العشرة المبشرون بالجنة: قبسات ولمحاتالصفحة المطبوعة 230
تركب، وإذا أتاك نهاراً أن لا تُمسي حتى تركب إليَّ، فلما قرأ الكتاب قال: قد عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي مَن ليس بباق، ثم كتب: إني قد عرفت حاجتك التي عرضت لك فحلِّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين فإني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد كتب إليه عمر إن الأردن أرض عمقة، وإن الجابية أرض نزهة(576) فاظهر بالمسلمين إلى الجابية، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: هذا يُسمع فيه أمر أمير المؤمنين ونطيعه، فأمرني أن أركب وأبوئ الناس منازلهم، فقلت: إني لا أستطيع، قال: لم لعل المرأة قد طعنت؟ قلت: أجل، فذهب ليركب، فوجد وخزة فطعن، فتوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون(577)
إن الإيثار يأبى أن يفارق أبا عبيدة رضي الله عنه حتى في آخر أيام حياته، فنجده لا يضن بنفسه ويؤثر الباقية على الفانية، ويختار أن يموت مع عامة المسلمين كما عاش بينهم، إنها العظمة لا غير، والرضا بقدر الله تعالى.
كانت هذه قبسات مضيئة من سيرة أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، تلك السيرة العطرة لعظيمٍ من عظماء الأمة، وقائدٍ من قوادها، لرجلٍ باع نفسه لدينه، وانقطع عن كل شيء حوله ووصل نفسه بربه، فتقبَّله ربه قبولاً حسناً، وأشعره برضاه، وطمأنه بالجنة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.
فهنيئاً لك يا ابن الجراح الجنة فتمتع فيها وتمنى، فضلاً من ربك أعطاه كي تشكر بك ذا المنة.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.