بذل الإخلاص في سيرة عمرو بن العاصالصفحة المطبوعة 206
هو حول الخلافة ومن هو أحق بها، وليس هذا هو الخلاف، إنما الخلاف الحقيقي المعروف والمتفق عليه بين جميع المؤرخين كان سببه أخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، فقد ظن معاوية رضي الله عنه أن علياً رضي الله عنه قد قصّر فيما يجب عليه من القصاص لعثمان بقتل قاتليه، ومن ثمّ رفض بيعته وطاعته؛ إذ رأى القصاص قبل البيعة لعلي رضي الله عنه، وهو وليّ الدم؛ لقرابته من عثمان.
وبموقف معاوية هذا في الامتناع عن البيعة انتظاراً للقصاص من قتلة عثمان، ولعدم إنفاذ أوامره في الشام أصبح معاوية رضي الله عنه ومن تبعه من أهل الشام في نظر علي رضي الله عنه في موقف الخارجين على الخلافة؛ إذ كان رأيه أن بيعته قد انعقدت برضاء من حضرها من المهاجرين والأنصار بالمدينة، ولزمت بذلك بقية المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية. ولذلك رأى أن معاوية ومن معه من أهل الشام بُغاة خارجون عليه، وهو الإمام منذ بُويع بالخلافة، فقرّر أن يُخضعهم ويردّهم إلى حظيرة الجماعة ولو بالقوة.
وفهم الخلاف على هذه الصورة وهي صورته الحقيقية يبين إلى أي مدى تخطئ الرواية السابقة عن التحكيم في تصوير قرار الحكمين. إن الحكمين مفوضان للحكم في الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنه، ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما، وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان رضي الله عنه، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء، فإذا ترك الحكمان هذه القضية الأساسية، وهي