الكوكب الدُّرِّي في سيرة أبي السِّبطين علي رضي الله عنهالصفحة المطبوعة 55
هجرة علي رضي الله عنه
لما أصبح علي رضي الله عنه، قام عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفه القوم وتأكدوا من نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لعلي: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، أَوَ رقيباً كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج. وضاق القوم بتلك الإجابة الجريئة، وغاظهم خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وقد عموا عنه فلم يروه، فانتهروا علياً وضربوه، وأخذوه إلى المسجد فحبسوه هناك ساعة، ثم تركوه(129) .
وتحمل علي رضي الله عنه ما نزل به في سبيل الله، وكان فرحه بنجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم عنده من كل أذى نزل به، ولم يضعف ولم يخبر عن مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وانطلق علي في مكة يجوبها باحثاً عن أصحاب الودائع التي خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلها، وردها إلى أصحابها، وظل يرد هذه الأمانات حتى برئت منها ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك تأهب للخروج ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ليال قضاهن في مكة(130) .
وكان علي رضي الله عنه في أثناء هجرته يكمن بالنهار، فإذا جن عليه الليل سار حتى قدم المدينة، وقد تفطرت قدماه(131) وهكذا يكون علي رضي الله عنه، قد لاقى في هجرته من الشدة ما لاقى، فلم تكن له راحلة يمتطيها، ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس، وفي مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة، ولو أضفنا إلى ذلك أنه رضي الله عنه قد قطع الطريق على قدميه دون أن يكون معه رفيق يؤنسه، لعلمنا مقدار ما تحمله من
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.