الكوكب الدُّرِّي في سيرة أبي السِّبطين علي رضي الله عنهالصفحة المطبوعة 54
يتثبتوا من هويته، وقد يباغتونه وهو خارج في الصباح من غير أن يتبينوا من هو، والقوم يتربصون به طوال الليل يترقبون هذه اللحظة وقد بلغ منهم الجهد كل مبلغ، فأصبحوا غير قادرين على التأكد من شخصية الخارج من الدار، أهو محمد صلى الله عليه وسلم أم رجل آخر؟
لابد أن ذلك كله قد دار في عقل علي رضي الله عنه، لكنه بادر وسعد بالتنفيذ فهو أولاً: يحب الله ورسوله حباً ملك عليه قلبه، فجعل سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم هدفه الأسمى، ولو كلفه ذلك التضحية بحياته.
ثانياً: هي عملية لابد منها لكي يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم سالماً من تدبير الأعداء، حتى يتمكن من نشر الإسلام في كل مكان، فالأمر إذن يتعلق بمصلحة الإسلام أولاً وثانياً.
وقد نام علي رضي الله عنه في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل هذه التوقعات، وهذا دليل على عمق إيمانه بقضاء الله وقدره، فهو بحق مؤمن بقوله تعالى: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(127) ﴾ .
وإننا لنلمح في اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي - ليقوم بهذا الدور الخطير- ثقة تامة لا تعدلها ثقة، واطمئناناً إلى قدرات خاصة امتاز بها علي رضي الله عنه قد لا تتوافر في غيره، فإنه لم يتردد حين دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم لينام على فراشه، وهو يعلم أنه ليس وراء ذلك إلا الموت الذي أعد له المشركون أشجع فتيان قريش، ولم يسمح لنفسه أن يفكر في العاقبة، لأنه يعلم أنه حين يكون فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينال بذلك شرفاً لا يناله بغير هذا الطريق(128) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.