي الله عنه. قال أبو زرعة: محمد بن علي بن الحسين عن علي مرسل(356) قال العلائي: أرسل عن جديه الحسن والحسين وجده الأعلى علي رضي الله
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فإذا كانت رواية الباقر عن جديه الحسن والحسين رضي الله عنه بدون واسطة مرسلة غير مقبولة – وهما من أبناء المدينة النبوية -؛ فكيف بروايته عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟!
الجانب الثالث: في تفسير الأبتر؟
للعلماء في تفسير (الْأَبْتَرُ) خمسة تأويلات:
أحدها: أنه الحقير الذليل، قاله قتادة.
الثاني: معناه الفرد الوحيد، قاله عكرمة.
الثالث: أنه الذي لا خير فيه حتى صار مثل الأبتر، وهذا قول مأثور.
الرابع: أن قريشاً كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده، قد بتر فلان، فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه القاسم بمكة، وإبراهيم بالمدينة، قالوا: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده، فنزلت الآية، قاله: السدي وابن زيد.
الخامس: أن الله تعالى لما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا قريش إلى الإيمان، قالوا ابتتر منا محمد، أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى رسوله أنهم هم المبترون، قاله: عكرمة وشهر بن حوشب(358) .
قال ابن عاشور: (الْأَبْتَرُ): حقيقته: المقطوع بعضه، وغلب
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 179على المقطوع ذنبه من الدواب، ويستعار لمن نقص منه ما هو من الخير في نظر الناس تشبيها بالدابة المقطوع ذنبها تشبيه معقول بمحسوس...، ويقال للذي لا عقب له ذكوراً هو أبتر، على الاستعارة تشبيه متخيل بمحسوس، شبهوه بالدابة المقطوع ذنبها؛ لأنه قطع أثره في تخيل أهل العرف...، ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به؛ لمحاكاة قول القائل: محمد أبتر إبطال لقوله ذلك، وكان عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لاعقب له تعين أن يكون هذا الإبطال ضرباً من الأسلوب الحكيم وهو: تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أن الأحق غير ما عناه من كلامه...، وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو ناقص حظ الخير، أي ليس ينقص للمرء أنه لا ولد له لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله...(359)
يستخلص مما تقدم أن السلف اختلفوا في سورة الكوثر هل هي مكية أو مدنية، وفيمن نزلت، وما معنى الأبتر؟
فعلى القول بأنها مدنية وهو الأقرب، فيبعد أن يقال المراد بها العاص؛ لأن في الرواية أنه قالها والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة.
وعلى القول بأنها مكية: فلا نستطيع أن نجزم أن المراد بها العاص لاختلاف العلماء في من نزلت، ولو افترضنا أنها نزلت في العاص؛ وفسرنا الأبتر بمعنى منقطع العقب لا يستقيم، لأن العاص له عقب- كما
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 180تقدم(360) فله عمرو وهشام، ولعمرو عبد الله ومحمد، قال ابن حزم: لعبد الله بالوهط، ومكة عقب كثير، يناهزون المائة(361) ولو فسرت بمعنى منقطع الخير أو الحقير الذليل فهذا لا يضير عمرو؛ لأن المراد بها أباه فما شأن عمرو؟!
ومتى كانت جناية الأب تنسحب على الابن حتى يؤخذ بجرم أبيه؟ وهل عيب على الخليل كفر أبيه أو على نوح عصيان ولده؟! فتحميل الشخص أخطاء الآخرين تجنٍ عليه وظلم له؛ وهو مخالف للمنطق والعقل، ومناقض لمبدأ العدل، ثم أين نحن من تلك اللوامع البرهانية والآيات المكررة القرآنية قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزرَ أُخرَىٰ وَأَن لَّيسَ لِلإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾(362) . وكم من فضلاء الصحابة ونجباء آل البيت أسلموا وكفر ذووهم، وأذعنوا وتكبر أهلوهم، والقرآن صرح بالتباب على أبي لهب وهو عم الشرف والمجد نبينا صلى الله عليه وسلم، فالناظر بعيني العدل والإنصاف لا حاجة له في إقامة البراهين على ذلك.
وانظر يارعاك الله كيف يحاول الغلاة التشبث بأدنى شبهة ولو كانت بعيدة كل البعد، مثلهم مثل الغريق يحاول النجاة فيتشبَّث بأي شيء ولو بالطحلب، وهذا الحال يحصل كثيراً عند من يعتقد ثم يستدل، في أي مسألة ما، فهو يعتقد شيئاً ثم يحاول جاداً أن يستدل له
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 181بأي شيء، حتى ينشر معتقده أو يبرر موقفه؛ إذا نوقش فيه، والصواب أن الإنسان يستدل ثم يعتقد، بمعنى أنه ينظر في الأدلة الصحيحة ثم يبني معتقده وفق مفهوم الأدلة؛ حتى يكون بنيانه على أساس متين، قال تعالى: ﴿أَفَمَن أَسَّسَ بُنيَٰنَهُ عَلَىٰ تَقوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضوَٰنٍ خَيرٌ أَم مَّن أَسَّسَ بُنيَٰنَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَانهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهدِي القَومَ الظَّٰلِمِينَ﴾(363)
* * *
الشبهة الثانية: ما قيل في والدته بأنها كانت من صاحبات الرايات البغايا
قال الأصبهاني: «ومسألة خبث ولادته معروفة في كثير من الكتب، ككتاب إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، وكتاب المستطرف، وكتاب سبط ابن الجوزي ومحصلها: أن أمه كانت بغياً عند عبد الله بن جدعان، فوطئها في طهر واحد أبو لهب، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن الوائل، وادعى كلهم عمرو، فألحقته أمه بالعاص. وقيل لها: لما اخترت العاص؟ قالت: لأنه كان ينفق على بناتي»(364) .
قال الأميني: عقب خبر إقرار أبي سفيان لبعض
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 182الصحابة أنه الذي قذف زياد في رحم سمية لما أعجبه خطبته ومنعته هيبة عمر ادعاءه-: «لو كان معاوية استلحق زياداً بهذا الخبر لكان استلحاقه عمرو بن العاص أولى؛ إذ ادعاه أبو سفيان يوم ولادته قائلاً: أما إني لا أشك أني وضعته في رحم أمه».
واختصم معه العاص. غير أن النابغة أبت إلا العاص؛ لما زعمت من الشح في أبي سفيان(365) .
الجواب : يجاب على هذه الشبهة من خمسة أوجه:
الوجه الأول: هذه الرواية ساقطة وليس لها أساس من الصحة، وهي موجودة في بعض كتب الأدب ككتاب ربيع الأبرار للزمخشري(366) ، ونهاية الأرب في فنون الأدب للنويري(367) ، والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي(368) ، والتذكرة الحمدونية لابن حمدون(369) ، والمستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي(370) .
ولم أجده مسنداً إلا في كتاب أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبى سفيان لعباس بن بكار(371) أخرجه من طريق:
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عبد الله بن سليمان المديني عن قتادة قال: دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية وهي عجوز كبيرة، فلما رآها قال مرحبا بك يا خالة... وذكرت كلاما في النيل من معاوية، فقال لها عمرو بن العاص: كفي أيتها العجوز، وغضي طرفك واقصري من شر لفظك فإنه أمير المؤمنين، قالت له: إيه عنك يا ابن النفيرة فو الله لعهدي بأمك بأبيات مكة وهي باكية من الخطيئة من كل عبد لنا عاهر، ولقد احتكم فيك خمسة من قريش كلهم يدعيك ابنه، وغلب عليك جزار قريش...
هذه القصة موضوعة؛ لأن في إسنادها:
العباس بن بكار الضبي البصري.
قال الدارقطني: كذاب.
وقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم والمناكير(372) .
وقال الذهبي: متروك(373) .
وعبد الله بن سليمان المديني لم أجد له
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقتادة بن دعامة السدوسي وإن كان ثقة ثبت(375) وحافظ عصره إلا أنه أحد المشهورين بالتدليس وهو أيضاً يكثر من الإرسال عن مثل النعمان بن مقرن وسفينة ونحوهما، قال أحمد بن حنبل: ما أعلم قتادة سمع من أحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا من أنس بن مالك(376) ، فهو لم يدرك معاوية فضلاً عن عمرو؛ إذ وفاة معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح، وولادة قتادة سنة ستين، أو إحدى وستين(377) . فيكون ولادته في السنة التي مات فيها معاوية أو بعده بسنة.
فالقصة موضوعة ولا يصح شرعاً ولا يجوز عقلاً أن نصف أحداً بِناءً على قول أحد لا نعرف عدالته، فكيف بمن وصف بالكذب، وترك الأئمة حديثه!؟(378) .
الوجه الثاني: كون أمه كانت من السبايا أمر غير مقطوع به وقد
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تقدم(379) الخلاف في نسب أمه، ثم لم تذكر الكتبُ المعْرَكَةَ التي سُبيت فيها والدة عمرو!.
الوجه الثالث لم تذكر كتب التاريخ المعتمدة أن أمه كانت من البغايا، بل غاية ما ذكرت أنها سبية من بني جلان بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار(380) وفي أسد الغابة قال: وذكروا أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه وهو على المنبر، فسأله، فقال: أمي سلمى بنت حرملة، تلقب النابغة، من بني عنزة ثم أحد بني جلان، أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل، فولدت له فأنجبت، فإن كان جعل لك شيء فخذه(381) فعلى افتراض صحة هذا الخبر فإنه لا يفيد إلا أن أمه كانت جارية لدى أبيه العاص،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 189وشراء الجواري ووطئهن والإنجاب منهن معهود لدى العرب في الجاهلية والإسلام- وكثير من الصحابة ومن بعدهم من القرون المفضلة كانت لهم أم ولد، فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت له جارية اسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة وكانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر الصديق، وقيل: كانت أمة لبني حنيفة ولم تكن من أنفسهم(382) وولدت لأمير المؤمنين محمداً المعروف بابن الحنفية.
وكذلك عمر بن علي، ورقية، وهما توأم، وأمهما: الصهباء، يقال: اسمها أم حبيب بنت ربيعة من بني تغلب، من سبي خالد بن الوليد؛ وكان عمر آخر ولد علي بن أبي طالب(383) .
وهذان سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين لهما أولاد من جواري، ووللحسين علي بن الحسين الأصغر، لأم ولد؛ وكان علي بن الحسين مع أبيه يومئذ، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضاً؛ فلما قتل الحسين، قال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض(384) .
وغيرهم من الصحابة ومن جاء بعدهم في القرون المفضلة خلق كثير.
الوجه الرابع: أن الطعن في الأنساب من خصال الجاهلية التي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 190نهى الشرع عنها(385) وإنكار نسب شخص أو التشكيك فيه من أخطر الأمور؛ إذ يجب إثباته بدليل واضح وصحيح وهذا غير موجود، ناهيك أن النبي أقر المشركين على أنسابهم، ولم يسأل عن كيفية نكاحهم مع أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، كما هو عند البخاري من طريق عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته «أَنَّ النِّكَاحَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا، وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ. وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ، وَنِكَاحُ الرَّابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، لاَ تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 191البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ «فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بِالحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ(386)
فلما جاء الإسلام هدم نكاح الجاهلية وأبقى النكاح المعروف لدى المسلمين، لكن أقرهم على أنسابهم ولم يتعرض للبحث والتحقق عن كيفية النكاح.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: «خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا(387) » .
ثم ليس لأحد أن يفخر بنسبه، بأنه من نكاح لا سفاح إلا أطهر الخلق بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، ما غرد قمري وناح، القائل: «خَرَجْتُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ(388) » .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال السيوطي: باب اختصاصه صلى الله عليه وسلم بطهارة نسبه وأنه لم يخرج من سفاح من لدن آدم. ثم ذكر هذا الحديث.
وفي السيرة الحلبية عند هذا الحديث: أن المرأة كانت تسافح الرجل مدة ثم يتزوجها إن أراد، فكانت العرب تستحل الزنا إلا أن الشريف منهم كان يتورع عنه علانية، وإلا بعض أفراد منهم حرمه على نفسه في الجاهلية(389) . ومع ذلك كانوا يُقرَّون على أنسابهم ونكاحهم.
قال الأمير الصنعاني رحمه الله: وأما مسألة إقرارهم بأنسابهم وأنَّ هذا ولد هذا وأخوه ونحوه، فالظاهر أنَّ قبولهم في هذا ثابت في عصر النبوة مستفيض، وأنَّه صلى الله عليه وسلم بقّا أهل الملل على ما هم عليه من إقرارهم بأنسابهم، ودعاهم صلى الله عليه وسلم بذلك، وهذا شيء معلوم من ضرورة من يعرف أحواله وسيره، كما أنَّه كان يقبل قطعاً مثل إخبارهم بأنَّ ما تحت أيديهم مِلْكٌ لهم، فإنَّه كان يتعامل مع اليهود والمشركين قطعاً ويأخذ منهم، ويبيع ويقبض، بل مات ودرعه مرهون عند أبي الشَحْم(390) اليهودي كما هو معروف في البخاري(391) وغيره.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فأنسابهم كذلك يُقْبَلون في إقرارهم بها، وقد عُلم أنه كان في الجاهلية لهم أربعة أنكحة لا يصح منها شيء في شرعنا إلا نكاح واحد، ولكنَّه صلى الله عليه وسلم أقرَّ الأنساب على ما كانت عليه، ولا نعلم أنَّه بحث عن كيفية نكاح شخص لإثبات نسبه، ولم يأتِ حديث «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ(392) » إلا في يوم الفتح عند المخاصمة في ولد زمعة؛ لاستلحاق سعد بن أبي وقاص له بالوصية من أخيه أنَّه ولده(393) .
فنسب عمرو لأبيه ثابت كيف ماكان نكاح أبيه لأمه، ومما يؤكد ثبوت نسب عمرو للعاص قوله صلى الله عليه وسلم «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ: عَمْرٌو وَهِشَامٌ(394) فقد نسبه صلى الله عليه وسلم إلى أبيه، كذلك الصحابة كانوا ينسبونه لأبيه ولم يأت عن أحد منهم أنه قدح في صحة نسبه. إنما آثار في بعض
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 194الكتب لا خطام لها ولا زمام.
الوجه الخامس : كأن الطعن في النسب والاتهام بالزنا أصبح مطية من لا مطية له وحجة من لا حجة له، فقد اتهم اليهود أم عيسى عليه السلام بالزنا، واتُهِمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كذلك، وطعنوا في نسب الفاروق عمر، وكثيرٍ من أعلام الإسلام.
الوجه السادس : التناقض الواضح بين هذه الروايات حين ذكرت أن أم عمرو بن العاص كانت من البغايا ومن أرخصهن أجراً، فكيف بسادات قريش أن يطئوا من هذه حالها، وكيف لهم أن يبحثوا عن أرخصهن أجراً، فهذه الرواية مرفوضة عقلاً، وهل من تضاجع السادة تكون أرخص العاهرات أجراً!.
ثم لوكانت أمه من صاحبات الرايات فما جرم عمرو، وهل يؤاخذ الرجل بجرم والديه، وهل الله سائله يوم القيامة عما صنع والداه؟ أولم يبايع النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم دون أن يعاتبه بما صنع والداه، وهنا يقال مثل ما قيل في المبحث المتقدم: ما لو كان أبوه هو الذي نزلت فيه (إن شانئك) فما شأن عمرو!.
المبحث الثاني
شبهات تتعلق بعدالته.
الشبهة الأولى: وصفه بالغدر.
الشبهة الثانية: اعترافه عند موته باتباع الهوى والركون إلى الدنيا
الشبهة الثالثة: الثروة التي خلفها بعد موته
المبحث الثاني: شبهات تتعلق بعدالته
الشبهة الأولى: وصفه بالغدر
وهذا الأمر قد شاع وانتشر في كتب الطاعنين في عمرو بن العاص:
قال صاحب المعيار والموازنة: وإنما تراجع الناس إليه بعد الحكمين حين انكشف للناس غدر عمرو بن العاص(395) .
وقال محسن الأمين: وبهذا انتهت مهزلة تحكيم الحكمين التي دبرها عمرو بن العاص وشرى دينه بإمارة مصر(396) .
ومفاد ذلك ما ورد في قصة تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص في الخلاف الذي كان بين علي ومعاوية.. روى نصر بن مزاحم في كتابه صفين عن عمر بن سعد قال: حدثني أبو جناب الكلبي، أن عمراً وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم عبد الله بن قيس في الكلام ويقول: إنك قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي وأنت أكبر منى فتكلم ثم أتكلم. وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شيء وإنما اغتره(397) بذلك ليقدمه فيبدأ بخلع علي...قال: فأخبرني ما
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 198رأيك يا أبا موسى؟ قال: رأيي أن أخلع هذين الرجلين علياً ومعاوية، ثم نجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاءوا ومن أحبوا. فقال له عمرو: الرأي ما رأيت... فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه فقال: إن رأيي ورأى عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة.
قال عمرو: صدق! ثم قال: يا أبا موسى فتكلم. فتقدم أبو موسى ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال: ويحك، إني لأظنه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تكلم أنت بعده، فإن عمراً رجل غدار، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك. وكان أبو موسى رجلاً مغفلاً فقال: إيها عنك إنا اتفقنا. فتقدم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يأيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر شيئاً هو أصلح لأمرها وألم لشعثها من ألا تتباين أمورها. وقد أجمع رأيي ورأى صاحبي عمرو على خلع على ومعاوية، وأن نستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين، فيولون أمورهم من أحبوا. وإني قد خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا من رأيتم لها أهلاً. ثم تنحى فقعد. وقام عمرو بن العاص مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة فإنه ولى عثمان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه. فقال له أبو موسى: مالك لا وفقك الله، قد غدرت
PDF 199وفجرت. وإنما مثلك مثل الكلب «إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث» إلى آخر الآية. قال: فقال له عمرو: إنما مثلك مثل «الحمار يحمل أسفاراً» إلى آخر الآية...(398)
الجواب:
قصة تحكيم أبي موسى وعمرو بن العاص في الخلاف الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهم مشهورة ومبثوثة في كتب التاريخ والأدب(399) ، ولعلاقتها بالتاريخ السياسي للدولة الإسلامية أخذت من الأهمية مكاناً، فكان لا بد من وضعها تحت المجهر للدراسة والتحليل، لاسيما أنه تطاول بعض من قرأها- متوهماً صحتها - للنيل من نجوم الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو القائل: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ(400) » .
وعند دراسة هذه القصة يتبين بطلانها وعدم ثبوتها من أربعة أوجه:
الوجه الأول
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 200من جهة السند هذه القصة رواها نصر بن مزاحم في كتابه وقعة صفين من طريق عمر بن سعد قال: حدثني أبو جناب الكلبي، أن عمراً وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل فذكره.
هذا الإسناد ضعيف جداً فيه أربع علل:
الأولى: نصر بن مزاحم المنقري صاحب الكتاب، متروك، قال أبو الفرج بن الجوزي:
«نصر بن مزاحم المنقري الكوفي العطار قال أبو خثيمة: كان كذاباً، قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال أبو حاتم الرازي: واهي الحديث، متروك الحديث، وقال الدراقطني: ضعيف، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: كان زائغاً عن الحق، وقال صالح بن محمد: روى عن الضعفاء أحاديث مناكير، وقال أبو الفتح الأزدي: كان غالياً في مذهبه غير محمود في حديثه(401) » .
الثانية: شيخه عمر بن سعد، قال أبو حاتم: متروك الحديث(402) .
الثالثة: أبو جناب الكلبي: يحيى بن أبي حية الكلبي أبو جناب مشهور بها ضعفوه لكثرة تدليسه(403) .
الرابعة: الانقطاع، حيث يروي أبو جناب هنا قصة التحكيم، وهو قد توفي سنة خمسين ومائة في نفس السنة التي مات فيها الإمام أبو
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 201حنيفة، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي(404) فبينه وبين التحكيم بون شاسع.
وأخرج هذه الرواية الطبري تعليقاً(405) من طريق أبي مخنف عن أبي جناب الكلبي أن عمراً وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل.....ثم ذكر نحو القصة الأولى وفي آخره ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي، وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية، وعمراً، وأبا الأعور السلمي، وحبيباً، وعبدالرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن علياً وابن عباس والأشتر وحسناً وحسيناً.
وهذا الإسناد أيضاً ضعيف جداً لا يصح الاستشهاد به فيه علتان:
لوط بن يحيى أبومخنف، قال الذهبي: أخباري تالف، لا يوثق به(406) .
وأبو جناب الكلبي: تقدم الكلام عليه في الإسناد الأول.
وللقصة طريق آخر:
أخرجه ابن سعد في الطبقات(407) ومن طريقه ابن عساكر في
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أنا محمد بن عمر حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن عمرو بن الحكم قال: لما التقى الناس بدومة جندل، فذكر نحوه وفيه، فقال سعد بن أبي وقاص: ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكائده! فقال أبو موسى: فما أصنع، جامعني على أمر ثم نزع عنه.
هذا السند ضعيف جداً فيه ثلاث علل:
العلة الأولى: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي نزيل بغداد متروك مع سعة علمه. قاله الحافظ ابن حجر(409) .
العلة الثانية: شيخه: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى القرشي العامري المدني قيل: اسمه عبد الله، وقيل: محمد، وقد ينسب إلى جده.
قال أحمد بن حنبل: ليس بشيء، كان يضع الحديث.
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في جملة من يضع الحديث(410) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال الحاكم: يروي الأحاديث الموضوعات عن الشيوخ الأثبات مثل هشام بن عروة وجعفر بن محمد الصادق وغيرهما(411) .
العلة الثالثة: شيخ ابن أبي سبرة: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.
قال ابن سعد: وكان إسحاق كثير الحديث يروي أحاديث منكرة ولا يحتجون بحديثه.
وقال بقية بن الوليد عن عتبة بن أبي حكيم: جلس إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة بالمدينة في مجلس الزهري قريباً منه فجعل يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله ألا تسند أحاديثك، تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا محمد بن عاصم بن حفص المصري وكان من ثقات أصحابنا وفي رواية وكان من أهل الصدق قال: حججت ومالك حي، فلم أر أهل المدينة يشكون أن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متهم، قلت له فيما ذا؟ قال في الإسلام وفي رواية على الدين.
وقال البخاري: تركوه.
ونهى أحمد بن حنبل عن حديثه.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تحل عندي الرواية عن إسحاق بن أبي فروة، وقال: ما هو بأهل أن يحمل عنه ولا يروى.
وقال يحيى بن معين: كذاب، وقال مرة: حديثه ليس بذاك. وقال مرة: لا يكتب حديثه ليس بشيء.
وقال على بن المديني: منكر الحديث.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار: ضعيف ذاهب.
وقال عمرو بن علي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: متروك الحديث.
وقال أبو بكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه، وقال الدارقطني والبرقاني: متروك.
وقال أبو أحمد بن عدي ما ذكرت ها هنا من أخباره بالأسانيد التي ذكرت فلا يتابعه أحد على أسانيده ولا على متونه، وسائر أخباره مما لم أذكره تشبه هذه الأخبار التي ذكرتها، وهو بين الأمر في الضعفاء(412) .
قال ابن حجر: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي مولاهم المدني متروك(413) .
فتبين لك أخي الكريم أن الطريقين السابقين لايثبت منهما شيء، ولا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 205يصح أيضاً الاستشهاد بهما.
الوجه الثاني - من جهة المتن -: وبعد ما تبين لك بطلان هذه القصة من جهة سندها لتعلم أن ثم أموراً في ثنايا القصة تدل على بطلانها واصطناعها، وأنها بعيدة عن الواقع والحقيقة، منها:
أولاً: من خلال النظر في سياق القصة تجد أن صورة الكلام فيها يتنافى مع أخلاقيات آحاد المسلمين فضلاً عن الصحابة الأخيار رضي الله عنهم، ثم إن سردها بهذه الهيئة لا يتناسب مع صفات الصحابة وأخلاقهم الرفيعة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في العواصم من القواصم: قد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه مالا يرضاه الله، وإذا لحظتموه بعين المروءة دون الديانة رأيتم أنها سخافة حمل على تسطيرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين...هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك؛ فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع.. ثم ذكر أن الذي رواه الأئمة الثقات الأثبات كخليفة بن خياط والدارقطني أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر عزل عمرو معاوية اهـ ملخصاً(414) .
ثانياً: المتأمل في القصة يرى أن الخلاف الدائر بين علي ومعاوية
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 206هو حول الخلافة ومن هو أحق بها، وليس هذا هو الخلاف، إنما الخلاف الحقيقي المعروف والمتفق عليه بين جميع المؤرخين كان سببه أخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، فقد ظن معاوية رضي الله عنه أن علياً رضي الله عنه قد قصّر فيما يجب عليه من القصاص لعثمان بقتل قاتليه، ومن ثمّ رفض بيعته وطاعته؛ إذ رأى القصاص قبل البيعة لعلي رضي الله عنه، وهو وليّ الدم؛ لقرابته من عثمان.
وبموقف معاوية هذا في الامتناع عن البيعة انتظاراً للقصاص من قتلة عثمان، ولعدم إنفاذ أوامره في الشام أصبح معاوية رضي الله عنه ومن تبعه من أهل الشام في نظر علي رضي الله عنه في موقف الخارجين على الخلافة؛ إذ كان رأيه أن بيعته قد انعقدت برضاء من حضرها من المهاجرين والأنصار بالمدينة، ولزمت بذلك بقية المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية. ولذلك رأى أن معاوية ومن معه من أهل الشام بُغاة خارجون عليه، وهو الإمام منذ بُويع بالخلافة، فقرّر أن يُخضعهم ويردّهم إلى حظيرة الجماعة ولو بالقوة.
وفهم الخلاف على هذه الصورة وهي صورته الحقيقية يبين إلى أي مدى تخطئ الرواية السابقة عن التحكيم في تصوير قرار الحكمين. إن الحكمين مفوضان للحكم في الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنه، ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما، وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان رضي الله عنه، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء، فإذا ترك الحكمان هذه القضية الأساسية، وهي
PDF 207ما طلب إليهما الحكم فيه، واتخذا قراراً في شأن الخلافة كما تزعم الرواية الشائعة، فمعنى ذلك أنهما لم يفقها موضوع النزاع، ولم يُحيطا بموضوع الدعوى، وهو أمر مستبعد جداً(415)
يقول ابن حزم في هذا الصدد: بأن علياً قاتل معاوية لامتناعه من تنفيذ أوامره في جميع أرض الشام، وهو الإمام الواجب طاعته، ولم ينكر معاوية رضي الله عنه قط فضل عليّ رضي الله عنه واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أَدَّاه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من أولاد عثمان وأولاد الحكم بن أبي العاص؛ لسنّه وقوته على الطلب بذلك، وأصاب في هذا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط(416) .
ويؤيد هذا المعنى عدة أمور منها:
1- ما ذكره يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في كتاب صفين في تأليفه عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أنت تنازع علياً في الخلافة أو أنت مثله؟ قال: لا، وأني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه، فأتوا علياً فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان، فأتوه فكلموه فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إلي، فامتنع معاوية، فسار علي في الجيوش من العراق حتى نزل بصفين، وسار معاوية حتى نزل هناك(417) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
2- ما أخرجه ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن موسى بن قيس، قال: حدثني قيس بن رمانة، عن أبي بردة، قال: قال معاوية: «ما قاتلت علياً إلا في أمر عثمان»(418) .
ما أورده الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي، في كتابه نهج البلاغة: أن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال في خطبته «وبدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء...»(419) .
ثالثاً: شخصية كل من أبى موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنه:
إن القول بأن أبا موسى الأشعري كان في قضية التحكيم ضحية خديعة عمرو بن العاص ينافي الحقائق التاريخية الثابتة عن فضله وفطنته وفقهه ودينه، والتي تثبت له بتوليه بعض أعمال الحكم والقضاء في الدولة الإسلامية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على زَبيد وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وشهد فتوح الشام ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة بعد أن عزل المغيرة، وهو
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 209الذي افتتح الأهواز وأصبهان، وأقره عثمان على عمله قليلاً، ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر، فسكن الكوفة وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد بن العاص(420) فهل يُتصوّر أن يثق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفاؤه من بعده برجل تجوز عليه مثل هذه الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟. هذا وقد شهد الصحابة(421) وكثير من علماء التابعين لأبي موسى رضي الله عنه بالرسوخ في العلم، والكفاءة في الحكم، والفطنة والكياسة في القضاء. فكيف يمكن تصور غفلته إلى هذا الحد؟.. فلا يفقه حقيقة النزاع الذي كُلّف بالحكم فيه، ويصدر فيه قراراً لا محلّ له، وهو قرار عزل الخليفة الشرعي بدون مبرّر يسوغ هذا الفعل، وقرار عزل معاوية المزعوم، ثم يقع منه ومن عمرو بن العاص ما نُسب إليهما من السبّ والشتم، وهو أمر يتعارض مع ما عُرف وتواتر عن الصحابة رضوان الله عليهم من حسن الخلق وأدب الحديث.
وإذا كان علم أبي موسى رضي الله عنه وخبرته في القضاء يحولان بينه وبين أن يخطئ الحكم في القضية التي أُوكل إليه النظر في أمرها، فإن ذلك
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 210أيضاً هو شأن عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي يُعتبر من أذكياء العرب وحكمائهم، وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين خصمين في حضرته، وبشّره حين سأله: يا رسول الله أقضي وأنت حاضر؟ بأن له إن أصاب أجران وإن أخطأ أجر واحد حين قال له: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ له أجر(422)
وقبول تلك الرواية يعني الحكم على عمرو بن العاص رضي الله عنه بأنه كان في أداء مهمته رجلاً تُسيّره الأهواء، فتطغى لا على فطنته وخبرته فحسب، بل على ورعه وتقواه أيضاً. على أنه رضي الله عنه كان من أجلاء الصحابة وأفاضلهم، ومناقبه وفضائله كثيرة(423) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأمثالهم من المؤمنين؛ لم يتهمهم أحد من السلف بنفاق؛ بل قد ثبت في الصحيح أن «عمرو بن العاص لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم قال: على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي. فقال: يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ومعلوم أن الإسلام الهادم هو إسلام المؤمنين؛ لا إسلام المنافقين. وأيضاً فعمرو بن العاص وأمثاله ممن قدم مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية، هاجروا إليه من بلادهم طوعاً
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 211لا كرهاً، والمهاجرون لم يكن فيهم منافق؛ وإنما كان النفاق في بعض من دخل من الأنصار؛ وذلك أن الأنصار هم أهل المدينة؛ فلما أسلم أشرافهم وجمهورهم احتاج الباقون أن يظهروا الإسلام نفاقاً؛ لعز الإسلام وظهوره في قومهم. وأما أهل مكة فكان أشرافهم وجمهورهم كفاراً فلم يكن يظهر الإيمان إلا من هو مؤمن ظاهراً وباطناً؛ فإنه كان من أظهر الإسلام يؤذى ويهجر»(424)
رابعاً: ذكر ابن جرير في فاتحة هذه الأسطورة أن عمراً قال لأبي موسى: ألست تعلم أن معاوية وآله أولياء عثمان؟ قال: بلى، قال: فإن الله عز وجل قال: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُومٗا فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَٰنٗا فَلَا يُسرِف فِّي القَتلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورٗا﴾ وكلاماً كثيراً بعده في استحقاق معاوية للخلافة، فأجابه أبو موسى عن جله جواباً شافياً ولم يجبه عن احتجاجه بالآية، وكأنه سلمه، والاحتجاج بها على خلافة معاوية فاسد من أوجه كثيرة لا حاجة لذكرها كلها؛ منها أنه تعالى قال: ﴿فَلَا يُسرِف فِّي القَتلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورٗا﴾ فأي إسراف ونصر حصلا له في جيش أمير المؤمنين وقد قتل من جيشه الطالب بدم عثمان خمسة وأربعون ألفاً على أقل تقدير، ومن جيش حيدرة خمسة وعشرون ألفاً؟ وأي إسراف ونصر حصلا له وقد أشرف على الهزيمة الكبرى ولولا المصاحف لهلك جل جيشه؟!
فهذا جهل فادح ممن يحتج بها على ذلك، فمحال صدوره من
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 212عمرو وهو من علماء الصحابة، ومحال تسليمه ولو صدر منه من أبي موسى الأعلم منه(425)
خامساً: لا يخلو قول عمرو فيما زعموا عليه ( وأثبت صاحبي معاوية) من أمرين:
الأول: ثبته في الخلافة كما كان أولاً، وهذا هو المتبادر من لفظ التثبيت، وهو باطل قطعاً؛ فإنه لم يقل أحد ينتسب إلى الإسلام إن معاوية كان خليفة قبل التحكيم حتى يثبته حَكمه فيها بعده، ولم يدعها هو لا قبله ولا بعده، ولم ينازع حيدرة فيها.
الثاني: ثبته على إمارة الشام كما كان قبل، وهذا هو المتعين دراية وإن لم يصح رواية، وهو تحصيل الحاصل، وأي دهاء امتاز به على أبي موسى في تحصيل الحاصل؟ وأي تغفيل يوصم به أبو موسى مع هذا العبث؟ فهل زاد به معاوية شيئاً جديداً لم يكن له من قبل؟ وهل نقص به علي عما كان له قبل؟(426) .
سادساً: ما نقصت هذه الخديعة لو صحت مما كان لأمير المؤمنين عند أتباعه شيئاً، وما أفادت معاوية شيئاً جديداً زائداً عما كان له حتى يصح أن يقال فيها: إن فلاناً داهية كاد أمة من المسلمين بكيد مقدمها ومحكمها، وغاية أمرها أنها أشبه بعبث الأطفال لا تتجاوز
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 213العابث والمعبوث به، وبرَّأ الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا العبث(427)
سابعاً: في رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: فقال سعد بن أبي وقاص: ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكائده! فقال أبو موسى: فما أصنع جامعني على أمر ثم نزع عنه.
فهذا يدل على بطلان هذه القصة لأن سعد بن أبي وقاص لم يحضر التحكيم أصلاً كما ذكره ابن جرير في تاريخه(428) ، ورجحه ابن مزاحم في وقعة صفين(429) ، وابن كثير في البداية(430) ، والذهبي في كتب السير، وغيرهم، واعتزال سعد للفتنة أمر ثابت ومشهور في كتب التاريخ(431) .
ثامناً: قول عمرو لأبي موسى: أنت أكبر مني، وفي رواية أسن مني، مخالف للواقع؛ فأبو موسى توفي ما بين سنة «44-52» هجرية، وسنه بضع وستون سنة، فكيف يكون أكبر من عمرو الذي كان عمره أثناء التحكيم فوق الثمانين؟!(432) .
الوجه الثالث: وردت روايات أخرى بعضها في البخاري تنقل
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 214لنا الصورة الحقيقية التي تتناسب مع شخصيات الصحابة وأخلاقهم، وفيها: أنهم تواعدوا للصلح في السنة المقبلة، فجاء معاوية وأهل الشام، وشغل علي رضي الله عنه بالخوارج، فأرسل ابن عباس رضي الله عنه وكان الحكم من قبله أبي موسى ومن الطرف الآخر عمرو بن العاص رضي الله عنه، فاختلفا ولم يصطلحا وتفرقوا ولم يحصل خلع لأحد الطرفين كما في الروايات السابقة. وإليك هذه الروايات لتعلم مدى الخلل في الرواية السابقة:
قال أبو جعفر(433) : فكتب كتاب القضية بين علي ومعاوية – فيما قيل – يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان، مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه.
فحدثني عبد الله بن أحمد، قال حدثني أبي قال حدثني سليمان بن يونس بن يزيد عن الزهري قال: قال صعصعة بن صوحان يوم صفين حين رأى الناس يتبارون: ألا اسمعوا واعقلوا تعلمن والله لئن ظهر علي ليكونن مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنه، وإن ظهر معاوية لا يقر لقائل بقول حق. قال الزهري: فأصبح أهل الشام قد نشروا مصاحفهم ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشام عمرو بن العاص، فتفرق أهل صفين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 215رفع القرآن، ويخفضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل(434) فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح(435) فلما انصرف علي خالفت الحرورية وخرجت وكان ذلك أول ما ظهرت فآذنوه بالحرب وردوا عليه إن حكم بني آدم في حكم الله عز وجل، وقالوا: لا حكم إلا لله سبحانه، وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرح وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبدالله بن عمر بن الخطاب وعبدالله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشام، وأبى علي وأهل العراق أن يوافوا،... فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص يا أبا موسى رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم وعلى أهل الغدر بغدرهم، قال: أبو موسى وما ذاك قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وفوا وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه، قال: بلى، قال عمرو: اكتبها، فكتبها أبو موسى قال عمرو: يا أبا موسى أأنت على أن نسمي رجلاً يلي أمر هذه الأمة فسمه لي فإن أقدر على أن أتابعك فلك علي أن أتابعك وإلا فلي عليك أن تتابعني، قال أبو موسى: أسمي لك عبدالله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل، قال عمرو: إني
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 216أسمي لك معاوية بن أبي سفيان، فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا ثم خرجا إلى الناس... فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل: ﴿وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذِيٓ ءَاتَينَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا﴾، فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال عز وجل:﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّورَىٰةَ ثُمَّ لَم يَحمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارَا﴾، وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار.
قال ابن شهاب فقام معاوية عشية في الناس فأثنى على الله جل ثناؤه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فمن كان متكلماً في الأمر فليطلع لنا قرنه، قال ابن عمر: فأطلقت حبوتي فأردت أن أقول قولاً يتكلم فيه رجال قاتلوا أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة، أو يسفك فيها دم، أو أحمل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله عز وجل في الجنان أحب إلي من ذلك، فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلم، قلت: أردت ذلك ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق بين جميع، أو يسفك فيها دم، أو أحمل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله عز وجل من الجنان أحب إلي من ذلك. قال: قال حبيب: فقد عصمت.
سليمان بن يونس بن يزيد لم أجد له ترجمة، ولم أجد له رواية في كتب السنن والمسانيد، ولم أجد له رواية كذلك في تاريخ الطبري عدا هذه الرواية.
والزهري ولد في آخر خلافة معاوية على خلاف بين العلماء في تحديد سنة ولادته بين خمسين إلى سنة ثمانٍ وخمسين(436) ، ومات معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح(437) ، وصعصعة أدرك خلافة يزيد بن معاوية قاله البخاري(438) وكذا ابن عساكر(439) وقال الحافظ: مات في خلافة معاوية(440) ، وقال الزركلي: مات سنة ستة وخمسين(441) .
فعلى القول بأن الزهري ولد سنة خمسين، وأن صعصعة أدرك خلافة يزيد يكون السماع محتملاً؛ لكن الزهري مدلس ولم يصرح بالسماع فلا تقبل روايته إلا إذا صرح، وعلى كل هذه الرواية أوردناها استئناساً فهي على ضعفها مقدمة على رواية أبي مخنف وأضرابه.
أخرج ابن عساكر(442) من طريق الأسود بن شيبان عن عبدالله بن مضارب عن حضين بن المنذر قال: لما عزل معاوية عمرو بن العاص عن مصر ضرب فسطاطه(443) قريباً من فسطاط معاوية ثم جعل يتزبع(444) له، يقول معاوية قال فأرسل إليه فقال: إنه بلغني عن عمرو
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بعض ما أكره فائته فاسأله عن الأمر الذي اجتمع هو وأبو موسى فيه، كيف صنعا؟ قال: فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي اجتمعتما فيه أنت وأبو موسى، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس، ولا والله ما كان قالوا ولكن لما اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. قال فقلت: أين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطال ما استغنى أمر الله عنكما، قال فكانت هذه هي التي نحيل(445) منها معاوية نفسه، قال: فبعث إلى أبي الأعور الذكواني فأتاه في خيله قال فبعثه إلى عمرو وهو يقول: أين عدو الله، أين هذا الفاسق مرتين قال فلما رأى عمرو أنه إنما يريد حوباء(446) نفسه عمد إلى فرس له مشدود بطنب الفسطاط، فرفع رفرف الفسطاط وركبه عرياً، ثم ركضه إلى فسطاط معاوية، وجعل يقول: يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة(447) قال يقول معاوية نعم وقد يزين الحالب
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فيدق أنفه ويكفأ إناه(448) قال ثم أمر بالأعور فوزع عنه نقول رد عنه.
عبد الله بن مضارب قال ابن حجر: عداده في صغار التابعين لا يعرف(449) .
وقال في التقريب(450) : صوابه عبيد الله بن مضارب، مقبول. والمراد بمقبول يعني حيث يتابع، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة.
3- أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف(451) قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي من الأمر شيء. فقالت: إلحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 220يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية(452) قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟
قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام؛ فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت(453) . وهذه الرواية تؤكد لنا ماتقدم في رواية الزهري عن صعصعة وما أخرجه ابن عساكر عن حضين- وهي أحسن الطرق الضعيفة -، وأنه لم يحضر علي لشغله بالخوارج، وأنه لم يكن من عمرو رضي الله عنه خلع لأمير المؤمنين وتثبيت لمعاوية كما ينسب إليه. بل سياقها موافق للأصول ولا نكارة فيها، فكيف نقدم رواية الخلع وهي أشد ضعفاً بل لا تتوافق مع صفات الصحابة وأخلاقهم؟ فتبين بهذا أن قضية خلع علي وتثبيت معاوية في قصة التحكيم لا تثبت؛ لعدم صحة سندها، وأنها مختلقة ومصطنعة.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الرابع: قضية الخلع ثبوتها مستحيل لما تقدم لكن إن أبيت إلا ثبوتها فماذا تبني عليها؟ هل تطيب نفسك بالوقوع في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!؛ لا بد لنا أن نعرف للصحابة مكانتهم وفضلهم، وأن نحبهم ونترضى عنهم؛ لنصرتهم هذا الدين بأنفسهم وأموالهم. ومع ذلك لا نعتقد عصمتهم عن كبائر الإثم ولا عن الصغائر، ولكن نحفظ ألستننا من النيل والتعرض لهم، ونقول: إن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة هذه الذنوب. ونقول: ﴿تِلكَ أُمَّةٞ قَد خَلَت لَهَا مَا كَسَبَت وَلَكُم مَّا كَسَبتُم وَلَا تُسَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعمَلُونَ﴾، ونتذكر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَٰنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَٰنِ وَلَا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيم﴾(454) .
وذكرت هذا- الوجه الخامس- تنزلاً وإلا كما علمت مما تقدم أخي الكريم عدم ثبوت قضية خلع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وتثبيت معاوية رضي الله عنه في قصة التحكيم، فسندها مظلم غير قويم، ومتنها منكر غير مستقيم. وكما يقال: الحق أبلج والباطل لجلج.
وهنا قصة أخرى يذكرون فيها مكر عمرو رضي الله عنه، وذلك أنه وشى بعمارة بن الوليد عند النجاشي لما تعرض لزوجته، فأمر النجاشي السحرة بنفخ إحليله(455) فهام مع الوحوش حتى مات.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومفاد ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه(456) ، وعبد بن حميد في مسنده(457) ، والروياني في مسنده(458) كلهم من طريق عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، قال: فبلغ ذلك قومنا، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد....
قال: وكان عمرو بن العاص رجلاً قصيراً، وكان عمارة بن الوليد رجلاً جميلاً، قال: فأقبلا في البحر إلى النجاشي، قال: فشربوا، قال: ومع عمرو بن العاص امرأته، فلما شربوا الخمر قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتقبلني، فقال له عمرو: ألا تستحيي، فأخذ عمارة فرمى به في البحر فجعل عمرو يناشده حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلف عمارة في أهلك، قال: فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فصار مع الوحش.
قال البوصيري: هذا إسناد رواته ثقات(459) .
ولكن هذه القصة قد وردت في آخر هذا الخبر وقد انفرد بذكرها عبيد الله بن موسى وهو مدار هذا الإسناد، والرجل وإن كان ثقة إلا أنه متهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نسبه أبو داود ويعقوب بن سفيان والساجي إلى الإفراط في الغلو.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال أبو الحسن الميموني: وذكر عنده – يعني: عند أحمد بن حنبل – عبيد الله بن موسى، فرأيته كالمنكر له، قال: كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء، أخرج تلك البلايا فحدث بها. قيل له: فابن فضيل؟ قال: لم يكن مثله، كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية.
وقال الجوزجاني: عبيد بن موسى أغلى، وأسوء مذهباً، وأروى للعجائب.
وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله. قلت: يجري عندك ابن فضيل مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فضيل أستر، وكان عبيد الله صاحب تخليط، وروى أحاديث سوء.
ولذا قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان عبيد الله بن موسى في نفسه صدوقاً روى عنه البخاري لكنه معروف بالغلو، فكان لغلوه يروي عن غير الثقات ما يوافق هواه، كما روى عن مطر بن ميمون هذا، وهو كذب، وقد يكون علم أنه كذب ذلك، وقد يكون لهواه لم يبحث عن كذبه(460) .
وعليه فالتردد واقع في صحة الرواية من جهة تفرد عبيد الله بن موسى بها مع ما عرف من غلوه، وعلى التسليم بصحة الخبر يقال: الجواب عن هذه الشبهة من وجهين:
*الوجه الأول: ذكر في القصة أن عمارة أراد قتله وانتهاك عرضه،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 226وقد نجا من كيده ولا يأمنه حين العودة إلى مكة فدفع عن نفسه بطريقة لا يعود بها على قومه بشر.
*الوجه الثاني: لو لم تسلم لما تقدم فلتعلم أن هذا كان قبل الإسلام، وكما هو معلوم أن الإسلام يجب ما قبله، وقد أسلم وأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وولاه بعض الأعمال كما تقدم(461) .
تنبيه:
1-في بعض الروايات الضعيفة(462) أن عماراً بعد أن شرب الخمر وانتشى قال لعمرو: مر أهلك فلتقبلني فأمرها فقبلته، وهذه الرواية على ضعفها فيها نكارة في المتن؛ وذلك لما هو معلوم من غيرة العرب ودفنهم للبنات وهم أحياء، قال تعالى مبيناً حالهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَىٰ ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ القَومِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِٓ أَيُمسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَآءَ مَا يَحكُمُونَ﴾(463) .
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا المَوءُدَةُ سُئِلَت بِأَيِّ ذَنبٖ قُتِلَت﴾(464) .
2-ذكر السهلي في الروض الأنف(465) أن عمراً سافر بامرأته،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 227فلما ركبوا البحر وكان عمارة قد هوي امرأة عمرو وهويته، فعزما على دفع عمرو، أو كان ذلك من عمارة على غير قصد فدفع عمراً.
وهذا أيضاً لا يصح، ومخالف للرواية الصحيحة، وإن كانت المرأة هي أم عبد الله؛ فقد أسلمت، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها وفي أهل بيتها: نعم أهل البيت عبد الله وأم عبد الله(466) .
3-استشكل بعضهم موت عمارة بن الوليد في الحبشة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في مكة لما رموا سلى الجزور(467) على ظهره وهو ساجد، وقد قال ابن مسعود: فو الذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب قليب
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 228بدر(468) ويجاب عن هذا الاستشكال بما ذكره ابن حجر: أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على الأكثر، ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في القليب وإنما قتل صبراً بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة، وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو بل مقطعاً(469)
الشبهة الثانية: اعترافه عند موته باتباع الهوى والركون إلى الدنيا
وذلك لما ذكروه عن ابن عساكر بأنه ذكر في ترجمة عمرو بن العاص أخبار كثيرة بأنه لما كشف له الغطاء، ورأى ما أعد الله له ببصر حديد أظهر الندامة، وبكى بكاء طويلاً(470) .
من ذلك: ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: «دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر فقلت: يا أبا عبد الله، كنت تقول: أشتهي أنى أرى عاقلاً يموت حتى أسأله كيف تجد؟. قال: أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفس من خرق إبرة، ثم قال: لا برئ فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله، فجعل يرددها حتى فاض.
وما روي عَنِ ابْنِ شَمَاسَةَ الْمَهْرِىِّ أنه قَالَ حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 229الْعَاصِ وَهُوَ في سِيَاقَةِ الْمَوْتِ. فَبَكَى طَوِيلاً وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَذَا؟ قَالَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ. فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّى قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ(471) ثَلاَثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِى وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنِّى وَلاَ أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلاَمَ في قلبي أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَال: فَقَبَضْتُ يدي. قَال: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو قال: قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ.
قال: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا » . قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لي. قَالَ «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ » . وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلاَ أَجَلَّ في عيني مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأَ عيني مِنْهُ إِجْلاَلاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ، لأني لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عيني مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِى مَا حالي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلاَ تصحبن نَائِحَةٌ، وَلاَ نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَىَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّى».
قال ابن أبي الحديد: فإن قلت: فما الذي يقوله أصحابك المعتزلة
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 230في عمرو بن العاص؟ قلت: إنهم يحكمون على كل من شهد صفين، بما يحكم به على الباغي الخارج على الإمام العادل، ومذهبهم في صاحب الكبيرة إذا لم يتب معلوم.
فإن قلت: أليس في هذه الأخبار ما يدل على توبته، نحو قوله: «ولا مستكبر بل مستغفر»، وقوله: «اللهم خذ منى حتى ترضى»، وقوله: «أمرت فعصيت، ونهيت فركبت» وهذا اعتراف وندم، وهو معنى التوبة؟ قلت: إن قوله تعالى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السَّئَِّاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إِنِّي تُبتُ الـَٰٔنَ﴾ يمنع من كون هذا توبة، وشروط التوبة وأركانها معلومة، وليس هذا الاعتراف والتأسف منها في شيء(472) .
قال المحمودي: وما أشبه بفرعون حين أيقن بالهلاك، فقال: آمنت بالله الذي آمنت به بنو إسرائيل. فأخذ جبرئيل كفاً من حمأ البحر وأدخله في فيه وقال له: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين أو ما كان يدري أنه أشهر مصاديق قوله تعالى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السَّئَِّاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إِنِّي تُبتُ الـَٰٔنَ﴾ الخ(473) .
الجواب: الأثر الأول أثر
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 231ابن عباس ضعيف.
أخرجه ابن سعد(474) ، و الحاكم(475) ، وابن عساكر(476) من طريق:
هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن عوانة بن الحكم قال عمرو بن العاص به.
هذا السند فيه ثلاث علل.
العلة الأولى: عوانة بن الحكم بن عوانة بن عياض الأخباري المشهور، الكوفي، وهو كثير الرواية عن التابعين، قل إن روى حديثا مسنداً، وقد روى عن عبد الله بن المعتز عن الحسن بن عليل العنزي عن عوانة بن الحكم أنه كان عثمانياً فكان يضع الأخبار لبني أمية، مات سنة ثمان وخمسين ومائة(477) .
العلة الثانية: هشام بن محمد بن السائب الكلبى.
قال أحمد بن حنبل: إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحداً يحدث عنه.
وقال الدارقطني وغيره: متروك(478) .
العلة الثالثة: الانقطاع بين عوانة بن الحكم وعمرو بن العاص، وقد تقدم أن عوانة توفي سنة ثمان وخمسين ومائة.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أما أثر ابن شماسة المهري فهو في صحيح مسلم(479) .
لكن ليس فيه ما يدل على قولهم بل هو يرد ذلك، وما استدلوا به يجاب عليه من ستة أوجه.
الوجه الأول: أن في بداية الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يبشر إلا المؤمنين.
الوجه الثاني : صدقه في ذكر حاله قبل الإسلام ثم بعده ينفي عنه نفاقه.
الوجه الثالث : أن في الأثر اعتراف وندم وهو معنى التوبة، وباب التوبة مفتوح مالم تغرغر الروح، عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ(480) » .
فالصحابة غير معصومين من الذنوب فكل إنسان له أخطاء، ولا يقال إنه تاب عند معاينة العذاب؛ لأنه لا دليل عليه، ولأن هذا الكلام مبني على أنه مسرف على نفسه، وكلا الأمرين باطل، فمن أين علموا أنه عاين ملائكة العذاب؟ وهل يقال لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والصلاح، واستعمله، واستعمله الخلفاء من بعده أنه مسرف، وهل كل من تاب إلى الله واستغفره نقول بأنه مسرف؟ فأين نحن إذاً من استغفار النبي صلى الله عليه وسلم، أليس هو القائل: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ(481) » .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الرابع : في الأثر ما يدل على شدة خوف عمرو من الله والإقبال عليه، كبكائه الطويل وتحويل وجهه إلى الجدار، وأمره لهم باللبث عند قبره مدة ما حتى يدعوا له ويستأنس بهم، ووضع يده موضع الغلال من ذقنه...الخ.
والخوف من الله من أعظم أسباب المغفرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :... الكلام الصادر عن خوف العبد من الله يدل على إيمانه بالله، وقد غفر الله لمن خافه حين أمر أهله بتحريقه وتذرية نصفه في البر ونصفه في البحر مع أنه لم يعمل خيراً قط، وقال: والله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه، وقال: ما حملك على ما صنعت؟، قال: من خشيتك يا رب، فغفر له. أخرجاه في الصحيحين. فإذا كان مع شكه في القدرة والمعاد إذا فعل ذلك غُفر له بخوفه من الله؛ عُلِمَ أن الخوف من الله من أعظم أسباب المغفرة للأمور الحقيقية إذا قدر أنها ذنوب(482) .
الوجه الخامس حرصه على تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 234موته دليل على حسن خاتمته.
فقوله: «إذا متُ فلا تصحبن نائحة ولا نار» قال القاضي عياض: امتثال لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ(483) » .
وقوله: «فإذا دفنتموني فشُنُّوا علي الترابَ» قال القاضي عياض: بالسين والشن معًا، وهو الصبُّ، وقيل: بالمهملة الصبُ في سهولة، وبالمعجمة التفريق. وهذه سنة في صب التراب على الميت في القبر(484) .
وقوله «ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي» قال النووي: فيه فوائد منها: إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين وهو مذهب أهل الحق، ومنها: استحباب المكث عند القبر بعد الدفن لحظة نحو ما ذكر لما ذكر(485) .
وحرص المرء على تطبيق السنة في هذه اللحظات العصيبة واستحضاره لها؛ من دلالة توفيق الله للعبد، فقلَّ من يأمر بتطبيق سنة، أو ينشر علماً عند حضور الموت، وفي هذا الموقف العصيب.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه السادس: قوله: ثم وَلِينَا أشياء ما أدرى ما حالي فيها؛ معناه ما ورد في مسند أحمد(486) ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدري علي أم لي. أي ما تولاه من ولايات وما حصل من حرب معاوية رضي الله عنه مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. ولم يجزم بأن ما ارتكبه محرم، بل هو لشدة ورعه قال ما قال. ولا يفهم من هذا: سوء نيته، إنما قال ذلك؛ لخوفه من الله، ولعلمه بأن الولاية مسؤولية وأمانة يسأل عنها صاحبها يوم القيامة، كذلك ما حصل من حرب معاوية مع علي، كان عن اجتهاد، والمجتهد محتمل وقوع الخطأ منه.
والقارئ لتراجم السلف من الصحابة، والتابعين يجد أنهم يخافون من القدوم على الله ولا يغترون بأعمالهم مهما بلغت، فلا يدعون لأنفسهم الرفعة، ولا يزكون أنفسهم بل يجتهدون في فعل الطاعات وفي الوقت نفسه يخاف أحدهم أن يكون مقصراً في جنب الله ويخاف ألا يقبل عمله.
فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعن جعل يألم، فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه(487) يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: «أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنما ذاك من الله جل ذكره منَّ به علي، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل، قبل أن أراه(488) وهذا الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه اشتكى فعاده سعد. فرآه يبكي. فقال له سعد: ما يبكيك؟ يا أخي أليس قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس أليس؟ قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين. ما أبكى ضِنا(489) للدنيا ولا كراهية للآخرة. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً. فما أراني إلا قد تعديت. قال: وما عهد إليك؟ قال عهد إلي أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب. ولا أراني إلا قد تعديت. وأما أنت ياسعد، فاتق الله عند حكمك إذا حكمت وعند قسمك إذا قسمت وعند همك إذا هممت.
قال ثابت فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهماً. من نفقة كانت عنده(490) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وليس منه ببعيد الصحابي الجليل أبوهريرة رضي الله عنه أحد المكثرين في الرواية عن رسول الله، إذ بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بُعد سفري، وقلة زادي، وإني أمسيت في صعود مهبطة على جنة ونار، لا أدري إلى أيتهما يؤخذ بي(491) » . وهذا سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما حضرته الوفاة: بكى بكاء شديداً، فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي؟ وإنما تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى علي وفاطمة وخديجة وهم ولدوك، وقد أجرى الله لك على لسان نبيه أنك «سيد شباب أهل الجنة » ، وقاسمت الله مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرة حاجاً؟ وإنما أراد أن يطيب نفسه. قال: فوالله ما زاده إلا بكاء وانتحاباً، وقال: «يا أخي، إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط»(492) .
هذه نماذج عن بعض أصحاب رسول الله تبين خوف الصحابة من الإقبال على الله، ولم يكن هذا الحال قاصراً عليهم بل حتى من التابعين من كان على هذا المنوال، وإليك بعض هذه الصور:
فهذا مسروق بن الأجدع، تقول امرأته: ما كان يوجد
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إلا وساقيه قد انتفختا من طول الصلاة، قالت: وإن كنت والله لأجلس خلفه فأبكي رحمة له، فلما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ومالي لا أجزع وإنما هي ساعة، ثم لا أدري أين يسلك بي...(493) وأما ابني المنكدر عمر وأبا بكر: «لما حضر أحدهما الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك بهذا اليوم، قال: أما والله ما أبكي أن أكون ركبت شيئاً من معاصي الله اجتراء على الله، ولكني أخاف أن أكون أتيت شيئاً هيناً وهو عند الله عظيم.
قال: وبكى الآخر عند الموت فقيل له مثل ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول لقوم: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَم يَكُونُواْ يَحتَسِبُونَ﴾ فأنا أنتظر ما ترون، والله ما أدري ما يبدو لي»(494) .
وأختم بالإمام بالشافعي رحمه الله، قال المُزَنِيُّ:
دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت: يا أبا عبد الله! كيف أصبحت؟
فرفع رأسه، وقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، وعلى الله وارداً، ما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها، أو إلى نار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
| وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي | جَعَلْتُ رَجَائِي دُوْنَ عَفْوِكَ سُلَّمَا |
|---|
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ | بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظمَا |
| فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ | تَجُوْدُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا |
| فَإِنْ تَنْتَقِمْ مِنِّي فَلَسْتُ بِآيِسٍ | وَلَتوْ دَخَلَتْ نَفْسِي بِجِرمِي جَهَنَّمَا |
| وَلولاَكَ لَمْ يُغْوَى بِإِبْلِيْسَ عَابِدٌ | فَكَيْفَ وَقَدْ أَغوَى صَفِيَّكَ آدَمَا |
| وَإِنِّيْ لآتِي الذّنْبَ أَعْرِفُ قَدْرَهُ | وَأَعلَمُ أَنَّ اللهَ يَعْفُو تَرَحُّمَا |
قال الذهبي إسناده ثابت عنه(495) .
وهذا الخوف والجزع والبكاء الذي تجده في تراجم السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو مصداق لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ أَنَّهُم إِلَىٰ رَبِّهِم رَٰجِعُونَ﴾(496)
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ أَنَّهُم إِلَىٰ رَبِّهِم رَٰجِعُونَ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ تُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي الخَيرَٰتِ وَهُم لَهَا سَٰبِقُونَ﴾»(497)
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 240ومن هذا ما أخبر الله به عن خليله إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذ يَرفَعُ إِبرَٰهِمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيتِ وَإِسمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾(498)
روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي، عن وهيب بن الورد: أنه قرأ: ﴿وَإِذ يَرفَعُ إِبرَٰهِمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيتِ وَإِسمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّآ﴾ ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشْفق أن لا يتقبل منك(499) .
تنبيه:
أما ما يتعلق بوصف عمرو للموت فوردت روايات أخرى ضعيفة عند ابن سعد وابن أبي الدنيا وابن عساكر، والبعض قد يستشكل هذا الوصف؛ لحديث البراء الطويل وكون هذا الوصف يشابه حال الفجار عند وقت نزع الروح، وهذا الاستشكال؛ نتيجة عدم التفريق بين مرض الموت ونزع الروح، فوصف عمرو هو للسكرات التي هي مقدمات الموت، ومرض الموت وشدته، وهي مرحلة متقدمة على النزع؛ إذ كيف يحث على السنة في تجهيز جنازته ويصف الموت على فرض صحته وهو في حالة النزع؟!
فالسكرات هي مقدمات الموت، وهي ألم الموت ومرضه و{شدّته الذاهبة بالعقل}(500) وهي ثابتة في الكتاب والسنة قال تعالى : ﴿وَجَآءَت سَكرَةُ المَوتِ بِالحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾(501) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولم يسلم سيد الخلق وأحبهم من سكرات الموت فكان عند موته يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ » أخرجه البخاري من حديث عائشة(502) . وفي رواية عنها قالت: «مَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي(503) فَلاَ أَكْرَهُ شِدَّةَ المَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا، بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم(504) » .
وفي رواية: «مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم(505) » .
قال الحافظ ابن حجر: «وفي الحديث أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة، بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته وإما تكفير لسيئاته»(506) اهـ.
قال
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 242القرطبي: «فأحب الله أن يبتليهم- أي الأنبياء- تكميلاً لفضائلهم، ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك في حقهم نقصاً ولا عذاباً، بل هو كما قال كمال رفعة مع رضاهم بجميل ما يجزي الله عليهم، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد مع إمكان التخفيف، والتهوين عليهم ليرفع منازلهم ويعظم أجورهم قبل موتهم»(507)
قال المباركفوري: «لما رأت شدة وفاته علمت أن ذلك ليس من المنذرات الدالة على سوء عاقبة المتوفى، وأن هون الموت وسهولته ليس من المكرمات. وإلا لكان صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، فلا أكره شدة الموت لأحد ولا أغبط أحداً يموت من غير شدة»(508) .
ولما بلغ عائشة رضي الله عنها وفاة أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر بالحُبْشِيِّ- جبل بأسفل مكة(509) على رأس أميال منها -، فنقله ابن صفوان إلى مكة قالت: «ما آسى من أمره إلا على خصلتين: إنه لم يعالج(510) ولم يدفن حيث مات. قال نافع: وكان مات فجأة»(511) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال عمر بن عبد العزيز: «ما أحب أن تهون علي سكرات الموت إنه آخر ما يكفر به عن المرء المسلم»(512) .
* * *
الشبهة الثالثة: الثروة التي خلفها بعد موته
ومقصد من تمسك بهذا الطعن في خلق عمرو وأمانته والزعم بأنه لما ولي مصر ابتز منها أموالاً كثيرة من غير وجه شرعي.
يقول علي الكوراني: وجمع عمرو ثروة طائلة من الفتوحات، وكان شديد الحرص على الولاية وقد ظهرت ثروته مبكراً في عهد عمر(513) .
وقال الريشهري: وخلف ثروة طائلة، ودراهم ودنانير وافرة. وذكر أن أمواله المنقولة بلغت سبعين رقبة جمل مملوءة ذهباً(514) .
وأدلتهم على ذلك:
مارواه الحاكم في المستدرك: عن قتادة أنه قال: لما احتضر عمرو بن العاص، قال: كيلوا مالي، فكالوه، فوجدوه اثنين وخمسين مداً. فقال: من يأخذه بما فيه؟ يا ليته كان بعراً(515)
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وما رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق: عن الحسن أنه قال: لما احتضر عمرو بن العاص، نظر إلى صناديق، فقال: من يأخذها بما فيها؟ يا ليته كان بعراً، ثم أمر الحرس، فأحاطوا بقصره. فقال بنوه: ما هذا فقال: ما ترون هذا يغني عني شيئاً(516) وبما ذكره الذهبي في السير: قال: يقال: خلف- أي عمراً- من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهباً(517) وبما ذكره المقريزي في المواعظ والاعتبار بأنه: خلف سبعين بهاراً دنانير، والبهار: جلد ثور، ومبلغه أردبان بالمصري، فلما حضرته الوفاة أخرجه، وقال: من يأخذه بما فيه، فأبى ولده أخذه، وقالا: حتى ترد إلى كل ذي حق حقه، فقال: والله ما أجمع بين اثنين منهم، فبلغ معاوية، فقال: نحن نأخذه بما فيه(518)
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من خمسة أوجه:
الوجه الأول - من جهة السند -:
جميع هذه الروايات التي تحدد وتحصر مال عمرو لا تصح، وإليك التفصيل:
رواية الحاكم: أخرجها من طريق إبراهيم بن عصمة العدل ثنا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 245السري بن خزيمة ثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو هلال الراسبي عن قتادة به.
إبراهيم بن عصمة العدل النيسابوري شيخ الحاكم: قال الذهبي: أدخلوا في كتبه أحاديث، وهو في نفسه صادق(519) ، وقال ابن حجر: وهذا الرجل من مشائخ الحاكم قال في تاريخه أدركته وقد شاخ وكان قد سمع أباه وغيره قبل الثمانين ومائتين وكانت أصوله صحاحاً وسماعاته صحيحة فوقع إليه بعض الوراقين فزاد فيه أشياء قد برأ الله أبا إسحاق منها(520) .
وأبوهلال الراسبي واسمه محمد بن سليم: قال أبو بكر الأثرم: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن أبى هلال يعنى الراسبى قال: قد احتمل حديثه إلا أنه يخالف في حديث قتادة وهو مضطرب الحديث عن قتادة(521) . وروايته هنا عن قتادة، وقتادة بن دعامة السدوسي وإن كان ثقة ثبت(522) إلا أنه لم يسمع من عمرو بن العاص فروايته عنه مرسلة وقد تقدم(523) .
أما رواية ابن أبي الدنيا فهي ضعيفة أيضاً: أخرجها من طريق
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 246عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن به.
أشعث في هذا السند يحتمل أن يكون ابن سوار وهو ضعيف ويحتمل أن يكون غيره ممن يقبل حديثه كأشعث بن عبد الله بن جابر الحُداني وهو صدوق، أو أشعث بن عبد الملك الحمراني وهو ثقة فقيه، ثلاثتهم رووا عن الحسن البصري، وروى عنهم حفص بن غياث(524) والحسن البصري كثير التدليس ولم يصرح هنا بالتحديث، فلا يقبل حديثه حتى يصرح، وقد تقدم الكلام على مراسليه.
وماذكره الذهبي فلم يسنده بل قال وقيل.
كذلك ماذكره المقريزي لم يسنده. فدل على عدم صحة هذه الروايات(525) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الثاني: أنه ذكر في الرواية التي فيها (سبعين بهاراً دنانير) بأن أولاده امتنعوا من أخذها لما عرض عليهم، وقد ورد ما يناقضها، ففي تاريخ دمشق: أنه لما حضرته الوفاة قال له ابنه عبد الله: يا أبتاه أوص في مالي ومالك ما بدا لك، قال: فدعا كاتباً فقال اكتب فجعل يكتب، قال: فلما أسرع في المال، قال: يا أبة لا أحسبك إلا قد أتيت على مالي ومال إخوتي فلو بعثت إلى إخوتي فتحلل ذلك منهم، قال عمرو: للكاتب اقرأه فقرأه فقال: عبد الله بن عمرو بخ بخ، قال: فقال له عمرو: يا عبد الله أتشكر هذا؟ فوالله لامرأة من المهاجرات أقبلت تتغير في صرحو تقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمله عليه في سبيل الله خير من هذا كله، جاء ذاك من حيث جاء، وجاء هذا من حيث جاءنا عبد الله والله لقد هلكنا إلا أنا معتصمين بلا إله إلا الله(526) .
الوجه الثالث: تقدم في ترجمته أن أباه كان ثرياً وكان يلبس الحرير والديباج وأن عمراً كان تاجراً وكان له بستان عظيم بالطائف
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 248يُسمى الوهط يتمناه الملوك، أدخل في عريش الوهط ألف ألف عود، كل عود بدرهم.
الوجه الرابع: أن الدولة الإسلامية في بدء أمرها كانت شحيحة الموارد، فكثير من الصحابة كان لا يجد ما يأكله، وبعضهم يجد إزاراً ولايجد رداء، فلما منَّ الله عليهم بالفتوحات توسعت موارد الدولة ووسع على الناس حتى إن بعض التابعين رأى جابراً صلى في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب، قال له قائل: تصلي في إزار واحد؟ فقال: إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم(527) .
هذا من حيث العموم، أما من حيث الخصوص فقد كان أبوهريرة رضي الله عنه يصرع من الجوع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كبرت الدولة الإسلامية، وكثرت مواردها بسط الله عليه الرزق.
وولاه عمر على البحرين فأتاه بأربع مائة ألف من البحرين، فقال: ما جئت به لنفسك؟
قال: عشرين ألفاً. قال: من أين أصبتها؟
قال: كنت أتجر.
قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال(528) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومعلوم شدة عمر ومحاسبته للأمراء فيما ينالوه من أموال ولو كان من تجارة أو حرفة.
وهذا الزبير بن العوام كان مصْرفاً يمشي على الأرض وكان جميع ماله كما قال الذهبي:
خمسون ألف ألف ومائتا ألف(529) . يعني خمسين مليون ومائتي ألف في ذلك الزمان.
قال عبد الله بن الزبير: وقتل الزبير ولم يدع ديناراً ولا درهماً، إلا أرضين بالغابة، وإحدى عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة وداراً بالكوفة، وداراً بمصر...وما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجاً، ولا شيئاً إلا أن يكون في غزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان(530) . وكثير من الصحابة كان فقيراً فأغناه الله من فضله. فإذا حصل الثراء لمن كان فقيراً فزيادة ثراء التاجر من باب أولى.
الوجه الخامس: ثبت أن علاقة عمر رضي الله عنه بولاته كانت مبنية على السمع والطاعة له، ومساعدته ومعاونته في أعباء الخلافة، وثبت أنه كان يراقبهم ويلاحظ تعاملهم مع الرعية، وإعطاءها واجباتها وحقوقها، وكان يعاقب من ثبت تقصيره وتعديه، وكان يراقب مصادر أموالهم ويقاسمهم إياها إذا ارتاب في أمرها(531) فأنى لأحد أن يأخذ من
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 250مال الدولة من غير وجه شرعي في خلافة عمر، وأما في خلافة عثمان فقد عُزل، ثم تولى لمعاوية ثلاث سنين، فهل يعقل أنه نال هذا المال أثناء ولايته لعمر، وبعضاً من خلافة عثمان، وولايته لمعاوية، فكيف لو قيل: إن تهمة جبايته لمال مصر موجهة له أثناء ولايته لمعاوية وهي ثلاث سنين!!!. فتبين لك أخي الكريم أنها مجرد أقاصيص وأساطير لا محل لها من الإعراب.
المبحث الثالث
شبهات حول علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم
الشبهة الأولى: لعن النبي صلى الله عليه وسلم له حين هجاه.
الشبهة الثانية: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
الشبهة الثالثة: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اجتماع عمرو بمعاوية رضي الله عنه، وأن اجتماعهما لا يأتي بخير
المبحث الثالث: شبهات حول علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم
الشبهة الأولى: لعن النبي صلى الله
عليه وسلم له حين هجاه
وذلك لما روي أن عمرو بن العاص هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني لا أحسن أن أقول الشعر فالعن عمراً بكل بيت لعنة(532) .
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: - من جهة السند -:
أخرجه ابن قتيبة(533) من طريق أبي الخطاب زياد بن يحيى بن حسان عن سهل بن حماد أبي عتاب الدلال، وابن أبي حاتم(534) والروياني في مسنده(535) ومن طريقه الجوزقاني(536) وابن عساكر(537) من طريق محمد بن المثنى عن سهل بن حماد أبي عتاب الدلال، وأخرجه
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 254الطحاوي(538) من طريق أحمد بن المفضل الحفري؛ كلهم عن عيسى بن عبد الرحمن، نا عدي ابن ثابت، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ إنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ، فَاهْجُهُ وَالْعَنْهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي، أَوْ مَكَانَ مَا هَجَانِي».
عيسى بن عبد الرحمن وقع مصرحاً في الأباطيل للجوزقاني بأنه الزرقي، وفي غريب الحديث لابن قتيبة وابن أبي حاتم أنه السلمي.
فالأول: عيسى بن عبد الرحمن أبو عبادة ويقال: أبو عباد الزرقي.
قال ابن حجر: عيسى بن عبد الرحمن بن فروة وقيل: ابن سبرة الأنصاري أبو عبادة الزرقي متروك من السابعة(539) .
وقال الجوزقاني: هذا حديث باطل، لا أعلم أحداً رواه سوى عيسى بن عبد الرحمن بن فروة الرزقي المديني، وهو منكر الحديث. قال أبو حاتم الرازي: عيسى بن عبد الرحمن بن فروة منكر الحديث، ضعيف الحديث، شبيه بالمتروك، وقال أبو زرعة الرازي: عيسى بن عبد الرحمن بن فروة ليس بالقوي(540) .
والثاني: عيسى بن عبد الرحمن السلمي ثقة من السادسة(541) .
ولعل الصواب أنه السلمي؛ لوروده مصرحاً به في طريق آخر:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي وأبو زرعة، قالا: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السلمي، عن عدي بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرسلاً(542) .
لكن وإن كان السلمي ثقة إلا أن الإسناد معلول بالإرسال.
قال ابن أبي حاتم: وسألت أبي، عن حديث سهل بن حماد، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن عدي، عن البراء، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال أبي: هذا خطأ، إنما يرويه عن عدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً بلا براء(543) .
فالحديث لايصح؛ لأنه مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف.
وللحديث طريق آخر:
قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة، وحدثنا: عن سعيد بن محمد الجرمي، عن أبي تميلة، عن أبي حمزة يعني السكوني، عن جابر يعني الجعفي، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن حذيفة(544) . وهذه المتابعة مظلمة؛ لأن في سندها جابر بن يزيد الجعفي.
كذبه ابن معين، وزائدة، وليث بن أبي سليم، وأيوب، وابن عيينة.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال أبو حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشئ من رأيي إلا جاءني فيه بأثر. وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها.
وقال أبو حاتم الرازي عن أحمد بن حنبل: تركه- أي جابر- يحيى وعبد الرحمن.
وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث(545) .
زيادة على ماتقدم أنه مدلس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث.
قال ابن حجر: ووصفه الثوري، والعجلي، وابن سعد بالتدليس. وقد عده ابن حجر في المرتبة الخامسة: فيمن ضعف بأمر آخر سوى التدليس، فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع(546) .
وأخرجه ابن عساكر(547) من طريق آخر: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي طالب علي بن محمد حدثني أبي حدثني أبو عمرو محمد بن مروان بن عمر القرشي أخبرني جعفر بن أحمد بن معدان نا الحسن بن جهور نا القاسم بن عروة عن ابن دأب قال: قدم أبو الأسود الديلي على معاوية بن أبي سفيان بعد مقتل علي بن أبي طالب وقد استقامت له
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 257البلاد، فأدنى معاوية مجلسه وأعظم... فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الذي ترى هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم إني لا أحسن أن أقول الشعر فالعن عمراً بكل بيت لعنة».
هذا الطريق أيضاً لا يصح؛ لأن في سنده ابن دأب وهو: عيسى بن يزيد بن بكر دأب الليثى المدنى.
قال الحافظ: وكان أخبارياً علامة نسابة، لكن حديثه واه.
وقال خلف الأحمر: كان يضع الحديث، وقال البخاري وغيره: منكر الحديث.
وقيل: إنه كان ذا حظوة زائدة عند المهدي والهادي بحيث إنه أعطاه مرة ثلاثين ألف دينار. وقال أبو حاتم: منكر الحديث(548) .
وأبو الأسود الديلي الدؤلي ويقال البصري اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان ويقال عمرو بن ظالم ويقال عمرو بن عثمان أو عثمان بن عمرو ثقة فاضل مخضرم(549) . فعلى هذا يكون الحديث مرسلاً، والمرسل من قسم الضعيف، زد على ما تقدم أن ابن دأب منكر الحديث.
الوجه الآخر: من جهة المتن-: لو سلمنا أن الحديث ثابت يجاب بأن هذا كان في الجاهلية وقد أسلم رضي الله عنه، واشترط قبل مبايعته للنبي صلى الله عليه وسلم أن غفر الله له، فأعلمه صلى الله
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 258عليه وسلم أن الإسلام يجبُّ ما قبله، وقَبِل صلى الله عليه وسلم بيعته، وأثنى عليه كما تقدم في ترجمته(550)
قال ابن قتيبة: «ونرى هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه».
قال ابن عساكر: «في إسناده مقال، وهذا قبل إسلامه، والإسلام يجبُّ ما قبله».
قال الذهبي : «– بعد ذكره الحديث - قلت: يعني قبل أن يسلم، والحديث منكر»(551) .
الشبهة الثانية: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع صوت رجلين يتغنيان وهما يقولان:
لا يزال حواري يزول عظامه... زوى الحرب عنه أن يجن ويقبرا
فسأل عنهما فقيل له: معاوية وعمرو بن أبي العاص فقال: اللهم أركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار دعا(552) .
الجواب: يجاب
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 259على هذه الشبهة من خمسة أوجه:
الوجه الأول -من جهة الإسناد-: هذا الحديث ضعيف جداً.
أخرجه الطبراني(553) من طريق عيسى بن سوادة النخعي عن ليث عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمع رسول الله رضي الله عنه صوت رجلين... الحديث.
قال الهيثمي في المجمع(554) :
رواه الطبراني، وفيه عيسى بن سوادة النخعي، وهو كذاب. حديث لا يصح.
قال أبو حاتم: منكر الحديث. قال ابن معين: كذاب رأيته(555) .
وجاء من حديث أبي برزة رضي الله عنه.
أخرجه ابن أبي شيبة(556) ومن طريقه أحمد(557) وأبو يعلى(558) وأخرجه البزار(559) وابن حبان في المجروحين(560) ومن طريقه ابن الجوزي(561)
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 260كلهم من طريق محمد بن فضيل يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبي هلال العكي عن أبي برزة بنحوه، وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انْظُروا مَنْ هُمَا؟ قَالَ، فَقَالُوا: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم..الحديث.
هذا الإسناد فيه يزيد بن أبي زياد، قال ابن الجوزي كان يلقن في آخر عمره فيتلقن، قال علي ويحيى: لا يحتج بحديثه. وقال ابن المبارك: ارم به. وقال ابن عدي: كل رواياته لا يتابع عليها(562) .
وشيخه سليمان بن عمرو بن الأحوص مجهول قاله ابن القطان(563) .
أبو هلال العكي: قال البزار: غير معروف.
تنبيهات:
1- في جميع طرق حديث أبي برزة لم يُسم الرجلان اللذان دعا عليهما النبي صلى الله عليه وسلم عدا طريق ابن حبان.
2- وقع في مسند البزار: «نَظَرَ إِلَى رَجُلَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ، يَتَمَثَّلانِ بِهَذَا الشِّعْرِ فِي حَمْزَةَ.. » وفي مصنف ابن أبي شيبة ومسند أبي يعلى: «وذلك قبل أن تحرم الخمر » .
وجاء عن المطلب بن ربيعة رضي الله عنه، ولم يسم فيه الرجلان أيضاً.
أخرجه الطبراني في الأوسط(564) حدثنا محمد بن حفص بن بهمرد
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 261ثنا إسحاق بن الحارث الرازي ثنا عمرو بن عبد الغفار الفقيمي ثنا نصير بن أبي الأشعث وشريك وأبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره يسير في بعض الليل إذ سمع صوت... فإذا رجل يطارح رجلا للغناء...
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن نصير بن الأشعث إلا عمرو بن عبد الغفار.
وعمرو هذا قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث.
وقال ابن عدي: ليس بالثبت بالحديث حدث بالمناكير في فضائل علي رضي الله عنه...، وهو متهم إذا روى شيئاً من الفضائل، وكان السلف يتهمونه بأنه يضع في فضائل أهل البيت وفي مثالب غيرهم(565) .
ويزيد بن أبي زياد تقدم ضعفه.
فيتبين لك أخي الكريم أن الحديث لا يصح بجميع طرقه، وحكم الذهبي على الحديث- الذي فيه ذكرعمرو ومعاوية- بالنكارة(566) ، وكذا الشيخ الألباني(567) وقال ابن القيم: كذب مختلق. وذكر أن كل حديث ورد في ذم عمرو بن العاص ومعاوية بأنه كذب(568) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الثاني: أن الحديث مضطرب في متنه- مع ضعف أسانيده- وقع في بعض الروايات بأن الذي دعا عليهما النبي صلى الله عليه وسلم هما: عمرو بن رفاعة بن التابوب، ومعاوية بن رافع، وهما منافقان، أخرجه ابن قانع(569) وابن عدي كلاهما من طريق: عبد الله بن عمر، ثنا شعيب بن إبراهيم، ثنا سيف بن عمر حدثني أبو عمر مولى إبراهيم بن طلحة، عن زيد ابن أسلم، عن صالح شقران قال: بينا نحن ليلة في سفر، إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوتاً، فقال: «ما هذا؟ » فذهبت أنظر، فإذا معاوية بن التابوب، وعمرو بن رفاعة بن التابوب، ومعاوية بن رافع يقول:
لَا يَزَالُ حَوَارِيُّ تَلُوحُ عِظَامُهُ رَوَى(570) ....
الْحَرْبَ عَنْهُ أَنْ يَمُوتَ فَيُقْبَرَا
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «اللهم اركسهما ركسا، ودعهما إلى نار جهنم»، فمات رفاعة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك السفر.
قال السيوطي: وهذه الرواية أزالت الإشكال وبينت أن الوهم وقع في الحديث الأول في لفظة واحدة وهي قوله ابن العاصي؛ وإنما هو ابن رفاعة أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين، والله أعلم(571) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولكن الطريق أيضاً لا يثبت؛ لأن في سنده: سيف بن عمر وهو: التميمي صاحب الفتوح -، قال الذهبي(572) له تواليف، متروك باتفاق.
والرواي عنه: شعيب هو: ابن إبراهيم الكوفي، ففي ترجمته: ساق حديثه هذا ابن عدي(573) وقال: وشعيب بن إبراهيم هذا له أحاديث وأخبار وهو ليس بذلك المعروف ومقدار ما يروي من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة وفيه بعض النكرة؛ لأن في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف.
وقال الذهبي: هو راوية كتب (سيف)، فيه جهالة(574) .
تنبيه: ورد عند ابن قانع: سعيد أبو العباس التيمي، وصوابه شعيب بن إبراهيم كما في الكامل لابن عدي.
الوجه الثالث: أخي الكريم: قد تبين لك ضعف طريقي الحديث وأنهما لا يثبتان من جهة الإسناد، وتقدم أن المعيَّن في أحدهما معاوية بن رافع، وعمرو بن رفاعة بن التابوب وهما منافقان. والطريق الآخر المعين فيه معاوية وعمرو بن العاص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى فرضية صحتهما يقال: بأن الأمر اشتبه على الراوي أو ظن خلاف المقصود، وإذا تطرق الاحتمال؛ بطل الاستدلال. ثم لماذا حمل الحديث على منصوص
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 264أحد طريقيه دون الآخر! ولماذا نخص به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فهل هذا إلا محض التحكم، والتحكم باطل، على أن الحديث لا يثبت في أحد.
وكل هذه الافتراضات إذا سلمنا ثبوت الحديث، وقد تبين لك ألا مجال لصحته.
الوجه الرابع: إذا قلت يحتمل تعدد القصة، فيجاب أن في بعض الطرق التي نصت بأنهما معاوية وعمرو بن العاص: أن ذلك كان قبل تحريم الخمر، وفي بعض الطرق أنه في غزوة أحد.
فهذا يبين أنه كان قبل إسلامهما لأن إسلام عمرو كان قبل الفتح بستة أشهر، ومعاوية من مسلمة الفتح.
ويجاب: بأنهما أسلما وقبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلامهما حتى أن عمراً اشترط قبل مبايعته للنبي صلى الله عليه وسلم أن يغفر الله له، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ»(575) بل قال صلى الله عليه وسلم: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ»(576) وجعله أميراً في غزوة ذات السلاسل(577) وجعل معاوية من
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 265كتابه كما رواه ابن عباس(578) رضي الله عنهم، ودعا له فقال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ(579)
الوجه الخامس: هل كان من هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم الدعاء على أصحابه بالفتنة والنار؟!
كيف يكون ذلك منه وهو القائل لأم سليم «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شرطي عَلَى رَبِّى أَنِّى اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّى فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ القيامة(580) » .
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً كان يقول لأحدنا عند المَعْتِبَةِ: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ»(581) بل لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على بعض المشركين على صفوان بن أمية وسهيل
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 266بن عمرو والحارث بن هشام. نزلت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظَٰلِمُونَ﴾(582)
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يارسول الله ادْعُ على المشركين قال: «إِنِّى لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً(583) » . فعلمت بهذا أخي الكريم أن ما نُسِب إليه صلى الله عليه وسلم من دعائه على عمرو بن العاص ومعاوية رضي الله عنه مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم.
فائدة: قال ابن حجر: حكى ابن بطال أن الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين، ودليله قوله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾ قال والأكثر على أن لا نسخ، وأن الدعاء على المشركين جائز، وإنما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم، ودخولهم في الإسلام، ويحتمل في التوفيق بينهما أن الجواز حيث يكون في الدعاء ما يقتضي زجرهم عن تماديهم على الكفر، والمنع حيث يقع الدعاء عليهم بالهلاك على كفرهم(584) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الشبهة الثالثة: تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اجتماع عمرو بمعاوية رضي الله عنهما، وأن اجتماعهما لا يأتي بخير
وذلك لما روي عن زيد بن أرقم أنه دخل على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له: عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلساً إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين؟ فقال زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة وأنتما معه فرآكما مجتمعين، فنظر إليكما نظرا شديداً، ثم رآكما اليوم الثاني، واليوم الثالث، كل ذلك يديم النظر إليكما، فقال في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما، فإنهما لن يجتمعا على خير(585) .
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: - من حيث السند -:
هذا الحديث ضعيف جداً.
أخرجه ابن مزاحم(586) قال: نصر عن أبى عبد الرحمن قال: حدثنى العلاء بن يزيد القرشى، عن جعفر بن محمد قال: دخل زيد بن أرقم على معاوية، فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير...الحديث.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
هذا الإسناد فيه علتان:
العلة الأولى: نصر بن مزاحم المنقري تقدم الكلام عليه(587) .
العلة الثانية: انقطاع السند فإن جعفر بن محمد: هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام(588) مات سنة ثمان وأربعين ومئة وهو ابن ثمان وخمسين وولد سنة ثمانين(589) . بمعنى أنه ولد بعد موت عمرو بن العاص على الأقل بثلاثين سنة؛ فإن عمرو بن العاص توفي سنة نيف وأربعين وقيل بعد الخمسين(590) .
وللحديث طريق آخر: أخرجه الطبراني(591) ومن طريقه ابن عساكر(592) حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا سعيد بن عفير حدثني شداد بن عبد الرحمن(593) من ولد شداد بن أوس عن أبيه عن يعلى بن شداد عن أبيه: أنه دخل على معاوية رضي الله عنه وهو جالس وعمرو بن العاص على فراشه فجلس شداد بينهما وقال: هل تدريان ما يجلسني بينكما؟
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 269إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموهما جميعاً ففرقوا بينهما، فوا لله ما اجتمعا إلا على غدرة، فأحببت أن أفرق بينكما».
قال ابن عساكر: سعيد بن عبد الرحمن وأبوه مجهولان. وأقره الحافظ(594) ، وقال ابن أبي حاتم في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن شداد: سألت أبي عنه، فقال: محمد بن عبد الرحمن وأبوه لا يعرفان وحديثه عن أبيه عن جده شداد بن أوس منكر(595) .
قال الهيثمي(596) رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن يعلى بن شداد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
فيتبين لك أخي الكريم: أن هذا الحديث ضعيف جداً، ولا يجوز أن ننسب للرسول صلى الله عليه وسلم هذا القول- لن يجتمعا على خير - وحاشاهما عن ذلك فقد مدح صلى الله عليه وسلم عمراً بقوله «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ: عَمْرٌو وَهِشَامٌ(597) » ، وكان موضع ثقة لديه إذ هو أحد عماله وأمرائه، وائتمن معاوية فجعله من كُتَّابه، ودعاله بالهداية كما تقدم(598) .
الوجه الثاني: أن قوله (مااجتمعا إلاعلى غدرة). كلام يستلزم أن يكون كل واحد منهما منفرداً موصوفاً بهذا الوصف، فيكون
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 270عمرو بن العاص رجلاً غادراً، وكذلك معاوية بن أبي سفيان غادراً وحاشاهما- رضي الله عنها. إذ لوكان عمرو في نفسه رجلاً صالحاً أميناً، فأي ضرر في اجتماع أمينين صالحين؟ فمن أين تأتي الغدرات؟ فمثل هذا كمثل ماء طاهر لاقى ماءاً طاهراً فممن يأتي الخبث؟!.
وإذ قد تبين هذا نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم -: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ » .
وفي رواية أخرى «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ(599) » .
ففي هذا الحديث بروايتيه أن من وَلِيَ أمر المسلمين عليه أن يجهد لهم وينصح ولا يغشهم، ومن أكبر النصح أن يُولِّي عليهم الأمناء الصادقين المرضيِّ السيرة.
ومن أكبر الغش والخيانة أن يُولِّي عليهم من يَعرفُ منه غدراً ويخاف منه غائلة، وقد وجدنا أن رسول الله قد ولىَّ عمروبن العاص على جيش من المسلمين في غزوة ذات السلاسل - وفي القوم أبو بكر وعمر- ثم بعثه إلى عمَّان وظل عليها والياً إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلا يرد في عقل عاقل، ولايستقيم في ذهن لبيب أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام السابق ويحذر من غش الأمة، ويعظم أمر الولاية
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 271حتى يقول لأبي ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، ثم هو يُولِّي على المسلمين في حروبهم وفي أمر دينهم ودنياهم من يعلم منه الغدر والخيانة، وفي المسلمين من هو أرضى لله ورسوله منه. ورسول الله المسدد من ربه فإن خفي عليه أمر عمرو فإن الله سيسدده ويكشف له حاله كما كشف له أمر المنافقين، فهل يعقل أن يكون عمرو بن العاص رضي الله عنه ممن ينطوي على غدر ثم يوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستعمله، ويقره الله على هذا ولا يبين له خبيئة نفسه ومكنون صدره؟!
ثم لايقف الأمر على توليته واستعماله، بل ويمدحه ويثني عليه، ويستمر عمرو في ولايته حتى موته صلى الله عليه وسلم، ثم خلفاؤه من بعده يتابعونه على ذلك السَنَن، ويحتذون حذوه في السر والعلن!
إذا تبين لك هذا؛ علمت أنه محال عقلاً وغير جائز شرعاً أن يظن برسول الله وخلفاءه من بعده أن يولوا على المسلمين من يتهمونه بخبثة أويظنون به غدراً. بل هذا مما تأباه العقول الرشيدة وترفضه النفوس السليمة، والأمر الذي تقبله النفوس السليمة وتتدين به العقول الرشيدة أنه كان محمود السريرة؛ لذلك ولوه من الأعمال ما رأوه أهلاً لها من غير شك فيه ولا رِيبة.
ومما يشهد لحسن سريرته؛ جهاده وسعيه في نشر الإسلام في بقاع كثيرة من بلدان العالم القريبة والبعيدة.
ومما يأتي على هذا الحديث من القواعد ويجتث جدوره: أن رسول الله قال: فيما رواه الترمذي وغيره- «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو
PDF 272بْنُ العَاصِ(600) وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ: عَمْرٌو وَهِشَامٌ(601)(602)
الوجه الثالث: قوله: (مااجتمعا إلا على غدرة) كلام باطل، فإن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنها قد اجتمعا على خير؛ فاجتمعا في الجهاد في غزوة حنين بعد فتح مكة، وفي تبوك فلم يذكر أنهما تخلفا عن الغزوة واجتمعا في حجة الوداع وكذلك في حروب الشام.
قال ياقوت الحموي في معجم البلدان(603) : «وفتحت عكة في حدود سنة 15 على يد عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان».
وقال ابن كثير في البداية والنهاية(604) : «فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر: إن هؤلاء قوم يستأمنون».
فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر رضي الله عنه إلى ما سألوا، وكتب لهم كتاب أمان ومصالحة، وضرب عليهم الجزية،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 273واشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير، وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وهو كاتب الكتاب وذلك في سنة خمس عشرة»(605)
المبحث الرابع
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
شبهات حول علاقته بالصحابة رضي الله عنهم.
الشبهة الأولى: تأليبه على قتل عثمان رضي الله عنه.
الشبهة الثانية: ركونه إلى حزب معاوية رضي الله عنه في الدنيا
الشبهة الثالثة: اتقاؤه علياً رضي الله عنه بعورته أثناء المبارزة
الشبهة الرابعة: قتله وتحريقه لمحمد بن أبي بكر
المبحث الرابع: شبهات حول علاقته بالصحابة رضي الله عنهم
الشبهة الأولى: تأليبه على قتل عثمان رضي الله عنه(606)
ومفاد ذلك: ما روي عن أبي عون مولى المسور قال: كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان، فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج، ثم جمعهما لعبد الله بن سعد، فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان...فكان يأتي علياً مرة فيؤلبه على عثمان، ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان، ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلما كان حصر عثمان الأول خرج من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع فنزل في قصر له يقال له العجلان... فبينما هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمد وعبدالله وسلامة بن روح الجذامي،...فلما بلغه مقتل عثمان، قال: أنا أبو عبدالله قد يضرط العير والمكواة في النار(607) فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر فناداه عمرو: ما فعل الرجل يعني
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 278عثمان، قال: قتل، قال: أنا أبو عبدالله إذا حككت قرحة نكأتها(608) إن كنت لأحرض عليه حتى إني لأحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل، فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نخرج الحق من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحق شرعاً سواء، وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها؛ حين عزله.
الجواب : يجاب على هذه الشبهة من أربعة أوجه:
الوجه الأول: - من جهة السند -: ذكر هذه القصة الطبري في تاريخه(609) من طريق الواقدي أن عبد الله بن جعفر حدثه عن أبي عون مولى المسور قال كان عمرو بن العاص به.
القصة لا تثبت؛ لأن في سندها علتان:
الأولى: الواقدي: محمد بن عمر متروك(610) .
الثانية: أبو عون مولى المسور لعله ابن أبي حازم، قال أبو زرعة:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 279مديني لا نعرفه. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(611) قال: روى عن عبد الله بن الزبير روى عنه عبد الله بن جعفر المخرمي.
الوجه الثاني- من جهة المتن - : من تأمل القصة المروية عن ابن عون يجزم ببطلان ما نسب إلى عمرو بغض النظر عن ضعف إسنادها وذلك للآتي:
أولاً: تفيد القصة بأن تحريضه على عثمان رضي الله عنه كان مشاعاً ومذاعاً إذ لم يقتصر على كبار الصحابة كعلي وطلحة رضي الله عنه بل حتى الحجاج والرعاة، ومعلوم أن عمراً انضم لمعاوية في المطالبة بدم عثمان! فلو كان فعلاً قد حرض عليه لبدأ بقتله أهل الشام إذ كان السبب في ذلك.
ثانياً: في الأثر أنه كان يأتي علياً ويألبه على عثمان، فلو كان تحريضه لعلي رضي الله عنه على عثمان ثابتاً؛ لكشف أمره أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبين أنه من المحرضين، وأن ما وصل الأمر إلى ما وصل إليه إلا بسبب تحريضه وتأليب الناس عليه.
ثالثاً: في الأثر بأنه: قالها أمام ابنه عبد الله، وقد تقدم(612) بأنه أحد السابقين أسلم قبل أبيه، وكان فاضلاً حافظاً عالماً قرأ الكتاب، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، فكيف نستطيع أن نصدق بأنه أقر أباه على هذا التحريض؟ وقد تقدم في الفصل الأول أنه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 280لما حصل ذات يوم بين عمرو بن العاص وبين المغيرة بن شعبة كلام في الوهط فسبه المغيرة، فقال عمرو: يا آل هصيص أيسبني ابن شعبة؟ قال ابنه عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، دعوت بدعوى القبائل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعوى القبائل، قال: فأعتق ثلاثين رقبة(613)
أفيعقل أن يقال: إنه أنكر على أبيه نداءه لقبيلته والتعصب القبلي ثم لا ينكر على أبيه في تحريضه لقتل خليفة المؤمنين؛ لمجرد عزله عن ولاية مصر!.
رابعاً: ختمت القصة بدليل ساطع على بطلانها إذ يقول: وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها؛ حين عزله.
فأفادت القصة بأن عمراً فارق أم كلثوم لما عزله عثمان، مع أن المذكور في كتب التراجم بأن عمرو بن العاص تزوجها بعد موت عبد الرحمن بن عوف ثم ماتت عنده، وفي بعض المصادر - تحديد المدة - «فمكثت عنده شهراً، ثم ماتت»!!(614) .
فتبين لك أخي القارئ الكريم: بعد هذا التأمل؛ أن القصة ملفقة زيادة على ضعف سندها.
الوجه الثالث: أن هناك رواية أخرى تصادم وتخالف هذه الرواية
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 281وتتوافق مع شخصية الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، بل وتدل على بطلان هذه الرواية وأنها بعيدة عن الواقع.
قال الطبري(615) : وفي هذه السنة أعني سنة ست وثلاثين بايع عمرو بن العاص معاوية ووافقه على محاربة علي؛ وكان السبب في ذلك ما كتب به إليَّ السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: لما أحيط بعثمان رضي الله عنه خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجهاً نحو الشام، وقال: والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله عز وجل بذل، من لم يستطع نصره فليهرب. فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد، وخرج بعده حسان بن ثابت، وتتابع على ذلك ما شاء الله.
قال سيف: عن أبي حارثة وأبي عثمان قالا: بينا عمرو بن العاص جالس بعجلان ومعه ابناه إذ مر بهم راكب فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة، فقال عمرو: ما اسمك؟ قال: حصيرة، قال عمرو: حصر الرجل، قال: فما الخبر؟ قال: تركت الرجل محصوراً، قال عمرو: يقتل ثم مكثوا أياماً فمر بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال من المدينة، قال عمرو: ما اسمك؟ قال قتال، قال عمرو: قتل الرجل، فما الخبر؟ قال: قتل الرجل، قال: ثم لم يكن إلا ذلك إلى أن خرجت، ثم مكثوا أياماً فمر بهم راكب فقالوا: من أين؟ قال من المدينة قال عمرو: ما اسمك؟ قال: حرب، قال: عمرو يكون حرب، فما الخبر؟ قال: قتل
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 282عثمان بن عفان رضي الله عنه وبويع لعلي بن أبي طالب، قال عمرو: أنا أبو عبدالله تكون حرب من حك فيها قرحة نكأها، رحم الله عثمان وغفر له، فقال سلامة بن زنباع الجذامي: يا معشر قريش إنه والله قد كان بينكم وبين العرب باب فاتخذوا باباً إذ كسر الباب، فقال عمرو وذاك الذي نريد ولا يصلح الباب إلا أشاف(616) تخرج الحق من حافرة البأس ويكون الناس في العدل سواء ثم تمثّل عمرو في بعض ذلك:
| يا لهف نفسي على مالك | وهل يصرف اللهف حفظ القدر! |
|---|---|
| أنزع من الحرّ(617) ( 617 ) أودى بهم | فأعذرهم أم بقومي سكر! |
ثم ارتحل راجلاً يبكي كما تبكي المرأة، ويقول: واعثماناه أنعى الحياء والدين حتى قدم دمشق، وقد كان سقط إليه من الذي يكون علم فعمل عليه.
ولكن هذه الرواية أيضاً لا تثبت كسابقتها؛ لأن في سندها: (سيف بن عمر) وهو: التميمي متروك(618) .
والرواي عنه: شعيب هو: ابن إبراهيم الكوفي، ففي ترجمته؛ ساق حديثه هذا ابن عدي(619) وقال: وشعيب بن إبراهيم هذا له أحاديث
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 283وأخبار وهو ليس بذلك المعروف ومقدار ما يروي من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة وفيه بعض النكرة؛ لأن في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف.
وقال الذهبي: هو راوية كتب (سيف)، فيه جهالة(620) .
قد تبين لك أخي الكريم أن الرواية- التي تزعم أن عمرو ألب الناس على عثمان – ضعيفة السند وما ذكر في متنها- مع نكارته - لا يتناسب مع صفات الصحابة الذين زكاهم الله من فوق سبع سموات، أضف إلى ذلك وجود روايات أخرى وإن كانت ضعيفة أيضاً لكنها تناقض الروايات الأولى، وهي موافقة للأصول، وتتناسب مع صفاتهم وليس في متنها نكارة؛ فأي الروايتين أحق بالأخذ إن كنتم تعلمون؟.
الوجه الرابع : أن يكون هذا الحديث مما تناقلته الألسنة بقطع النظر عن صحته؛ لهذا نقله أبو عون مولى المسور وهو لا يعلم أنه غير صحيح، وليس هذا ببعيد في عصر كان يموج بفتن كثيرة،(621) لا سيما وأنه لا يُدرى عن من أخذ هذه الرواية!.
وبعد ذكر هذه الأوجه: فلتتيقن أخي الكريم أن نسبة هذا الأمر للصحابي لجليل لا تصح، ولا يجوز أن ننسب أمراً ما لأي شخص دون بينة صحيحة، فكيف بصحابي امتدحه النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه كما مر بك في الفصل الأول(622) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الشبهة الثانية: ركونه إلى حزب معاوية رضي الله عنه طمعًا في الدنيا(623)
وذلك لما رواه عبد الوهاب بن يحيى بن عبد الله بن الزبير نا أشياخنا...وذكر أن عمرو بن العاص استشار ابنيه- بعد الجمل- إلى أي الفريقين يعمد، فقال له عبد الله ابنه: إن كنت لا بد فاعلاً فإلى علي، فقال له عمرو: ثكلتك أمك إني إن أتيت علياً قال لي: إنما أنت رجل من المسلمين، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره، فأتى معاوية.
وفي قصة أخرى: أن علياً بن أبي طالب كتب إلى عمرو بن العاص، فلما أتى عمراً الكتاب أقرأه معاوية الكتاب، وقال: قد ترى ما كتب إلي علي بن أبي طالب، فإما أن ترضيني وإما أن ألحق به فقال له معاوية: فما تريد؟ قال أريد مصر مأكلة، فجعلها له معاوية كما أراد، فاتخذ عمرو بن العاص أربعة.
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: - من جهة السند-: القصة الأولى أخرجها ابن عساكر في تاريخه(624) :
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد أنا أحمد بن الحسن بن خيرون أنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم أنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 285نا إبراهيم بن الحسين بن علي نا يحيى بن سليمان الجعفي قال وحدثني زيد بن الحباب العكلي أخبرني جويرية بن أسماء الضبعي حدثني عبد الوهاب بن يحيى به.
ونا إبراهيم بن الحسين نا يحيى بن سليمان نا إبراهيم بن الجراح قال: ثم رجع إلى حديث أبي يوسف عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه أو عن غيره قال: لما بلغ عمرو بن العاص بيعة الناس علياً دعا ابنيه عبد الله ومحمداً فاستشارهما... وذكر الرواية الثانية.
الإسنادان ضعيفان. السندالأول فيه عبد الوهاب بن يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال الحافظ: مقبول(625) . يعني إن توبع وإلا فلين، كما نص عليه في المقدمة. وأشياخه مبهمون. والسند الآخر ضعيف فيه إبراهيم بن الجراح.
قال ابن حبان: إبراهيم بن الجراح من أصحاب الرأي سكن مصر يروى عن أبي يوسف وغيره وأهل العراق روى عنه أحمد بن عبد الله الكندي يخطىء(626) .
ومحمد بن إسحاق هو ابن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي صدوق يدلس(627) وقد عنعن في هذا السند
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 286ولا تقبل روايته إلا إذا صرح.
والقصة الثانية: أخرجها كذلك ابن عساكر(628) : أخبرنا أبو عبد الله البلخي أنا أبو الحسن علي ابن الحسين ابن أيوب أنا أبو علي بن شاذان أنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب نا إبراهيم بن الحسين بن علي نا يحيى ابن سليمان الجعفي حدثني عبد الرحمن بن زياد أنا أبو الصباح الأنصاري الواسطي نا أبو هشام الرماني عن من حدثه قال: كتب علي بن أبي طالب إلى عمرو ابن العاص..الخ.
وهذه القصة ضعيفة كسابقتها؛ لأن في سندها: عبد الغفور أبو الصباح الواسطي.
قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء.
وقال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث.
وقال البخاري: تركوه.
وقال ابن عدى: ضعيف منكر الحديث(629) .
وفي أنساب الأشراف(630) طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلة:
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثني بشير بن عقبة أبو عقيل: عن الحسن قال: لما كان من أمر علي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 287ومعاوية ما كان؛ دعا معاوية عمرو بن العاص إلى قتال علي فقال: لا والله لا أظاهرك على قتاله حتى تطعمني مصر؛ فأبى عليه فخرج مغضباً. ثم إن معاوية ندم وقال: رجل طلب إلي في شيء على هذه الحال فرددته؟ فأجابه إلى ما سأل.
وفي طبقات ابن سعد(631) .
قال: أخبرنا معاذ بن معاذ قال: أخبرنا أبو عون عن الحسن قال: كان الحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص، وكان أحدهما يبتغي الدنيا والآخر يبتغي الآخرة.
الإسناد إلى الحسن البصري صحيح، ولكنه لم يشهد الحادثة فقد كان صغيراً بالمدينة ومعاوية بالشام، وقد سئل أبو زرعة: لقي الحسن أحداً من البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأي عثمان بن عفان وعلياً، قلت: سمع منهما حديثاً؟ قال: لا، وكان الحسن البصري يوم بويع لعلي رضي الله عنه ابن أربع عشرة، ورأى علياً بالمدينة ثم خرج علي إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذلك.
وقد حكم العلماء على مراسيل الحسن بالضعف، قال ابن سعد: قالوا... وكان ما أسند من حديثه وروى عن من سمع منه فحسن حجة، وما أرسل من الحديث فليس بحجة.
وقال أحمد بن حنبل: ليس في المرسلات شيء أضعف من
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 288مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد.
قال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح.
قال العلائي: كثير التدليس وهو مكثر من الإرسال.
قال علي بن المديني: رأى الحسن أم سلمة ولم يسمع منها ولا من أبي موسى الأشعري(632) .
فثبت مما تقدم عدم حضور الحسن للحوار الذي نقله عن عمرو بن العاص ومعاوية رضي الله عنها، وقد تقدم في التمهيد أنه قد كثر التزوير والإشاعات عن الصحابة في هذه الفتنة، فربما سمع الحسن هذه الشائعة فظنها صدقاً فحكاها كما سمعها، ثم ذكر بأن أحد الحكمين كان يبتغي الدنيا بناءً على ما سمع، والقصة أصلاً لم تثبت(633) .
الوجه الثاني: أن في سياق الرواية نكارة لا تتوافق مع شخصية
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 289عمرو وسيرته.
إذ سياق الرواية كأنها تتحدث عن قائد عسكري في عنفوان شبابه له شغف بالمال والولاية ولو على حساب دينه لاه عن الآخرة غافل عن الموت، وهذا الوصف لا يتناسب مع مجتمع الصحابة، المجتمع الذي تربى أفراده على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتعلموا منه حقارة الدنيا ودناءتها قولاً وفعلاً، وعمرو وما أدراك ما عمرو! من أفاضل الصحابة صاحب الفتوحات، شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والصلاح، وعندما أراد إرساله وتأميره على جيش ذات السلاسل قال له: «يَا عَمْرُو اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلاَحَكَ، وَثِيَابَكَ، وَأْتِنِي فَفَعَلْتُ فَجِئْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ،
PDF 290فَصَعَّدَ فِيَّ الْبَصَرَ وَصَوَّبَهُ، وَقَالَ: يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ وَجْهًا، فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَيُغْنِمَكَ، وَأَزعَبُ لَكَ مِنَ الْمَالِ زَعبَةً صَالِحَةً، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي الْمَالِ، إِنَّمَا أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْجِهَادِ، وَالْكَيْنُونَةِ مَعَكَ، قَالَ: يَا عَمْرُو، نَعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ، لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ(634) ولو كان باطن عمرو مخالفاً لظاهره؛ لأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بما يبطنه عمرو. أضف إلى ذلك أن عمراً كان عمره آنذاك يناهز الثمانين وهو سن يناسبه الوقار والزهد عن الدنيا وجمع الأموال بالطرق المباحة فضلاً على أن يتوصل للدنيا بسفك الدماء والطرق المحرمة، وتاريخه شاهد بذلك.
الوجه الثالث: مما يدل على أن عمرو بن العاص انضم لمعاوية اجتهاداً لا طمعاً في الدنيا؛ أنه لما علم بقتل عمار بن ياسر فزع فزعاً شديداً ودخل على معاوية يخبره بالأمر، ففي مسند أحمد عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص، فقال: قتل عمار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتله الفئة الباغية، فقام عمرو بن العاص فزعاً يُرجِّع حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمار، فقال معاوية: قد قتل عمار، فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال له معاوية: دحضت(635) في بولك،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 291أو نحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا(636)
وقد يقال لماذا لم يدخل معاوية وعمرو رضي الله عنه في بيعة علي رضي الله عنه بعد قتل عمار؛ إن كانا يريدان الحق؟
والجواب: أنهما امتنعا من الدخول في بيعة علي رضي الله عنه؛ لعدم تمكينهما من قتلة عثمان رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه أخر القصاص حتى يستتب له الأمر وتهدأ الفتنة، لا سيما وأن الذين حاصروا عثمان جمع غفير فطلب علي رضي الله عنه منهم الدخول في البيعة فأبوا، فتوجه إليهم ليدخلهم في بيعته فرفضوا مبايعته حتى يقتص من القتلة، فرأى علي قتالهم لأنهم في نظره بغاة حتى يدخلهم في بيعته؛ فحصل القتال بين الصفين، وهم متيقنون أنهم على الحق؛ لأنهم يطالبون بدم عثمان وقد قال تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُومٗا فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَٰنٗا فَلَا يُسرِف فِّي القَتلِ إِنَّهُ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 292كَانَ مَنصُورٗا﴾(637) ومعاوية؛ ابن عمه، وأقوى أوليائه في الطلب بالقصاص، والقتلة في صف علي.
ولعلمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عثمان بعدم التنحي عن الخلافة إذا طلب منه المنافقون ذلك وأخبره أنه سيقتل مظلوماً، ففي مسند أحمد قوله صلى الله عليه وسلم: يا عثمان، إن الله مقصمك قميصاً، فإن أرادك المنافقون على أن تخلعه فلا تخلعه لهم، ولا كرامة(638) .
وعن جبير بن نفير، قال: كنا معسكرين مع معاوية بعد قتل عثمان، فقام كعب بن مرة البهزي فقال: لولا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قمت هذا المقام، فلما سمع بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجلس الناس، فقال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ مر عثمان بن عفان مرجلاً قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لتخرجن فتنةٌ من تحت قدمي- أو من بين رجلي- هذا، هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى، قال: فقام ابن حوالة الأزدي من عند المنبر، فقال: إنك لصاحب هذا؟ قال: نعم، قال: والله إني لحاضر لذلك المجلس، ولو علمت أن لي في الجيش مصدقاً كنت أول من تكلم به(639) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فلما قتل عمار كان كالصعقة لهم، إذ كيف يكونون فئة باغية وهم يطالبون بدم الخليفة عثمان، وقتلته أيضاً موجودون في صف علي، وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنفاق، ثم هم لم يبدؤوه بالقتال(640) بل هو من قدم بقوله هم رموه بين أسيافنا ورماحنا.
وتألم(641) عمرو بن العاص لموت عمار، وبشر قاتله وسالبه بالنار،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 294ورأى أن الإثم مقصور على من قتله، ففي مسند أحمد بن أبي غادية، قال: قتل عمار بن ياسر فأخبر عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن قاتله، وسالبه في النار، فقيل لعمرو: فإنك هو ذا تقاتله، قال: إنما قال: قاتله، وسالبه(642)
وبقي الألم ملازماً له لكنه لم يتيقن من خطئه للأسباب المتقدمة، ولعل ما يدل على هذا قوله عند موته: كنت على أطباق ثلاث وذكر الحالة الأولى: وهي وقت كفره، والحالة الثانية: وهي وقت إسلامه وجهاده وحياته مع نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر المرحلة الثالثة وهي قوله: ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها؛ ومعناه ما ورد في مسند أحمد ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدري علي أم لي(643) .
فهو لم يجزم بالخطأ ولكنه خاف أن يكون أخطأ في اجتهاده
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 295وجانب الصواب، والله أعلم.
الوجه الرابع: ثبت في السنة النبوية ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على الطائفتين المتقاتلتين، ووصفهما بأنهما عظيمتين، ففي صحيح البخاري من حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في شأن ابنه الحسين ابن علي رضي الله عنه: إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين(644) .
ومن المعلوم أن معاوية رضي الله عنه كان قائد الطائفة الأخرى وعمرو رضي الله عنه كان وزيره.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَمرُقُ مارقةٌ من الناس، فَيَلِي قَتَلهُم أولى الطائفين بالحق(645) . فوصف الرسول صلى الله عليه وسلم – الذي لا ينطق على الهوى – الطائفتين بأنهما عظيمتان، وأنهما من المسلمين، وأن أولاهما بالحق وأقربهما الطائفة التي تقتل الخوارج، وهي طائفة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وهو – أي القتال بين الطائفين – إخبار عن أمر مغيب أعلمه الله بالوحي فهو من دلائل نبوته، فكيف يقال: بأن عمراً قاتل لأجل المال أو أن معاوية قاتل من أجل الملك، وقد وصف رسول الله طائفته بأنها عظيمة وأنها على الحق، وهو زعيمهم وعمرو يعتبر الرجل الثاني بعده؟!!
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الخامس: كيف يسوغ لنا وصف صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه وقف في صف معاوية؛ لأجل حطام الدنيا لا اجتهاداً منه؛ والقصة أصلاً لا تثبت، وقد قالت العرب: ثبت عرشك ثم انقش.
ليس من العدل أن ننسب لغير الصحابة أمراً ما بدون بينة صحيحة فكيف بالصحابي!.
أخي الكريم: لو نقل لك كلام سيء عن شيخك أو صاحبك، وليس ثمة شهود، أو وجد شهود ولكن غير عدول هل تقبل؟
بالطبع كل عاقل سيقول لا وألف لا؛ فكيف نقبل ذلك في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل هذا من العدل؟! أخي الكريم، اسأل نفسك هذا السؤال ولا تسأله غيرك.
الشبهة الثالثة: اتقاؤه عليًا رضي الله عنه بعورته أثناء المبارزة
ومفاد ذلك: ماجاء في بعض الروايات أن عمراً قال لمعاوية: أتجبن عن علي وتتهمني في نصيحتي إليك؟ والله لأبارزن علياً ولومت ألف موتة في أول لقائه، فبارزه عمرو فطعنه علي فصرعه فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي وولى بوجهه دونه.
وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد حياء وتكرماً
PDF 297وتنزهاً عما لا يحل ولا يجمل بمثله كرم الله وجهه(646)
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من سبعة أوجه.
الوجه الأول: أن القصة لم ترد مسندة إلا في كتاب الإمامة والسياسة(647) - المنسوب إلى ابن قتيبة-.
وقد أنكر عدد من المؤرخين والمحققين نسبته إلى ابن قتيبة، يقول شاكر مصطفى: أما كتاب الإمامة والسياسة...فكتاب موضوع أكثر من مرة، ويبحث في تاريخ الخلافة وشروطها منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى عهد المأمون. وقد تشكك العلماء في نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة. وأول من أعلن ذلك وعلله هو غاينفوس المجريطي في صدر كتابه عن الأندلس سنة 1881 م ثم تبعه دورزي وآخرون(648) . وقال الدكتور عبد الحليم عويس عن الكتاب بأنه: مليء بالغرائب فيما يتعلق ببني أمية وصاحبه، متحيز ضدهم وهو لا يذكر لنا مصادره، ولا سلسلة رواته، والذين درسوا حياة ابن قتيبة يشككون في نسبة الكتاب إليه؛ لأن ابن قتيبة أديب أكثر منه مؤرخاً...كما أنه كان أمينا في ترجماته التي وردت في كتابه المعارف لبعض شخصيات العصر الأموي، وهو مايتناقض مع ما أورده- إذا صح نسبته إليه - في كتاب الإمامة، فالكتاب فضلاً عن كونه مشكوك النسبة إلى صاحبه لم يوثق رواياته(649) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والذي دفع العلماء إلى إنكار نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة؛ الأدلةُ القاطعة والبراهينُ الساطعة الدالة على بطلان نسبة الكتاب إليه، يشهد بصدقها من له أدنى مسكة من فهم للتاريخ وإليك بعضها:
1- أن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكروا هذا الكتاب ضمن كتبه.
2- أن الكتاب يذكر أن مؤلفه كان بدمشق، وابن قتيبة لم يخرج من بغداد إلا إلى دينور.
3- أن الكتاب يروى عن أبي ليلى، وأبو ليلى كان قاضياً بالكوفة سنة (148هـ) أي قبل مولد ابن قتيبة بخمس وستين سنة.
4- أن المؤلف نقل خبر فتح الأندلس عن امرأة شهدته، وفتح الأندلس كان قبل مولد ابن قتيبة بنحو مائة وعشرين سنة(650) .
5- أن مؤلف الكتاب يذكر فتح موسى بن نصير لمراكش، مع أن هذه المدينة شيدها يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين سنة (455هـ) وابن قتيبة توفي سنة (276هـ).
6- أن مؤلف الإمامة والسياسة يروي كثيراً عن اثنين من كبار علماء مصر، وابن قتيبة لم يدخل مصر ولا أخذ عن هذين العالِمَين، فدل ذلك كله على أن الكتاب مدسوس عليه(651) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
7- أن في الكتاب جهل تاريخي لا يمكن أن يفوت ابن قتيبة، كاعتباره: أبا العباس والسفاح شخصيتين، وجعله الرشيد خلفاً للمهدي، وذِكره أن ابنه عبد الله دس له السم، وليس للمهدي ابن بهذا الاسم.
8- أن شيوخ ابن قتيبة الذين يردون عادة في كتبه لا ذكر لهم أبدا في هذا الكتاب.
9- أن المؤلف مالكي الهوى والمذهب، وابن قتيبة حنفي.
10- أن أسلوب الكتاب مغاير لمألوف أسلوب ابن قتيبة، فيه عناية بالقصص والرواية(652) .
قال أحمد صقر: وقد نسب إلى ابن قتيبة كتاب مشهور شهرة بطلان نسبته إليه كتاب الإمامة والسياسة، وهل يسيغ هذه النسبة عقل؟ مع عرفانه بأن مؤلف الإمامة والسياسة.. ثم قال بعد أن ساق الدليلين الرابع والخامس المتقدمين: إن هذا وحده يدفع نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة، فضلاً عن قرائن وأدلة أخرى كلها يثبت تزوير هذه النسبة(653) .
وبعد هذه الدراسة نعلم علم اليقين أن كتاب الإمامة والسياسة لا يصح نسبته إلى ابن قتيبة للأدلة الآنفة الذكر، وهي واضحة في بطلان نسبة الكتاب إليه وضوح الشمس في رابعة النهار.
الوجه الثاني: لو سلمنا بصحة نسبة الكتاب إليه فإسناد القصة
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 300غير صحيح.
قال عبد الله بن مسلم: حدثنا ابن أبي مريم وابن عفير قالا: حدثنا ابن عون قال: أخبرنا الخول بن إبراهيم وأبو حمزة الثمالي وبعضهم يزيد على بعض والمعنى واحد فجمعته وألفته على قولهم ومعنى ما أرادوا عن علي بن الحسين قال: لما أنكر الناس على عثمان بن عفان صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه....
ابن عون: هو عمر بن عون بن عمرو بن تميم الأنصاري أبو عون.
قال ابن أبي حاتم: روى عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصاري روى عنه سعيد بن كثير ابن عفير المصري نا عبد الرحمن قال سألت أبي عنه فقال مجهول(654) .
والخول بن إبراهيم لم أجد له ترجمة.
وأبو حمزة الثمالي: ثابت بن أبي صفية الثمالي بضم المثلثة أبو حمزة واسم أبيه دينار وقيل سعيد كوفي ضعيف مات في خلافة أبي جعفر قاله الحافظ(655) .
علي بن الحسين هو: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 301الهاشمي زين العابدين ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور(656) لم يدرك عثمان رضي الله عنه بل قال أبو زرعة لم يدرك جده علياً رضي الله عنه(657) فالأثر منقطع مع ضعف بعض رواته.
الوجه الثالث: أن في متن القصة نكارة إذ أن هذا الفعل لايتوافق مع صفات الصحابة الأجلاء بل لا يليق حتى بالفضلاء من هو دون الصحابة، ويتنزه عنه كل كريم.
الوجه الرابع: مما يدل على عدم ثبوت القصة أنها تنافي الثابت والوارد والمعروف تاريخياً عن شخصية عمرو، فعمرو وما أدراك ما عمرو، موصوف بالشجاعة في الجاهلية والإسلام، فقد كان في الجاهلية ضمن من خرج يوم أحد بزوجته التماس الحفيظة وأن لا يفروا.
وفي يوم الأحزاب كانت خيل المشركين تطيف بالخندق وتطلب غرة ومضيقاً من الخندق فتقتحم فيه وكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد هما اللذان يفعلان ذلك يطلبان الغفلة من المسلمين. وقد أقام هو وخالد مع أبي سفيان في مائتي فارس بعد أن سار جميع العسكر حماية لهم حتى لايطلبهم جيش المسلمين.
أما في الإسلام فله مواقف كثيرة تدل على شجاعته :
1- فقد ولاه صلى الله عليه وسلم على سرية نحو الشام، فيهم السابقون
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 302الأولون من المهاجرين والأنصار منهم أبوبكر وعمر فأحسن تدبيرها.
2- تكذيبه لمسيلمة عياناً بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من عمان قائلاً: (أما والله إنك لكاذب وإنا لنعلم أنك لمن الكاذبين).
3- وهو أحد القادة الأمراء في فتوحات الشام... وعندما رغب أبوبكر في ذهاب عمرو إلى فتح الشام خيره بين البقاء على ولايته في عمان وذهابه للشام: فكتب إليه عمرو: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به.
4- لما كان يوم اليرموك رأى عمرو بن العاص صاحب الراية ينكشف بها أخذها ثم جعل يتقدم وهو يصيح إلي يا معاشر المسلمين فجعل يطعن بها قدما وهو يقول: اصنعوا كما أصنع حتى إنه ليرفعها وكأن عليها ألسنة المطر من العلق.
5- وهو الذي دخل على الأرطبون بنفسه كأنه رسول فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه وتأمل حضرته حتى عرف ما أراد إلى غير ذلك من المواقف البطولية(658) التي تدحض هذا الزعم. فما نسب لعمرو رضي الله عنه يتنافى مع شخصيته، بل هذا يتنافى مع صفات العرب حتى في الجاهلية، فلسان حالهم يقول إما عيشة كريمة أوموتة كريمة فلا يرضون المهانة والمسبة، وتاريخهم شاهد على ذلك.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الخامس: القصة لو صحت فهي تعود بالملامة على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لتفويته قتل عمرو رضي الله عنه وهوالمحرك الثاني للفتنة – في رأي الخصوم- لمجرد إظهار عورته؛ لأن تفويت هذه الفرصة من علي رضي الله عنه تدل على عدم أهليته العسكرية والسياسية وحاشاه.
الوجه السادس: من أمارات الوضع أنه يرد عند أكثر من حادثة مبارزة لعلي رضي الله عنه وكل من المغلوبين فيها كشفوا استهم وعورتهم وكأنه أمر مدبر.
قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار وأرسل إلى عليٍّ أن قدم الراية، فقدم علي وهو يقول: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين.
هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم، فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله. وقد فعل ذلك.
علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة؛ لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه. وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض
أيام صفين أبدى عن عورته فرجع علي أيضاً(659)
مسلمة بن علقمة المازني أبو محمد البصري صدوق له أوهام من الثامنة. بمعنى أنه في الطبقة الوسطى من أتباع التابعين فأين هو من غزوة أحد؟! بل بينه وبينها بعد المشرقين. فالسند مقطوع.
الوجه السابع: لو كان كشف العورة يدرأ القتل؛ لاستعمله كل أحد مع علي رضي الله عنه ولشاع عنه وانتشر ولما حصل له مقصود من قتال، وهو قدح في سياسة علي الشرعية وتدابيره الحربية.
فلا يخفى عليك أخي الكريم بعد سرد هذه الأدلة أنه لا يجوز نسبة هذا الأمر إلى الصحابي الجليل عمرو بن العاص؛ لما تبين لك من أدلة بطلانه.
ومما أنوه بذكره هنا: أن من الأخطاء الشائعة التي قد لا يُتنبه لها عدَّ هذا الفعل من دهاء عمرو والتحدث به في المجالس، مع أن القصة أصلاً باطلة من عدة وجوه، ظلمات بعضها فوق بعض.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الشبهة الرابعة: قتله وتحريقه لمحمد بن أبي بكر رضي الله عنه
وذلك لما بلغ عائشة قتل محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعاً شديداً وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص(660) .
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول من جهة السند: هذا الأثر أخرجه الطبري(661) معلقاً:
قال أبو مخنف فحدثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاري عن شيخ من أهل المدينة قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جواب كتابه:
أما بعد فقد أتاني كتابك تذكرني من أمر عثمان أمراً لا أعتذر إليك منه، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفني المثلة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم فأجتاحكم في الوقعة،.. وخرج محمد في ألفي رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا من كنانة سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقربها لعمرو بن العاص، ففعل ذلك مراراً فلما رأى ذلك عمرو؛ بعث إلى معاوية بن حديج
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 306السكوني فأتاه في مثل الدهم فأحاط بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر؛ نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗا وَمَن يُرِد ثَوَابَ الدُّنيَا نُؤتِهِ مِنهَا وَمَن يُرِد ثَوَابَ الأٓخِرَةِ نُؤتِهِ مِنهَا وَسَنَجزِي الشَّٰكِرِين﴾(662) فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله.
وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر وقد تفرق عنه أصحابه؛ لما بلغهم قتل كنانة حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها، وجاء عمرو ابن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله إلا أني دخلت تلك الخربة فإذا أنا رجل فيها جالس. فقال ابن حديج هو هو ورب الكعبة، فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً، فأقبلوا به نحو فسطاط مصر، قال: ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو ابن العاص، وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبراً؟ ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا عن محمد بن أبي بكر، هيهات
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 307أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر، فقال لهم محمد: اسقوني من الماء؟ قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبداً، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً محرماً فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك يابن أبي بكر. ثم إن محمد بن أبي بكر نال من معاوية بن حديج هذا ومن عمرو بن العاص ومن معاوية ومن عثمان بن عفان أيضاً، فعند ذلك غضب معاوية بن حديج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً وضمت عياله إليها، وكان فيهم ابنه القاسم، وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات.
وذكر الواقدي أنه: لما قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، فهرب عند ذلك محمد بن أبي بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق، فدل عليه فجاء معاوية بن حديج وأصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل(663) .
هذه القصة ضعيفة جداً ؛ لأن في إسنادها: لوط بن يحيى، قال الذهبي: أبو مخنف أخباري تالف لا يوثق به(664) .
ومحمد بن يوسف بن ثابت بن قيس بن شماس مذكور في كتب التراجم بيوسف بن محمد- قال أبوداود في سننه عند حديث «اكْشِفِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 308الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ وهو الصواب(665) أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(666) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف حاله، روى عنه عمرو بن يحيى بن عمارة(667)
قال ابن حجر: يوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس... مقبول «يعني حيث يتابع، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة» من السابعة قيل فيه: محمد بن يوسف(668) .
وفي الإسناد الراوي عن محمد بن أبي بكر شيخ من أهل المدينة، وهذا مبهم، والمبهم من قسم الضعيف؛ لأنه لايعرف من هو فضلاً عن حاله، فإسناد القصة ضعيف جداً لا يقوى على إمكانية الاستدلال به.
الوجه الآخر: لو سلمنا أن الأثر ثابت ففيه:
أن معاوية بن حديج قتله بعثمان، ومحمد بن أبي بكر من الذين دخلوا الدار على عثمان، إلا أنه لم يقتله، قال ابن كثير والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها. فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وكان ذلك في الكتاب مسطوراً(669)
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ودعاء عائشة رضي الله عنها على معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنه؛ لقتل أخيها- على فرض صحته أمر جبلي وطبيعي؛ لأن ما من شخص إلا ويحزن على قتل أخيه أوقريبه، ويدعو على من قتله، أو كان سبباً في ذلك. مع أن الذي قتل محمد بن أبي بكر على الصحيح هو معاوية بن حديج؛ لما في صحيح مسلم(670) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لاَ يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ وجاء مصرحاً باسمه في مسند أبي عوانة(671) والبيهقي(672) «كيف وجدتم ابن حديج في غزاتكم هذه وعمرو بن العاص في هذا الخبر- على افتراض صحته- أراد
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أن يحقن دم محمد فلا لوم عليه. ثم إن معاوية رضي الله عنه كان متأولاً في قتال علي رضي الله عنه ومن كان في صفه، ويرى أنه على الحق وأنه ولي دم عثمان رضي الله عنه، ومحمد بن أبي بكر ممن اقتحم دار عثمان رضي الله عنه فهو متهم بقتل عثمان في نظر معاوية رضي الله عنه وأصحابه. وعائشة مثلاً ترى أن محمداً قتل ظلماً من أصحاب معاوية. وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها صحابية فما الذي سنجنيه من معرفة أن هذا الصحابي دعا على هذا الصحابي، خلاف مضى فلماذا نقحم أنفسنا فيه؟!. ثم إنهم سيختصمون عند الله يوم القيامة قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُم تَختَصِمُون﴾(673) وليس هذا أول خلاف بين الصحابة، فهم بشر غير معصومين. وما علينا حسابهم؛ بل كلهم صائرون إلى الله قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَينَآ إِيَابَهُم ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم﴾(674) والذي يجب علينا أن نقدرهم, ونجلهم فالخطأ منهم وارد، ولكن لا نقبله ولا نتنقصهم؛ لمكانتهم عند الله، فقد اصطفاهم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليهم بقوله: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُٓ أَشِدَّآءُ عَلَى
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَينَهُم تَرَىٰهُم رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبتَغُونَ فَضلٗا مِّنَ اللَّهِ وَرِضوَٰنٗا سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِّن أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُم فِي التَّورَىٰةِ وَمَثَلُهُم فِي الإِنجِيلِ كَزَرعٍ أَخرَجَ شَطَٔهُ فََٔازَرَهُ فَاستَغلَظَ فَاستَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ مِنهُم مَّغفِرَةٗ وَأَجرًا عَظِيمَا﴾(675) وأثنى عليهم صلى الله عليه وسلم وأخبر أنهم خير القرون، ونهى عن سبهم وتنقصهم(676)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الخامس: شبهات حول فتحه لمصر وحكمه لها، وعلاقته بأهلها عمومًا والأقباط خصوصًا
الشبهة الأولى: الاستيلاء على أموال الأقباط وإهانتهم.
الشبهة الثانية: كتابته لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يصف أهل مصر بأوصاف غير لائقة.
الشبهة الثالثة:
أن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية.
الشبهة الرابعة: تركه تحطيم (أبو الهول) والأهرام
توطئة
قبل الشروع في المبحث الخامس، أذكر محورين مهمين تمهيداً لبعض المطالب وهي على النحو التالي:
المحور الأول: لمحة سريعة عن الأقباط من حيث أصلهم، ومسكنهم، وديانتهم
*أصلهم، ومسكنهم:
ذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب، أنّ القبط تنسب إلى قبطيم بن مصرايم بن مصر بن حام بن نوح، وأن قبطيم أوّل من عمل العجائب بمصر وأثار بها المعادن وشق الأنهار لما ولي أرض مصر بعد أبيه مصرايم، وأنه لحق بلبلة الألسن، وخرج منها وهو يعرف اللغة القبطية،... وقيل: بل قفط بن حام بن نوح، نكح بخت بنت يتاويل بن ترسل بن يافث بن نوح، فولدت له بوقير، وقبط أبا قبط مصر...وقيل القبط من ولد قبط بن مصر بن قفط بن حام بن نوح، وبمصر هذا سميت
فتبين لك أخي الكريم: أن سكان مصر الأصليين هم الأقباط، وهناك سكان آخرون كالعرب وبني إسرائيل، واليونان، والرومان، منهم بقايا الغزاة، ومنهم من سكن للتجارة أو لصلاحية أرضها أو لأمر آخر.
*ديانتهم :
بعد أن نجّا الله نوحاً ومن كان معه في السفينة، قسم أولاده على الأمصار ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ﴾(678) . ثم مات نوح، واستمر أولاده على الدين الحق.
ثم رجع الشيطان إلى إضلالهم ودعاهم إلى عبادة الأصنام كما أضل آبائهم من قبل واستمرت مصر على عبادة الأصنام(679) .
ومع فشو الشرك وانتشاره، ووجود الانحراف في عقائد الناس إلا أنه وجد
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 317في مصر آنذاك ممن هو على دين الإسلام يكتم إيمانه تأثراً بمن وجد في مصر من الأنبياء كيوسف وأبيه يعقوب وموسى عليهم السلام، ويظهر هذا جلياً فيما حكاه الله لنا عن الرجل الصالح مؤمن آل فرعون عندما نصح قومه وحذر هم بأس الله في الدنيا والآخرة ﴿وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤمِنٞ مِّن ءَالِ فِرعَونَ يَكتُمُ إِيمَٰنَهُٓ أَتَقتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَد جَآءَكُم يُوسُفُ مِن قَبلُ بِالبَيِّنَٰتِ﴾(680) ولكن الأغلبية الغالبة كانوا على الشرك وظلوا على ذلك حتى انتشرت النصرانية في مصر وأصبحت الدين الرسمي للدولة(681)
فصار دين الأقباط هو النصرانية حتى بعث الله نبينا محمداً وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وأرسله للناس كافة، وجعل دينه ناسخاً لجميع الأديان، فدعا جميع الملل إلى الإسلام، فمنهم من استجاب، ومنم من امتنع، ومنهم من رد رداً حسناً، كما هو حال المقوقس عظيم القبط، وأهدى له مارية القبطية. فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل موته بأنهم سيفتحون مصر وأوصاهم بهم خيراً، ثم شاء الله أن تفتح في عهد الخلفية الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه - بمشورة منه - فأصبحت مصر بنعمة الله دولة إسلامية. فالفضل أولاً لله ثم لعمرو بن العاص لما من الله عليه من قوة اليقين به، ولما آتاه من شجاعة وحنكة ودهاء.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المحور الثاني: أسباب الفتح الإسلامي لمصر
فتح المسلمون مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب بمشورة من عمرو بن العاص- رضي الله عنه - لأسباب عديدة منها:
أولاً: أداء واجب البلاغ والدعوة إلى الله امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهدِي القَومَ الكَٰفِرِينَ﴾(682) .
ثانياً: إقامة دين الإسلام نظاماً حياتياً شاملاً علي أرض الله كلها ومنها مصر. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيٓ أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَىٰ وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾(683) ، ويقول سبحانه: ﴿وَمَآ أَرسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَةٗ لِّلعَٰلَمِين﴾(684) .
لقد آمن المسلمون أن لهم مهمة، وهي امتداد لمهمة محمد صلي الله عليه وسلم التي عبر عنها ربعي بن عامر رضي الله عنه بين يدي القائد الفارسي رستم: أن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام – وهي نفس الكلمات التي رددها عبادة بن الصامت بين يدي المقوقس عظيم القبط.
ثالثاً: بالإضافة إلى ما سبق فإن مطاردة قوات الاحتلال الروماني
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 319بأرض مصر والشمال الأفريقي ضروري؛ حتى لا يتمكن العدو من حصار بلاد الشام وجزيرة العرب من الجنوب والغرب، بل وأيضاً حرمان العدو من الانطلاق من ثغور مصر والإسكندرية وطرابلس الغرب لمهاجمة ثغور بلاد الشام الإسلامية، ولتكون مصر أيضاً قاعدة آمنة لفتح الأندلس وما وراءها.
رابعاً: تحقيق بشارة النبي محمد صلي الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا(685)(686) » )( .
الشبهة الأولى: الاستيلاء على أموال الأقباط
وذلك لما ذكره حنا أسقف نقيوس- يوحنا النقيوسي- في كتابه تاريخ العالم(687) الفصل (113): بأن عمرو بن العاص «...قبض على القضاة الرومان وقيّد أيديهم وأرجلهم بالسلاسل، والأوتاد الخشبية، ونهب أموالاً كثيرة، وقام بمضاعفة الضرائب على الفلاحين وأجبرهم على إحضار العلف لخيوله، وبالإجمال مارس كل أعمال العنف.
وفي الفصل (121) يقول يوحنا النقيوسي: وأنا لعاجز عن أن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 320أصف مدى الحزن والأنين الذي أصاب المدينة بعد ذلك، فقد بلغ الضيق بالسكان إلى درجة سلموا أبناءهم في مقابل المبالغ الضخمة التي كان عليهم دفعها شهرياً(688)
وكذلك ما ذكره ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر(689) : «إن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر: من كتمني كنزاً عنده فقدرت عليه قتلته. وسمع عمرو أن أحد أهالي الصعيد اسمه بطرس كان عنده كنز، فلما سأله أنكر، ولما تبين لعمرو صحة ما سمع أمر بقتله، فبدأ القبط بإخراج (إظهار) ثرواتهم؛ خوفاً من القتل » .
وفي نفس الكتاب يقول ابن عبدالحكم: «إن بعض الأقباط ذهبوا لعمرو بن العاص طالبين أن يخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصير لها، فأجاب عمرو: لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك. إنما أنتم خزانة لنا إن كُثّر علينا كثّرنا عليكم وإن خُفف علينا خففنا عليكم(690) » .
الجواب:
يجاب على هذه الشبهة من ستة أوجه:
الوجه الأول: ما أوردوه عن عمرو بن العاص في ظلم الأقباط وإهانتهم واستيلائه على أموالهم، وأنه بلغ بهم الضيق إلى درجة أنهم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 321سلموا أبناءهم في مقابل المبالغ الضخمة التي كان عليهم دفعها شهرياً، كل ذلك مجرد أقاصيص وحكايات لا أسانيد لها.
الوجه الثاني: من تعاليم الدين الإسلامي(691) أن يُخيِّر المسلمون الكفار قبل الحرب بإحدى ثلاث خصال:
الخصلة الأولى: الإسلام:
وهو أول ما يرجى من الكفار ليخرجوا من الظلمات إلى النور، وهو الذي لأجله أرسل الأنبياء، فإن أسلموا قبل منهم، وأصبحوا من رعايا الدولة الإسلامية، ويطالبون بتطبيق أحكام الإسلام.
فإن أبوا الدخول في الإسلام ندعوهم إلى الخصلة الثانية وهي دفع الجزية:
فإن امتنعوا عن دفع الجزية ندعوهم إلى الخصلة الثالثة وهي الحرب.
فيستعان بالله في قتالهم ويطلب منه النصر، فإذا حقق الله لهم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 322النصر فإنهم يأخذون جميع أموالهم وأسلحتهم غنيمة، وأما الأسرى فيخير فيهم الإمام؛ نظراً للمصلحة. ودليل التخيير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَربَ الرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثخَنتُمُوهُم فَشُدُّواْ الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ الحَربُ أَوزَارَهَا...﴾(692) وكذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أُسارى الكفار، وكذا تعامل الخلفاء الراشدين من بعده.
وهل أرض مصر فتحت عنوة أم صلحاً أم بعضها عنوة وبعضها صلحاً؟ في المسألة عدة أقوال للسلف(693) رحمهم الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية يجمع بين الأقوال ويقول: فتحت أولاً صلحاً، ثم نقض أهلها العهد فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة.
ولهذا روي من وجوه كثيرة: أن الزبير سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئاً للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم، ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه ومات بعضهم فاستقر الأمر على ذلك(694) .
وعلى كل حال لو قلنا فتحت عنوة فهي غنيمة للمسلمين إلا أن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 323عمر منع قسمتها، ورأى أن يحبسها فيئاً للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين، ولو قلنا صلحاً فمعلوم أنه لم يكن ابتداءً فإنهم مانعوا وقاتلوا في أول الأمر بدليل ما ورد في الآثار، وأن صاحب الإسكندرية رضي بدفع الجزية بعد أن تفرق السبايا في مكة واليمن، فتم المصالحة على رد السبايا الموجودة في أيديهم في مصر وما أخذ من قبل أن يتم الصلح كان من باب الغنيمة التي أباحها الشرع.
وأما بعد أن تم الصلح فإن المسلمين وفوا لهم وأحسنوا معاملتهم وقد شهد بذلك النصارى أنفسهم كما سيأتي في الوجه التاسع.
ولو قلنا بعضها عنوة وبعضها صلحاً، فيكون الحدث في المدن التي فتحت عنوة أو التي فتحت صلحاً قبل أن يتم الصلح، وحوز المسلمين لهذه الغنائم؛ أخذاً بتعاليم الإسلام، وليس ظلماً لهم ولكن جراء كفرهم بالله، وأما حادثة قتل عمرو من كتمه الكنز فهي شبيهة بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبى الحقيق عندما أخفى مسك حيي بن أخطب، وذلك حينما قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض وألجأهم إلى قصرهم فصالحوه على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلْقة(695) ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكاً لحيى بن أخطب، وقد كان قتل قبل خيبر
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 324كان احتمله معه يوم بنى النضير حين أجليت النضير، فيه حليهم، قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعية «أَيْنَ مَسْكُ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ». قال: أذهبته الحروب والنفقات. فوجدوا المسك فقتل ابن أبى الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم وأراد أن يجليهم فقالوا يا محمد دعنا نعمل فى هذه الأرض ولنا الشطر ما بدا لك ولكم الشطر(696)
وأما ماذكر من إجبارهم بإحضار العلف لخيولهم ، فهذا يدخل في الصلح فلإمام أن يصالحهم بما يراه، وفي بعض عقود الصلح التي حصلت في وقت الصحابة يشترطون عليهم كذلك ضيافة مَن مر مِن المسلمين ثلاثة أيام .
وأما ما ذكر في امتناعه من الإخبار عن الجزية الواجبة عليهم يجاب عليه بالآتي:
أن الأثر إسناده ضعيف.
أخرجه ابن عبد الحكم: قال وروى حيوة بن شريح حدثني الحسن بن ثوبان أن هشام بن أبي رقية اللخمي حدثه أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال له: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها فقال عمرو: وهو يشير إلى ركن كنيسة لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 325علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم، فغضب صاحب إخنا فخرج إلى الروم فقدم بهم، فهزمهم الله، وأسر النبطي، فأتي به عمرو فقال له الناس: اقتله، فقال: لا بل انطلق فجئنا بجيش آخر.
حدثنا سعيد بن سابق قال كان اسمه طلما وإن عمراً لما أتي به، سوره وتوجه وكساه برنس أرجوان وقال له: إيتنا بمثل هؤلاء فرضي بأداء الجزية، فقيل لطلما لو أتيت ملك الروم فقال لو أتيته لقتلني وقال قتلت أصحابي.
الأثر إسناده منقطع ؛ لأن الراوي بين عبد الحكم وحيوة لا يعرف، ولو صح فيكون معناه أنه حصل بعد نقض الصلح الذي كان، فقد جعل ابن عبد الحكم امتناع عمرو من إخبار النبطي بمقدار الجزية؛ سبباً لنقض الإسكندرية العهد في خلافة عثمان. وقد كان الصلح وتحديد الجزية في عهد عمر وكتبت فيه الكتب، فدل ذلك أنه حصل نقض ثم فتحها عمرو مرة ثانية، وصارت معاملتهم معاملة الأرض التي فتحت عنوة، ولا يلزم الإمام بتحديد مقدار معين بل قد يجعلها حسب احتياج الدولة، ثم في الأثر أنه أحسن إليه: سوره، وتوجه، وكساه برنس أرجوان، وأطلق سراحه- وقد كان ألَّب عليه الروم- ولكنه بعد ذلك أذعن للجزية ورضي بالجلوس وأبى أن يرجع لملك الروم وهو على دينه؛ لما يخشاه من بطشه. فأين تجد هذه الأخلاق؟!.
أنه منقوض بما ورد عن عمرو في تحديد الجزية ومن ذلك:
عقد الصلح- الذي ذكره الطبري- الذي أبرمه عمرو بن العاص مع أهل مصر، ونصه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم، وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم ما جنى لصوتهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا عليهم ما عليهم أثلاثاً في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأساً وكذا وكذا فرساً على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة، شهد الزبير وعبدالله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر. فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح(697) وفي الأموال لابن زنجويه (1/362)، وفتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم (92)، وفتوح البلدان للبلاذري (216)، والاكتفاء للكلاعي (2/ 335): أن المقوقس الذي، كان على مصر، كان صالح
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عمرو بن العاص على أن يفرض على القبط دينارين دينارين، وليس على الشيخ الفاني، ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شيء.
الوجه الثالث: إن نظام الجزية الذي فرضه عمرو على الأقباط الذين لم يعتنقوا الدين الإسلامي أقل بكثير من الزكاة الواجبة على المسلمين، وقد تقدم تحديد الجزية، ومع ذلك كان يعفي من دفعها النساء والأطفال والشيوخ، والفقير الذي لا كسب له، وقد كانوا في العهد البيزنطي يدفعون الضرائب الباهظة، وكانت ترهقهم إرهاقاً شديداً حتى أصبحت الغالبية العظمى من فلاحي مصر بمثابة عبيد وأرقاء للأرض، وقد ذكر المؤرخ الانجليزي (أ. جونسون) في كتابه الذي أسماه:(مصر البيزنطية)، والمؤرخ(أ. هاردي) في كتابه الذي أصدره بعنوان: (الملكيات الضخمة في مصر البيزنطية) الكثير من المآسي والتفاصيل عن هذا العهد البغيض، حيث كان كبار الملاك من الروم يعاملون الفلاحين المصريين كأنهم قطعان من الماشية سخرت لخدمتهم دون أن يكون للفلاحين أو أسرهم أية حقوق. وقد انتهت هذه المآسي بالفتح الإسلامي، فقد وجد المصريون في المسلمين أخلاقاً وطباعاً تختلف كل الاختلاف عن أخلاق وطباع هؤلاء المستعمرين الروم؛ من أجل ذلك تمنوا لهم الانتصار على الروم لكي يضعوا نهاية العهد البيزنطي الظالم الذي كانت مصر ترزح تحت نير استعباده(698) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الرابع: إنَّ أخذ الجزية منهم؛ مقابل بقائهم في الدولة الإسلامية ومنعة المسلمين لهم وحمايتهم، كما قال عمرو رضي الله عنه لأبي مريام لما أراد دخول مصر فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة. ولذا لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم(699) . إضافة إلى ما تقدم فإن في أخذ الجزية منهم فائدة عظيمة لهم؛ إذ أن قاعدة الجزية من باب التزام المفسدة الدنيا لدفع المفسدة العليا وتوقع المصلحة العليا، وذلك هو شأن القواعد الشرعية(700) ، فدفع الجزية وإن كان ذل في ظاهره فإنه رحمة من الله لهم إذ لو قتلوا لا نسد عليهم باب الإيمان ولكان مسكنهم النيران، لذا كان بقائهم بين المسلمين مع دفع الجزية مصلحة كبيرة؛ إذ يرون بذلك عزة الإسلام وذل الكفر وهذا أدعى لهم لدخول الإسلام ليكونوا بذلك من أهل الجنان.
ولا يفهم من دفع الجزية أنهم يظلمون بل يعاملون المعاملة الشرعية فيرحم كبيرهم وعاجزهم.
الوجه الخامس: أن الإسلام لم يكن بدعاً بين الأديان، كما لم يكن المسلمون كذلك بين الأمم؛ حين أخذوا الجزية من الأمم التي
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 329دخلت تحت ولايتهم، فإن أخذ الأمم الغالبة للجزية من الأمم المغلوبة أشهر من علم، والتاريخ البشري أصدق شاهد على ذلك.
وقد نقل العهد القديم والجديد شيوع هذه الصورة، ففي إنجيل متى أن المسيح عليه السلام قال لسمعان: ماذا تظن يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس من الأجانب. قال له يسوع: فإذاً البنون أحرار (متى 17/24-25).
ويذكر العهد القديم شرعة الجزية في شرائع التوراة، وأن الأنبياء عليهم السلام أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة حين غلبوا على بعض الممالك، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلب عليهم فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر، فسكن الكنعانيون في وسط افرايم إلى هذا إلى اليوم، وكانوا عبيداً تحت الجزية (يشوع 16/10)، وقد جمع لهم بين العبودية والجزية.
وفي المسيحية أمر المسيح أتباعه بدفع الجزية للرومان، وسارع هو إلى دفعها، فقد ذكر إنجيل متى أنه قال لسمعان بطرس: اذهب إلى البحر وألق صنارة، والسمكة التي تطلع أولاً خذها، ومتى فتحت فاها تجد أستاراً، فخذه وأعطهم عني وعنك (متى 17/24-27).
ويذكر إنجيل متّى أنه في مرة أخرى سئل: أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟.. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه (متى 22/17-21).
PDF 33022/17-21).
ويعتبر العهد الجديد أداء الجزية للسلاطين حقاً مشروعاً، بل ويعطيه قداسة، ويجعله أمراً دينياً، إذ يقول بولس: لتخضع كل نفس للسلاطين، السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة... إذ هو خادم الله، منتقم للغضب من الذي يفعل الشر، لذلك يلزم أن يخضع له ليس بسبب الغضب فقط، بل أيضاً بسبب الضمير، فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضاً، إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه، فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام. (رومية 13/1-7)(701) .
الوجه السادس: ما ذكروه عن عمرو في ظلم الأقباط واضطهادهم قلب للحقائق، ومن قرأ التاريخ عرف بطلانه، بل لو كان للتاريخ لسان ينطق لقال: سبحانك هذا بهتان عظيم، ولو أنطق الله أرض مصر لحدثت أخبارها ولألجمت بالحجج أفاكها.
ومعلوم تاريخياً(702) أن مصرأصبحت مصر تحت حكم الرومان من 30 ميلادي 295 ميلادي. وظلت المسيحية تنتشر في هدوء في مصر منذ عصر نيرون، ومنذ زيارة مرقس الرسول للإسكندرية، وقد
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 331لاقت هذه الديانة الجديدة العداء من الأباطرة الدولة البيزنطية الوثنيين لا سيما في عصر دقلديانوس (284-305م)- آخر وأعظم الأباطرة حيث سامهم سوء العذاب، إلى أن جاء عهد قسطنطينوس ويصبح الإمبراطور الأوحد للإمبراطورية ويصدر قراراً باعتبار المسيحية ديناً رسمياً معترفاً به وذلك عام 323 ميلادية.
بيد أن الأقباط لم يكونوا لينعموا طويلاً إذ سرعان ما ثار الجدل والنزاع حول صفات المسيح وطبيعته، إذ ذهبت الكنيسة المصرية إلى المناداة بأن للمسيح طبيعة واحدة، وقررت الدولة بعد مجمع خلقدونية مذهب القسطنطينية مذهب الطبيعتين، واعتبرت مذهب الطبيعة الواحدة كفراً وخروجاً على الدين الصحيح، ثم تُوج هرقل إمبراطور سنة 610م وفي عهده سنة 616م نجح الفرس في غزو مصر وبقيت مصر في أيديهم عشر سنوات ساموا فيها المصريين الخسف والعذاب أشكالاً. إلى أن قام هرقل وقاتلهم وهزمهم، وبعد أن خلص البلاد من يد الفرس حول نظره إلى توحيد العقيدة النصرانية، وقال: إن قال أحد إن مجمع خلقدونية حق فخلوه وإن قال إنه ضلال وكذب غرقوه في البحر(703) وهرب الرهبان والقساوسة إلى الجبال والأديرة والكهوف هرباً من القتل والسجن والاضطهاد منهم بنيامين، واستمر الحال حتى شاء الله أن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 332ينقذ المصرين على أيد جيوش عمرو بن العاص، الذي اقتحم بجيوشه حدود مصر عام 641 م في عهد عمر بن الخطاب، وهلل الرهبان والأساقفة المصريون الهاربون في الصحاري والكهوف، وأعطاهم عمرو الأمان.
الوجه السابع: أن عمراً لا يتصرف من قِبل نفسه إنما هو أمير من قبل الخليفة يأتمر بأمره، وعمر إنما هو خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان وقافاً عند حدود الله كما هو معلوم في تراجمه. وخلافة عمر قد بلغ فيها العدل ذروته، إنه عصر الفاروق وما أدراك ما الفاروق، يهابه الصغير والكبير بل الإنسان والشيطان.
وقد حصلت في خلافته مواقف كثيرة تبين أن العدل بلغ في ذلك الزمن ذروته إليك بعضاً منها:
فعن قتادة عن سعيد قال: شخص رجل من الدهاقين(704) إلى عمر بن الخطاب في مظلمة له، فلما قدم المدينة سأل عن عمر فقيل: هو ذاك وإذا هو مستلق قد جمع إزاره تحت رأسه، ودرته إلى جنبه، فقال: إني أريد أمير المؤمنين، قيل: فذاك أمير المؤمنين عمر، فقال في نفسه: لقد غررت بنفسي وذهبت بنفقتي، ثم دنا من عمر فأخبره
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بقصته، فأخذ قطعة جلد فكتب فيها بخطه: لينصفن هذا الدهقان، أو لأبعثن من ينصفه. فقال الدهقان: لقد خبت وخسرت، أنفقت مالي وأتعبت نفسي، وتجشمت هذا السفر البعيد الشديد، ثم رجعت بقطعة جلد من صحيفة، وهم أن يلقيها، فلما صار إلى العامل ودفعها إليه قام على رجليه فلم يجلس حتى أنصفه، فقال الدهقان: هذا والله الملك، وهذه الطاعة لا ما كنا فيه(705) بعث عمر رضي الله عنه حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف لجباية الخراج، ومسح أرض السواد، وقال لهما محذراً من تكليف أهل الذمة ما لا يطيقونه من الخراج: تخافا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. فقال عثمان: لو شئت لأضعفت، وقال حذيفة: لقد حملت الأرض أمراً هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل، فجعل عمر يقول: انظر ما لديكما أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق(706) ومما روي عن عمر رضي الله عنه في الرأفة بأهل الذمة أنه مر بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير، ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر رضي الله عنه بيده، وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
نخذله عند الهرم(707) وكتب إلى واليه في مصر: واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، فإنه قال تبارك وتعالى في كتابه: ﴿وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾(708) يريد أي من المؤمن أن يُقتدى به، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وأوصى بالقبط فقال: «استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً»، ورحِمُهم أن أم إسماعيل منهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته؛ فأنا خصمه يوم القيامة» احذر يا عمرو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لك خصماً، فإنه من خاصمه خَصَمه(709) وقد أوصى رضي الله عنه عند وفاته مَنْ بعده بالعناية بأهل الذمة، وإعطائهم حقوقهم، والرأفة بهم.
قال رضي الله عنه:... وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم(710) .
فإذا بلغ العدل إلى هذه الدرجة أترى أنه سيظلم قبطيا؟ وهل سيسكت الصحابة وغيرهم عن عمرو لو أخذ أموالهم ظلماً أم سيبلغون الخليفة؟!
الوجه الثامن: أن مما ينقض هذه الشبهة شهادة النصارى أنفسهم على حسن معاملة عمرو، وحسبك بالشهادة إذا كانت من أهلها.
فهذه شهادة نصارى حمص حين كتبوا إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: «لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 336ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم»(711) ثم أغلقوا أبواب المدينة في وجه الروم إخوانهم في العقيدة.
قال يوحنا النقيوسي: «وأمر عمرو برفع الضرائب التي كانت مفروضة على الكنائس، ولم يأخذ شيئاً من أملاك الكنائس، كما لم يرتكب أي عمل من السلب أو النهب، بل كان يحميها خلال حكمه»(712) .
وقال ساويرس بن المقفع : - بعد ذكره للخلاف الذي حصل بين النصارى في طبيعة عيسى- «وظفر هرقل بالمغبوط مينا أخي الأب بنيامنين البطرك فنزل عليه بلايا عظيمة وأشعل في جنبيه المشاعل حتى خرج شحم كلاه من جنبه وسال على الأرض، وقلع أضراسه وأسنانه باللكم لاعترافه بالأمانة،...وكان هرقل... الكافر قد أوصاهم وقال: إن قال أحد أن مجمع خلقدونية حق خلوه، ومن قال: إنه ضلال وكذب غرقوه في البحر. ففعلوا ذلك ورموه في البحر... ثم ذكر أن عمرو بن العاص لما فتح مصر أعطى الأمان لبنيامين فقال: فكتب عمرو بن العاص إلى أعمال مصر كتاباً يقول فيه: الموضع الذي فيه بنيامين بطرك النصارى القبط له العهد والأمان والسلامة من الله، فليحضر آمناً مطمئناً، ويدبر حال بيعته وسياسة طائفته.
فلما سمع القديس بنيامين هذا عاد إلى الإسكندرية بفرح عظيم بعد غيبة ثلاث عشرة سنة، منها عشر سنين لهرقل الرومي الكافر،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 337وثلث سنين قبل أن يفتح المسلمون.
ثم وصف فرح الأقباط بقوله: وكانت الشعوب فرحين مثل العجول الصغار إذا حل رباطهم وأطلقوا على ألبان أمهاتهم(713) .
والآن أفسح المجال ليعقوب نخلة روفيلة يبين لنا إحسان عمرو بن العاص للأقباط وذلك بما قام به من تكريمهم، كذلك رحمته بهم في عدم إرهاقهم بالخراج وإلحاحه على الخليفة في عدم طلب الزيادة، وأطلق لهم الحرية الدينية وفي المقابل أظهر الأقباط حبهم له وحزنوا لموته .
قال: ولما ثبت قدم العرب في مصر شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الآهلين واستمالة قلوبهم إليه واكتساب ثقتهم به وتقرب سراة القوم وعقلائهم منه وإجابة طلباتهم، وأول شيء فعله من هذا القبيل استدعاء بنيامين البطريرك الذي سبق القول أنه اختفى من إمام هرقل ملك الروم،... ولما حضر وذهب لمقابلته ليشكره على هذا الصنيع، أكرمه وأظهر له الولاء، وأقسم له بالأمان على نفسه وعلى رعيته، وعزل البطريرك الذي كان أقامه هرقل، وردّ بنيامين إلى مركزه الأصلي معززاً مكرماً وهكذا عادت له المياه إلى مجاريها وبعد اختفائه مده طويلة قاسى فيها ما قاسه من الشدائد حتى سماه بعضهم(بالحكيم) وقيل: إن عمراً لما تحقق ذلك منه قربه إليه وصار يدعوه في بعض الأوقات ويستشيره في الأحوال المهمة المتعلقة بالبلاد وخيرها، وقد
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 338حسب الأقباط هذا الالتفات مِنَّة عظيمة وفضلاً جزيلاً لعمرو.
وأَمَر عمرو بأن من لا يرغب من الروم البقاء في مصر فليخرج منها بأمان، ومن يفضل البقاء تضرب عليه الجزية، ويكون له ما للأقباط وعليه ما عليهم. وكان عدد الروم بمصر ينوف عن ثلثمائة ألف نفس، فهاجر أغلبهم ولم يبق منهم إلا من كانت له علاقات ومصالح لا تسمح له بالخروج منها والابتعاد عنها. وانتهز القبط خروج الروم فرصة مناسبة فوضعوا يدهم على كثير من كنائسهم وأديرتهم ولحقاتها بدعوى أنها كانت في الأصل ملكاً لهم، والروم نزعوها من يدهم قوة واقتداراً بسبب ما كان بينهم من الشقاق، ومن ذلك الحين عاش الروم بالحسنى، وانتهت من بينهم المنازعات والمخاصمات التي كانت تقضي إلى قتل الألوف المؤلفة؛ لزوال أسبابها.
ثم أخذ عمرو في تنظيم البلاد وإذ كان يعلم أن صاحب الدار أدرى بما فيها؛ استعان بفضلاء القبط وعقلائهم على تنظيم حكومة عادلة تضمن راحة الأهالي والوالي معاً، فقسم البلاد إلى أقسام يرأس كل منها حاكم قبطي، له اختصاصات وحدود معينة ينظر في قضايا الناس ويحكم بينهم، ورتب مجالس ابتدائية واستئنافية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة، وعين نواباً مخصصين من القبط، ومنحهم حق التدخل في القضايا المختصة بالأقباط والحكم فيها بمقتضى شرائعهم الدينية والأهلية؛ فكانوا بذلك في نوع من الحرية والاستقلال المدني، وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية... وضرب الخراج
PDF 339على البلاد بطريقة عادلة وولى عليه متول من ذويه يقبضه على أقساط في آجال معينه حتى لايتضايق أهل البلاد. ورتب الدواوين فاختص الأقباط بمسك الدفاتر وسائر الأعمال الكتابية والحسابية، وكانت كلها تجري باللغة القبطية، وبلغ ما جباه عمرو من الخراج في السنة اثني عشر مليوناً من الدنانير، مع أن الذي كان يجيبه المقوقس في أيام الروم أقل من ثمانية عشر مليوناً، وبالجملة: فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها منذ أزمان.
ولما مات الخليفة عمر بن الخطاب وتولى عثمان بن عفان الخلافة من بعده فصل عمرو بن العاص عن مصر و ولى مكانه عبدالله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة وهو الذي كان حاكماً على الوجه القبلي في إمارة عمرو بن العاص.
... ولما عاد إليهم عمرو بن العاص في أيام معاوية فرحوا به، ولما مات حزنوا عليه وكان لهم الحق في ذاك الحزن لأنه لم يتول على مصر أميراً أحسن التدبير مثله، ومما حبب الأقباط في عمرو وجعلهم يميلون إليه كل الميل أنه كان مراعياً في تصرفاته مصلحتهم وراحتهم، فلم يجب منهم في مدة إمارته من الأموال أكثر مما صولحوا عليه بغير زيادة أو نقص ولا في غير أجالها المضروبة لجمعها وتحصيلها(714) .
وذكرت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 340كتابها شمس العرب تسطع على الغرب عدالة المسلمين وسماحتهم في الفتوحات ثم قالت: فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف(715)
فتبين لك أخي الكريم – مما سبق -: أن ما نسب إلى عمرو بأنه ظلم الأقباط أو نهب أموالهم، بهتان عظيم، وقلب للحقائق، فلقد كان حسن السيرة، وقد تقدم معك كيف فرح أهل مصر لما عاد عمرو لحكم مصر في خلافة معاوية، وكيف كان حزنهم لموته.
* * *
الشبهة الثانية: كتابته لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يصف أهل مصر بأوصاف غير لائقة
ومفاد ذلك: ما تناقلته بعض الألسنة في وصف عمرو لأهل مصر- رجالاً ونساء - بأوصاف غير لائقة. من ذلك قوله- زعموا - في أهل مصر: «أكيس الناس صغاراً وأحمقهم كباراً»(716) .
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من أربعة أوجه:
الوجه الأول: إن هذا الوصف الذي ينسب لعمرو بن العاص
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 341لا يثبت عنه، وقد وردت بعض هذه العبارات في كتب التاريخ وذلك حينما سئل عن بعض الأمصار فوصف كل أهل مصر بوصف، وقال في أهل مصر: «أكيس الناس صغاراً وأحمقهم كباراً».
أخرج هذا الأثر: الفسوي في المعرفة والتاريخ(717) ، ومن طريقه ابن عساكر(718) :
من طريق نعيم بن حماد حدثنا رشدين عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الأشج قال: سئل عمرو بن العاص... قالوا: فأهل مصر؟ قال أكيس الناس صغاراً وأحمقهم كباراً».
هذا الإسناد ضعيف جداً فيه علتان:
العلة الأولى: رِشْدين بن سعد بن مفلح المهري أبو الحجاج المصري.
قال أحمد: لا يبالي عمن روى، وليس به بأس في الرقاق، وقال: أرجو أنه صالح الحديث.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو زرعة: ضعيف.
وقال الجوزجاني: عنده مناكير كثيرة.
قلت: كان صالحاً عابداً سيئ الحفظ غير معتمد.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعن قتيبة قال: ما وضع في يد رشدين شيء إلا وقرأه.
وقال النسائي: متروك(719) .
العلة الثانية: فيه انقطاع، فإن بكير بن عبد الله لم يدرك عمرو بن العاص، قاله ابن عساكر(720) .
وللأثر طريق آخر: أخرجه أبو بكر ابن المقرئ(721) ، ومن طريقه ابن عساكر(722) من طريق: أحمد بن زكريا، ثنا أبو بكر إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي النيسابوري سنة اثنتين وتسعين ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا أبو أمية بن يعلى، وكان قد أدرك نافعاً عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال رجل لعمرو بن العاص: صف لي الأمصار قال: فذكر نحوه.
هذا الإسناد فيه ثلاثة علل:
العلة الأولى: أبو أمية بن يعلى: هو إسماعيل.
قال يحيى بن معين: ضعيف ليس بشيء.
قال أبو زرعة: واهي الحديث ضعيف الحديث ليس بقوي.
قال النسائي: متروك الحديث.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال أبو حاتم: ضعيف الحديث أحاديثه منكرة.
قال ابن حبان: ممن تفرد بالمعضلات عن الثقات حتى إذا سمعها من العلم صناعته لم يشك أنها موضوعة، لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا للخواص من الاعتبار.
قال الهيثمي: ضعيف جداً(723) .
العلة الثانية: علي بن زيد بن جدعان.
قال شعبة: حدثنا علي بن زيد - وكان رفاعاً.
وقال– مرة-: حدثنا علي قبل أن يختلط.
وكان ابن عيينة يضعفه.
قال حماد بن زيد: كان يقلب الأحاديث.
وقال أحمد: ضعيف.
قال يحيى: ليس بذاك القوى.
وقال مرة: ليس بشيء.
وقال البخاري، وأبو حاتم: لا يحتج به.
وقال الفسوي: اختلط في كبره.
وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه(724) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
العلة الثالثة: الانقطاع.
قال ابن عساكر: علي بن زيد بن جدعان يضعف فيما رواه عن من أدركه فكيف بما رواه عن من لم يدركه، وهو لم يدرك عمرو بن العاص ولم يره(725) .
قال ابن عساكر:
وقد روي معنى هذا عن ابنه عبد الله بن عمرو، ثم أسنده إلى الإمام مالك، قال قال عبد الله بن عمرو بن العاص «... ولأهل مصر أكيسهم صغاراً وأحمقهم كباراً».
قال ابن عساكر: وهذا منقطع فإن مالكاً لم يدرك عبد الله بن عمرو(726) .
فتبين لك أخي الكريم أن هذا القول غير ثابت عن عمرو بن العاص ولا عن ابنه عبد الله.
وقد وردت هذه العبارة بسند غير صحيح عن ابن الكَوَّاء(727) حيث قال: «أكلة من غلب»، وابن لسان الحُمَّرة(728) حيث قال: «عبيد من
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 345غلب» ذكرها ابن عساكر في تاريخه وعقبها بقوله:
وعبد الله بن الكواء لا يعتمد على ما يرويه فكيف يعتمد على ما يقوله عن نفسه ولا عن غيره ويحكيه، والاحتجاج بما قاله ابن لسان الحمرة من الاحتجاجات الباطلة المنكرة(729) .
وقد حكى بعض أصحاب كتب التراجم مثل هذه العبارات عن أيوب بن القِرِّية- بدون إسناد-، عندما سأله الحجاج عن طبائع أهل الأرض فذكر الأمصار ووصف كل مصر منها بوصف(730) . وأيوب هذا كما قال الذهبي: أعرابي أمي فصيح، مفوه يضرب ببلاغته المثل، وفد على عبد الملك، وعلى الحجاج، فأعجب بفصاحته، ثم بعثه رسولاً إلى ابن الأشعث إلى سجستان، فأمره أن يخلع الحجاج، ويقوم بذلك ويشتمه، فقال: إنما أنا رسول. فقال: لتفعلن أو لأضربن عنقك، ففعل فلما انتصر الحجاج جئ بابن القِرِّية(731) فسأله عن البلدان والقبائل، ومآثر العرب، والآفات فأجابه عما أراد فقال: فما آفة الحجاج بن يوسف قال لا آفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكا فرعه، فقال: أظهرت نفاقاً ثم قال: اضربوا عنقه فلما رآه قتيلاً ندم(732) .
فتبين لك أخي الكريم: أن كل من نُقلت عنه هذه العبارات فيما
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 346تقدم لم يصح عنه وآخرهم ابن القِرِّية ذُكر من غير سند، ومع ذلك كل من تقدم لم يذكر عن نسائها شيئاً.
الوجه الثاني : الذي ثبت عن عمرو وصفه البليغ لأرض مصر، وكان مما قاله يخط وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الروحات كما تقدم في الفصل الأول(733) .
الوجه الثالث : أن عمراً لما أراد دخول مصر أرسل إلى المقوقس بجيش لمنعه فلما رآهم وقد تصافوا لقتاله أرسل إليهم: «لا تعجلونا لنعذر إليكم وترون رأيكم بعد، فكفوا أصحابهم وأرسل إليهم عمرو إني بارز فليبرز إلي أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك وأمن بعضهم بعضاً، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأمره به وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم، وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى صلوات الله عليه ورحمته وقد قضى الذي عليه، وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم وأوصانا بكم حفظاً لرحمنا فيكم وإن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة، ومما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيراً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيين خيراً؛ لأن لهم رحماً وذمة»(734) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومن المحال أن يذكر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم أمامهم وأمام المسلمين ثم يصفهم بعد ذلك بهذا الوصف، بل مازال يوصي بالأقباط خيراً حتى بعد فتح مصر كما جاء في خطبته الشهيرة في الفسطاط: «واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيراً».
وروي عن ابنه عبد الله أنه قال: قبط مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب عامة، وبقريش خاصة(735) .
الوجه الرابع: عمرو بن العاص يعلم علم اليقين ماحكاه الله عن سحرة فرعون من إيمانهم بموسى وثباتهم أمام فرعون رغم تهديدهم بقطع أطرافهم وبصلبهم على جذوع النخل، ويعلم ما كان من ثبات امرأة فرعون وماشطة بنت فرعون رغم ما نالا من العذاب والنكال، وهو الذي أخبر الأقباط بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم لما لنا فيهم من رحم – أمنا هاجر- وذمة- مارية القبطية- فهل يصدق عاقل لبيب – بعد هذا- أن هذه العبارات ينطق بها لسان عمرو بن العاص! بل لم يتفوه بها صحابي.
فإذا علمت ما تقدم فتيقن أخي الكريم أن هذه العبارات بعيدة كل البعد عن الصحابة بل لا تمت إليهم بصلة، وتقدم أنها نسبت في كتب التراجم- بدون إسناد - لابن القِرِّية، ولو ثبت ذلك عنه فلا ضير؛ إذ هو رجل أعرابي أمي فصيح في زمن الحجاج بن يوسف وهو من البلغاء، وليس هو في عداد العلماء.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الشبهة الثالثة: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه أحرق مكتبة الإسكندرية
وذلك لما ذكره ابن العنبري في كتابه مختصر الدول حيث قال:
وفي هذا الزمان اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس أي النحوي. وكان اسكندرياً يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساوري. ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث. فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه، فلم يرجع؛ فأسقطوه عن منزلته. وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية. ودخل على عمرو، وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية- التي لم تكن للعرب بها أنسة- ما هاله ففتن به. وكان عمرو عاقلاً حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقة، ثم قال له يحيى يوماً: إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها فما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به. فقال له عمرو: وما الذي تحتاج إليه؟ فقال: كتب الحكمة التي في خزائن الملوكية، فقال له عمرو: ما لا يمكنني أن آمر فيها إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وكتب إلى عمر وعرفه بقول يحيى، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها مايوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه فتقدم بإعدامها، فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها، فاستنفذت في ستة أشهر
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من سبعة أوجه.
الوجه الأول: أن القصة المذكورة لا إسناد لها، وقد ذكرها عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، المتوفى سنة (629 هـ - 1231 م)(737) ، ومن بعده علي بن يوسف القفطي، المتوفى سنة ( 646 هـ - 1248 م)(738) ، وغريغوريوس الملطي، أبو الفرج المعروف بابن العبري- من نصارى اليعاقبة - المتوفى سنة (685 هـ - 1286 م)(739) ، وآخرهم المقريزي، المتوفى سنة (845 هـ - 1441 م)(740) .
ومع ذلك لم يُسندها أحد.
الوجه الثاني : أن ثمة أمور في المتن تبين أن القصة ملفقة ومصطنعة، وبيانها فيما يلي:
أن يوحنا الذي ذكر في القصة- بأنه طلب من عمرو الكتب
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
توفي قبل الفتح العربي بثلاثة وأربعين عاماً وأكد على سبق وفاته بتلر، وقال: بأنه أمر مقرر لا شك فيه(741)
2- لو سلمنا أن المكتبة أحرقت كما قيل، لكان الأقرب إلى الأذهان أن تحرق فوق ربوة القلعة، ولكن القصة تريدنا أن نقول: إن تلك المكتبة قد كلفت الناس مشقة حملها في عيب ليفرقها بين الحمامات العدة، لتتخذ وقوداً مدة ستة أشهر. وما كل ذلك سوى نسيج من الباطل، فإن تلك الكتب إذا كان قد قضي عليها بالحرق لأحرقت حيث هي، وما كان عمرو بن العاص وقد أبى أن يعطيها لصديقه (فليبونس) ليجعلها في أيدي أصحاب الحمامات في المدينة، فإنه لو فعل ذلك لاستطاع (حنا فليبونوس) أو سواه من الناس أن يستنقذوا عدداً عظيماً منها بثمن بخس في تلك الشهور الستة التي قيل: إنها جعلت وقوداً للحمامات فيها(742) .
3- مما لا شك فيه أن كثيراً من الكتب في مصر في القرن السابع كانت من الرق وهو لا يصلح للوقود، وما كان أمر الخليفة ليجعله ليصلح لذلك. فلنسائل إذن أنفسنا ماذا كان من أمر تلك الكتب المخطوطة على الرق. وإذا نحن استبعدناها فكيف يتصور أحد أن يبقي من سواها يكفي لوقود أربعة آلاف حمام مدة مائة وثمانين يوماً. إن إيراد القصة على هذه الصورة مضحك، وإنه ليحق لنا أن نسمع ما فيها ونعجب(743) .
4-
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 351إن القصة تشير إلى واحدة من مكتبتين: الأولى: مكتبة المتحف وهذه ضاعت في الحريق الكبير الذي أحدثه قيصر، وإن لم تتلف عند ذلك كان ضياعها فيما بعد في وقت لا يقل عن أربعمائة عام قبل فتح العرب، وأما الثانية: وهي مكتبة السرابيوم، فإما أن تكون قد نقلت من المعبد قبل عام391، وإما أن تكون قد هلكت أو تفرقت كتبها وضاعت، فتكون على أي حال قد اختفت قبل فتح العرب بقرنين ونصف قرن(744)
5- إن هذه المكتبة لو كانت لا تزال باقية عندما عقد (قيرس) صلحه مع العرب على تسليم الإسكندرية، لكان من المؤكد أن تنقل كتبها، وقد أبيح ذلك في شرط الصلح الذي يسمح بنقل المتاع والأموال في مدة الهدنة التي بين عقد الصلح ودخول العرب في المدينة، وقدر ذلك أحد عشر شهراً(745) .
ولا يمكن أن يبقى شك في الأمر بعد ذلك فإن الأدلة قاطعة وهي تبرر ما ذهب إليه (رينودو) من الشك في قصة أبي الفرج وما ذهب إليه(جبون) من عدم تصديقها ولا بد لنا أن نقول إن رواية أبي الفرج لا تعدو أن تكون قصة من أقاصيص الخرافة ليس لها أساس في التاريخ(746) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الثالث: أن متقدمي المؤرخين أغفلوا ذكرها مع أهمية الحدث وجسامته؛ فدل على عدم وجودها زمن الفتح، وإنما تناقلته الألسن في أزمنة متأخرة لا يعلم مصدرها، ولعل مختلقها من الحاقدين على الإسلام أراد به تشويه صورة الإسلام. قال بتلر: « إن كُتَّاب القرنين الخامس والسادس لا يذكرون شيئاً عن وجودها، وكذلك أوائل القرن السابع»(747) .
وقال: لو صح أن هذه المكتبة قد نقلت، أو لو كان العرب قد أتلفوها حقيقة لما أغفل ذكر ذلك كاتب من أهل العلم كان قريب العهد من الفتح مثل (حنا النقيوسي) ولما مر على ذلك بغير أن يكتب حرفاً عنه(748) . وكان رئيساً لأساقفة الوجه البحري مات في الحكم الأموي.
«ولوكانت الرواية صحيحة؛ لذكرها (أوتيخا) المؤرخ المعاصر للفتح الإسلامي لمصر، والذي وصف فتح مصر بإسهاب»(749) .
قال جاك ريسلر :...قبل ختم هذه الدراسة المتعلقة بالمكتبات من المفيد البت المنصف في خرافه شرسة بوجه خاص. فقد اتهم عمرو بن العاص أنه نفذ أمر الخليفة عمر بتحطيم مكتبة الإسكندرية.
والحال خلافاً لهذه التهمة، يستحسن أن نلاحظ أن مكتبة أُولى كانت قد أحرقت، بأمر من يوليوس قيصر سنة 48 ق.م، وأن النصارى
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 353دمروا مكتبة أخرى من النوع ذاته في عهد البطريرك تيوفيل سنة 392. وأن عدة معارك وقعت بين 392 و 642، وهو عصر التحطيم المزعوم. زد على ذلك أن عدداً من الكتب كان عرضة للزوال في خلال مائتين وخمسين سنة وذلك بسبب الإهمال وعدم الاعتناء. وأخيراً كانت خمسة قرون ونصف القرن قد مرت وانصرمت ما بين وقوع الحادثة المزعومة وأول إعلان عنها، في حين أن أي معاصر لها لا يأتي على ذكرها ولو حتى ايطيخيوس مطران(750) الإسكندرية الذي وصف الإسكندرية سنة 933، وفوق ذلك لم يكن مثل هذا الموقف مألوفاً في سلوك عمرو الذي كان قد حال بنفسه دون نهب عدة مدن وحتى أنه انقلب على عادة قديمة جداً حين أعلن حرية العبادات بكل جرأة(751)
الوجه الرابع: وجود عدد من المؤرخين من غير المسلمين يثبتون ويؤكدون أن الحريق وقع قبل الفتح الإسلامي.
تقول الدكتورة زيغريد هونكة:«الحق الذي لا مراء فيه أن المجمع العلمي، الذي ضم أكاديمية الإسكندرية التي شيدها الملك بطليموس الأول سوتر عام 300 ق.م. كان مصدر إشعاع علوم الإغريق الهلينية، بمكتبته الضخمة التي حوت قرابة مليون مخطوطة، قيل: إنها جمعت كل ما كتب باللغة اليونانية؛ على أن ذلك المجمع العلمي الشامل لكافة
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 354أنواع العلوم والمعارف وقتذاك كانت ألسنة النيران قد أتت عليه عام 47 ق م. إبان حصار قيصر للإسكندرية، ثم إن كليوباترة أعادت تشيد المكتبة وتزويدها بعدد لايستهان به من المخطوطات من مكتبة برجمانون المصرية.
على أن القرن الثالث الميلادي كان بداية التدمير المخطط:
- فترى القيصر كاراكلا يلغي الأكاديمية ويحلها، ويسفك دماء علمائها في مذبحة وحشية فظيعة...
- كما أن البطريرك النصراني عام 272 م يغلق المجمع ويشرد علماءه آمراً بحرق (مؤلفات الكفرة)؛ فيبيدها المشتعلون حماساً دينياً من النصارى...
وفى عام 366 م يحول القيصر فالنس (السيزار يوم) إلى كنيسة وينهب مكتبته ويحرق كتبها، ويضطهد فلاسفته ويلاحقهم بتهمة ممارسة السحر والشعوذة...
وفى عام 391 م مواصلة استئصال شأفة الكفرة أي غير النصارى- يفلح البطريك(752) ثيوفيلوس في الحصول على إذن القيصر ثيودوزيوس لهدم (السرابيوم) كبرى الأكاديميات وآخرها، وموئل حكمة العصور القديمة، والقبلة الذائعة الصيت يحج إليها طالبو الحكمة من كل صوب، ويترك مكتبتها بما حوتة من ثلاثمائة ألف مخطوطة
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 355نهبا للنيران، قرير العين بتشييده ديراً وكنيسة على أنقاضها....
- أما ما نجا ومن نجا فقد أمسى غرضاً لعصابة نصرانية من الغلاة المراهقين انتشرت في الإسكندرية في القرن الخامس الميلادي تولت مواصلة تدمير علوم الكفرة وفلسفتهم وتحطيم مراكز ثقافتهم وآثارهم ومكتباتهم والهجوم على علمائهم، كما اعترف بذلك في وقاحة ودون خجل سيفروس الأنطاكي- الذي صار فيما بعد بطريرك القبط وكذا صديقاً له.
وهكذا نرى أن المكتبات القديمة في مصر جميعاً لم يكن لها أي وجود أيام دخول العرب الإسكندرية عام 642 م(753) .
قال بتلر «غير أننا نسبعد كل الاستبعاد أن تكون مكتبة السرابيوم الكبرى قد بقيت إلى القرن السابع، من غير أن نجد فى كتابة أحد من كتاب القرنين الخامس والسادس ما يدل على وجودها دلالة صريحة لا لبس فيها ولا إبهام. ولنذكر من ذلك مثلاً واحداً وهو (حنا مسكوس) وقد سبق لنا ذكر زيارته لمصر مع صديقه (صفرونيوس) قبل فتح العرب بسنين غير كثيرة. وقد بينا ماكان عليه هذان الرجلان من محبة العلم، وشغفهما بالكتب ومايتصل بها، وقد كتبا مقداراً عظيماً وسافرا إلى كثير من بلاد مصر، وأقاما فيها زمناً طويلاً، ولكنا لا نرى في كتاب من كتبهما إذا قلبناها واستوعبنا قراءتها ذكراً لمكتبة عامة في البلاد، اللهم إلا لمكاتب أفراد الناس، وعلى ذلك يكون قد مر
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 356قرنان لا تذكر فيهما تلك المكتبة»(754)
قال جيبون : «وأنا من جانبي أميل ميلاً شديداً إلى جحد الواقعة نفسها وسائر ما يترتب عليها من النتائج!... فشهادة مؤلف كأبي الفرج يكتب في هذه المسألة بعد ستة قرون، وهو أجنبي عن مصر، يقيم في مكان بعيد كل البعد عن تخومها- ترجح عليه رجحاناً شديداً دلالة الإغفال أو الصمت عن الإشارة إلى شيء من ذلك في كتابات أقدم مؤرخَيْن لهذا العهد، وكلاهما مسيحي، وكلاهما من أهل مصر نفسها، وأقدمهما البطريق يوتيخوس، وكلاهما أسهب في وصف فتح العرب للإسكندرية وأفاضا في ذكر تفصيلاته(755) .
قال العقاد : «وأحرى شيء أن يلاحظ في مسألة المكتبة هذه أن الذين أدحضوها وأبرأوا عمر من تبعتها كان معظمهم من مؤرخي الأوروبين الذين لا يتهمون بالتشيع للمسلمين وكانوا جميعاً من الفئات الذين يؤخذ بنتائج بحثهم في هذا الموضوع».
وذكر نَصْيِّ بتلر وجيبون المتقدمَيْن ثم قال:
والمستشرق كازانوفا يسمي الحكاية أسطورة ويقول: «إنها نشأت بعد تاريخ الحادثة بستة قرون وبنقضها لمثل الأسباب التي لخصناها في كتاب بتلر، ثم يقول: وهناك اعتراض أخطر مما تقدم وهو إن ما ذكر عن يحيى النحوي منقول عن كتاب الفهرست لابن النديم في أواخر
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 357القرن العاشر، وفيه يحيى هذا عاش حتى فتحت مصر، وكان مقرباً من عمرو ولم يذكر شيئاً عن مكتبة الإسكندرية، فحادثة المكتبة إذن من أوهام القفطي أخذها عن خرافة شائعة في عصره.
فمن جملة هذا العرض لآراء نخبة من الفئات في هذه المسألة يحق لنا أن نعتقد: أن كذب الحكاية أرجح من صدقها، وأنها موضوعة في القرن الذي كتبت فيه ولم تتصل بالأزمنة السابقة له بسند صحيح، أو ربما كانت مدسوسة على الرواة المتأخرين؛ للتشهير بالخليفة المسلم، وتسجيل التعصب الذميم عليه وعلى الإسلام.
وإذا كانت هذه الحكاية من تلفيق النيات السيئة فالمعقول ألا توضع قبل القرن السادس الهجري الذي تسربت فيه إلى الكتب المدونة، وهذا يفسر لنا كل غموض يستوقف النظر في الحكاية من جميع أطرافها.
لأن تلفيق هذه الحكاية يستلزم عناصر شتى لا تجتمع كلها في وقت واحد قبل القرن السادس للهجرة...
وقد يستلزم تلفيق الحكاية أن تكون مصر وأخبارها موضع اهتمام ومثار قيل وقال، ولم تكن مصر قبلة أنظار العالم كما كانت في أوقات الحروب الصليبية، يوم كانت هي ميدان الفصل ومناط الظفر والهزيمة بين جيوش الدنيا المحشودة فيها أو على أبوابها. وقد يستلزم كذلك أن يكون العصر عصر حَزَازَة بين الإسلام وخصومه كما كان عصر الحروب الصليبية وما قبله بقليل.
... فتلفيق الحكاية إذن كان عجيباً في أيام فتح الإسنكدرية وما تلاها من الأزمنة إلى زمان القفطي والبغدادي وأبى الفرج الملطي، ولهذا لم تظهر حكاية المكتبة في تلك الأيام. وتلفيقها في عصر الحروب الصليبية غير عجيب لاجتماع الأسباب التى يستلزمها ذلك التلفيق(756) .
الوجه الخامس: أن بعض المؤرخين زار المكتبة قبل الفتح الإسلامي ووجدها خالية.
فقد زار (أورازيوس orazius) الإسكندرية في أوائل القرن الخامس الميلادي، فذكر أن رفوف المكتبة خالية من الكتب عند زيارته (ينعق فيها البوم) بعد أن أتلفت بنحو عشرين سنة، وقد أتلفها(تيوڤيل) بطريق الإسكندرية، بعد أن نال الأمر الإمبراطوري بإتلافها(757) .
الوجه السادس: الإسلام لم يكن في يوم من الأيام عدواً للعلم، إنه الدين الذي بدأ دستوره الإلهي الخالد بكلمة(اقرأ)، وثنى بقسم(بنون)-التي هي الدواة-(ن، والقلم ومايسطرون)....وإن أعمال الخلفاء من بني أمية، ومن بني العباس في الحفظ على الكتب الهندية والفارسية والرومية واليونانية والسريانية كثيرة جداً، بل وسعى بعض هؤلاء الخلفاء إلى جلب هذه الكتب من مدن أوربة وغيرها،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 359وبذلوا الكثير من أجل الحصول عليها، وسعوا إلى ترجمتها إلى العربية والاستفادة منها في مختلف الاختصاصات كالطب والفلك والرياضيات والنبات وغيرها، أما كتب الفلسفة اليونانية فقد درسوها ونقدوها وأوجدوا فلسفة إسلامية تقف في وجه الفلسفة اليونانية ذات الأصول الوثنية المادية.
وهذا الموقف السليم من كتب الشعوب ومكتباتهم أمر طبيعي في الإسلام، اقتبسه المسلمون من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما فتح المسلمون حصن الوطيح، وحصن السلالم في غزوة خيبر، وجدوا صحائف متعددة من التوراة، فجاء اليهود يطلبونها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفعها إليهم.
وهذا التسامح والموقف الإنساني سبقه تسامح آخر عندما ترك صحائف اليهود ولم يتعرض لها بسوء، ولم ينظر لها نظرة غير طبيعية، مع شدة عداوة اليهود للمسلمين، فقد سمح لبني النضير بعد غزوة أحد بحمل صحفهم عند جلائهم عن المدينة المنورة(758) .
بل قد قال صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ(759) فكان من الصحابة- كابن مسعود، وعبدالله بن عمرو، وابن عباس رضي الله عنهم
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 360أحياناً يحكون من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.
قال ابن كثير : ولهذا كان عبد الله بن عمرو يوم اليرموك قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم(760) .
الوجه السابع: أن الغرب المتمسك بالمسيحية هو الذي ظل بضعة عشر قرناً عدواً للعلم محارباً له، بعيداً عن المدنية والعلوم والمعارف والصناعات النافعة إلى غاية يخجل العقل من تصورها، وما نفع أوربة ما لديها من الدين ورجاله في رفعها مما كانت فيه من التأخر والهمجية، ولم تتقدم نحو التمدنية إلا يوم اختلطت بالمسلمين، وعندها قامت
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 361قيامة الإكليروس عليها، وكفَّروا كل من يتعلم غير علوم الكنيسة واضطهدتهم وقتلتهم وحرقتهم، إلى غير ذلك من الفضائع التي شوهت وجه الإنسانية(761)
وجاء في مجلة (المقتبس): قال كوندي في تاريخه : إن مسيحيي إسبانية لما استولوا على قرطبة حرقوا كل ماطالت إليه أيديهم من مصنفات المسلمين، وعددها مليون وخمسون ألف مجلد، وجعلوها زينة وشعلة في يوم واحد، ثم رجعوا على سبعين مكتبة في الأندلس وأنشأوا يتلفون كل ما عثروا عليه في كل إقليم من مؤلفات العرب، وقال أحد مؤرخيهم(ربلس): إن ماحرقه الإسبانيون من كتب الأندلسيين بلغ ألف ألف وخمسة آلاف مجلد، وذكر بعض المؤرخين أن أحد جثالقتهم أمر بإحراق ثمانين ألف مجلد في ساحات غرناطة عقيب استيلائهم عليها، وإنهم قبضوا على ثلاث سفن قاصدة مراكش تنقل ما عز على المسلمين أن يخلفوه وراءهم من أسفارهم فألقوها في قصر الإسكوريال، ثم لعبت فيها النيران(762) .
الوجه الثامن: نفرض أن عمر بن الخطاب أمر بإحراق مكتبة الإسكندرية، فما هى الوصمة التي تلحقه من هذا الأمر؟ ولماذا كان يحرم عليه أن يحرقها ويجب عليه أن يستبقيها ويفتح أبوابها؟ ولماذا كان ينبغي أن يكون على يقين أنها شيء مفيد للمسلمين ولغيرها
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 362من الأمم، وأنها ذخيرة من ذخائر العالم لا يجوز التفريط فيها؟ أمن النقص في تفكير الإنسان أن ينشأ بمعزل عن بلاد اليونان وعن عصر حكماء اليونان فلا يطلع على الفلسفة اليونانية؟ أكانت فائدة تلك واضحة كل الوضوح من أحوال أقوامها الذين حفظوها، إن صح أنهم حفظوها؟
إن أحوال الروم والقبط في ذلك العهد لم يكن فيها دليل واحد على أنهم محتفظون بينهم بمعرفة نفيسة، وأن ضياع كتبهم فيه ضياع لذخيرة من ذخائر العالم التي لا يجوز التفريط فيها.
فقد كانوا على شر حال من الضعف والفساد والجهل والهزيمة والشقاق والتهالك على سفاسف الأمور. فإذا كان عمر غير مطالب بعلم الفلسفة اليونانية أو غير ملوم على فوات الاطلاع عليها، وإذا كانت أحوال الأمم التي هي أهلها لا تدل على قيمتها بل تسوغ الاعتقاد بخلوها من كل قيمة، فأين هو العيب في تفكيره إن صح أنه فكر على ذلك المنوال؟
إنما يعيب الإنسان أن يكون عدواً للمعرفة على إطلاقها ولم يكن عمر عدواً للمعرفة ولا معرضاً عنها، بل كان مشغوفاً بها حيث رآها دينية أدبية، ومن قومه أتت أو من غير قومه.
فكان يستشير الغرباء في تدوين الدواوين ومنافع الصناعة ولا ينتهي عن علم شيء إلا أن يكون فيه فتنة أو ضلال. وكان ولا ريب يؤثر للمسلمين أن يقبلوا على دراسة القرآن ويقدموا فهمه على فهم كل
PDF 363كتاب. وهذا واجبه الأول الذي لا مراء فيه، وما من أحد هو مطالب بهذا الواجب قبل أن يطالب به عمر على التخصيص؛ لأنه الخليفة الذي في عهده انتشر المسلمون بين أقطار المشرق وخيف عليهم أشد الخوف أن ينحل العقد الذي جمعهم وبث فيهم الهمة والبأس وسودهم على العالمين.
وفي الأخبار التي نقلت بهذا الصدد أن رجلاً أنبأه أنهم لما فتحو المدائن أصاب كتاباً فيه كلام معجب، فسأل: أمن كتاب الله؟ قال لا. فدعا بالدرة فجعل يضربه بها وهو يقرأ:
﴿الٓر تِلكَ ءَايَٰتُ الكِتَٰبِ المُبِينِ إِنَّآ أَنزَلنَٰهُ قُرءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُم تَعقِلُونَ﴾(763) .
ثم قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا التوراة والإنجيل حتى درسا وذهب ما فيهما من العلم».
رويت هذه الرواية عن عمر بن ميمون عن أبيه، وليس فيها ما يأباه العقل ولو حكمنا على عمر بحكم الدنيا وحكم التجربة الواقعية وتركنا حكم الدين والإيمان إلى حين.
فبالتجربة الواقعية أيقن عمر أن المسلمين بكتابهم خرجوا من الظلمات إلى النور، وانتصروا على من حاربوه، وعندهم كل كتاب.
وما فرغ المسلمون بعد من قراءة القرآن ولا انقضت على تداوله
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 364بينهم سنوات فكيف يرضى الخليفة الذي يهمه أمر رعاياه أن ينصرفوا عنه إلى كتب لا يؤمن ما فيها؟ وكيف يكون الحال إذا تفرقوا شذر مذر ولهم فى كل بلد قراءة غير هذا الكتاب الذي لم يفرغوا منه ولم يستوعبوا كل ما فيه؟ أمن عداوة المعرفة هذا، أو من إيثار المعرفة التي تتقدم على غيرها؟ وإذا لم تتقدم هذه المعرفة على غيرها في السنوات الأولى من تداول القرآن الكريم فمتى تتقدم؟ ومتى يعطي القرآن حقه من الفقه والوعي والإقبال؟ وأين هي الغنيمة الروحية التي تعدل في كتاب من الكتب بعض ما غنمه المسلون بوحي القرآن في صدر الإسلام؟
فعلى أي فرض من الفروض لم يكن في تصرف عمر ما يأباه العقل الذي ينظر إلى الحقائق المشهودة والآ ثار الواقعة، ويجوز أنه أمر بإحراق مكتبة الإسكندرية على أبعد احتمال، ولكن الذي يجوز لمنصف أن يفهم من ذلك أنه عدو الثقافة وهو الأديب الفقيه الخطيب، وهو قد وازن بين معرفة ظاهر النفع ومعرفة مجهولة ظواهرها كلها تغري باتهامها. ولا لوم عليه أن يولد حيث يجهلها، ولا لوم عليه أن يتهمها وهي لم تنفع أهلها يوم رآهم يخبطون في الضلالة والهزيمة، ولا يقال عن عقل يفكر هذا التفكير إنه لم يفكر على هدى مستقيم(764) .
فيتلخص لنا أخي الكريم مما تقدم أن هذه الأسطورة المنسوبة إلى المسلمين لم يذكرها المؤرخون المتقدمون المعاصرون للفتح أو من
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 365بعدهم إلى القرن السادس ولو كان الحدث صحيحاً؛ لذكروه، لاسيما حنا النقيوسي الذي كان معاصراً للحكم الأموي وكان يتعسف في كتاباته عن عمرو ويوصفه بأشياء لم يفعلها وحاول أن يعكس صورة الفتح الحقيقية، ولوكان أحرقها عمرو لذكرها، لكن ربما لم يخطر بباله أن يلصقها بعمرو، أو أنه استبعد أن يصدقها أحد لقدم حصول الحادثة عن الفتح. ومما يؤكد مضي زمن الحادثة عن الفتح زيادة على ماتقدم: شهادة من رأى المكتبة خالية قبل الفتح، ووجود جمع كبير من المؤرخين غير المسلمين ممن درس هذه الحادثة وأكد على أنها متقدمة عن الفتح بأعوام كثيرة. فلا يبقى لنا بعد هذه المقدمات إلا أن نصل إلى النتيجة الصحيحة وهي أن حريق المكتبة كان قبل الفتح الإسلامي، وأن المسلمين منه براء كبراءة الذئب من دم يوسف.
الشبهة الرابعة: تركه تحطيم (أبو الهول)(765) والأهرام(766)
ومفاد ذلك: أن ترك عمرو بن العاص رضي الله عنه - عندما فتح مصر- لتحطيم (أبو الهول) والأهرام دليل على عدم وجوب تحطيم التماثيل التي لا تعبد(767) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الجواب: يجاب على هذه الشبهة من ثمانية أوجه.
الوجه الأول: القول بأن الصحابة رأوها وتركوها دعوى تحتاج إلى إثبات، وليس هناك ما يثبت ذلك.
الوجه الثاني : كون الصحابة ومنهم عمرو بن العاص، رأوها أو لم يروها احتمالان واردان لا يستطاع الجزم بأحدهما، لكن عند توارد الاحتمالات يؤخذ بالاحتمال الراجح ويترك المرجوح، فإن تساويا تساقطا ونظر إلى دليل آخر. والذي يظهر أن احتمال كونهم لم يروها أرجح لعدة أمور منها:
أنه لم يرد لها ذكر على لسان الصحابة ولا التابعين ولو كانا ظاهرين لكانا موقع سؤال ولنقل إلينا.
ب- في كتاب آثار مصر القديمة(768) ذكر أن أول من ذكر الأهرامات ابن الفقيه الذي زار مصر في القرن الثالث الهجري /أو التاسع الميلادي، وأما أبو الهول فكان أول من ذكره المقدسي البشاري الذي زار مصر في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي في جملة مختصرة ضمن حديثه عن الجيزة إذ قال: ((وثم صنم يزعمون أنه الشيطان كان يدخله فيكلمه حتى كسر أنفه وشفتيه))اه(769) إلا أنه ليس صريحاً بأنه أبو الهول والذي ذكره صراحة ابن جبير في كتابه الرحلة الذي زار مصر في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. وقد ذكر
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 368عبد اللطيف البغدادي في كتابه الإفادة الذي زار مصر في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي: أن الذي يظهر من (أبو الهول) رأسه وعنقه قال: «ويزعمون أن جثته مدفونة تحت الأرض ويقتضي للقياس أن تكون جثته بالنسبة إلى رأسه سبعين ذراعاً»(770) فيحتمل أنه كان في القرن الأول الهجري وقت دخول الصحابة رضوان الله عليهم، مدفون في الرمال.
الوجه الثالث : أن المرء لا يحكم على الشيء بموقف واحد، بل لا بد أن ينظر في المواقف الأخرى أو في الحالات المشابهة؛ ومن ثم يستطيع أن يتوصل إلى نتيجة صحيحة.
ومعلوم موقف الإسلام(771) من التماثيل، فقد كسر صلى الله عليه وسلم الأصنام لما دخل الكعبة يوم الفتح، وأمر بالصور فمحيت، وكانت توجد صورة إبراهيم وإسماعيل ومريم عليهم السلام كما في البخاري(772) ولم يصح أنه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 369استثنى صورة عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام(773) ولم يرد أن هذه الصور كانت تُعْبَد، وأرسل صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 370عليهم؛ لكسر الأصنام، فبعث سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه لهدم مناة، وعمرو بن العاص لهدم سواع، وخالد بن الوليد لهدم العزى(774) فهدم التماثيل وإزالتها أمر راسخ لدى الصحابة سواء أعدت للعبادة أو لم تعد لذلك.
وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يرسخ هذا الأمر لمن لم يدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ»(775) .
فنجد في الحديث كلمة تمثال وقبر نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، فنحن مأمورون بطمس كل تمثال،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 371وتسوية كل قبر مرتفع، أما التفريق بين ما أعد للعبادة وما لم يعد لها، دعوى لا دليل عليها، بل الأدلة دالة على العموم، وسيأتي بيانه في الوجه الآتي.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التصاوير وأمر بإزالتها - سواء اتخذت للعبادة أو لم تتخذ لذلك- ويتضح ذلك في عدة أحاديث منها:
ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيت قرام فيه صور فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه، وقالت قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ(776) » .
2- عن أبي زرعة قال دخلت أنا وأبو هريرة دارا تبنى بالمدينة لسعيد أو لمروان قال: فرأى مصوراً يصور في الدار، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً(777) » .
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
«تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ، يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاَثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ(778) » .
فهذه الأدلة تفيد تحريم عموم الصور(779) ، وهل يقول عاقل أن الستر الذي هتكه الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته أعد للعبادة عياذاً بالله، فقد غضب وأزالها بيده وهي مجرد رسم باليد لم يُقصد تعليقها بل جاءت ملصقة بالستر، ومع ذلك شملها النهي والوعيد، وإذا شمل النهي والوعيد الرسم باليد فصناعة التمثال لا شك أنه يدخل في هذا الوعيد من باب الأولى.
ولا يقال أيضاً: بأن هذا التشديد في النهي عن التصوير لقرب ذلك العهد من عبادة الأوثان؛ لأن أدلة التحريم عامة وليس فيها ما يدل على هذا التخصيص، ولقد أحسن ابن دقيق العيد المالكي الشافعي إذ يقول: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور. ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان، لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان. وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده-لا يساويه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 373في هذا المعنى. فلا يساويه في هذا التشديد- هذا أو معناه وهذا القول عندنا باطل قطعاً، لأنه قد ورد في الأحاديث: الإخبار عن أمر اللآخرة بعذاب المصورين، وأنهم يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله عليه السلام: المشبهون بخلق الله، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة، لا تخص زماناً دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي، يمكن أن يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبه بخلق الله(780)
الوجه الخامس: أن الصور ذات الأجسام أو مالها ظل محرمة بالإجماع .
قال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع(781) .
وقال النووي: وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره(782) .
ولم يفصل العلماء عند نقل الإجماع على تحريمه، بين ما اتخذت للعبادة، أو اتخذت للرمز والتذكار، أو بين ما كان قر يبا من زمن الجاهلية، أو كان بعيدا عنها.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه السادس: في شريعتنا الإسلامية قاعدة عظيمة من القواعد الكلية الكبرى، وهي: أن اليقين لا يزول بالشك.
فتكسير الصحابة للأصنام والتماثيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم معلوم يقيناً، وما قيل في الصحابة بأنهم لم يتعرضوا لهدم التماثيل في البلدان المفتوحة يدخله عدة احتمالات: إما أنها كانت داخل معابدهم التي قد صولحوا على إبقائها(783) ، أو أنها كانت مطمورة تحت الرمال، أوعجزوا عن إزالتها لصلابتها وضخامتها. فهذه ثلاثة احتمالات، وكل احتمال منهن وارد، فلا يزول ما علم يقيناً بما فيه شك واحتمال.
الوجه السابع: لو سلمنا أنها كانت موجودة - في غير خارج معابدهم التي صولحوا عليها- وتركوها، لا يد ل على أنهم تركوها رضاً بل عجزاً وقد تقدم معك ضخامة وصلابة الأهرام (أبو الهول)، وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه: في الفصل الرابع: بأن الهياكل العظيمة جداً لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، قال: ويشهد لذلك أيضاً أنَّا نجد آثاراً كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدّول عن هدمها وتخريبها مع أنّ الهدم أيسر من البناء بكثير؛ لأنّ الهدم رجوع إلى الأصل الّذي هو العدم، والبناء على خلاف الأصل.
فإذا وجدنا بناء تضعف قوّتنا البشريّة عن هدمه مع سهولة الهدم، علمنا أنّ القدرة الّتي أسّسته مفرطة القوّة، وأنّها ليست أثر دولة واحدة،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 375وهذا مثل ما وقع للعرب في إيوان كسرى لمّا شرع الرّشيد في هدمه وجمع الأيدي عليه واتّخذ له الفؤوس وحماه بالنّار وصبّ عليه الخلّ حتّى إذا أدركه العجز ثم أقصر عن هدمه، وكذلك اتّفق للمأمون في هدم الأهرام الّتي بمصر وجمع الفعلة لهدمها فلم يحل بطائل، وشرعوا في نقبه فانتهوا إلى جوّ بين الحائط والظّاهر وما بعده من الحيطان وهنالك كان منتهى هدمهم(784)
فإذا علمت أخي الكريم: ما امتازت به هذه التماثيل من قوة وصلابة، فكيف نريد من الصحابة أن يزيلوا هذه الأجسام الصلبة والكتل الصخرية بسيوفهم البيضاء وأسلحتهم الأولية، وقد علمنا أنهم كانوا يحاصرون العدو وهم في قصورهم الأيام العديدة ولا يستطيعون ثقب الجدار، ولو رجعنا للأعوام الماضية ورأينا كيف بذلت طالبان من جهد لتحطيم بوذا وهم في عصر التقنيات، فكيف بالأسلحة القديمة.
الوجه الثامن: أن الذي أمر بكسر التماثيل والأصنام هو الذي قيدها بالاستطاعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ(785) وهذا من سماحة
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 376ديننا الإسلامي.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا﴾(786) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٖ﴾(787) .
فالله سبحانه جعل القيام ركناً في الصلاة لا تصح الصلاة بتركه ولو سهواً مع القدرة عليه، ومع ذلك إذا لم يستطع المصلي القيام رخص له أن يصلي قاعداً، كذلك أسقط الله الصيام عن الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام، والمريض المزمن وأمرهم بالإطعام، وأمر بالحج وقيده بالاستطاعة.
فإذا كانت هذه أركان الإسلام ولم يكلف الله فيها المسلم ما لا يطيق فكيف بغيرها؟!.
وعليه ومن خلال ما سبق فإنه قد ثبت لدينا بما لا يدع مجالاً للشك ضعف هذه الروايات التي شوهت تاريخ الصحابي الجليل عمرو بن العاص، وكل من عرف مجتمع الصحابة معرفة حقيقية يجزم ببطلان ما نسب إليه زوراً وبهتاناً قبل أن يقرأ ما يبطل زيفها، لأن الصحابة هم أفضل الناس بعد الأنبياء، اصطفاهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، وهم قدوة الشعوب في كل جيل، وأئمة الناس في كل ما يصلح شؤونهم من دين ودنيا، وعلم وحكمة، وأدب وفضيلة، وبذل وفداء، كيف لا يكونوا كذلك ومعلمهم ومؤدبهم أفضل
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 377الخلق وسيد ولد آدم محمد صلوات ربي وسلامه عليه، ويكفي أن الله سبحانه زكاهم من فوق سبع سمواته، ووعدهم بالحنسى وهي الجنة(788)
وعمرو رضي الله عنه أحد الصحابة وهو ممن قال الله فيه: ﴿وَكُلّٗا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَىٰ﴾، فمن رابه شيء في سيرة هذا الصحابي الجليل فليقل كما قاله صلى الله عليه وسلم «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ » .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الخاتمة
وبعد هذا العرض المتواضع أشكر المولى سبحانه وتعالى أن وفقني للبحث في هذا المجال العظيم؛ مجال الدفاع عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فله سبحانه وتعالى الحمد على توفيقه وتسديده، وأسأله سبحانه المزيد من فضله ونواله، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.
ثم إنه يجدر بي أن أختمها بأهم النتائج التي توصلت إليها، ثم أعقبها بالتوصيات المتعلقة بالموضوع:
النتائج :
الصفات الحميدة والأخلاق الرفيعة منها ما تكون سجية في المرء، ومنها ما تكتسب من بيئة مجتمعه، وأفراد قبيلته. من الظلم تحميل الأبناء جرم والديهم، أو تعييرهم به. الأصل أن من ثبت إسلامه، أو عدالته، أو فضله بيقين؛ لايزول عنه ذلك إلا بيقين. ليس من العدل أن ينسب لشخص ما أمراً بدون بينة صحيحة. حرص المسلم على تطبيق السنن حين احتضاره من دلالة توفيق الله له.
استعمال النبي صلى الله عليه وسلم لشخص ما من الصحابة في بعض المهام دليل على فضل ذلك الصحابي وعدالته. الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول ويتفاوتون في الدرجة. من أراد أن يتوصل إلى نتيجة صحيحة من خلال دراسته لعصر من عصور التاريخ؛ عليه أن يدرسه بطبيعة ذلك العصر وأخلاقه، لا بطبيعة وأخلاق عصر آخر. تتغير طبيعة المجتمع من حين لآخر لأسباب منها؛ تغير البيئة، وطبيعة السلطان. المعرفة بطبيعة مجتمع ما وأخلاقه؛ تمنح صاحبها البصيرة بسبر الأخبار المشاعة عنه.
- من أسباب حصول الفتن؛ الفهم الخاطئ، والجهل، والحقد، والحسد.
- حفظ اللسان من أهم سبل النجاة في زمن الفتن.
بسبب الفتن التي حصلت بين الصحابة أثيرت شبه حول بعضهم، منهم عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهذه الشبه المثارة حوله تندرج تحت خمسة أقسام:
القسم الأول: شبهات تتعلق بنسبه رضي الله عنه.
والقسم الثاني: شبهات تتعلق بعدالته رضي الله عنه.
والقسم الثالث: شبهات حول علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم.
والقسم
PDF 381الرابع: شبهات حول علاقته بالصحابة رضي الله عنه.
والقسم الخامس: شبهات حول فتحه لمصر وحكمه لها، وعلاقته بأهلها عموماً والأقباط خصوصاً.
جميع هذه الشبه - البالغ عددها ستة عشر- بعيدة كل البعد عن هذا الصحابي الجليل بل لا تمت إليه بصلة، فهي بين ضعيف لا يصح إسناده وهو الغالب، أو صح سنده ولكن حمل معناه على معنى غير مراد، يفطن له من عنده أدنى مسكة من علم، أو معرفة بمجتمع الصحابة رضي الله عنهم الذين زكاهم الله من فوق سبع سموات، ورحم الله عبدالله بن المبارك إذ يقول: الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ. وقال بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ. يَعْنِى الإِسْنَادَ(789) . وأخيراً قد لا أكون استقصيت جميع الشبه- المثارة حول الصحابي الجليل- مما لها ذكر في كتب السنة المعتمدة، لكن إن وجدتَ شيئاً منها فهي كسابقتها، وقد وضعتُ لك الخطوط؛ فبادِ بَيْنَ الخَيْطَيْنِ واعرف الأمثال والأشباه.
وفي الأخير لا يسعني إلا أن أعترف بالقصور والتقصير في الدفاع عن هذه الشخصية الفذة، وإنما سيرته الخالدة وأقواله التاريخية هي من يجيب عما يثار حوله ويراد المساس بجنابه؛ والله بأسمائه الحسنى أسأل وصفاته العليا أتوسل أن يسلك بنا سبل مرضاته
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 382وطريق أوليائه، وهو حسبي ونعم الوكيل؛ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
التوصيات :
التعاون بين العلماء والباحثين في كتابة الأبحاث المتعلقة بالصحابة وذلك بذكر فضائلهم، والثناء المتبادل بينهم، ودحض ما يثار حولهم. تحقيق كتب التواريخ والسير لبيان الأحاديث والآثار والقصص الضعيفة والموضوعة التي تتعلق بالصحابة رضوان الله عليهم. على الكاتب والخطيب والواعظ - عند حديثه عن الصحابة - أن يتنبه من ذكر الأحاديث والآثار والقصص الضعيفة والموضوعة التي تمس بجنابهم. توعية المجتمع بحب جميع الصحابة والترضي عنهم، وبيان فضلهم، وخطورة تنقصهم؛ وذلك من خلال الندوات وتوزيع الكتب والأشرطة المتعلقة بهذا الموضوع.
قائمة المصادر والمراجع
1- الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1394هـ- 1974 م.
2- آثار مصر القديمة في كتاب الرحالة والعرب والأجانب جيلان عباس. تقديم مختار السّويفي. الدار المصرية اللبنانية.
3- أحاديث أم المؤمنين عائشة المرتضى العسكري. دار التوحيد(ط5) عام 1414هـ.
4- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لعلاء الدين بن بلبان الفارسي. تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة عام 1418هـ.
5- أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي. راجع أصوله محمد عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية. بيروت: لبنان (ط3) عام 1424 هـ - 2003 م.
6- أحكام أهل الذمة لابن القيم. تحقيق: يوسف بن أحمد البكري - شاكر بن توفيق العاروري. دار رمادى: الدمام. عام 1418 – 1997 م.
7- أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي. دار الأندلس: بيروت عام: 1416هـ-1996م.
8- أخبار العلماء بأخيار الحكماء لأبي الحسن علي بن يوسف
PDF 384القفطي تحقيق إبراهيم شمس الدين. دار الكتب العلمية: بيروت. عام 1426 هـ 2005 م
9- الأخبار الطوال للدينوري. وثق أصوله محمد الحاج علي. عام 1421هـ.
10- أخبار مكة للفاكهي في قديم الدهر وحديثه. تحقيق د. عبد الملك عبد الله دهيش. دار خضر: بيروت.
11- الاختيار لتعليل المختار لعبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي. تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن. دار الكتب العلمية: بيروت(ط3) عام 1426 هـ - 2005م.
12- الأدب المفرد للإمام البخاري. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار البشائر الإسلامية: بيروت (4ط) عام 1417 هـ – 1997م.
13- إرواء الغليل لناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي عام 1405 هـ.
14- الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالبرتحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض، طبعة دار الكتب العلمية. عام1415 هـ -1995م.
15- أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثيرتحقيق علي معوض. دار الكتب العلمية.
16- الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين للدكتور شوقي أبوخليل، دار الفكر المعاصر: بيروت.
17-
PDF 385الإصابة في تميز الصحابة لابن حجر، دار الكتب العلمية. عام 1415هـ.
18- أصول السرخسي تحقيق أبي الوفاء الأفغاني دار الكتاب العلمية.
19- الأعلام للزركلي دار العلم للملايين (ط8) عام 1989م.
20- الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لسليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي تحقيق: د. محمد كمال. عالم الكتب عام1417هـ-1997م.
21- الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري. تحقيق خليل المنصور. دار الكتب العلمية. عام 1418هـ - 1997م.
22-الأمثال لأبي عبيد بن سلام (الشاملة).
23- أنساب الأشراف للبلاذري. تحقيق الزكار والزركلي. دار الفكر بيروت 1417 هـ.
24- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للمرداوي. دار إحياء التراث العربي: بيروت. عام 1419 هـ.
25- الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهله لأبي بكر الباقلاني (الشاملة).
26- بحار الأنوار للمجلسي دار إحياء التراث العربي: بيروت.
27- بداية المبتدي للمرغيناني. مكتبة ومطبعة محمد علي صبح: القاهرة.
28-
PDF 386البداية والنهاية للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. دار هجر. عام 1418 هـ 1997 م.
29- البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن. تحقيق: مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال. دار الهجرة: الرياض. عام: 1425هـ- 2004م.
30- بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام لأبي الحسن بن القطان تحقيق: د. الحسين آيت دار طيبة: الرياض. عام 1418 هـ- 1997م.
31- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني. دار الكتب العلمية (ط2) عام 1406هـ.
32- البرهان في علوم القرآن للزركشي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه. عام 1376هـ -1957م.
33- تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي. دار الهداية.
34- التاج والإكليل لمختصر خليل لابن المواق. دار الكتب العلمية. عام 1416هـ.
35- تاريخ ابن خلدون، تحقيق: خليل شحادة. دار الفكر: بيروت(ط2) عام 1408 هـ.
36- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري. دار الكتاب العربي: بيروت. عام 1407هـ - 1987م.
37-
PDF 387تاريخ الأمة القبطية ليعقوب نخلة روفيله. مطبعة متروبول(ط2) عام2000م.
38- تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري دار التراث: بيروت(ط2) 1387 هـ.
39- تاريخ العالم القديم يوحنا النقيوسي.
40- التاريخ الكبير للبخاري. دار الكتب العلمية.
41- تاريخ المدينة النبوية لابن شبه. تحقيق: فهيم محمد شلتوت. دار الفكر عام173 هـ.
42- تاريخ مصر من خلال مخطوطة البطاركة لساويرس ابن المقفع. تحقيق عبد العزيز جمال الدين. مكتبة مدبولي. عام 2006م.
43- تاريخ دمشق لابن عساكر. دار الفكر. تحقيق: العمروي. عام1418 هـ.
44- تاريخ عمرو بن العاص د. حسن إبراهيم حسن مكتبة مدبولي – القاهرة عام1996م.
45- تاريخ مولد العلماء ووفياتهم لابن زبر الربعي تحقيق د. عبد الله الحمد. دار العاصمة. عام1410 هـ.
46- تاريخ وآثار مصر الاسلامية من الفتح العربي وحتى نهاية العصر الفاطمي للدكتور أحمد عبد الرزاق. دار الفكر العربي: القاهرة عام1420 هـ -1999م
47- تاريخ وحضارة مصر القديمة للدكتور سمير أديب. مكتبة الاسكندرية. عام1997م.
48-
PDF 388تحذير العبقري من محاضرات الخضري لمحمد العربي التباني. دار الكتب العلمية عام 1374 هـ -1955م.
49- تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدثين للدكتور محمد أمحزون دار طيبة. عام: 1415 هـ-1996م.
50- تفسير ابن أبي حاتم تحقيق: أسعد محمد الطيب. المكتبة العصرية.
51- تقسيرالقرآن العظيم لابن كثير. تحقيق سامي بن محمد سلامة. دار طيبة (ط2) 1420هـ - 1999م.
52- تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني. تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد. عام 1420 هـ - 1999م.
53 - تهذيب الكمال للمزي. تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة. عام
1413 هـ-1992م.
54- تهذيب اللغة للأزهري. تحقيق عبد السلام هارون، الدار المصرية.
55- الثقات لابن حبان. طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن – الهند، الطبعة الأولى عام 1420 هـ - 1982 م.
56- جامع البيان في تأويل القرآن لابن جرير المحقق: أحمد محمد شاكر. مؤسسة الرسالة. عام 1420 هـ - 2000 م.
57- جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي تحقيق حمدي
PDF 389السلفي. عالم الكتب: بيروت. (ط2) عام 1407 هـ.
58- الجامع الكبير للإمام الحافظ أبي عيسى الترمذي. تحقيق: بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي: بيروت. عام 1996م.
59- جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر دراسة وتحقيق: فواز أحمد زمرلي. مؤسسة الريان - دار ابن حزم. عام 1424-2003 هـ.
60- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. تحقيق: هشام سمير البخاري دار عالم الكتب: الرياض. 1423هـ/ 2003م
61- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، تحقيق المعلمي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند. عام 1372هـ - 1952م.
62- جواهر المطالب في مناقب الإمام علي لابن الدمشقي. تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي. مطبعة پاسدار إسلام: قم - ايران-. عام 1416هـ
63- الحاوى الكبير للماوردى. دار الفكر: بيروت.
64- الحضارة العربية لجاك ريسْلر. تعريب الكتور خليل أحمد. منشورات عويدات. بيروت عام 1993م.
65- حكم شهادة الكفار وإقرارهم بأتسابهم للصنعاني. تحقيق عبد الله عجمي و وليد عبدالحق. دار نسائم: صنعاء - اليمن-.
66- حلية الأولياء وطبقات الأتقياء لأبي نعيم الأصبهاني. طبعة دار الكتاب العربي، بيروت(ط3) عام 1400 هـ -1980م.
67-
PDF 390حياة الحيوان الكبرى لأبي البقاء الدميري. دار الكتب العلمية. عام 1424 هـ.
68- الخراج لأبي يوسف. تحقيق: طه عبد الرءوف، سعد حسن. المكتبة الأزهرية للتراث.
69- دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية رضي الله عنه لعبد السلام بن محسن آل عيسى. عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة. عام 1423 هـ/2002م.
70- الرحيق المختوم للمبارك فوري. دار إحياء التراث العربي (ط2) 1420 هـ.
71- الروض المربع شرح زاد المستنقع للبهوتي. تحقيق: سعيد محمد اللحام. دار الفكر بيروت.
72- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين الآلوسي تحقيق: على عبد البارى عطية. دار الكتب العلمية. عام 1415 هـ.
73- روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي. تحقيق: زهير الشاويش. المكتب الإسلامي، بيروت(ط3) عام 1412هـ / 1991م.
74- الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري دار الكتب العلمية عام 1405 هـ.
75- الزهد لابن المبارك تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي دار الكتب العلمية- بيروت.
76-
PDF 391السلسلة الصحيحة للألباني. مكتبة المعارف: الرياض. عام1415 هـ -1995م.
77- السلسلة الضعيفة للألباني. مكتبة المعارف: الرياض 1425 هـ.
78- السنة لأبي بكر الخَلَّال تحقيق: د. عطية الزهراني. دار الراية: الرياض. عام 1410هـ - 1989م.
79- سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة دار الفكر.
80- سنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني. دار الكتاب العربي بيروت.
81- السنن الكبرى للبيهقي. نشر مجلس دائرة المعارف النظامية: الهند ببلدة - حيدر آباد- عام 1344 هـ.
82- سنن الكبرى للنسائي. تحقيق: د.عبد الغفار سليمان البنداري, سيد كسروي حسن دار الكتب العلمية عام 1411 هـ - 1991م.
83- سؤالات مسعود بن علي السجزي مع أسئلة البغداديين عن أحوال الرواة للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر. دار الغرب الإسلامي: بيروت عام 1408هـ - 1988م.
84- سير أعلام النبلاء للذهبي، طبعة مؤسسة الرسالة (ط11) عام 1417هـ.
85-
PDF 392السيرة النبوية لابن هشام تحقيق طه عبد الرءوف سعد. دار الجيل عام 1411 هـ.
86- شرح السنة للبغوي. تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد زهير الشاويش. المكتب الإسلامي. عام 1396 هـ -1976م.
87- شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين. دار ابن الجوزي: السعودية (4) عام 1424هـ.
88- الشرح الكبير لأبي البركات أحمد بن محمد العدوي، الشهير بالدردير، إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركاء.
89- شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه.
90- الشريعة للآجري. تحقيق: الدكتور عبدالله الدميجي. دار الوطن(ط2).
91- صبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي. دار الكتب العلمية: بيروت.
92- الصحابة ومكانتهم عند المسلمين لمحمود عيدان أحمد الدليمي. رسالة ماجستير (الشاملة).
93- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين: بيروت (ط4) عام 1407 هـ 1987 م.
94- صحيح البخاري. تحقيق: د. مصطفى ديب البغا. دار ابن كثير: بيروت (ط3) عام 1407 هـ - 1987م.
95- صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي بيروت.
96- صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته للألباني. المكتب الإسلامي. (ط3) عام 1408 هـ -1998م.
97- صفوة الصفوة لابن الجوزي تحقيق: محمود فاخوري - د. محمد قلعه جي. دار المعرفة: بيروت (ط3) عام 1405 هـ – 1985م.
98- الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي. تحقيق عبد الله القاضي. دار الكتب العلمية عام 1406 هـ.
99- طبقات الحنابلة أبو الحسين ابن أبي يعلى. تحقيق: محمد حامد الفقي. دار المعرفة: بيروت.
100- الطبقات الكبرى لابن سعد. تحقيق إحسان عباس. دار صادر: بيروت. عام 1968م.
101- طبقات خليفة بن خياط تحقيق: د. أكرم ضياء العمري. دار طيبة: الرياض (ط2) عام 1402 هـ - 1982م.
102- عبقرية عمر عباس العقاد. دار نهضة مصر. عام 1998 م.
103- العقيدة رواية أبي بكر الخلال لأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني. تحقيق: عبد العزيزالسيروان. دار قتيبة: دمشق. عام 1408 هـ-1988م.
104- عمرو بن العاص للدكتور نظمي لوقا. مكتبة غريب.
105- العواصم من القواصم لابن العربي المالكي. تحقيق محب الدين
PDF 394الخطيب ومحمود مهدي الاستانبولي. دار الجيل: بيروت. (ط2) عام 1407هـ 1987م.
106- العيال لابن أبي الدنيا. تحقيق: د نجم عبد الرحمن خلف. دار ابن القيم: الدمام. عام 1410هـ - 1990م.
107 - غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام للألباني. المكتب الإسلامي: بيروت (ط3) عام 1400 هـ -1980م.
108- الغدير للأ ميني. دار الكتاب العربي: بيروت (ط4) عام 1397هـ.
109- غريب الحديث لا بن قتيبة تحقيق. د. عبد الله الجبوري. مطبعة العاني: بغداد. عام 1397 هـ.
110- غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام. دار الكتاب العربي: بيروت. عام 1397 هـ -1967م.
111- الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي. دار الفكر.
112- فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر. مؤسسة مناهل العرفان. عام 1421 هـ.
113- فتح العرب لمصر لبتلر تعريب محمد فريد. مكتبة الدبولي: القاهرة. (ط2) عام 1416 هـ -1996م.
114- فتح مصر للدكتور جمال عبدالهادي. دار الطباعة والنشر الإسلامية. مكتب القاهرة.
115- فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم تحقيق: محمد صبيح. مكتبة مدبولي. القاهرة.
116- الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي. تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية: بيروت عام 1418هـ - 1998م.
117- الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم: مطبعة التمدن: القاهرة1321 هـ.
118- فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل تحقيق: د. وصي الله محمد عباس. مؤسسة الرسالة: بيروت. عام1403 هـ - 1983 م.
119- الكامل في التاريخ لابن الأثير. تحقيق عمر عبدالسلام تدمري. الكتاب العربي: بيروت عام 11422 هـ-2001م.
120- الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي. تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض. طبعة دار الكتب العلمية.
121- كتاب الفتن لنعيم بن حماد. تحقيق: سمير أمين الزهيري. مكتبة التوحيد: القاهرة 1412 هـ-1992م.
122- كتاب الفتوح لابن أعثم. دار الأضواء. عام 1411 هـ.
123- كتاب جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري. تحقيق: محمد أبو الفضل و عبد المجيد قطامش. دار الفكر (ط2) عام 1988 م.
124- كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي تحقيق: علي حسين البواب. دار الوطن: الرياض. عام 1418هـ - 1997م.
125- لسان العرب لابن منظور. دار صادر: بيروت. عام 1410 هـ -1990م.
126- لسان الميزان لابن حجر. دار الكتاب الإسلامي.
127- متن الطحاوية للطحاوي(الشاملة).
128- المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين لابن حبان البستى. تحقيق محمود ابراهيم زايد. دارالمعرفة: بيروت.
129- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي. تحقيق الدرويش دار الفكر: بيروت عام 1414 هـ-1994م.
130- مجموع الفتاوى لابن تيمية. جمع و ترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. مؤسسة قرطبة.
131- المجموع شرح المهذب للنووي. دار الفكر.
132- المحكم والمحيط لابن سيده. تحقيق هنداوي. دار الكتب العلمية 1421 هـ2000م.
133- مختار الصحاح للرازي تحقيق: محمود خاطر. مكتبة لبنان: بيروت عام 1415هـ.
134- المخصص لا بن سيده تحقيق: خليل إبراهم جفال. دار إحياء التراث العربي: بيروت. عام 1417هـ- 1996م.
135- المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي. تحقيق: الأعظمي. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي: الكويت.
136- مروج الذهب ومعادن الجوهرللمسعودي. تحقيق: عبدالأمير مهنا. مؤسسة الأعلمي: بيروت. عام1411 هـ -1991م.
137- المستدرك على الصحيحين لأبي عبدالله الحاكم النيسابوري.
PDF 397تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية: بيروت. عام 1411 هـ 1990م.
138- المستقصى في أمثال العرب لأبي القاسم محمود بن عمر للزمخشري. دارالكتب العلمية: بيروت (ط2) عام 1987م.
139- مسند أبي حنيفة لأبي نعيم الأصبهاني تحقيق: نظر محمد الفاريابي. مكتبة الكوثر: الرياض. عام 1415 هـ.
140- مسند أبي داود الطيالسي تحقيق التركي. دارهجر.
141- مسند أبي يعلى الموصلي. طبعة دار المأمون للتراث. تحقيق حسين سليم أسد. عام 1404 هـ.
142- مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة (ط2) عام 1420هـ - 1999م.
143- مسند البزار. تحقيق: د محفوظ الرحمن. مكتبة العلوم والحكم: المدينة. عام 1415 هـ -1994م.
144- مسند الروياني. تحقيق أيمن أبو يماني. مؤسسة قرطبة: القاهرة. عام 1416 هـ.
145- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي. المطبعة الأميرية بالقاهرة (ط5).
146- المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة. تحقيق عامر العمري الأعظمي. الدار السلفية. عام 1403 هـ.
147-
PDF 398معجم البلدان ياقوت بن عبد الله الحموي. تحقيق: فريد الجندي. دارالكتب العلمية. 1410هـ-1990م.
148- معجم الصحابة لابن قانع. تحقيق: صلاح بن سالم المصراتي. مكتبة الغرباء الأثرية.
149- المعجم الكبير للطبراني. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي. مكتبة ابن تيمية.
150- المعجم الوسيط. دار إحياء التراث العربي (ط2).
151- معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع لأبي عبيد البكري الأندلسي تحقيق: مصطفى السقا. عالم الكتب.
152- معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. طبعة دار الفكر. عام 1399 هـ.
153- معرفة الصحابة لأبي نعيم. تحقيق: عادل العزازي. دار الوطن (الرياض) عام 1419 هـ - 1998 م.
154- المعرفة والتاريخ للفسوي. تحقيق: د. أكرم ضياء. مكتبة الدار: المدينة. عام 1410هـ.
155- المغازي للواقدي. تحقيق: د. مارسدن جُونس عالم الكتاب (ط3)عام 1404هـ.
156- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني. دار الكتب العلمية عام 1415هـ - 1994م.
157-
PDF 399المغني في الضعفاء للذهبي. تحقيق الدكتور نور الدين عتر.
158- المغني لابن قدامة المقدسي. دار الفكر: بيروت. عام 1405 هـ.
159- المفصل في شرح آية لا إكراه في الدين. جمع وإعداد الباحث علي بن نايف الشحود(الشاملة).
160- المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة السَّخاوي. تحقيق محمد عثمان. دار الكتاب العربي (ط3) عام 1417 هـ - 1996م.
161- المنمق في أخبار قريش محمد بن حبيب البغدادي. طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية: بحيدر آباد- الهند -.
162- منهاج السنة النبوية شيخ الإسلام بن تيمية تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة. عام 1406 -1986 م.
163- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي. دار إحياء التراث العربي. بيروت (ط2) عام 1392 هـ.
164- المواعظ والاعتبار المقريزي. تحقيق: محمد زينهم. مكتبة مدبولي: القاهرة.
165- مواقف الشيعة للأحمدي الميانجي. مؤسسة النشر الإسلامي. عام 1416هـ.
166- مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل للحطاب الرُّعيني. تحقيق: زكريا عميرات. دار عالم الكتب. عام 1423هـ - 2003م
167- المؤتلف والمختلف الدارقطني. تحقيق: موفق بن عبد الله بن
PDF 400عبد القادر. دار الغرب الإسلامي: بيروت عام: 1406 هـ 1986 م.
168- الموضوعات لابن الجوزي تحقيق نور الدين شكري. مكتبة أضواء السلف: الرياض. عام 1418 هـ -1997م.
169- ميزان الاعتدال للذهبي. تحقيق: الشيخ علي معوض- والشيخ عادل عبدالموجود. دار الكتب العلمية. عام 1416هـ-1995م.
170- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري الاتابكي. وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دار الكتب: مصر.
171- نسب قريش لمصعب الزبيري. دار المعارف (ط3).
172- نفحات من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم للثبيتي. دار طيبة: مكة المكرمة (ط2) عام 1423 هـ.
173- نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين أحمد النويري. المؤسسة المصرية العامة. عام 1424 هـ - 2004 م.
174- النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير. تحقيق: خليل شيحا. دار المعرفة: بيروت. عام 1422 هـ -2001م.
175- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم. تحقيق: أحمد السقا. دار الريان.
176- وقعة صفين لابن مزاحم المنقريي. تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون المؤسسة العربية الحديثة (ط2)1382 هـ.
فهرس الآيات
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الآية | الصفحة |
|---|---|
| ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ | 99 |
| ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ | 181 |
| ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ | 363 |
| ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ | 58 |
| ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ | 14 |
| ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ | 310 |
| ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ | 171،172،173 |
| ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ | 100 |
| ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ | 49،223 |
| ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ | 306 |
| ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ | 322 |
| ﴿ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ | 105 |
| ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ | 174 |
| ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ | 290 |
| ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ | 31 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| ﴿لَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ | 180 |
| ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ | 50 |
| ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ | 376 |
| ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ | 31 |
| ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ | 31 |
| ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ | 266 |
| ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ | 216 |
| ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ | 31،38،306 |
| ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ | 318 |
| ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ | 216 |
| ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ | 334 |
| ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْت﴾ | 240 |
| ﴿إِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ | 226 |
| ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ | 226 |
| ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ | 47،85،219 |
| ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ | 235 |
| ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ | 31 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ﴾ | 290 |
| ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ | 238 |
| ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ | 236 |
| ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ﴾ | 316 |
| ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ | 313 |
| ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً﴾ | 42 |
| ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ | 79 |
| ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ | 230 |
| ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ | 318 |
| ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ | 376 |
| ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ﴾ | 32 |
| ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ | 211،291 |
| ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ | 15 |
| ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ | 15 |
| ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ | 314 |
| ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ | 15 |
فهرس الأحاديث
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الحديث | الصفحة |
|---|---|
| «ابنا العاص مؤمنان» | 102،127،193،269،272 |
| «أسلم الناس وآمن عمرو» | 18،126،165،264،271،277 |
| «اللهم اجعلْه هاديا مهديا، واهدِ به» | 265 |
| «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ» | 309 |
| «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ» | 330 |
| «الولد للفراش وللعاهر الحجر» | 193 |
| «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» | 160،210،229،264 |
| «إن ابني هذا سيد» | 66،295 |
| «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ» | 232 |
| «أنَّ النكاح في الجاهلية» | 190 |
| «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا» | 371 |
| «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي» | 232 |
| «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا» | 266 |
| «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي سَبَبْتُهُ» | 78 |
| «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» | 359 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ» | 372 |
| «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ | 67،295 |
| «خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» | 191 |
| «خَرَجْتُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ» | 191 |
| «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» | 34،44 |
| «عمرو بن العاص من صالحي قريش» | 127 |
| «فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ» | 79 |
| «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ» | 371 |
| «مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ» | 241 |
| «ما له ترب جبينه» | 265 |
| «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ | 270 |
| «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً» | 270 |
| «مات النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي» | 240 |
| «مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ» | 18 |
| «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ» | 340 |
| «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» | 375 |
| «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري» | 160 |
| «ولا تُتَبع الجنازة بصوت ولا نار» | 234 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| «ويح عمار تقتله الفئة الباغية» | 65 |
| «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شرطي عَلَى رَبِّى» | 265 |
| «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ كَانَ مَفْزَعُكُمْ» | 127 |
| «يَا عَمْرُو اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلاَحَكَ» | 128،289 |
| «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ | 330 |
فهرس الآثار
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الأثر | الصفحة |
|---|---|
| «أَرْسَلَ إِلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ» | 77 |
| «أَمَا إِنِّي لاَ أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ» | 237 |
| «إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمداً» | 38 |
| «إن الله نظر في قلوب العباد» | 30 |
| «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام» | 160 |
| «إنما سمي الإنسان إنساناً» | 80 |
| «إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان» | 47،71 |
| «أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه» | 39 |
| «بلغ عليا أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية» | 71 |
| «رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد» | 370 |
| «رَأَيْتُنِي عَلَى تَلٍّ كَأَنَّ حَوْلِي بَقَرًا تُنْحَر» | 72 |
| «رحمة الله عليك أبا محمد» | 47 |
| «كان عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس يجلسان للناس» | 360 |
| «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ» | 48،82 |
| «لاَ وَاللَّهِ، مَا أَحَبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا يُشَاكُ فِي مَكَانِهِ بِشَوْكَةٍ» | 43 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| «ما رأيت مجلسا قط أكرم من مجلس ابن عباس» | 360 |
| «ما قاتلت عليا إلا في أمر عثمان» | 208 |
| «ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً» | 131 |
| «من كان منكم متأسيا فليتأسّ بأصحاب محمد» | 30 |
| «يا أخي، إني أقدم على أمر عظيم» | 237 |