حكاية كسر ضلع الزَّهراء رضي الله عنها وإسقاط جنينها في ميزان النقد العلمي
حكاية كسر ضلع الزَّهراء رضي الله عنها وإسقاط جنينها
في ميزان النقد العلمي
د.سعد بن راشد الشنفا حافظ أسدرم
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر
نوع المطبوع: كتاب - الطبعة الأولى - عدد الصفحات: 472
السلسلة: مرويات تحت المجهر (6) - الناشر: مبرة الآل والأصحاب - ردمك: ISBN 978-99966-64-81-6
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
1445 هـ / 2023 م
مراجعة مركز البحوث والدراسات بالمبرة
هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
الفهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| العنوان | الصفحة |
|---|---|
| مقدمة |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المبرة | 17 |
| مقدمة الكتاب | 21 |
| الدراسات السابقة | 25 |
| منهج البحث | 27 |
| تمهيد | 29 |
| نبذة عن سيرة السيدة فاطمة رضي الله عنها ومناقبها | 31 |
| فضائلها، وخصائصها | 35 |
| منزلة السيدة فاطمة رضي الله عنها في تراث أهل السنة | 37 |
| المصنفات المفردة في فاطمة رضي الله عنها عند أهل السنة | 39 |
| أسطورة كسر الضلع وتحرير محل النزاع فيها | 43 |
| تاريخ نشأة أسطورة كسر الضلع وتطورها | 44 |
| المؤلفات الأولى المصنفة في إثبات أسطورة كسر الضلع | 62 |
| كتاب «ملاحظات على منهج السيد محمد حسين فضل الله» لياسين الموسوي | 62 |
| كتاب «ظلامات فاطمة» لعبد الكريم العقيلي | 63 |
| كتاب «مأساة الزهراء شبهات وردود» لجعفر مرتضى العاملي ( 1441 هـ) | 63 |
| كتاب «إحراق بيت فاطمة» لحسين غيب غلامي | 64 |
| كتاب «الفضيحة» لمحمد مرتضى | 64 |
| كتاب «جاء الحق» لمحمد أبي السعود القطيفي | 65 |
| كتاب «حوار مع فضل الله حول الزهراء» لهاشم الهاشمي | 65 |
| كتاب «الحوزة العلمية تدين الانحراف» لمحمد علي الهاشمي المشهدي |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 66 | |
| كتاب «الهجوم على بيت فاطمة» لعبد الزهراء مهدي | 66 |
| كتاب «الحجة الغراء على شهادة الزهراء» للمرجع جعفر السبحاني | 67 |
| حكاية كسر الضلع بين العقيدة والتاريخ | 68 |
| لوازم الاعتقاد بأسطورة كسر الضلع | 75 |
| الأمر الأول: دعوى إكراه علي رضي الله عنه على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه | 75 |
| الأمر الثاني: اتهام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنصب العداء لآل البيت | 76 |
| الأمر الثالث: دعوى مظلومية فاطمة رضي الله عنها وآل البيت رضي الله عنهم | 78 |
| دراسة روايات كسر الضلع | 80 |
| القسم الأول: الروايات المسندة | 86 |
| ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم | 87 |
| 1 -رواية كتاب سُليْم بن قيس | 87 |
| دراسة سند الرواية | 87 |
| المسألة الأولى: تحقيق حال سليم بن قيس | 88 |
| القول الأول: أن سليم بن قيس شخصية خيالية مختلقة | 88 |
| القول الثاني: أن سليم بن قيس ضعيف | 89 |
| القول الثالث: أن سليم بن قيس ثقة | 89 |
| تحقيق حال الكتاب المنسوب إلى سليم بن قيس | 92 |
| القول الأول: أن كتاب سليم بن قيس لا يثبت | 92 |
| القول الثاني: أن أصل كتاب سليم ثابت لكن الكتاب تعرض للدس والتدليس | 95 |
| القول الثالث: أن كتاب سليم معتمد ومعتبر | 99 |
| إشكال مهم حول روايات كسر الضلع في كتاب سليم بن قيس | 102 |
| 2 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| -رواية الأمالي | 103 |
| دراسة سند الرواية | 104 |
| التنبيه على أوهام وفيق سعد العاملي في كتابه «أين الإنصاف» | 108 |
| تنبيه على تمويه جعفر مرتضى العاملي في كتابه مأساة الزهراء | 109 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 112 |
| القول الأول: القائلون بضعف الرواية | 112 |
| القول الثاني: القائلون بصحة الرواية | 113 |
| مناقشة متن الرواية | 113 |
| 3 -رواية كامل الزيارات | 114 |
| دراسة سند الرواية | 114 |
| مناقشة متن الرواية | 116 |
| ما نُسب إلى علي رضي الله عنه | 117 |
| 4 -رواية كتاب سليم بن قيس الأولى | 117 |
| دراسة سند الرواية | 117 |
| حكم علماء الإمامية على الرواية | 118 |
| 5 -رواية كتاب سليم بن قيس الثانية | 118 |
| دراسة سند الرواية | 118 |
| حكم علماء الإمامية على الرواية | 118 |
| ما نُسب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه | 119 |
| 6 -رواية كتاب سليم بن قيس | 119 |
| دراسة سند الرواية |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 120 | |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 121 |
| مناقشة متن الرواية | 121 |
| ما نسب إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه | 124 |
| 7 -رواية دلائل الإمامة | 124 |
| دراسة سند الرواية | 124 |
| المسألة الأولى: التعريف بابن جرير الطبري وكتاب دلائل الإمامة المنسوب له | 125 |
| المسألة الثانية: رأي علماء الإمامية في كتاب دلائل الإمامة | 133 |
| المسألة الثالثة: دراسة سند الكتاب | 136 |
| المسألة الرابعة: دراسة حال رواة الإسناد | 137 |
| ما نسب إلى سعيد بن المسيب | 138 |
| 8 -رواية المجلسي عن كتاب دلائل الإمامة | 138 |
| دراسة سند الرواية | 140 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 149 |
| مناقشة متن الرواية | 149 |
| ما نسب إلى جعفر الصادق رحمه الله | 150 |
| 9 -رواية الخصيبي ( 358 هـ) | 150 |
| دراسة سند الرواية | 153 |
| المسألة الأولى: تحقيق حال الحسين بن حمدان الخصيبي ( 358 هـ) | 153 |
| المسألة الثانية: تحقيق صحة نسبة كتاب الهداية الكبرى إلى الخصيبي ( 358 هـ) | 155 |
| المسألة الثالثة: بيان حال إسناد الرواية | 158 |
| كلام علماء الإمامية في سند الرواية |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 165 | |
| 10 -رواية كامل الزيارات | 167 |
| دراسة سند الرواية | 168 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 171 |
| 11 -رواية دلائل الإمامة | 171 |
| دراسة سند الرواية | 172 |
| إشكال حول نسبة سائر ما جاء في هذا النص إلى جعفر الصادق رحمه الله | 183 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 188 |
| 12 -رواية كنز الفوائد | 188 |
| دراسة سند الرواية | 189 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 196 |
| مناقشة متن الرواية | 196 |
| القسم الثاني: الروايات غير المسندة | 198 |
| ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم | 199 |
| 1 -رواية الطُّرَف لابن طاووس | 199 |
| دراسة سند الرواية | 199 |
| المسألة الأولى: الكلام على سند علي بن طاووس إلى كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد الضرير | 199 |
| المسألة الثانية: الكلام على بقية طرق كتاب الوصية | 200 |
| المسألة الثالثة: رأي علماء الإمامية في عيسى بن المستفاد | 203 |
| المسألة الرابعة: رأي علماء الإمامية في سند الروايات المنقولة من كتاب عيسى بن المستفاد |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 205 | |
| 2 -رواية منهاج الصلاح | 206 |
| دراسة سند الرواية | 208 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 208 |
| ما نسب إلى علي رضي الله عنه | 209 |
| 3 -رواية الكفعمي في المصباح | 209 |
| دراسة الإسناد | 209 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 209 |
| ما نسب إلى فاطمة رضي الله عنها | 213 |
| 4 -رواية الخصيبي | 213 |
| دراسة سند الرواية | 213 |
| ما نسب إلى الحسن بن علي رضي الله عنه | 214 |
| 5 -رواية الاحتجاج | 214 |
| دراسة الإسناد | 214 |
| ما نسب إلى محمد بن علي الباقر رحمه الله | 218 |
| 6 -رواية تفسير العياشي | 218 |
| دراسة السند | 218 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 219 |
| ما نسب إلى جعفر الصادق رحمه الله | 220 |
| 7 -رواية الاختصاص المنسوب للمفيد | 220 |
| دراسة سند الرواية | 220 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 223 | |
| ما نسب إلى الحسن العسكري رحمه الله | 224 |
| 8 -رواية فرحة الزهراء | 224 |
| دراسة سند الرواية | 225 |
| حكم علماء الإمامية على الرواية | 231 |
| مناقشة متن الرواية | 232 |
| 9 -رواية الطرازي | 233 |
| دراسة الإسناد | 233 |
| رأي علماء الإمامية في سند الرواية | 234 |
| مناقشة أصول روايات كسر الضلع وبيان قلة مصادرها وأسانيدها | 235 |
| تقرير ضعف سائر أسانيد روايات كسر الضلع | 239 |
| محاولة التنصل من إثبات قصة كسر الضلع بأسانيد صحيحة | 246 |
| الرد على محاولات تصحيح روايات كسر الضلع | 250 |
| دعوى ثبوت كسر الضلع بكثرة الطرق | 250 |
| دعوى ثبوت كسر الضلع بالشهرة | 252 |
| الوجه الأول: نقض دعوى الشهرة | 252 |
| الوجه الثاني: أن العبرة بالثبوت والصحة لا بمجرد الرواية والشهرة | 253 |
| الوجه الثالث: عدم اعتماد المخالفين على الشهرة في جملة من القضايا التاريخية | 254 |
| دعوى ثبوت كسر الضلع عن طريق التواتر | 255 |
| الوجه الأول: نقض دعوى تواتر روايات حادثة كسر الضلع | 256 |
| الاعتراض بعدم الحاجة إلى البحث في أحوال رواة الأحاديث المتواترة وجوابه | 262 |
| الوجه الثاني: رد بعض علماء الزيدية والإمامية لدعوى تواتر روايات كسر الضلع |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 266 | |
| دعوى ثبوت كسر الضلع بالإجماع | 267 |
| الوجه الأول: بطلان دعوى الإجماع لوجود المخالف | 268 |
| الوجه الثاني: أن الطوسي لم يصرح بوقوع الإجماع | 272 |
| الوجه الثالث: نص الإمامية على عدم الاعتداد بإجماعات الطوسي | 272 |
| ملاحظات عامة على مضامين روايات كسر الضلع | 274 |
| التعارض والتناقض بين متون روايات كسر الضلع | 274 |
| الاختلاف والتناقض في يوم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الحادثة | 280 |
| الاختلاف والتعارض في تاريخ حادثة كسر الضلع | 280 |
| الاختلاف والتناقض فيمن ضرب فاطمة رضي الله عنها | 281 |
| الاختلاف والتناقض في تعيين نسب قنفذ | 282 |
| الاختلاف في إحراق البيت من عدمه | 282 |
| الاختلاف والتناقض فيمن سبب أثر الدملج في عضد فاطمة | 283 |
| الاختلاف والتناقض في سبب إسقاط فاطمة للجنين | 283 |
| تناقض روايات كسر الضلع مع روايات التهديد والتهويل | 285 |
| إشكالات الاعتقاد بأسطورة كسر الضلع | 287 |
| الإشكال الأول: لزوم نسبة الجبن إلى علي وبني هاشم رضي الله عنهم وحاشاهم | 287 |
| بيان تهافت أجوبة الإمامية عن سبب ترك علي رضي الله عنه الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها | 293 |
| 1 -نقد دعوى ترك علي رضي الله عنه الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها لوجود وصية من النبي صلى الله عليه وسلم | 293 |
| 2 -قياس موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه في دعوى تركه الدفاع عن زوجته، بقصة النبي إبراهيم ؛ والملك الجبار | 299 |
| 3 -نقد محاولة قياسهم ما وقع في مقتل عثمان رضي الله عنه بقصة كسر الضلع | 300 |
| تناقضات جعفر مرتضى العاملي في الإجابة عن إشكال سكوت علي رضي الله عنه |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 303 | |
| الإشكال الثاني: المحسن بن علي بين القول بالولادة والإسقاط | 307 |
| الإشكال الثالث: تناقض قصة كسر الضلع مع نسبة المعجزات والولاية التكوينية إلى علي رضي الله عنه | 314 |
| نقد محاولات ادعاء وجود شواهد لقصة كسر الضلع | 318 |
| القسم الأول: روايات أهل السنة | 319 |
| أولًا: روايات التهديد بالإحراق | 319 |
| الرواية الأولى: رواية ابن أبي شيبة | 320 |
| الرواية الثانية: رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن | 328 |
| الرواية الثالثة: رواية زياد بن كليب | 330 |
| الرواية الرابعة: رواية ابن عون | 331 |
| الرواية الخامسة: خبر كتاب الإمامة والسياسة | 334 |
| ثانيا: رواية أمر أبي بكر لعمر رضي الله عنهما أن يأتيه بعلي رضي الله عنه بأعنف العنف | 348 |
| ثالثا: رواية تأسف أبي بكر رضي الله عنه على كشف بيت فاطمة رضي الله عنها | 352 |
| القسم الثاني: روايات الإمامية | 366 |
| الرواية الأولى: رواية وصف فاطمة بأنها صديقة شهيدة | 367 |
| الرواية الثانية: رواية لطم فاطمة رضي الله عنها خدها | 373 |
| الرواية الثالثة: رواية دعاء علي بن موسى الرضا رحمه الله واتهامه للشيخين بقتل ابن النبي صلى الله عليه وسلم | 381 |
| الرواية الرابعة: رواية عزم محمد بن علي الجواد رحمه الله إخراج أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من قبريهما وتحريقهما انتقاما لفاطمة رضي الله عنها | 391 |
| موقف علماء أهل السنة من أسطورة كسر الضلع | 401 |
| أبو الحسين الملطي العسقلاني ( 377 هـ) |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| 401 | |
| أبو بكر الباقلاني ( 405 هـ) | 401 |
| أبو الفتح الشهرستاني ( 548 هـ) | 402 |
| أبو العباس ابن تيمية ( 728 هـ) | 402 |
| أبو عبد الله الذهبي ( 748 هـ) | 403 |
| أبو المحاسن الواسطي (عاش في القرن التاسع) | 403 |
| أبو الخير فضل الله بن روزبهان الشيرازي | 404 |
| أحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي ( 974 هـ) | 405 |
| نصير الدين المشهور بخواجة نصر الله (عاش في القرن الثاني عشر) | 406 |
| شاه عبد العزيز الدهلوي ( 1239 هـ) | 406 |
| محمود شكري الألوسي ( 1346 هـ) | 406 |
| موقف علماء المعتزلة | 408 |
| ضرار بن عمرو (عاش في القرن الثاني) | 408 |
| أبو علي الجبائي ( 303 هـ) | 408 |
| القاضي عبد الجبار ( 415 هـ) | 409 |
| أبو الحسين البصري ( 436 هـ) | 411 |
| ابن الملاحمي الخوارزمي ( 536 هـ) | 412 |
| ابن أبي الحديد ( 656 هـ) | 412 |
| موقف علماء الزيدية | 413 |
| أبو القاسم البستي (عاش في القرن الخامس) | 415 |
| يحيى بن حمزة ( 749 هـ) | 416 |
| يحيى بن الحسن القرشي الصعْدي ( 780 هـ) | 416 |
| عبد الله بن محمد النجري ( 877 هـ) | 418 |
| عز الدين بن الحسن بن المؤيد ( 900 هـ) | 418 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| يحيى بن الحسين بن القاسم ( 1100 هـ) | 419 |
| موقف علماء الإمامية وكُتَّابهم | 421 |
| النسابة أبو الحسن العمري (القرن الخامس) | 421 |
| محمد حسين كاشف الغطاء ( 1373 هـ) | 422 |
| هاشم معروف الحسني ( 1404 هـ) | 424 |
| المرجع محمد حسين فضل الله ( 1431 هـ) | 425 |
| محمد الحسيني | 428 |
| نجيب نور الدين | 428 |
| جعفر الشاخوري البحراني | 430 |
| حسن العلوي | 430 |
| أحمد الكاتب | 432 |
| محمد حسن ترحيني العاملي | 433 |
| ياسر عودة | 434 |
| خاتمة | 436 |
| المصادر والمراجع | 441 |
| الفهارس العلمية | 451 |
| فهرس الروايات | 451 |
| فهرس الرواة | 460 |
| فهرس الكتب المنتقدة | 464 |
| فهرس الفوائد | 465 |
مقدمة المبرة
الحمد لله الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء؛ المنفرد بقدرته، المتعالي في سلطانه؛ البادئ بالإحسان، العائد بالامتنان؛ الدال على بقائه بفناء خلقه، وعلى قدرته بعجز كل شيء سواه؛ المغتفر إساءة المذنب بعفوه، وجهل المسيء بحلمه؛ الذي جعل معرفته اضطراراً، وعبادته اختياراً؛ وخلق الخلق من بين ناطق معترف بوحدانيته، وصامت متخشع لربوبيته؛ لا يخرج شيء عن قدرته، ولا يعزب عن رؤيته، الذي قرن بالفضل رحمته، وبالعدل عذابه؛ فالناس مدينون بين فضله وعدله، آذنون بالزوال، آخذون في الانتقال؛ من دار بلاء إلى دار جزاء.
نحمده على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته؛ فإنه رضي الحمد ثمناً لجزيل نعمائه، وجليل آلائه؛ وجعله مفتاح رحمته، وكفاء نعمته، وآخر دعوى أهل جنته، بقوله جلّ وعزّ: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(1) .
وصلى الله على سيدنا محمد النبي المكرّم، الشافع المقرّب، الذي بُعث آخراً واصطِفي أولاً، وجعلنا من أهل طاعته، وعتقاء شفاعته(2) .
أما بعد
فإنه من دواعي الغِبطة والامتنان أن يوفقنا الله تبارك وتعالى إلى الاشتغال بتراث الآل والأصحاب عناية وتحقيقاً وتنقيحاً، واستخراجاً للنُكت والفوائد والعِبر من مظانها.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
نذكر ذلك حامدين مُصلين، وشاكرين خاضعين، راجين أن نكون ممن قال فيهم النبي المصطفى صلوات الله ربي وسلامه عليه: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته»(3) .
ويأتي إخراج هذا الكتاب الذي بين يديك – أيها القارئ الكريم – كمفردة من مفردات عملٍ دؤوب لمركز البحوث والدراسات بمبرة الآل والأصحاب في سياق تنقيح المرويات التاريخية المتعلقة بالآل والصحب.
فإن الرزية كل الرزية، ما حال بين المسلمين وبين وحدتهم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولزومهم العقيدة الصحيحة النقية التي تركهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا لكثرة الموضوعات والأباطيل، خاصة في التراث الروائي والمدونات التاريخية، فكان من اللازم أن ينطق العالم بعلمه، وأن يُكفَّ العامة والسوقة وأهل الأهواء والبدع عن استغلال هذه الأباطيل في دعاياتهم الكاذبة الخاطئة.
ولقد قال الحافظ ابن الجوزي، ولِنعم ما قال: «وقد كان قدماء العلماء يعرفون صحيح المنقول من سقيمه، ومعلوله من سليمه، ثم يستخرجون حكمه ويستنبطون علمه، ثم طالت طريق البحث من بعدهم فقلدوهم فيما نقلوا، وأخذوا عنهم ما هذبوا، فكان الأمر متحاملاً إلى أن آلت الحال إلى خلفٍ لا يفرقون بين صحيح وسقيم، ولايعرفون نسراً من ظليم، ولا يأخذون الشيء من معدنه، فالفقيه منهم يقلّد التعليق في خبر ما غبرَ خبرُه والمتعبد ينصب لأجل حديث لا يدرى من سطَّره، والقاصُّ يروي للعوام الأحاديث المنكرة، ويذكر لهم ما لو شم ريح العلم ما ذكره، فيخرج العوام من عنده يتدارسون الباطل،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 19فإذا أنكر عليهم عالم قالوا: قد سمعنا هذا بـ (أخبرنا) و(حدثنا)، فكم قد أفسد القصَّاص من الخلق بالأحاديث الموضوعة، كم لونٍ قد اصفرَّ بالجوع، وكم هائم على وجهه بالسياحة، وكم مانع لنفسه ما قد أُبيح، وكم تارك رواية العلم زعماً منه مُخالفة النفس في هواها في ذلك، وكم موتم((4) )أولاده بالتزهد وهو حي، وكم معرض عن زوجته لا يوفيها حقها فهي لا أيم ولا ذات بعل»(5)
ولأن العمل البشري عرضة للنقد، لاختلاف الرؤى والمشارب، ولنزوع النفس البشرية إلى النقص بطبيعتها كما يقول القاضي عبد الرحيم البيساني في كتابه الذي أرسله إلى العماد الأصفهاني معتذراً عن كلام استدركه عليه: «إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا؟ وها أنا أخبرك به، وذلك أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر»(6) .
وقد حكى الربيع بن سليمان عن الإمام الشافعي أنه قرأ عليه (الرسالة المصرية) نيفاً وثلاثين مرة، فما من مرة إلا كان يصحح فيها ما في تلك النسخة، حتى قال في آخره:« أبى الله أن يكون كتاباً صحيحٌ غير كتابه، يدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾(7)(8) » .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فما كان هذا حاله، كان الإعذار لصاحبه مطلوبًا، والاغتفار لخطئه محمودًا، واللبيب من عذر.
كما قال الحافظ ابن رجب: «ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه»(9) .
وإنا بهذا كله نؤكد بأنَّ هذا العمل، رغم الجهد المبذول فيه، لن يبلغ العصمة، ولكن حسبنا منه أن نكون قد رمينا بنبل في هذا الميدان، وأن نكون قد جرينا بشرف في هذا المضمار.
والله تعالى نسأل، وهو الموفق للخير كله، أن يوفقنا لما فيه رضاه، وأن يجعل عملنا هذا في مرضاته، خالصًا له ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مبرة الآل والأصحاب
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مقدمة الكتاب
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.
وبعد:
فإننا نضع بين يدي القراء والباحثين المهتمين بتراث الآل والأصحاب هذا البحث الذي بذلنا فيه وسعنا في تتبع وسبر الأخبار التي تُروى وتُحكى عن حكاية كسر ضلع فاطمة رضي الله عنها، وهي تلك القصة التي تتلى في المنابر وتُردَّد في المجالس في كل سنة، فيزعم القصَّاصون أن
أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، قصدوا بيت علي رضي الله عنه بعد أن بويع لأبي بكر بالخلافة وكان علي يأبى البيعة، فلما بلغوا بيت علي رضي الله عنه أمروه أن يبايع
أبا بكر وإلا دخلوا عليه البيت، فأبى علي رضي الله عنه واحتمى ببيته، وفي البيت فاطمة رضي الله عنها، فهجم عمر رضي الله عنه ومن معه على الباب، وأضرموا النار فيه، وكانت فاطمة رضي الله عنها خلف الباب لتمنعهم من الدخول، فدفع عمر الباب فكسر ضلع فاطمة وأسقطت المحسِّن الذي كان جنينًا في بطنها، ثم أخرجوا عليًا من البيت وأجبروه على البيعة، ثم إن فاطمة رضي الله عنها مرضت إثر ذلك، وبقيت مريضةً إلى أن توفيت بسبب هذه الواقعة.
هذا ملخص تلك الأكذوبة الشنيعة التي تسللت إلى التراث الروائي القديم، ثم رُكِّبَ لها أسانيد، وصارت تُنسب إلى خيار الصحابة وآل البيت، وهي في حقيقتها ليست إلا أحدوثة مكذوبة وخرافة موضوعة،
PDF 22أريد بها إحداث شرخ بين الصحب والآل، وإظهار الصحابة بمظهر الظالمين المعتدين الذين لا يرقبون في بنت النبي صلى الله عليه وسلم إلًّا ولا ذمةً، وتصوير آل البيت بصورة المظلومين المقهورين الذين تحرَّق عليهم بيوتهم ويعتدى على أزواجهم، إنها صورة مفتراة مكذوبة، تخالف الحقائق الجلية والوقائع المقطوع بصحتها.
فهل يُعقل أن تقع مثل هذه الواقعة الفظيعة، ولا يترتب عليها أي شيء سوى أن يسكت علي رضي الله عنه ويصبر على ما لقيه من الأذى، ويترك زوجته تهان وتضرب، وتكسّر أضلاعها، ويقتل جنينها في بطنها؟
وهل يتصور في أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي عُرف عنه أنه ما أجبر أحدًا قطُّ على بيعته، وكان من أرقِّ الصحابة قلبًا، أن يأمر بالاعتداء على بضعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليه ؟.
وهل يصدِّق أحد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يضرب بعدله المثل، يصدرُ منه مثل هذا الفعل الشنيع ويؤذي بنت النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف تارةً وبالسوط تارةً كما يزعمون؟.
لا شك أن أي عاقل لا يرتاب في بطلان مثل هذه الحكايات الزائفة، لكن بعض الناس قد يصدقون بأمثال هذه الخرافات عندما يرونها تروى في الكتب، وتحكى في المجالس، لأنهم لا يدرونكيف يميزونبين صحيح الأخبار وسقيمها، ولأجل ذلك كان هذا البحث الذي أردنا فيه أن نبين للناس حقيقة هذه الحكاية من خلال دراستها ونقدها.
فإذا تبين من خلال البحث والتحقيق أن هذه القصة التي يظن بعض الناس أنها من المسلمات، ليس إلا محض أسطورة مصنوعة، وحكاية مفتراة وموضوعة، فلا شك
PDF 23أن هذا سيفتح لمن يغتر بأمثال هذه الأكاذيب بابًا للتأمل والنظر والبحث في كثير من المسائل والقضايا التي يظن أنها حقائق ثابتة، وهي ليست عند التحقيق إلا أوهامًا وظنونًا.
وقد كان أصل هذا البحث مقالات وأبحاث للدكتور سعد الشنفا، تتبع فيها عامة ما روي من أخبار حكاية كسر ضلع فاطمة رضي الله عنها، وبيَّن مواضع الخلل في أسانيدها، واستوفى الكلام عن طُرقها، وهذه الأبحاث منشورة ومنثورة في الشبكة العنكبوتية والمنتديات الحوارية، لكنها كانت متفرقة وغير مرتبة، كما أن الأسلوب الذي كتبت به كان يناسب الحوارات والسجالات، فمن هاهنا جاءت فكرة إفراد هذا البحث في دراسة مستقلة، حتى لا يضيع الجهد الكبير الذي بُذل في بحث هذه المسألة.
وبفضل الله كانت النتيجة أن صدر هذا البحث بهذه الصورة، حيث قمنا بجمع ما تفرق من مقالات في الشبكة العنكبوتية، وأعدنا صياغتها وترتيبها بحسب المنهج المعتمد في تخريج الروايات، ثم أضفنا إلى ذلك مناقشة متونها، وبيان أوجه التناقض والاختلاف بينها، كما أننا عرَّجنا على بعض الروايات التي لا علاقة لها بهذه الواقعة، لكن كثيرا من المخالفين دأبوا على الاستدلال بها، فقمنا بالتعرض لأشهرها حتى يكون البحث مستوفيا للجواب عن أهم الاعتراضات والاستدلالات التي تُذكر لإثبات حصول هذه الأسطورة.
إننا حينما نبين حقيقة هذه القصة وأنها من الخرافات والأكاذيب التي ينبغي أن تطوى ولا تروى، إنما نريد بذلك الدفاع عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قبل الصحابة رضي الله عنهم، وذلك أن أعظم الإساءة لعلي رضي الله عنه أن يصوَّر بصورة الرجل الذي يعجز عن دفع الأذى عن زوجته حتى تؤذى وتهان مع كامل قدرته على الذب عنها،
PDF 24ويترتب على ذلك إسقاط جنينها، فلا يظنن ظان أن الهدف من ذلك هو الإساءة إلى معتقدات وأفكار طرف ما، وإنما نرى أن تنزيه الصحابة وآل البيت عن الأكاذيب والموضوعات وتصفية تاريخهم من أخبار الوضاعين والكذابين من الأخباريين هو من أوجب الواجبات التي ينبغي صرف الهمم إليها.
هذا وقد حاولنا الإيجاز وعدم التوسع والاختصار في هذا البحث، فقصرنا الكلام على مهمات الأمور وأصول الروايات، ولم نتوسع في الرد على كل ما كتب وقيل حول هذه القضية، وإنما ركزنا على ما له تعلق بمحل البحث، وهو حكاية الاعتداء على الزهراء رضي الله عنها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، وإلا فلو تتبعنا سائر ما يكتب ويقال في هذا الباب لكبر حجم الكتاب.
ثم إننا نود أن نتقدم بالشكر لكل قام بمراجعة هذا الكتاب وإبداء الملاحظات حول مادته العلمية، سواء من الإخوة في مركز البحوث والدراسات في المبرة أو غيرهم من المشايخ الذين تفضلوا علينا بوقتهم لقراءة الكتاب، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
وفي الختام نقدم هذا الجهد للقراء، ونحن نرجو أن نكون قد أوفينا هذه القضية حقها من البحث، وأن تكون هذه الرسالة مرجعا جامعا لشتات هذه القضية.
المؤلفان
د.سعد بن راشد الشنفا حافظ أسدرم
الدراسات السابقة
باستثناء بعض المقالات المنثورة على الشبكة العنكبوتية، وبعض الدراسات المختصرة الموجودة في ثنايا بعض الكتب، لم نقف على دراسة مستقلة عن مسألة كسر الضلع عند أهل السنة، ووقفنا على دراسة وحيدة لها تعلق بأصل قصة الهجوم على بيت علي رضي الله عنه، وهي كتاب «التحقيق في خبر التهديد بالتحريق» تأليف محمد العمراني حلحول الحسني ، ويعد هذا الكتاب من الدراسات الفريدة والنادرة التي تعرضت لبحث رواية أسلم العدوي التي ورد فيها تهديد عمر رضي الله عنه للصحابة الذين كانوا يجتمعون في بيت فاطمة بالتحريق، حيث إن المؤلف درس هذا الخبر من جهة السند والمتن، فبدأ ببيان عدم دلالة الخبر على دعوى وقوع الهجوم على بيت فاطمة رضي الله عنها، ثم أجاب عن قضية التهديد على فرض ثبوت الخبر، ثم قام بتخريج سائر طرق هذه الرواية وبين اختلاف أهل العلم في الحكم بصحتها، وبيَّن أن مدار طرق هذا الحديث على محمد بن بشر الكوفي، عن عبيد الله بن عمر المدني عن زيد بن أسلم المدني، ولتمكن المؤلف من الصناعة الحديثية وعلم العلل، فقد انتهى بعد جمع الطرق والمقارنة بينها والرجوع إلى كلام نقاد الجرح والتعديل، إلى وجود علل قادحة في صحة الخبر، فمن العلل المهمة التي ذكرها: الإرسال، حيث أثبت أن زيد بن أسلم لم يسمع هذا الخبر من عمر رضي الله عنه، كما أنه لم يشهد الواقعة.
ومن العلل التي قدح بها المؤلف في هذا الخبر: التفرد والنكارة، حيث إن محمد بن بشر العبدي تفرد بهذا الخبر عن عبيد الله العمري دون بقية أصحابه،
PDF 26كما أن عبيد الله العمري تفرد بهذا الخبر عن زيد بن أسلم، وقد أثبت المؤلف كون هذا التفرد موجبًا للنكارة والقدح في هذا الخبر بقرائن جيدة، حيث وجد في كلام نقاد الحديث تنصيصًا على وقوع كل من عبيد الله العمري في أخطاء في الرواية عن زيد بن أسلم، وكذلك الشأن في رواية محمد بن بشر عن عبيد الله العمري ففيها أيضًا عدة أخطاء، فألحق المؤلف هذا السند بتلك الأخبار التي وقع فيها خطأ في الرواية.
ثم بعد ذلك ذكر ما يستدل به المخالفون من شواهد لهذا الخبر، وبيَّن ضعفها أيضًا.
وفي الجملة فإن هذا الكتاب قد استوفى الجواب عن خبر التهديد بالتحريق وبقية الأخبار الورادة في كتب أهل السنة والتي يستدل بها المخالفون، غير أنه لم يتعرض لروايات الإمامية، وقد استفدنا من دراسته كثيرًا، واعتمدنا على ما ذكره في الجواب عن شبهات المخالفين.
منهج البحث
قمنا بجمع وتتبع الروايات التي يُستدل بها لإثبات حادثة كسر ضلع فاطمة رضي الله عنها، وراجعنا أيضا المؤلفات المفردة في هذا الباب، وبعد أن حصرنا تلك الروايات، تبين لنا أن كثيرا منها لا تعلُق له بمحل النزاع، إذ أن بعض هذه الروايات أخبار عامة لم يرد فيها شيء عن ضرب فاطمة رضي الله عنها أو كسر ضلعها أو إسقاط جنينها، لذلك استبعدنا عامة الأخبار التي لا دلالة فيها على المطلوب، سوى عدة روايات يتكرر استدلال المخالفين بها، فأفردناها في بحث مستقل حتى نستوفي الجواب عن أهم استدلالاتهم.
وعندما تأملنا في أخبار كسر الضلع، وجدنا أنها على صنفين، صنف مروي بالإسناد، وصنف ثان لا إسناد له،فقسمناها إلى صنفين:
الصنف الأول: أخبار تروى بالإسناد، والصنف الثاني: أخبار لا إسناد لها، فقسمناها إلى قسمين، قسم للأخبار المروية بإسناد وقسم للأخبار المروية بلا إسناد، وقدَّمنا دراسة الروايات المسندة على غير المسندة.
ثم إننا سلكنا في دراسة أحوال الرواة المنهج السائد في علم الرجال الإمامي، والقائم على الاعتماد على نصوص علماء الرجال المعتمدين عندهم في تعديل الرواة وتجريحهم، واعتبار مرتبة الراوي من جهة الوثاقة والضعف هي مدار الحكم على أسانيد الروايات.
ولم يكن مسلكنا واحدا أثناء البحث في أحوال الرواة، خاصة في الرواة المختلف في وثاقتهم وضعفهم، حيث إننا نتوسع في بعض الأحيان في تتبع أقوال علماء الرجال والموازنة بينها، كما أننا تعمدنا الاستطراد في الكلام عن أحوال بعض الرواة، وذلك للتنبيه على أن تتابع علماء الرجال على تضعيف وتوهين راو ما، دليل واضح على شذوذ القول المخالف لهم.
وختمنا كلامنا على إسناد كل رواية بإيراد أحكام علماء الإمامية على إسنادها إن وجد.
كما أننا عرجنا على متون كثير من الروايات التي ذكرناها، وبيَّنا أوجه الخلل فيها ما أمكن ذلك، غير أن بعض الروايات التي أوردناها لم نناقش متونها لكونها روايات مختصرة وقصيرة، وبعضها لا يرد فيه سوى أن ضلع فاطمة كُسر وأن جنينها أُسقط دون ذكر التفاصيل، فهذا الضرب من الروايات لم نتعرض لمناقشة متونها، بل تركنا ذلك لمبحث مستقل فيما بعد، بيّنا فيه أوجه الخلل في تلك الروايات بصورة عامة تغني عن تكرار ذلك بعد كل رواية.
كما أننا في بعض الأحيان نتعرض للرد على بعض من خالفنا في حكمنا على الروايات، وذلك إن رأينا فائدة في ذلك، وإلا فلو أردنا التعرض لكل ما يستدل به من أجل إثبات صحة هذه الروايات لزاد حجم هذا البحث دون ترتب كبير فائدة على ذلك، خاصة أن عامة ما يذكر من الاستدلالات لتصحيح بعض الروايات أو الرواة هو مبني على مسالك الأخباريين من الإمامية، ومعلوم أن منهجهم متساهل في قبول الأخبار، كما أنه مرفوض في عامة الأوساط العلمية الإمامية اليوم.
تمهيد
إن أسطورة اعتداء الصحابة الكرام رضي الله عنه على بضعة النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها وما ترتب على هذا العدوان المزعوم من كسر ضلعها وإسقاط جنينها، هي من القصص المكذوبة التي صارت اليوم عند بعض الناس من المسلمات التاريخية، على الرغم من عدم ثبوت هذه الخرافة بأي وجه من وجوه الصحة، سواء من جهة السند أو المتن أو التاريخ، أو سواء من جهة غلبة الطابع الأسطوري على تفاصيلها، فضلًا عما تضمنته هذه القصة المكذوبة من إساءة بالغة لأهل البيت والصحابة، فإن مقتضى هذه الأسطورة أن صفوة هذه الأمة من الصحابة الأخيار رضي الله عنهم تجرؤوا على ابنة النبي صلى الله عليه وسلم على رؤوس الأشهاد، وأحرقوا دارها وضربوها، وكسروا ضلعها، وأسقطوا جنينها، ثم يسكت على ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيدرة الشجاع البطل ويتواطأ معه سائر بني هاشم وسادة قريش وصناديدها المقدمون، على السكوت وعدم المطالبة بحقهم في القصاص، ومعهم بقية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومثل هذه الحادثة لا يمكن أن تتفق لجماعة من الناس ممن دون العشَرة، فكيف يحدث هذا في أمة من الناس تعد بالآلاف، ولا ينطق أي أحد منهم بإنكارٍ على هذا العدوان المزعوم؟.
وهذا كما قال الإمام الذهبي في دعوى كتم الصحابة للنص على علي رضي الله عنه: «لو جاز هذا على واحد، لما جاز على جماعة، ولو جاز وقوعه من جماعة، لاستحال وقوعه والحالة هذه من ألوف من سادة المهاجرين والأنصار»(10) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولا شك أن العاقل والفطن لا ينخدع بمثل هذه الأكاذيب والخرافات، غير أن الناظر ليعجب كيف راجت هذه القصة على كثير من العوام حتى صارت تحكى في مجالس مخصوصة في كل سنة، فيسرد الخطباء تلك القصة بتفاصيل مختلقة مصنوعة، لتلتهب عواطف العوام ويجهشوا بالصراخ والبكاء والعويل، وتترسخ في قلوبهم عداوة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم!.
لأجل ذلك كان لا بد من بحث هذه المسألة والنظر في أصلها، وتحقيق الحق فيها بدراسة رواياتها سندًا ومتنًا، وهذا ما سنحاول أن نقوم به في هذه الدراسة بعد الاستعانة بالله عز وجل، وبالله التوفيق.
نبذة عن سيرة السيدة فاطمة رضي الله عنها ومناقبها(11)
هي «سيدة نساء العالمين في زمانها، البضعة النبوية، والجهة المصطفوية، أم أبيها، بنت سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية، الهاشمية، وأم الحسنين»(12) .
اسمها:
فاطمة، وهو مشتَقٌّ من (الفَطْمِ): فطمتُ الصبي، وفطَمَتْهُ أمُّه تَفطِمه: إذا فصَلَتْه عن رضاعها، وغُلامٌ فَطِيم ومفطوم، وفطمتُ فلانًا عن عادته.
كنيتها:
ذكَرَ جمعٌ من المحدِّثين والمؤرِّخين أنَّ كُنيَتَها: «أمُّ أبيها».
ومع أن ابنها الكبير هو الحسن، فلم أجد مَن ذكر كنيتَها: «أم الحسن»، إلا ابن حجر في «التقريب».
وقال الذهبي: أم أبيها .... وأم الحسنين. وقال السخاوي: «أم الحسنين».
وقال السفاريني: تُكنى بابنيها الحسَن والحُسَين.
والأمر في باب الكنى عند العرب واسع جدًا، فقد يكون للمرء أكثر من كنية، وقد يكتني باسم ليس في أحد من أبنائه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لقبها:
ذكر أهل العلم عدة ألقاب لها
ومنها: السَيِّدة، وهذا أصح لقب لها، مأخوذ من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- بأنها سيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء أهل الجنة.
وتُلقب أيضا بالزهراء، وأول من وقفت عليه ذكر هذا اللقب: ابنُ حبان (ت 354 هـ)(13) ، ثم بعده عددٌ غفيرٌ من العلماء.
والأزهر: الأبيض المستنير، والزهر والزهرة: البياض النيِّر، وهو أحسن الألوان، والزهراء: المرأة المشرقة الوجه، والبيضاء المستنيرة المُشْرَبة بحمرة، ويقال: الليالي الزهر: أي الليالي البيض.
وجاء في صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، وفاطمة ممن تشبه أباها صلى الله عليه وسلم.
مولدها:
وُلِدَتْ فاطمة رضي الله عنها قبل مَبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، وعُمرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خمس وثلاثون سنة. هذا هو الراجح، وقيل: ولدت قبل المبعث بسنة أو سنتين.
ترتيبها بين أخواتها:
فاطمة، هي صغرى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وترتيبهن كما يلي: زينب، ثُمَّ رقية، ثُمَّ أم كلثوم، ثُمَّ فاطمة رضي الله عنهن .
نشأتها:
لمعرفة نشأتها معرفةً كامِلةً، يكفي أنْ تعلَمَ أنها نشأتْ في بيت والدِها رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، هذا يكفي لِيَعلمَ المرءُ عِلمًا يقينًا لا شكَّ فيه مبلغ العلم والهدى
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 33والعبادة والتربية والسكينة والخيرات المتعددة التي أكرم الله بها بنات النبي صلى الله عليه وسلم سواء قبل زواجهن في مكة، أو بعده في المدينة النبوية.
فإذا أضفتَ إلى ذلك أن أُمَّهُنَّ السيدةَ الكاملةَ العاقلةَ الرزينة المؤمنة أمَّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها كان هذا خيرًا على خير عظيم.
فإذا أضفت إلى ذلك أيضًا أن فاطمة من بين أخواتها كانت ملازمة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، شَهدَتْ مراحِلَ الدعوة كلَّها، وبعضَ غزواته، وكان بيتُها بعد زواجها مجاورًا لبيتِ النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الوحيدة التي بقيت بعده، عَلِمْتَ أنها امتلأت حِكمةً وإيمانًا وعِلمًا وتَربية رضي الله عنهن أجمعين .
هجرتها:
عُمرها عند هجرتها نحو ثمان عشرة سنة، بناء على الراجح في مولدها قبل النبوة بخمس سنين.
هاجرت مع أختها أم كلثوم، وسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مع زيد بن حارثة، وآل أبي بكر رضي الله عنهم، لم يختلِف في ذلك المؤرِّخون.
وكانت هجرتهن بعد مَقدَمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم المدينة بنحو سبعة أشهر.
زوجها:
هو ابنُ عَمِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عليُّ بنُ أبي طالب بنِ عبدالمطلب بن هاشم القُرَشِي، أفضلُ هذه الأمَّةِ بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، هو رابع الخلفاء الراشدين، قُتل شهيدًا عام ( ٤٠ هـ) رضي الله عنه.
كان مهرُها رضي الله عنها أربعمائة وثمانين درهمًا، قوَّتها الشرائية في ذلك الزمن ( ٤٨ ) شاةً.
وكان جهازها: خَميلًا، وهو كِسَاءٌ فيه لِين، وقِربةً، وفي رواية سِقاء،
PDF 34وَوِسادةً من جِلْد حشْوُها لِيفُ الإذْخِر، ورَحْيَيْن، تثنية رحى، وهي: التي يُطحن بها، وجرَّتين وهما إناءان من فَخار، ويُقال أيضًا: سريرًا مُزيَّنًا بحِبال من خُوص أو لِيف، وإناءً من جِلْد، وقِطعةً من أقط.
أوْلَمَ عليٌّ رضي الله عنه في زواجِه، وساعدَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بآصُعٍ من تمر وشعير، وكذا ساعدَه الصحابةُ رضي الله عنهم، فقدَّمَ سعدُ بنُ معاذ كَبشًا، وقدَّم الأنصارُ آصُعًا من ذُرَةٍ.
أولادها:
الحسن، والحسين، ومحسِّن، وأم كلثوم، وزينب رضي الله عنهم.
وَلَدَتْ الحسن: في النصف من شهر رمضان، (سنة ٣ هـ).
ووَلَدَتْ الحسين: لخمس ليال خلون من شعبان، (سنة ٤ هـ).
وأمَّا أم كلثوم: فلَمْ يُحدد بالضبط تاريخُ ولادتها، قال ابن عبدالبر: وُلِدَتْ قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الذهبي: وُلِدَتْ في حدود سنة ست من الهجرة، ورأَتْ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ولم تَروِ عنهُ شيئًا.
وأما زينب: فكذلك لم يُحَدَّد تاريخ ولادتها، قال ابن الأثير: وُلِدَتْ في حَيَاتِهِ، ولم تَلِدْ فاطمةُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ وفاتِهِ شيئًا.
وأما مُحَسِّن فمات صغيرًا على قول عامة أهل العلم، وقيل إنه سقط، وهو قول ضعيف(14) .
وقد انحصر عقب فاطمة رضي الله عنها في ذرية الحسن، والحسين، وزينب من عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم.
ملازمتها لأبيها صلى الله عليه وسلم ودفاعها عنه.
يُلحظ أن لِفاطمة رضي الله عنها ملازمةً خاصةً لأبيها، وحضورًا لكثير من مشاهده.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كانت بارةً بأبيها، تُناصِرُه وتَذُبُّ عنه، ففي العهد المكي، أزالت عن ظهر والدها الأذى الذي وضعه كفار قريش، وكانت تعينه.
وفي غزوة أحد ( ٣ هـ)، داوَتْ جِراحَه وأوقفَتْ الدمَ الذي يسيل على وجهه الشريف.
وكانت معه في «عمرة القضاء» ( ٧ هـ) .
وكانت معه أيضًا في «فتح مكة» ( ٨ هـ)، وقد سترته لما أراد الاغتسال بعد الفتح مباشرة. وكذا كانت معه في حجة الوداع ( ١٠ هـ) رضي الله عنها.
ومما ساعدها في كونها أكثر بنات النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة له: أنها آخر أخواتها زواجًا، وبيتها بعد زواجها كان ملاصقًا بيتَ والدها صلى الله عليه وسلم، وبيت عائشة رضي الله عنها.
وقد بقيت معه حياتَه كلها، بخلاف بقية بناته، فقد مُتْنَ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
فضائلها، وخصائصها
هي سيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء أهل الجنة، وسيدة نساء العالمين، وقد بُشِّرَتْ بالجنة، وكذا زوجُها، وابنَاها، وأمُّها رضي الله عنه.
قال أبو نعيم الأصبهاني ( ٤٣٠ هـ) في وصف فاطمة رضي الله عنها: «ومن ناسكات الأصفياء وصفيات الأتقياء فاطمة رضي الله عنها، السيدة البتول، البَضعة الشبيهة بالرسول، ألْوَطُ أولاده(15) بقلبِه لُصُوقًا، وأوَّلهم بعد وفاته به لحوقًا، كانت عن الدنيا ومُتعتها عازِفةً، وبغَوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارِفةً .
كانت قويةَ النفسِ شُجَاعَةً لا تهابُ في الحق، ففي صغرها مع ضعف المسلمين واضطهادهم لما وضعَ الأشقياءُ كُفَّارُ مكة على ظهْرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجدٌ سَلا الجزور؛ أتت فاطمة، فأزالَتْهُ، وشتَمَتْهُمْ، قال ابن حجر العسقلاني
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 36٨٥٢ هـ): «وفيه قوَّةُ نَفسِ فاطمة الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِهَا في قومها ونفسِهَا، لكونها صَرَخَتْ بشَتْمِهِم وهُمْ رؤوس قريش، فَلَمْ يردُّوا عَليها».
وقال المزي ( ٧٤٢ هـ): «ومناقبها، وفضائلها كثيرةٌ جدًا رضي الله عنها وأرضاها».
وقال الذهبي ( ٧٤٨ هـ): «وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبُّها ويكرِمُها ويُسِرُّ إليها، ومناقبها غزيرة،
وكانت صابرةً، ديِّنةً، خيرةً، صيِّنَةً، قانِعَةً، شاكِرَةً لله».
وقد نوَّه النبي صلى الله عليه وسلم بذكرها في مواطن: في مكة على الصفا: «يافاطمة سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا»، وفي خُطبتِه: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقَتْ لقطعتُ يدها»، وفي خُطبته لما أراد عليٌّ أن يتزوج عليها: «فاطمةُ بَضعَةٌ مِنِّي، يُريبني ما يُريبُها».
ومن مناقبها: شبهها بأبيها في حديثها، ومشيتها، وصدق لهجتها، وغير ذلك.
وفاتها:
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسارَّته لابنته بقُرْبِ أَجَلِه، وأنها أول مَن يتبعه من أهله.
مرِضت رضي الله عنها فشُغِل بها عليٌّ رضي الله عنه في تمريضها، وفي تسليتها بعد مصيبتها في فقد أبيها نبينا صلى الله عليه وسلم وكان يلازمها.
توفيت ليلةَ الثلاثاء، لثَلاثٍ خَلَونَ من شهر رمضان، سنة ( ١١ هـ) بعد أبيها بستة أشهر، غَسَّلَها عليٌّ، وَصَلَّى عَليها مع جماعة من آله، ودفنَها في البقيع ليلًا، وكان عمرها نحو ثمان وعشرين سنة ونصف السنة تقريبًا.
قيل بأنها أول مَن غُطِّي نعشها في الإسلام، لما روي أن أسماء بنت عميس ذكرت لها ما رأته في الحبشة من ستر المرأة بهذا النعش، فاستحسنته رضي الله عنها.
قبرها:
لا إشكال
PDF 37أنَّ فاطمة رضي الله عنها دُفنت في المقبرة في بقيع الغرقد، ولايصح أنها دُفنت في بيتها، هذا هو المعتمد عند المؤرخين، وقد رَدُّوا على مَن ادَّعى أن قبرَها في بيتها، أو أمامَ مصلَّى الإمامِ بالروضة الشريفة، وهي أقوال واهِيةٌ جدًا.
ولم يكن على قبرها ولا قبر أحد من المسلمين تَجصيصٌ، ولا قُبَّةٌ، ... ولا بناءٌ؛ لنهي النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وإنما حدثَ البناء على القبور في مكة والمدينة، وغيرِها، في القرن الخامس الهجري.
قال السمهودي ( ٩١١ هـ): «وإنما أوجب عدم العلم بعين قبر فاطمة رضي الله عنها وغيرها من السلف، ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها(16) » .
منزلة السيدة فاطمة رضي الله عنها في تراث أهل السنة
كثيرٌ من أهل الحديث بدأوا في مصنفاتهم بفضائل ومناقب فاطمة، قبل غيرها من النساء،
فقد بدأ الإمام أحمد بن حنبل ( ٢٤١ هـ) في كتابه «فضائل الصحابة» بفضائل العشرة المبشرين بالجنة، ثم ذكر بعدهم فضائل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الحسن والحسين رضي الله عنهما، و كذا صنع الإمام البخاري ( ٢٥٦ هـ) في «صحيحه» في كتاب المناقب، فقد قدَّمَ بابَ مناقبِ فاطمة قبلَ مناقبِ عائشة، وفاطمة رضي الله عنها أول امرأة يَردُ لها بابٌ في كتاب المناقب.
أما الإمام مسلم بن الحجاج ٢٦١ هـ) في «صحيحه» فقد ذكر كتاب فضائل الصحابة، وأورد أحاديث في فضائل غالب العشرة المبشرين بالجنة،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 38ثم الحسن والحسين، ثم أهل البيت، ثم زيد بن حارثة وأسامة، ثم عبدالله بن جعفر، ثم خديجة، ثم عائشة، ثم فاطمة رضي الله عنها.
وأما الإمام الترمذي ( ٢٧٩ هـ) في «جامعه» فذكر: «باب ما جاء في فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم»، وهي أول امرأة تذكر في كتاب المناقب، ثم بعدها: خديجة، ثم عائشة، ثم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
والطبراني ( ٣٦٠ هـ) في «المعجم الكبير» قال: «ما انتهى إلينا من مسند النساء اللاتي روَين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرَّجْتُ أسماءَهُنَّ عَلى حُروفِ المعجَمِ، وبدَأَتُ بِبَنَاتِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وأزواجِهِ؛ لِئَلا يتقَدَّمَهُنَّ غيرُهُنَّ، وكانَتْ فاطمةُ أصغرَ بناتِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وأحبَّهُنَّ إليه؛ فبَدَأتُ بِهَا لِحُبِّ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إيَّاها».
والآجري ( ٣٦٠ هـ) في «الشريعة» بدأَ بفضائل الخلفاء الراشدين، ثم كتاب فضائل فاطمة، ثم كتاب فضائل الحسن والحسين، ثم كتاب جامع فضائل أهل البيت.
وأبو نعيم الأصبهاني ( ٤٣٠ هـ) قال في «معرفة الصحابة»: «بَدَأنَا بِذِكْرِ بنَاتِهِ، ثمَّ أزواجِهِ، ثمَّ سائرِ الصحابيات بعدَهن ... رضوان الله عليهنَّ على حُروفِ المعجم، حَسبَ ما انتَهى إلينا، وأحطْنَا بِهِ عِلمًا، والله ولي التوفيق.
بدأنا بِذِكْرِ فاطمة رضي الله عنها إذْ كانَت عُضْوًا من أعضائِهِ، وكَانَت مخصوصة مِن بَين أولادِهِ بمَحَبَّتِهِ لها، كانَتْ أصغرَ بنَاتِهِ سِنًّا، بشَّرَهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّها أولُ أهلِهِ لُحُوقًا بِهِ، وكَانَتْ مِن خَيرِ نِسَاءِ العالَمِين، وسيِّدَةِ نِسَاءِ هذه الأمة، ونساءِ أهلِ الجنة، كانَتْ المحصنَةَ الطاهرَةَ الزهرَاءَ البَتُول».
وبدأ أبو نعيم الأصبهاني أيضًا في كتابه «حلية الأولياء» في قسم النساء بها رضي الله عنها قبل أمهات المؤمنين وبقية بنات النبي صلى الله عليه وسلم والصحابيات رضي الله عنهن .
وأما
PDF 39أبو عبدالله الحاكم النيسابوري ٤٠٥ هـ) فذكرها في أوائل كتاب معرفة الصحابة من «المستدرك»، فبعد أن ذكر مناقب الخلفاء الراشدين: أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ذكر مناقب أهل البيت، ثم مناقب فاطمة ثم الحسن والحسين رضي الله عنهم.
المصنفات المفردة في فاطمة رضي الله عنها عند أهل السنة
أولى أهل السنة عناية خاصة بالتصنيف في فضل السيدة فاطمة رضي الله عنها، بل كان لهم قدم السبق في ذلك مقارنة مع غيرهم، فمن أقدم المصنفات عن فاطمة «تزويج فاطمة رضي الله عنها» للمحدث الحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد المشهور بابن أبي الدنيا ( 281 هـ).
وكذا «جزء فيه تزويج فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه» من إملاء أبي بكر محمد بن هاورن الروياني ( 307 هـ)، و«فضائل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها» لأبي القاسم البغوي ( 317 هـ) ، و«فضائل سيدة النساء بعد مريم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»،
لأبي حفص عمر بن أحمد بن عثمان السمرقندي المعروف بابن شاهين ( 385 هـ)(17) وهو جزء حديثي روى فيه ابن شاهين قريبًا من أربعين خبرًا مسندًا في فضل فاطمة رضي الله عنها(18) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثم تلاه المحدث الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم ( 405 هـ) فصنف كتاب «فضائل فاطمة الزهراء بنت سيد الأنبياء»(19) .
وجمع أبو صالح أحمد بن عبد الملك النيسابوري ( 470 هـ)، «أربعين حديثًا في فضل الزهراء».
ومن المتأخرين: ألف عبد الله بن أسعد اليمني اليافعي ( 768 هـ)، كتابه «وفاة فاطمة وفضائلها»، وألف الحافظ عبد الرحمن السيوطي ( 911 هـ) كتابه «الثغور الباسمة في مناقب فاطمة»، وأفرد المناوي ( 1031 هـ) كتابًا في ترجمة فاطمة(20) ، ثم تبعه القلقشندي ( 1031 هـ)، فألف كتاب «إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل»(21) ، و ألف عبد الله بن إبراهيم الميرغني ( 1207 هـ) «الدرة اليتيمة في بعض فضائل السيدة العظيمة»(22) .
وأما كتب المعاصرين عن فاطمة
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 41رضي الله عنها فهي كثيرة جدًا يعسر إحصاؤها، ومن أفضلها كتاب «فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم»، للدكتور إبراهيم بن عبد الله المديهش، وهو كتاب ضخم موسوعي، استقصى فيه أخبار فاطمة رضي الله عنها وتوسع في تتبع ما روي في سيرتها ومناقبها، وقد وقع الكتاب في سبع مجلدات، ثم اختصره في مجلد لطيف بعنوان «المختصر من أخبار فاطمة بنت سيد البشر رضي الله عنه».
أسطورة كسر الضلع وتحرير محل النزاع فيها
المقصود بأسطورة كسر الضلع، ما جاء في بعض الروايات المفتعلة من دعوى أن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما وجماعة من أعوانهما من بعض الصحابة رضي الله عنهم وبعض الموالي، هجموا على بيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأحرقوا بابها، واقتحموا دارها وضربوها فكُسِر ضلعها وأُسقط جنينها، وسبب هذا الهجوم بزعمهم هو أن عليًا ومن كان معه من الصحابة رفضوا أن يبايعوا أبا بكر الصديق وكانوا يجتمعون في بيت فاطمة رضي الله عنها، فأشار عمر رضي الله عنه على أبي بكر رضي الله عنه بأن يجبر عليًا رضي الله عنه على البيعة، وزعم القائلون بهذه الأسطورة أن هذا الهجوم على بيت فاطمة هو الذي تسبب بوفاتها، ولذلك قالوا: إنها ماتت شهيدة.
هذا ملخص هذه الأسطورة، وما سنقوم بالتركيز عليه في هذه الدراسة هو أصل قصة كسر الضلع وإسقاط الجنين، لأن هذا أفظع ما ورد في هذه الأسطورة، إذ لا يمكن بأي وجه أن نتصور أن الصحابة رضي الله عنهم وخاصة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يتجرؤون على الاعتداء على البضعة النبوية، كما أننا لا نقبل أن عليًا رضي الله عنه يسكت عن مثل هذا الأمر، بل إننا نجزم أن هذه الواقعة لو حصلت لترتب عليها فتنة عظيمة بين المسلمين، فهذه القصة يترتب عليها جملة من اللوازم الباطلة، أقلها نسبة علي رضي الله عنه –وحاشاه- إلى الجبن والذلة، ومع ذلك نجد أنها بلغت عند بعضهم درجة القضايا المسلمة التي لا تقبل الجدل والبحث، ولذا رأينا أن نبحث عن أصول هذه الأسطورة ومنشئها، ونبين بطلانها سندًا ومتنا.
ومحل النزاع بيننا وبين القائلين بصحتها: هو دعوى الاعتداء على فاطمة بالضرب مما أدى إلى كسر ضلعها وإسقاط جنينها، أما بقية التفاصيل سواء ما يتعلق بالتهديد أو الهجوم على البيت فلم نركز عليها في هذا البحث،
PDF 44مع أننا وقفنا على كثير من المعاصرين يحاولون أن يجعلوها دليلًا على ثبوت قصة كسر الضلع، وذلك أن هذه التفاصيل لا تعلق لها بمحل النزاع في هذا البحث، خاصة أن قضية كسر الضلع وإسقاط الجنين هي سبب الخلاف الذي نشأ بين المرجع الراحل محمد حسين فضل الله وبين خصومه، ففضل الله شكك في واقعة كسر الضلع دون أصل الهجوم، ونحن في هذا البحث وإن كنا ننفي أصل الهجوم ونرى أنه قصة باطلة مثلها مثل قضية كسر الضلع، غير أن تركيزنا سينصب في بحث مسألة كسر الضلع وإسقاط الجنين، وبالله التوفيق.
تاريخ نشأة أسطورة كسر الضلع وتطورها
إن تحديد تاريخ ابتداء أسطورة كسر الضلع، وأول من قال بها بدقة أمر عسير، لكن مراجعة أصل روايات كسر الضلع وما جاء في بعض كتب العقيدة والتاريخ، قد يعين على معرفة التاريخ التقريبي لنشأة هذه الأسطورة وتطورها(23) ، والذي يظهر من خلال مراجعة كتب التاريخ وكتب الفرق أن منشأ هذه الأسطورة بدأ في أواخر القرن الثاني للهجرة، وأن الذي قال بها هم بعض الغلاة، ويظهر أن هشام بن الحكم الكوفي (عاش في القرن الثاني)(24) أول من ابتدع هذه المقالة وأدرجها في مسائل الإمامة والبيعة، فقد نقل أبو الحسين الملطي
377 هـ)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 45جملة من مقالاته ومنها: «أن أبا بكر مرَّ بفاطمة عليها السلام فرفس في بطنها فأسقطت وكان سبب علتها وموتها»(25)
ونقل ضرار بن عمرو المعتزلي (عاش في القرن الثاني)(26) في كتابه «التحريش» عن الغلاة أنهم يقولون: «إنّ أبا بكر وعمر ظلَمَا وضربا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ألقت جنينًا»(27) وقد نسب عبد القاهر البغدادي إلى أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النَّظَّام المعتزلي المتوفى سنة 231 هـ)(28) أنه طعن في عمر رضي الله عنه بأمور منها أنه ضرب فاطمة رضي الله عنها(29) ونسب أبو الفتح الشهرستاني إلى النَّظَّام أنه قال: «إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين»(30) فإن صح هذا عن النَّظَّام(31) فلا يبعد أن يكون هذا من تأثره بهشام بن
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 46الحكم، فقد ذكر البغدادي أن النَّظَّام كان يخالط هشاما، وأخذ عنه بعض آرائه الفلسفية(32) ثم لم تلبث هذه المسألة أن دخلت في مسائل علم الكلام والجدل، ولذا تعرض أبو علي الجبائي المعتزلي 303 هـ) لنقض استدلال القائلين بهذه الفرية، التي يرومون من تقريرها إثبات أن عليًا رضي الله عنه بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه مكرهًا(33)
والذي يظهر أن هذه المقالة في بدايتها لم تكن شائعة حتى بين سلف الإمامية، فعند النظر في مرويات قدماء الأخباريين من نظراء محمد بن السائب الكلبي 146 هـ)، وأبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي 157 هـ)(34) وهشام بن محمد بن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 47السائب الكلبي( 204 هـ) -الذين يعدهم الإمامية من قدماء علمائهم(35) لا نجد فيها أثرًا لأسطورة كسر الضلع، ويمكن القول إن هذه الأسطورة بدأت تشِيع في نهاية القرن الثالث وأوائل القرن الرابع(36) وخاصة في قضايا المثالب، فقد ذكر أبو القاسم الكوفي 353 هـ) في كتاب «الاستغاثة في بدع الثلاثة» قصة كبس بيت فاطمة رضي الله عنها وإسقاط جنينها في المثالب التي نسبها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه(37) وقال الذهبي في ترجمة أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي دارم 357 هـ) بعد أن وصفه بالغلو والكذب: «قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرخ موته: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن»(38)
ثم انتقلت القضية إلى الكتب الروائية المسندة، فقد ذكر ابن قولويه القمي ( 368 هـ) هذه الأسطورة في «كامل الزيارات»(39) ، وابن بابويه القمي ( 381 هـ) في «أماليه»(40) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويبدو أن بداية انتقال هذه القضية إلى كتب العقائد قد بدأت في هذا القرن أيضًا، ولذا نجد كثيرًا من العلماء الذين تعرضوا لرد الشبه المثارة حول الصحابة، ذكروا هذه الأسطورة لبيان كذبها، كأبي الحسين الملطي ( 377 هـ)(41) ، وأبي بكر الباقلاني ( 405 هـ)(42) ، والقاضي
عبد الجبار المعتزلي ( 415 هـ)(43) ، كما أن المطهر بن طاهر المقدسي (كان حيًّا سنة 390 هـ)، قد ذكر في تاريخه قول الذين يزعمون أن فاطمة رضي الله عنها أسقطت محسنًا من ضربة عمر رضي الله عنه(44) ، فيبدو أن اشتهار هذه المقالة عند الإمامية كان في القرن الرابع.
ومع ذلك يظهر أن هذه القضية لم تكن ذات أهمية كبيرة عندهم، يدل على ذلك أن محمد بن يعقوب الكليني ( 329 هـ)، الذي جمع خمس عشرة ألف رواية من روايات الإمامية، لم ينقل شيئًا من روايات أسطورة كسر الضلع في كتابه «الكافي».
ومثل ذلك وقع للرضي ( 406 هـ)، حيث إنه لم يدرج أي شيء عن قضية كسر الضلع في نهج البلاغة الذي خصصه لجمع ما ينسب إلى علي رضي الله عنه من خطب وأقوال.
وقد نُسب إلى محمد بن النعمان المفيد 413 هـ) أنه أنكر قصة كسر الضلع(45)
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 49ولعل هذا القول أقرب إلى الصواب، خلافا لمن نسب إلى المفيد أنه يرى ثبوت هذه القصة، فإن المفيد على كثرة كلامه عن موضوع الإمامة وبيعة الصديق في كتبه، لا نجد فيها شيئًا عن كسر الضلع(46) كما أنه لم يذكر شيئًا عن موضوع كسر الضلع في كتابه الإرشاد الذي خصصه لتاريخ النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الاثني عشر(47)
أما النسابة الإمامي أبو الحسن العُمَري (القرن الخامس) ، فقد أنكر أمر إسقاط المحسِّن والرفْسَة، وذكر أن ما نقل في ذلك لا يعوّل عليه(48) ، وكل هذا يدل على أن مسألة كسر الضلع لم تكن على قدر كبير من الأهمية في ذلك العصر(49) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأول من وقفنا عليه يذكر أسطورة كسر الضلع في الكتب المصنفة في الانتصار لعقائد الإمامية هو أبو القاسم الشريف المرتضى ( 436 هـ) في كتابه «الشافي»(50) ، ثم تبعه أبو جعفر الطوسي ( 460 هـ)، في «تلخيص الشافي»، وزاد على ذلك بأن ادعى اتفاقهم على هذه القصة(51) ، ويبدو أن هذه الحكاية تفشت بعد ذلك بين عوامهم، فقد ذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 هـ) أن الإمامية في زمنه في بغداد والكوفة، كانوا يقيمون «المناحات بالشعر على فاطمة وابنها المحسن(52) الذي زعم الإمامية أن عمر قتله»(53) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبذلك استقر أمر الاستدلال بهذه القصة في مسائل الإمامة والبيعة، ولذا نجد أن غالب المصنفين الذين جاؤوا بعد الطوسي يذكرون هذه المسألة في كتب العقائد(54) ، وخاصة
الكتب الموضوعة لإقامة الحجج على الإمامة(55) وكتب مناقب الأئمة(56) ، والكتب المصنفة في المثالب والمطاعن التي ينسبونها للصحابة رضي الله عنهم(57) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويلاحظ الباحث أثناء استقراء المصنفات التي ذكر فيها كسر الضلع، حدوث تطورات كثيرة على طريقة تداول روايات كسر الضلع منذ القرن الخامس، فقد انتقلت مسألة كسر الضلع إلى ثلاثة أصناف من التأليف:
الصنف الأول: كتب الدعاء والزيارة(58) وأعمال السَنَة، وأول من وجدناه يذكر قضية كسر الضلع في كتب الدعاء هو محمد بن علي الطرازي (عاش في القرن الخامس)، على ما نقله عنه ابن طاووس ( 664 هـ)(59) ، و أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني ( 640 هـ تقديرًا) في كتابه «رشح الولاء في شرح الدعاء»(60) ، ثم ابن طاووس ( 664 هـ) في «الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يُعمل مرة في السنة»(61) ، ثم الكفعمي ( 905 هـ) في «جنة الأمان الواقية» المشتهر بمصباح الكفعمي(62) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الصنف الثاني : كتب الموسوعات الروائية المتأخرة، وكذا المصنفات في شروح الكتب الحديثية التي ظهرت في عصر الصفويين، فنجد محمد تقي المجلسي ( 1070 هـ)(63) يذكر هذه المسألة في «روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه»(64) ، ومحمد صالح المازندراني ( 1081 هـ) في «شرح أصول الكافي»(65) ، وهاشم البحراني ( 1107 هـ) في «غاية المرام»(66) ، ومحمد باقر المجلسي ( 1111 هـ) في «مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول»(67) و«بحار الأنوار»(68) ، وعبد الله البحراني ( 1130 هـ) في «عوالم العلوم»(69) .
الصنف الثالث كتب المصائب والأحزان، وأول من وقفنا عليه يذكر قضية كسر الضلع في هذا الصنف من الكتب هو حيدر الآملي (كان حيًّا سنة 782 هـ) في «الكشكول فيما جرى على آل الرسول»(70) وبعد تتبع جملة من كتب المصائب لاحظنا أن تناول قضية كسر الضلع في كتب المصائب بدأ في القرن الثاني عشر للهجرة، مع تكاثر المجالس التي تعقد للعزاء، فانتشر تأليف كتب المجالس والمصائب، وقد ذكر عبد الزهراء مهدي عدة من المصنفين في كتب المصائب الذين تعرضوا لأسطورة كسر الضلع في كتابه «الهجوم على بيت فاطمة»(71)
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 55ومن هؤلاء:
محمد باقر الأصفهاني (كان حيًّا سنة 1181 هـ)، في «نور العيون»(72) ، والسلماسي ( 1231 هـ) في «مصائب الأبرار»(73) ومحمد حسن القزويني ( 1240 هـ) في «رياض الشهادة في مصائب السادة»(74) ، والجرمقي البسطامي الخراساني (كان حيًّا في القرن الثالث عشر) في «خزائن المصائب»(75) ، ومحمد علي بن موسى الأسدي الكاظمي (كان حيًّا في القرن الثالث عشر) في «حزن المؤمنين»(76) ، والخطيب الحاج ملا إسماعيل السبزواري ( 1312 هـ) في «أنوار الشهادة في مصائب العترة الطاهرة»(77) ، وأسد الله بن صدر الدين التنكابني ( 1339 هـ) في «مصائب الهداة»(78) .
وتحسن الإشارة إلى أنه قد ظهر في هذه الفترة أيضًا كتب خاصة بتعداد المصائب التي يدعون أنها وقعت على فاطمة رضي الله عنها، وقد ذكر في هذه الكتب قضية كسر الضلع، فقد ذكر ذلك حسين العصفور 1216 هـ) في كتابه «الدرة الغراء في وفاة الزهراء»(79) ومحمد رضا الكمالي الاسترابادي 1346 هـ) في «الصوارم الحاسمة في مصائب فاطمة»(80) وأبو الحسن المرندي 1349 هـ) في كتابه «مجمع النورين وملتقى البحرين فيما وقع من الجور على والدة السبطين»(81)
حواشي هذه الصفحة10 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 56وعباس القمي 1359 هـ) في كتابه «بيت الأحزان في مصائب سيدة النسوان»(82)
وأغلب هذه الكتب من تصنيف بعض خطباء المجالس التي تُعقد في بعض المناسبات، خاصة في مجالس العزاء ووفيات الأئمة، وجلها مكتوب باللغة الفارسية، وقد ذُكر في عدد كبير منها أسطورة كسر الضلع، وهي تشتمل على مبالغات وزيادات ليست موجودة في مصادر القدماء ولا في مصادر المتأخرين، ولعل هذا ما حمل جعفر مرتضى العاملي أن يقول: «إننا قد ذكرنا عددًا يسيرًا جدًا من النصوص التي أوردها بعض المتأخرين من المؤلفين، لأننا وجدناها تشتمل على خصوصيات لم نوفق للبحث عنها في كتب المتقدمين(83) » ، وسنكتفي بثلاثة أمثلة على ذلك:
المثال الأول: قصة بكاء علي رضي الله عنه أثناء تغسيل فاطمة رضي الله عنها بسبب رؤيته لآثار السياط في جسمها»:
فهذه الرواية لا أثر لها في كتب المتقدمين على الإطلاق، حتى إن عبد الزهراء مهدي الذي أتعب نفسه في حشد النصوص لإثبات قصة كسر الضلع وتتبعَ الكتب الفارسية والعربية التي ذكرت هذه الأسطورة، بل ولم يقتصر على ذلك حتى فتش الكتب المخطوطة أيضًا، لم يجد شيئًا عن هذه القصة المزعومة في كتب المتقدمين، ولم يعثر عليها إلا في كتب المتأخرين(84) فاعتذر عن اقتصاره على كتب المتأخرين قائلًا: «نقلت هذه الروايات من كتب المتأخرين، لأن قضية بكائه (عليه السلام) حين التغسيل مشهور
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 57عند الشيعة غير أني لقصوري ما وفقت للعثور عليها في كتب القدماء(85) والحقيقة أن هذه القصة هي من مختلقات المتأخرين الذين تفننوا في وضع الأكاذيب واختلاق الروايات التي تلهب عواطف العوام(86)
المثال الثاني: رواية دخول مسمار الباب في صدر فاطمة رضي الله عنها :
فهذه الرواية لا توجد في أي مصدر قبل كتاب «مؤتمر علماء بغداد» المنحول على مقاتل بن عطية البكري المتوفى سنة 505 هـ(87) ، وهذا الكتاب طُبع أول مرة سنة 1397 هـ -على ما يظهر-(88) ، ومع ذلك صارت هذه الرواية اليوم من القضايا المنتشرة في الكتب المصنفة عن فاطمة رضي الله عنها(89) .
المثال الثالث: قصة محاولة فاطمة رضي الله عنها سحب
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 58علي رضي الله عنه من بين أيدي الصحابة رضي الله عنهم:
قصة خرافية تذكر أن الصحابة لما أرادوا أن يأخذوا عليًا بالقوة كان عليه حِلسٌ(90) ، فأمسكت فاطمة بطرف الحلس تجره، «ويجر القوم عليًا على خلافها، فإذا كانت هي تجره سلام الله عليها فإن القوم يقعون كلهم في الأرض على ركبتهم(91) »، ولم يزل التجاذب بينها وبينهم هكذا إلى أن أخذ عمر من خالد بن الوليد سيفًا فجعل يضرب بغمده على كتفها حتى صارت مجروحة، فعل ذلك ثلاث مرات، ومع هذا فلم يقدروا على أخذ الحلس من يدها حتى تمزق وتشقق، بقي قطعة في يدها وساير القطعات في أيدي القوم وكانت تلك الجرحة على كتفها حتى ماتت!(92) .
فهذه الرواية المغرقة في الأسطورة والتي تدعي أن قوة فاطمة رضي الله عنها غلبت قوة عمر وخالد ومن معهما من الصحابة رضي الله عنهم، لا أصل لها في كتب القدماء، وأقدم من وجدناه ينقلها هو محمد رضا بن محمد مؤمن (كان حيًّا سنة 1127 هـ) في كتابه «جنات الخلود»، ونقلها عنه أبو الحسن المرندي ( 1349 هـ) في كتابه «مجمع النورين».
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي هذه الفترة تطورت قضية كسر الضلع وصار لها مجالس مخصوصة تعقد من أجل سرد الأساطير المتعلقة بهذه الرواية، والتي يرجع جلها إلى تلك الكتب المتأخرة التي وضعها القُّصَّاص والخطباء، ثم تطور الأمر اليوم إلى إقامة المجالس التي تسمى بالأيام الفاطمية(93) .
هذا ما وقفنا عليه من خلال استقراء كتب التاريخ ومعاجم الكتب وفهارسها، ونحن لا ندعي استقصاء كل ما ورد في هذا الباب، غير أن ما ذكرناه يمثل الخطوط العريضة لمنشأ أسطورة كسر الضلع وتطورها عبر التاريخ، وإذا كانت هذه القضية لم تكن ذات أهمية كبرى في التراث الإمامي خاصة في القرون الأولى، فإنها اليوم وبسبب التحول الكبير الذي حصل في القرون الأخيرة صارت قضية محورية وأساسية عندهم، والسبب الرئيس في ذلك – في وجهة نظرنا- هو انتقال هذه القضية من مجرد كونها قصة تاريخية يتم استغلالها لأغراض تاريخية متعلقة بقضية بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعقيدة النص على إمامة علي رضي الله عنه، إلى طقس سنوي يتضمن ممارسات متعددة من مجالس تعقد في أيام عشرة لحكاية تفاصيل أسطورة كسر الضلع، وطقوس التشابيه التي يتم فيها إعادة تمثيل تلك الحادثة، مما جعل هذه القضية تتغلغل في أذهان العامة، وتصبح عندهم من الأمور المسلمة.
والذي يظهر أن تحول هذه القضية من مسألة عقدية إلى ممارسة طقسية -مع ما تتضمنه هذه الأسطورة من إساءة مغرضة لآل البيت وخاصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه-، هو ما جعلها تتعرض للنقد، ويبدو أن مبتدأ ذلك في العصر الحاضر كان من محمد حسين كاشف الغطاء 1373 هـ)،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 60حيث إنه يعد من أوائل من شكك في بعض جزئيات قصة كسر الضلع، غير أنه لم يبلغ درجة إنكار القصة برمتها(94) لكن قضية كسر الضلع ستتعرض لهزات جديدة بعد ظهور محاولات لتطبيق المنهج النقدي في الروايات التاريخية التي حفل بها التراث الإمامي، وكان أحد رواد هذا التوجه الشيخ الإمامي هاشم معروف الحسني 1404 هـ)، فقد أدرج الروايات التي ورد فيها ضرب فاطمة رضي الله عنها ضمن «المرويات التي لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي»(95) إلا أن أشهر من أثار الشكوك حول هذه القضية وكان سببًا لإثارة كثير من الجدل حولها، هو المرجع الراحل محمد حسين فضل الله 1431 هـ) الذي قام بانتقاد هذه الأسطورة والتشكيك في ثبوتها، حيث وجَّه لها انتقادات عدة من جهة السند والمتن، وقد صدر ذلك في فترة الأيام الفاطمية سنة 1413 هـ(96) ومع أن محمد حسين فضل الله لم ينكر وقوع الهجوم على بيت فاطمة، بل صرح بوقوعه، وبأن الصحابة هددوا من في البيت بالإحراق، واقتصر كلامه على التشكيك في ضرب فاطمة وإسقاط جنينها، إلا أن ذلك لم يعجب جماعة من الجامدين على التراث والذين
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 61أحسوا بأن السماح بعرض مثل هذه الأساطير -التي استقرت في الوجدان الشعبي على موازين النقد العلمي قد يؤدي إلى التشكيك فيما هو أكبر من ذلك، فقامت إثر ذلك حملة منظمة وشرسة للطعن في محمد حسين فضل الله واتهامه بالضلال والبلبلة والتشكيك في العقائد، وهو ما وصفه محمد علي الهاشمي أحد المناوئين لفضل الله- بقوله: «فأحدث ذلك موجة عارمة من الاستياء والاستنكار في أوساط أهل العلم وعامة الناس»(97)
وقد تزعم هذه الحملة جعفر مرتضى العاملي ( 1441 هـ)(98) وأيده تيار من مراجع قم والنجف(99) ، بالمقابل ظهر تيار مناصر لمحمد حسين فضل الله تولى الدفاع عنه، ويتشكل هذا التيار من مجموعة من تلامذته إضافة إلى مجموعة من علماء الإمامية الذين أيدوا رأيه، فقاموا بالرد على اتهامات تيار جعفر مرتضى العاملي وتفنيدها، وقد نتج عن هذا الصراع ظهور عدة مؤلفات مستقلة للانتصار لصحة قصة كسر الضلع، والدفاع عنها، في مقابل مؤلفات أخرى تشكك فيها وتنتقدها، وهو ما سيكون موضوع المبحث التالي.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المؤلفات الأولى المصنفة في إثبات أسطورة كسر الضلع
عند استقراء عناوين المؤلفات الأولى التي صُنفت في إثبات قصة كسر الضلع، نلاحظ اشتراكها في أمرين:
الأول: تزامن صدورها في وقت واحد تقريبا، حيث إن جلها صدر ما بين سنة 1417 هـ، و 1418 هـ، مما يدل على أن هناك حملة منظمة وراء صدورها في أوقات متقاربة.
الثاني: أن غالبها موجه ضد شخص واحد، وهو المرجع الراحل محمد حسين فضل الله، ولذلك فهذه المؤلفات وإن ركزت على موضوع كسر الضلع، غير أنها جمعت إلى ذلك قضايا أخرى أثيرت من خلال النبش في كتابات فضل الله و«المواقف الإذاعية، والمكتوبة، والعديد من المقابلات والمراسلات والمراجعات»(100) ، وكان الهدف من ذلك هو إسقاط فضل الله في عيون العوام، وتصويره بأنه شخص يخالف الضروريات والمسلمات.
ثم بعد ذلك صدر عدد كبير من الكتب عن قضية كسر الضلع تحت عناوين مختلفة، وقد قمنا برصد غالب ما صدر في هذا المجال، واقتصرنا على استعراض المؤلفات الأولى التي ألفت في إثبات كسر الضلع، مع ترتيبها بحسب تواريخ صدورها، وذكرنا نبذة مختصرة عن هذه المؤلفات.
كتاب «ملاحظات على منهج السيد محمد حسين فضل الله» لياسين الموسوي
يُعد ياسين الموسوي أول من ألف في الرد على محمد حسين فضل الله –بحسب ما وقفنا عليه-،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 63فقد كتب كتابه هذا بعد فترة قصيرة من الضجة التي بدأت حول تصريحات فضل الله، وقد صدر سنة 1414 هـ، وقد صرح ياسين الموسوي بأن سبب كتابته لهذا الكتاب هو ما بلغه من تصريحات محمد حسين فضل الله حول موضوع كسر الضلع(101) وقد حشد المؤلف كل ما يمكنه من الأدلة لإثبات صحة هذه القصة، وقد طبع الكتاب في «دار الصديقة الكبرى» التي أُنشئَت خصيصًا للرد على فضل الله!.
كتاب «ظلامات فاطمة» لعبد الكريم العقيلي
صدر هذا الكتاب أول مرة سنة 1417 هـ، وذكر مؤلفه أنه قد أنهاه في الثالث من جمادى الآخرة من تلك السنة(102) ، ولم يشر فيه إلى اسم محمد حسين فضل الله غير أن الكتاب ظاهر في أنه مصنف في الرد على فضل الله.
كتاب «مأساة الزهراء شبهات وردود» لجعفر مرتضى العاملي ( 1441 هـ)
هذا الكتاب يعد أوسع كتاب في إثبات قضية كسر الضلع، وهو من تأليف جعفر مرتضى العاملي وطبعه لأول مرة سنة 1417 هـ، و انتهى منه في شهر شعبان من تلك السنة(103) ، وقد كتب هذا الكتاب بعد أن وقعت مراسلات بينه وبين فضل الله أراد منها أن يثنيه عن التشكيك في قصة كسر الضلع، ويحمله على التراجع عما صرح به من الارتياب فيها واستبعاد وقوعها.
ويقع
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 64هذا الكتاب في جزئين، خصص جعفر مرتضى القسم الأكبر من الجزء الأول لمناقشة الإشكالات الموجهة إلى ثبوت قصة كسر الضلع من جهة المتن، أما القسم الثاني فخصصه لحشد كل ما أمكنه من الروايات وأقوال العلماء والمؤرخين وقصائد الشعراء التي ذكرت قضية كسر الضلع، و بعد تتبع غالب المؤلفات التي ظهرت فيما بعد، فإننا نجزم بأن كتاب «مأساة الزهراء» هو المصدر الأساسي لنصوص وحجج إثبات قصة كسر الضلع في العصر الحاضر، لدرجة أن كل ما كتب فيما بعد عن هذه المسألة إنما يدور في فلك كتاب «مأساة الزهراء»(104)
كتاب «إحراق بيت فاطمة» لحسين غيب غلامي
صدر هذا الكتاب في سنة 1417 هـ، وذكر المؤلف أنه انتهى منه في العاشر من رمضان من تلك السنة(105) ، وقد ذكر أن سبب تأليفه لهذا الكتاب هو أنه وقف على إنكار إحراق بيت فاطمة في بعض الكتب والمقالات من المخالفين لهم(106) ، ولذلك اقتصر في هذا الكتاب على النصوص الموجودة في كتب أهل السنة.
كتاب «الفضيحة» لمحمد مرتضى
صدر هذا الكتاب في شهر رجب 1418 هـ، وقد ألفه محمد مرتضى للرد على كتاب هوامش نقدية لمحمد الحسيني، وكتاب هوامش نقدية هو رد
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 65على كتاب مأساة الزهراء لجعفر مرتضى العاملي، وقد حاول محمد مرتضى من خلال هذا الكتاب الرد على الإشكالات القوية التي وجهها محمد الحسيني إلى جعفر مرتضى العاملي، وهذا الكتاب وإن كُتب على غلافه أن مؤلفه هو محمد مرتضى، لكن الغالب على الظن أن المؤلف هو جعفر مرتضى العاملي، ويبدو أنه استعمل هنا اسمًا مستعارًا، فأسلوب الكتاب هو نفس أسلوبه، وقد تكلم محمد الحسيني عن ذلك وبين أن جعفر مرتضى نسي أن يغير بعض المواضع التي تدل على أنه صاحب الكتاب(107)
كتاب «جاء الحق» لمحمد أبي السعود القطيفي
صدر هذا الكتاب سنة 1418 هـ، وهو رد على كتاب «مأساة كتاب المأساة» لنجيب نور الدين الذي كتب مأساة المأساة ردًّا على كتاب «مأساة الزهراء» لجعفر مرتضى العاملي.
كتاب «حوار مع فضل الله حول الزهراء» لهاشم الهاشمي
صدر هذا الكتاب في 15 شعبان سنة 1418 هـ، وهو موجه لمناقشة محمد حسين فضل الله، وقد وصَفَ فضلَ الله بأنه «أخذ يطرح الأفكار المنحرفة في مجال العقائد والتاريخ»(108) ، ومع أن الكتاب لا يقتصر على قضية كسر الضلع، غير أنها السبب الرئيس في تأليف هاشم الهاشمي لكتابه، فضلًا عن أن القسم الأكبر من الكتاب مخصص لإثبات روايات الهجوم على بيت فاطمة وضربها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، كما أنه تعرض لنقد جزء من كتاب «هوامش نقدية».
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كتاب «الحوزة العلمية تدين الانحراف» لمحمد علي الهاشمي المشهدي
صدر هذا الكتاب سنة 1418 هـ، وذكر مؤلفه أنه قد انتهى من تحريره في رجب من تلك السنة(109) ، وهذا الكتاب يمتاز عن بقية الكتب بأنه قد أرخ لبداية تشكيك فضل الله في قضية كسر الضلع، كما أنه نشر المراسلات الخطية التي جرت بين فضل الله وجعفر مرتضى العاملي، إضافة إلى مجموعة من المراسلات التي جرت بين فضل الله وبين مراجع آخرين حول مسألة كسر الضلع(110) ، كما أن هذا الكتاب ضم مجموعة من الخطابات والبيانات والفتاوى التي صدرت من مجموعة من المراجع وأساتذة الحوزة ضد محمد حسين فضل الله، لذلك فالكتاب يشكل مرجعًا تاريخيًا مهمًا لمعرفة تفاصيل بداية المواجهة بين فضل الله وبين خصومه، وتطوراتها من المناصحة والمناظرة إلى الحكم عليه بالضلال والانحراف.
كتاب «الهجوم على بيت فاطمة» لعبد الزهراء مهدي
صدر هذا الكتاب سنة 1421 هـ، وقد حشد فيه مؤلفه كل ما أمكنه من النصوص لإثبات أسطورة كسر الضلع، وبالمقارنة بينه وبين الجزء الثاني من كتاب «مأساة الزهراء» نجد أنه قد اعتمد بالأساس على هذا الكتاب، وأضاف إلى ذلك نصوصًا أخرى من مصادر لم تذكر في كتاب «المأساة»، ولم يقتصر على الكتب المطبوعة بل تعدى ذلك للرجوع إلى الكتب المخطوطة، إضافة إلى أنه قد نقل نصوصًا عدة من كتب فارسية.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كتاب «الحجة الغراء على شهادة الزهراء» للمرجع جعفر السبحاني
ألف المرجع جعفر السبحاني هذا الكتاب سنة 1421 هـ(111) ، وطبع الكتاب سنة 1422 هـ، وقد ذكر أن سبب تأليفه للكتاب أنه قرأ «مقالًا لبعض الكتاب الجدد، نقل فيه شيئًا من فضائل الزهراء (عليها السَّلام) ليكون ذريعة لما يريد إثباته وهو أنّ شهادة الزهراء (عليها السَّلام) أُسطورة تاريخية لا نصيب لها من الحقيقة»(112) ، ولكنه لم يذكر اسم الكاتب ولا عنوان المقال!، غير أن محتوى الكتاب لا يختلف عن الكتب السابقة، حيث إن الغرض منه إثبات أسطورة كسر الضلع.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حكاية كسر الضلع بين العقيدة والتاريخ
بعد أن درسنا مسار هذه القضية وتطورها التاريخي، لا بد من التعريج على بيان منزلة قضية قصة كسر الضلع عند كل من أهل السنة والجماعة والإمامية، أما بالنسبة لأهل السنة والجماعة، فهذه القصة لا تعدو كونها فرية لا أصل لها في الروايات التاريخية، ويعدونها قصة اختلقها الغلاة لتعليل بيعة علي رضي الله عنه والطعن في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فلم يرد في تراث أهل السنة والجماعة أي رواية مسندة أو حتى منقطعة أوموضوعة تذكر هذه القصة، أما ما يحتج به المخالفون من نصوص ينسبونها إلى روايات أهل السنة فهي بأجمعها خالية عن ذكر قصة كسر الضلع أو إسقاط المحسن كما سيأتي تفصيله(113) ، ولذلك اتفقت كلمة علماء المسلمين من جميع المذاهب منذ القرن الرابع على إنكار هذه الأسطورة وردها، بعد أن بدأت تُذكر في تراث الأخباريين والغلاة، فقد أنكرها أبو الحسين الملطي وأبو بكر الباقلاني وأبو الفتح الشهرستاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية وأبو عبد الله الذهبي وغيرهم، بل إن الاعتقاد بهذه القصة أو روايتها كان يعد عندهم من المثالب، ولذا طعنوا في النَّظَّام المعتزلي وأبي بكر بن أبي دارم الكوفي المغالي، لمجرد ذكرهما لهذه الأسطورة أو روايتها، وهذا يدل على أن بطلان هذه القصة واندراجها في سلك المفتريات والموضوعات كان مقطوعًا به عند أهل السنة(114) .
أما عند الإمامية فقد تقدم كيف تطور أمر أسطورة كسر الضلع عندهم، وكيف انتقلت من كتب المثالب إلى كتب العقائد، ثم انتشرت في كتب الروايات والأدعية، غير أنها
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 69لم تكن ذات أهمية كبرى عند قدمائهم، فعدد الروايات المنسوبة إلى المعصومين والتي جاء فيها قصة كسر الضلع وإسقاط الجنين لا تتجاوز اثنتي عشرة رواية فقط، ولعل أظهر دليل على عدم أهمية هذه القضية لدى القدماء، أن كتاب الكافي للكليني الذي هو أعظم كتب الإمامية وأوثقها وأهمها على الإطلاق، لم يذكر أي شيء عن قصة كسر الضلع، كما أن نهج البلاغة المختص بجمع ما نسب إلى علي رضي الله عنه من أقوال وخطب وكتب، خلا من التعرض لقضية كسر الضلع، كما أن ابن بابويه القمي الذي ذكر روايتين عن قصة كسر الضلع في كتابه الأمالي، لم يشر إلى هذه القصة في كتابه «الاعتقادات»!، مع أنه ذكر مجمل اعتقاداته في فاطمة التي تضمنت دعاوى تعرضها للظلم واغتصاب حقها في الإرث(115) فعدم ذكره لقضية كسر الضلع في هذا الكتاب مع كونه قد اشتمل على أمور أقل أهمية من قضية كسر الضلع بكثير-، دليل على أنه لا يرى أنها تبلغ درجة من الأهمية لتسجيلها في كتاب مخصص للاعتقادات.
أما اليوم فإن الغلو في خصومة الخلفاء الراشدين الثلاثة، جعل كثيرًا من المعاصرين يعطي قضية كسر الضلع حجمًا أكبر مما كان لها في السابق، حتى رفعوها إلى مستوى القضايا العقائدية الضرورية والمسلمة، ورائد هذا التوجه هو جعفر مرتضى العاملي، الذي جعل قضية كسر الضلع من أهم مسائل الإسلام والإيمان!، فيقول: «هي واحدة من أهم مسائل الإسلام والإيمان لأنها(116) تمس قضية الإمام والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ... فهو حدث تاريخي سياسي، له مساس بالإمام والإمامة، وهو أمر عقائدي خطير وهام جدًا»(117) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
و يقول أيضًا: «قضية الزهراء إذن أساسية في حياتنا الفكرية والإيمانية، ولها ارتباط بأمر أساسي في هذا الدين، فلا ينبغي الاستهانة بها، أو التقليل من أهميتها»(118) ، ولكي يمعن في إثبات أهمية هذه القضية، حاول اللعب على أوتار العاطفة، فيقول: «وقضية الزهراء أيضًا، وما جرى عليها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون حدثًا تاريخيًا مفيدًا جدًا من حيث دلالاته الالتزامية، إذ فرقٌ بين أن يقال لك: إن الذين اغتصبوا الخلافة قد ضربوا الزهراء (ع) فور وفاة أبيها إلى درجة أنهم أسقطوا جنينها، وكسروا ضلعها الشريف، إلى غير ذلك مما هو معروف، وبين أن يقال لك كما يقول البعض: إنهم ما زادوا على التهديد بإحراق بيتها(119) .
فهنا يحاول جعفر مرتضى العاملي أن يصور للقارئ العامي أن من لا يعتقد بقصة كسر الضلع فهو يبرئ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما من الاعتداء على آل البيت، وهذه محاولة منه لاستمالة الفئات المغالية في عداوة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويرمي إلى جعل إنكار قضية كسر الضلع سُلمًا للقول بصحة خلافة الخلفاء الراشدين، وقد ظهر هذا المنحى في اعتراض جعفر مرتضى على كلام المرجع الراحل محمد حسين فضل الله الذي اعتبر قضية كسر الضلع مسألة تاريخية لا صلة لها بالعقيدة، فقال جعفر مرتضى: «أما بالنسبة لكون ضرب الزهراء (ع)، وإسقاط جنينها، وكسر ضلعها لا يتصل بالعقيدة فهو أغرب وأعجب، فإن من يدعي لنفسه مقام الإمامة والخلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا كان لم يرتكب أي جرم، سوى التهديد الظاهري للزهراء (ع)، فإن قبول دعواه لهذا المقام العظيم سيكون أيسر مما لو كان قد ارتكب جريمة قتل جنين، وضرب سيدة نساء العالمين،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 71وكسر ضلع من يغضب الله لغضبها، ويرضى لرضاها إذ لا ريب في أن من يكون كذلك، لا يكون صالحًا لمقام خلافة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم»(120)
وسار علي الميلاني على نفس هذا المسلك المغالي في مسألة كسر الضلع فقال عنها: «الحقيقة أنّ قضية الزهراء سلام الله عليها أساس مذهبنا، وجميع القضايا التي لحقت تلك القضية وتأخّرت عنها، كلّها مترتبة على تلك القضية»(121) .
بل إن هاشم الهاشمي اعتبر إنكار كسر الضلع «انحرافا عن المذهب»(122) ، واستدل على ذلك قائلًا: «نجد أن كبار مراجعنا اعتبروا كلام فضل الله في التشكيك في شهادة الزهراء عليها السلام وبقية المسائل العقائدية المرتبطة بالمذهب، كلام ضلال، وحكموا عليه بأنه ضال مضل»(123) ، بعد كل هذا لا تعجب حينما تقف على قول جعفر مرتضى العاملي: «لولا موقف الزهراء هذا، الذي تعرَّضت فيه للأذى وللضرب وإسقاط الجنين، لم يكن من هذا الإسلام إلَّا المظاهر والأسماء، وإلَّا الأشكال والطقوس الجوفاء»(124) ».
ويقابل هذا الرأي، رأي محمد حسين فضل الله وأنصاره، الذين يرون أن مسألة كسر الضلع هي قضية تاريخية لا ارتباط لها بالعقيدة، يقول فضل الله: «مسألة ضلع الزهراء عليها السلام، هذه قضية تاريخية لا قضية متصلة بالعقيدة»(125)
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 72ويقول أيضًا: «أحب أن أؤكد على أن مسألة كسر ضلع الزهراء وعدمه، وإسقاط جنينها وعدمه، هي من المسائل التاريخية»(126) وقال أيضًا: «هي قضية تاريخية اختلف فيها المؤرخون»(127) وقال أيضًا: «هذه قضية تاريخية قد يختلف فيها الرأي، وليست من أصول العقيدة»(128)
ويقول نجيب نور الدين ردًّا على جعفر مرتضى الذي جعل مسألة كسر الضلع من مسائل الإيمان: «رغم جلال مقام الزهراء (عليها السلام) واستنكارنا لكلِّ ما حَدَثَ لها من ظلم وغبن، فإنَّنا لا نرى وجه الربط بين هذه الحادثة التاريخية، وبين قضية الإمامة ومسائل الاعتقاد»(129) ، ويقول في موضع آخر: «قضية الزهراء (عليها السلام) قضية تاريخيّة وليست متّصلة بالعقيدة، ....ولا نعتبرها شرطًا من شروط الإيمان»(130) .
وانتقد جعفر الشاخوري كتاب مأساة الزهراء لجعفر مرتضى العاملي قائلًا: «هذا النوع من البحوث التي تركز على أمور هامشية لا يعدو كونها تفصيلًا من تفاصيل الحوادث التأريخية وتضخمها وتجعلها في مصاف القضايا الاستراتيجية التي تهدد وجود
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويرى حيدر حب الله «أن الخلاف في هذه القضية ليس عقائديًّا بل هو خلاف تاريخي»(132) ، واعتبر ياسر عودة مسألة كسر الضلع حادثة تاريخية(133) ، وقال: «إن مسألة كسر الضلع مسألة تاريخية لا تتصل بجانب العقيدة كما يصورها بعض الجهلة الذين مروا مرور الكرام على العلم، فما استطاعوا أن يفرقوا بين المسألة التاريخية وبين المسألة العقائدية وبين ضرورات المذهب ومشهوراته، وبين ضرورات الدين ومشهوراته»(134) .
ويرى أحمد الكاتب أن الهدف من إضفاء الصبغة الدينية على هذه القضية هو تكميم أفواه المحققين الذين يضعفون هذه الروايات، فيقول: «ورغم أن موضوع الهجوم على بيت الزهراء، يعتبر موضوعًا تاريخيًا بحتًا، فإن بعض رجال الدين الأخباريين الحشويين، يحاولون إضفاء صبغة دينية عليه، وبدلًا من تقديم أدلتهم العلمية التاريخية، نرى البعض منهم يلجأ الى سلاح «الفتوى» والتهريج، ليكمم أفواه العلماء والمحققين الذين يصرحون بضعف تلك الروايات واختلاقها. رغم أن مجال الإفتاء هو الأحكام الفقهية وليس الأمور العقائدية أو التاريخية، التي يجب فيها الاجتهاد ويحرم التقليد»(135) .
والحقيقة التي لا ينبغي الارتياب فيها هي أن هذه المسألة لا تعلق لها بالعقيدة في أي شيء، إذ إن المؤمن لو لم يعلم أصلًا في حياته بهذه القصة المفتراة،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 74لما نقص ذلك من إيمانه شيئًا، وكما قال ياسر عودة: «الذي يقول بكسر الضلع أو لا يقول لا تزيد في إيمانه ولا تنقص من دينه»(136) فالصواب مع القائلين بأن قضية كسر الضلع قضية تاريخية لا علاقة لها بالعقيدة والإيمان.
أما القائلون بأن قضية كسر الضلع من مسائل العقائد وكذا من رفعوها إلى مرتبة قضايا الإيمان فسيقعون في إشكال كبير، حيث إن قضايا العقائد والإيمان لا تثبت عندهم بمجرد الظنون، بل لا بد فيها من اليقين والثبوت، فلا يمكن إثبات قضية كسر الضلع بناء على روايات معدودة ابتليت بعلل قادحة في الإسناد والمتن، مما يجعلها في عداد الروايات الموضوعة والمختلقة، بل لا بد أن تثبت هذه المسألة بروايات مقطوع بصحتها، وهذا الأمر غير متحقق في روايات كسر الضلع، فحتى القائلون بصحة قصة كسر الضلع لا يقولون بصحة كل الروايات الواردة في هذا الباب، فما حكموا بصحته منها لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ولأجل ذلك لجؤوا إلى القول بأن روايات كسر الضلع بلغت درجة الشهرة والاستفاضة، ومنهم من تعدى ذلك إلى ادعاء التواتر، مع أن كل ذلك ممتنع في روايات كسر الضلع كما سيأتي بتفصيل، وإنما لجؤوا إلى هذه الدعاوى لعلمهم بأن تقريرهم كون قضية كسر الضلع من مسائل العقائد، سوف يترتب عليه ضرورة إثباتها بنفس الطرق التي يثبتون بها العقائد.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لوازم الاعتقاد بأسطورة كسر الضلع
إن إدخال قضية كسر الضلع إلى كتب العقائد أضفى على هذه المسألة بُعدا عقديا بعد أن كان الأمر يقتصر على ذكرها في كتب الروايات، ومن ثمَّ صارت قضية كسر الضلع توظف في التراث العقدي في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: دعوى إكراه علي رضي الله عنه على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
لقد دأب بعضهم على الاستدلال بقصة كسر الضلع لادعاء أن بيعة علي رضي الله عنه لأبي بكر لم تكن عن رضا واختيار، بل عن قهر وإكراه(137) .
يقول المرجع محمد صادق الروحاني: «ما جرى على الزهراء (عليها السلام) من أخذ مالها وكسر ضلعها، إنّما هو من أجل دفاعها ومطالبتها بحق الإمام عليّ (عليه السلام)، كما تشهد لذلك عدّة فقرات من خطبتها، فكيف تكون بعيدة عن فرضية خلافة عليّ (عليه السلام)»(138) .
ويقول عبد الزهراء مهدي إن موضوع كسر الضلع: «يثبت عدم بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر اختيارًا، وإنما بايع إجبارًا بعد أن أحرقوا باب الدار، وأرادوا إحراق البيت على أهله»(139) ، ويقول رئيس مركز الأبحاث العقائدية محمد الحسون عن موضوع كسر الضلع:
«تترتب عليه آثار عقائدية كبيرة متصلة بما جرى من مآس وويلات على آل الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد فقْدِ عميدها وقائدها، متمثلة بما صاحب وأعقب السقيفة التي أزالت الحق عن أهله»(140) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الأمر الثاني: اتهام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنصب العداء لآل البيت
إن قضية كسر الضلع صارت ورقة بأيدي أنصار نظرية العداوة بين آل البيت وكبار الصحابة، يثبتون بها تلك الدعوى الخيالية التي لا وجود لها في الواقع، فالقدماء كانوا يذكرون هذه الأسطورة ضمن طعونهم في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما صنع أبو القاسم الكوفي الذي أورد هذه القصة في مثالب أبي بكر رضي الله عنه في كتابه «الاستغاثة في بدع الثلاثة»(141) ، وكذا أبو القاسم الشريف المرتضى في الشافي(142) ، وأبو جعفر الطوسي في تلخيص الشافي(143) ، ومن تابعهم(144) .
وقد تطورت هذه القضية عند المتأخرين حتى بلغ بهم الأمر إلى اتهام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنصب العداوة لآل البيت ورميهما بالكفر عياذًا بالله-!. وقد ظهر ذلك في تصريحات بعضهم، فعندما حكم الخوئي للخليفتين أبي بكر وعمر بالإسلام الظاهري(145) بحسب رأيه- فقال: «ومن هنا يحكم بإسلام الأوّليْن الغاصبيْن لحق أمير المؤمنين عليه السّلام إسلامًا ظاهريًا لعدم نصبهم-ظاهرًا-عداوة أهل البيت»(146) انتقده تلميذه تقي الطباطبائي القمي قائلًا: «ومن الغريب ما عن سيدنا الأستاذ-على ما في التقرير....فإنا نسأل من سيدنا الأستاذ: أي
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 77عداوة أعظم من الهجوم إلى دار الصديقة وإحراق بابها وضرب الطاهرة الزكية وإسقاط ما في بطنها(147) وذكر أمورًا مفتريات أخرى على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لكن أول ما بدأ به هو ذكر قصة كسر الضلع لكونها صارت اليوم أول ما يستدل به المخالفون لإثبات عدواة أبي بكر وعمر رضي الله عنها لأهل البيت، وهذا الأمر ليس جديدًا، فهذا الاعتراض هو نفس ما اعترض به يوسف البحراني 1186 هـ) على الذين حكموا بإسلام الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنها، فقال: «من العجب الذي يضحك الثكلى، والبين البطلان الذي أظهر من كل شيء وأجلى، أن يُحكم بنجاسة من أنكر ضروريًا من سائر ضروريات الدين، وإن لم يعلم أن ذلك منه عن اعتقاد ويقين، ولا يحكم بنجاسة من يسب أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخرجه قهرًا مقادًا يساق بين جملة العالمين، وأدار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه، وضرب الزهراء (عليها السلام) حتى أسقط جنينها ولطمها حتى خرت لوجهها وجبينها وخرجت لوعتها وحنينها، مضافًا إلى غصب الخلافة الذي هو أصل هذه المصائب وبيت هذه الفجائع والنوائب»(148)
وعدَّ محسن المعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضمن فئة النواصب وجعل أسطورة كسر الضلع أحد أدلته على ذلك(149) .
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد بلغت منزلة هذه القضية عند بعضهم إلى الحكم على من ينكرها-عنادًا- بأنه يناصب العداء لفاطمة رضي الله عنها، وهذا ما قرره جعفر مرتضى العاملي حيث يقول: «إنْ كان المنكِر لقضية «كسر الضلع» جاهلًا بالأمر،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 78فإنه لا يكون بإنكاره هذا ناصبيًا.. وأما إذا كان عالمًا بوقوع هذا الظلم على السيدة الزهراء (عليها السلام)، ولكنه ينكره بهدف الدفاع عن ظالميها، وتلميع صورتهم، وسعيًا منه في تضييع حقها، وإبطال الاستدلال على عدم أهلية ظالميها، فهو ناصب للعداوة لها»(150) ولمَّح إلى تصنيف فضل الله ضمن فئة النواصب دون أن يشير إلى اسمه فقال: «وإن كان هذا المنكر جاهلًا في الأساس، ثم بين العلماء له الحقائق، وأعلنوها له بالأدلة، ولكنه رفض النظر فيها، ورفض قبول الصحيح منها، وسعى لإبطال الحق، وتأييد الباطل وهو ممن لا يحتمل في حقه الشبهة في ذلك لكونه من العلماء فإنه إن أظهر الإصرار، يكون أيضًا ممن يحكم عليه بأنه ناصبي ولا يلتفت إلى الاحتمال الآخر، كما صرح به علماؤنا في باب منكر الضروري»(151) فمقصوده بهذا الكلام على الخصوص هو محمد حسين فضل الله، لكنه لم يجرؤ على التصريح بذلك.
وتقسيم جعفر مرتضى العاملي لمنكِرِ قصة كسر الضلع إلى قسمين: إما جاهل وإما معاند، هو تحكم محض وتحامل ظاهر، وذلك لوجود قسم ثالث، وهو من يوالي أهل البيت ولم تثبت عنده هذه القصة حسب الموازين العلمية، وإنما تعمد جعفر مرتضى حصر منكري كسر الضلع في هذين القسمين، حتى يرمي من يخالفه بتهمة الجهل أو النصب، وهذا نهاية التعصب والتجني.
الأمر الثالث: دعوى مظلومية فاطمة رضي الله عنها وآل البيت رضي الله عنهم
وهذا الأمر ابتدأ في الكتابات المتأخرة التي نحت منحى اللعب على وتر العواطف، وبالأخص تلك الكتب المصنفة في مصائب فاطمة ومظلوميتها،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 79والتي تحولت فيما بعد إلى مجالس سنوية، تسمى بمأتم فاطمة، وتقص فيها تلك القصة المفتراة، ويضاف إليها طقوس التشابيه التي تقوم بتمثيل مسرحي لأسطورة حرق باب فاطمة وضربها وإسقاط جنينها. وهذه الممارسات المبتدعة التي لا تمت إلى أهل البيت بصلة، وجدت لها اليوم عشرات المؤلفات التي تريد أن تصور فاطمة رضي الله عنها وأهل البيت تصويرًا مأساويًا لا يمت للحقيقة والتاريخ بأي صلة، وقد مضى ذكر بعض هذه المصنفات التي اعتمدت هذا المسلك العاطفي فلا حاجة لإعادتها هنا(152)
فإذا تبين أن منزلة كسر الضلع بلغت هذه الدرجة من الأهمية عند بعض الناس، وظهر أنها أحد الأوراق التي تستعمل في نقض صحة بيعة الصديق رضي الله عنه، وادعاء إكراهه لعلي رضي الله عنه على البيعة، ونسبة أبي بكر وعمر إلى النصب وعداوة آل البيت وغيرها من الدعاوى الباطلة، فإن بيان بطلان هذه القصة، وكشف مواطن الضعف في سندها ومتنها يترتب عليه سقوط هذه الدعاوى بأجمعها، فربما قد يكون ذلك سببًا لرفع الغشاوة عن بعض من خدعوا بأمثال هذه القصص المخترعة والاستدلالات الواهية، ويتبين لهم براءة الصحابة الذين اتُّهموا بهذه التهمة الظالمة، وخاصة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وأن كل ما شُيِّد من دعوى القطيعة بين الصحابة وآل البيت بناء على أمثال هذه القصص والروايات لا صحة له، وبالله التوفيق.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
دراسة روايات كسر الضلع
عندما تتبعنا ما أورده المصنفون في إثبات كسر الضلع من روايات حول هذه المسألة، وجدناهم يستدلون بصنفين من الروايات:
الصنف الأول: روايات ورد فيها التصريح بالاعتداء على فاطمة رضي الله عنها، سواء كان هذا الاعتداء عليها بالضرب، أو لطمها، أو عصرها بالباب، أو إسقاط جنينها، وعندما درسنا هذا الصنف من الروايات وجدنا أنه يضم روايات مسندة، وروايات غير مسندة.
الصنف الثاني: روايات لم يرد فيها التصريح بضرب فاطمة أو إسقاط جنينها، وهذه الروايات يستدل بها المخالفون ليدعوا وجود شواهد لأصل قصة كسر الضلع.
فقمنا بدراسة (روايات القسم الأول) دراسة مفصلة، لأنها عُمدة أدلة القائلين بأسطورة كسر الضلع، ولعل أول من جمع روايات كسر الضلع في موضع واحد هو جعفر مرتضى العاملي في كتابه مأساة الزهراء، فقد خصص الفصل الثاني من الباب الثاني في الكتاب لحشد الروايات التي يزعم أنها تدل عى حدوث واقعة كسر الضلع، وأوردها تحت عنوان «النصوص والآثار المروية عن المعصومين الأربعة عشر عن أحاديث مظلومية الزهراء»(153) ، ثم أورد تحت هذا الفصل 41 رواية، ورتبها على حسب ترتيب المعصومين عندهم، بدءا من النبي صلى الله عليه وسلم وانتهاء بالحسن العسكري(154) ، وأغلب من صنف في إثبات قصة كسر الضلع بعد جعفر مرتضى العاملي تابعه في مسلكه وقلده في سرد الروايات.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعندما درسنا هذا الفصل وجدنا أن جعفر مرتضى العاملي لم يلتزم بإيراد الروايات الصريحة في كسر الضلع فقط، بل توسع في النقل وأورد روايات لا تصرح بأي شيء عن ضرب فاطمة أو إسقاط جنينها، وغرضه من ذلك إيهام القارئ بكثرة الروايات في هذا الباب، لكن الحقيقة أن أكثر من نصف الروايات التي أوردها ليست داخلة في محل النزاع، فالروايات الصريحة في مسألة كسر الضلع هي 20 رواية فقط، وهي التي وردت في كتاب مأساة الزهراء بالأرقام التالية ( 2 ، 3 ، 4 ، 6 ، 7 ، 8 ، 10 ، 14 ، 16 ، 18 ، 20 ، 23 ، 24 ، 27 ، 28 ، 29 ، 31 ، 32،36 ، 41 ).
وأما بقية الروايات فلم يرد فيها التصريح بأي شيء يتعلق بحادثة الاعتداء المزعوم على فاطمة رضي الله عنها، وهي الروايات التي وردت في كتاب العاملي بهذه الأرقام 1،5 9 11 12 13 15 17 19 21 22 25 26 30 33 35 37 38 39 40 وقد صرح جعفر مرتضى العاملي بنفسه بأن بعض هذه الروايات ليست صريحة في المطلوب!(155) فقال عن الخبر الذي أورده برقم 9 «لا صراحة فيه بما جرى على الزهراء»(156) وقال عن الرواية التي أوردها برقم 13 «لم تصرح هذه الرواية بتعرضهم للزهراء ع مباشرة»(157) وقال عن الرواية التي أوردها برقم 40 «لم تكن صريحة في تفاصيل ما
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 82جرى»(158) وهذا كاف في عدم الاشتغال بهذا الضرب من الروايات، إذ يكفي أن جعفر مرتضى العاملي الذي جهد في حشد كل ما أمكنه لإثبات هذه الأسطورة، ولجأ في بعض الأحيان إلى التكلفات البعيدة، يضطر للتصريح بأن هذه الروايات غير صريحة في موضع النزاع، وسنكتفي بالتنبيه على بعض الأمثلة من الاستدلالات الغريبة لجعفر مرتضى العاملي التي جعلته يستدل ببعض الروايات الخالية من التصريح بأي شيء عن الحادثة بناء على منهج غريب في الفهم.
المثال الأول : استند جعفر مرتضى العاملي على تأويل المجلسي للرواية التي أوردها برقم ( 19 ) ، والتي رواها الكليني، وجاء فيها: «إن فاطمة (ع) لما أن كان من أمرهم ما كان، أخذت بتلابيب عمر، فجذبته إليها، ثم قالت: أما والله يا ابن الخطاب، لولا أني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أني سأقسم على الله، ثم أجده سريع الإجابة»(159) . فهذه الرواية لا تدل على وقوع كسر الضلع، وإنما استند جعفر مرتضى العاملي على تأويل المجلسي لها حين قال: ««كان من أمرهم ما كان»: أي من دخولهم دار فاطمة»(160) ، دون أن يكون في لفظها أي دلالة صريحة أو حتى إشارة إلى قصة كسر الضلع، وهذا يدل على أن جعفر مرتضى العاملي يعلم ضعف استدلاله بهذه الرواية وعدم حسمها لمحل النزاع، فاضطر للتغطية على ذلك بإيراد تأويل المجلسي الذي يُعرف عنه الجنوح إلى التأويلات البعيدة.
المثال الثاني لجأ جعفر مرتضى العاملي في بعض الروايات إلى تكلف غريب وتحريف فج لنصوص الرواية، كما هو الشأن بالنسبة للرواية التي أوردها برقم 5(161) والتي تذكر الحديث المشهور عن النبي صلى
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 83الله عليه وسلم والذي رواه حذيفة رضي الله عنه في الفتنة التي تموج كما يموج البحر، فإن هذه الرواية دليل على وقوع حادثة كسر الضلع عند جعفر مرتضى العاملي!، وهذا الاكتشاف التاريخي العجيب والنادر لجعفر مرتضى العاملي بناه على مقدمتين فاسدتين:
-المقدمة الأولى: هي انتقاؤه للفظ الرواية من كتاب بدء الإسلام لابن سلام الأباضي (عاش في القرن الثالث)، وابن سلام أقل ما يقال في أحواله إنه مجهول، فلم يُعرف إلا من خلال هذا الكتاب(162) وقد وردت رواية الفتنة في كتاب ابن سلام مختصرة، وهذا لفظها: «سأل عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة التي تموج بالناس كموج السفينة في البحر. قال حذيفة: «تلك الفتنة التي بينك وبينها باب مغلق»، قال عمر: «الباب يا حذيفة يفتح أو يكسر»؟، قال حذيفة: «بل يكسر»، قال عمر: «إنْ كُسر الباب، فذلك أحرى ألا يسد إلى يوم القيامة»»(163) ومع أن هذه الرواية المختصرة لا دلالة فيها على قضية كسر الضلع بأي وجه من الوجوه، إلا أن جعفر مرتضى العاملي حملها على واقعة كسر باب فاطمة!، و ترك اللفظ الوارد في دواوين السنة المشهورة التي ذكرت هذه الرواية، وبعضها قد اطلع عليه جعفر مرتضى العاملي وأحال عليه في الهامش مثل صحيح البخاري، وسنن ابن ماجه ودلائل النبوة(164)
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 84وسبب إعراض جعفر مرتضى عن إيراد اللفظ المشهور للرواية هو أنها تشتمل على ما يعكر صفو استدلاله، لأن لفظ رواية البخاري جاء فيه أن حذيفة قال لعمر رضي الله عنه: «ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بًابًا مغلقًا»(165)
-المقدمة الثانية: ردَّ جعفر مرتضى العاملي ما جاء في لفظ رواية ابن سلام من أن حذيفة فسر الباب بقتل عمر رضي الله عنه، وادعى أن المراد بالفتنة في هذا الحديث هو «قضية الإمامة التي اغتصبت بطريقة العنف»، و أن المراد بكسر الباب هو كسر باب بيت فاطمة(166) ، وهذا التحريف لدلالة الرواية وألفاظها لم نقف على أحد قال به غير جعفر مرتضى العاملي، ولا ندري كيف خطَر هذا التأويل البعيد المبني على التمحل والتخرص على عقله!، ولا نظن أن هذا الكلام يحتاج إلى جواب، لكننا أردنا التنبيه على سبب وقوع الخلل في استدلالات مرتضى بالروايات، إضافة إلى أن هذا المنهج الذي سلكه هو الذي أدى به إلى الاستدلال بروايات لا علاقة لها بمحل النزاع، وقديمًا قيل: إذا عُرف السبب بطل العجب.
المثال الثالث ما نقله جعفر مرتضى العاملي تحت رقم 34 عن القاضي عبد الجبار المعتزلي لا يدخل أصلًا في باب الروايات، فما نقله مجرد خبر مكذوب لا أصل له، حكاه القاضي عبد الجبار عن المخالفين ليرده، فقال: «وادعوا برواية رووها عن جعفر بن محمد وغيره: أن عمر ضرب فاطمة بسوط، وضرب الزبير بالسيف»(167) فجعل جعفر مرتضى كلام القاضي عبد الجبار رواية مستقلة، وهذا من العجائب، وقد اعتذر عن صنيعه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 85بعذر أعجب، فقال: «لا ندري إن كان يشير إلى هذه الروايات التي ذكرناها، أو إلى غيرها، فلأجل ذلك أفردنا كلامه بالنقل»(168) والحقيقة أن هذا الكلام مأساة بعينها، فإذا كان جعفر مرتضى العاملي لا يدري ما هو المصدر الذي نقل منه القاضي عبد الجبار هذه الرواية، فلماذا يجعل كلامه رواية مستقلة بذاتها؟، خاصة حين تعلم أن القاضي عبد الجبار قد بين أن هذه الرواية لا أصل لها، فنقل عن شيخه أبي علي الجبائي المعتزلي أنه قال: «وهذا الذي رووه عن جعفر بن محمد من ضرب عمر لا أصل له، بل المروي عن جعفر بن محمد أنه كان يتولى(169) أبا بكر وعمر»(170) وهذه العبارة لم ينقلها جعفر مرتضى عن القاضي عبد الجبار لأنها تفسد عليه مراده
والذي ألجأ جعفر مرتضى العاملي إلى مثل هذه الأساليب الغريبة هو هوسه بالاستكثار من الأدلة، فحاله مثل حال الغريق الذي يتمسك بالقشة، فهو لا يهتم بقيمة الأدلة ولا بحجيتها، بل يهتم بحشد الأدلة وتكثيرها، فما أصدق وصف محمد الحسيني في رده عليه حين قال عنه: «يبدو في أكثر أحيانه كحاطب ليل»(171) .
ولهذا ركزنا في هذه الدراسة على الروايات التي ورد فيها التصريح بواقعة كسر الضلع دون بقية الروايات التي لا تدل على هذه الواقعة، فتوسعنا في دراستها بطريقة مفصلة من جهة السند والمتن.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القسم الأول: الروايات المسندة
سنتناول في هذا القسم الروايات التي وردت في الكتب الروائية للإمامية والتي ذكرت واقعة كسر الضلع، وسندرسها دراسة موسعة، من جهة السند والمتن، وسنرتبها ترتيبا تاريخيا بحسب من نُسبت إليه الرواية، فبدأنا بالروايات التي تُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ما نُسب إلى الصحابة رضي الله عنهم بمن فيهم علي رضي الله عنه، ثم ما نُسب إلى بقية الأئمة، فكان مجموع الروايات التي درسناها اثنتي عشرة رواية.
وقد سلكنا في دراستنا لهذه الروايات المنهج المتبع عند الإمامية في دراسة الأسانيد ونقدها، ورجعنا إلى مصادرهم وكتب الرجال المعتمدة عندهم، كما أننا أوردنا أحكام علمائهم على أسانيد الروايات إن وجدنا لهم كلاما فيها.
ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم
1 -رواية كتاب سُليْم بن قيس
جاء في كتاب سليم بن قيس(172) رواية طويلة تذكر أن سليمًا قال «لعبد الله بن العباس - وجابر بن عبد الله الأنصاري إلى جنبه -: شهدتَ النبي صلى الله عليه وسلم عند موته؟ قال: نعم، لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع كل محتلم من بني عبد المطلب وامرأة وصبي قد عقل، فجمعهم جميعًا فلم يدخل معهم غيرهم»، ثم تزعم الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه وصايا عدة إلى أهل البيت رضي الله عنهم ثم إلى علي رضي الله عنه، ثم خاطب صلى الله عليه وسلم فاطمة قائلًا لها: «إنك أول من يلحقني من أهل بيتي، وأنت سيدة نساء أهل الجنة، وسترين بعدي ظُلمًا وغيظا حتى تُضربي ويُكسر ضلع من أضلاعك ، لعن الله قاتلك، ولعن الآمر والراضي والمعين والمظاهر عليك وظالم بعلك وابنيك»(173) .
دراسة سند الرواية
تعد الروايات الموجودة في كتاب سليم بن قيس أحد المصادر الرئيسة والمهمة التي اعتمد عليها أنصار أسطورة كسر الضلع، إن لم يكن عمدتها على حد ما قاله الشيخ الإمامي هاشم الهاشمي(174) وقد ورد في هذا الكتاب خمس روايات مطولة عن هذه القضية، وقد نُسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلي و ابن عباس وسلمان رضي الله عنهم، وسليم بن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 88قيس.
وهذه الرواية مختلقة موضوعة لا أصل لها، لأن سليم بن قيس اسم لرجل لم يكن له أي وجود في الدنيا، وأما الكتاب المنسوب له فهو مختلق موضوع فضلًا عن تعرضه للدس والتزوير، وكذلك متن الرواية يشهد على نفسه بالوضع والصناعة، وتفصيل ذلك سيظهر من خلال الكلام عن سليم بن قيس وكتابه، وسندرس حال سليم وكتابه في عدة مسائل:
المسألة الأولى: تحقيق حال سليم بن قيس
عند دراسة آراء علماء الإمامية حول سليم بن قيس وجدنا أنهم اختلفوا في أمره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن سليم بن قيس شخصية خيالية مختلقة
ويبدو أن هذا القول كان موجودًا منذ القرن الخامس، وقد نسب ابن الغضائري (عاش في القرن الخامس) هذا القول إلى جماعة من أصحابهم فقال في ترجمة سليم: «وكان أصحابنا يقولون: إن سُليمًا لا يعرف، ولا ذُكر في خبر»(175) ، وقد تبنى عبد المهدي الجلالي-من الإمامية- هذا القول، وكتب مقالة مفصلة عنوانها «سليم بن قيس حقيقة واقعة أم شخصية مصطنعة»(176) ، قام فيها بسبر واستقراء كتب الرواية والتاريخ والرجال السنية والإمامية، وخلص فيها إلى أن سليم بن قيس شخصية خيالية، فقال: «نخلص إلى أن اسم سليم اسم بدون مسمّى، اسم موهوم وموضوع، فلم يوجد في تاريخ الإسلام شخصٌ بهذا الاسم. والاحتمال القوي أن أفرادًا أو فردًا عمد إلى صنع هذه الشخصية، ومن ثم نسب إليها ذلك الكتاب، وجعلوه ناطقًا باسمه»(177) .
وقال ابن أبي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 89الحديد المعتزلي المعروف بغلوه في علي رضي الله عنه «فأما رواية سليم بن قيس الهلالي فليست بشيء، وسليم معروف المذهب ويكفي في رد روايته كتابه المعروف بينهم المسمى «كتاب سليم»، على أني قد سمعت من بعضهم من يذكر أن هذا الاسم على غير مسمى، وأنه لم يكن في الدنيا أحد يعرف بسليم بن قيس الهلالي، وأن الكتاب المنسوب إليه منحول موضوع لا أصل له، وإن كان بعضهم يذكره في اسم الرجال»(178)
القول الثاني: أن سليم بن قيس ضعيف
عد جماعة من علماء الرجال سليم بن قيس في الضعفاء، كزين الدين العاملي(179) ، وعبد النبي الجزائري(180) ، ومنهم من ذهب إلى الحكم بجهالته، كمحمد صالح المازندراني حيث قال: «سليم بضم السين مجهول الحال»(181) ، ومنهم من ذهب إلى أنه كذَّاب مشبوه، كهاشم معروف الحسني، حيث يقول عن سليم: «هو من المشبوهين المتّهمين بالكذب»(182) .
القول الثالث: أن سليم بن قيس ثقة
ولعل أول من صرح بذلك هو البرقي حينما عد سليم بن قيس من
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 90أولياء علي رضي الله عنه(183) وهو قول عدة من علماء الرجال(184) وعامة الأخباريين(185) ولذلك ادعى محمد تقي المجلسي –المشهور بالمجلسي الأول الاتفاق على القبول بكتاب سليم قائلًا: «كتاب سليم بن قيس الهلالي المقبول عند العامة والخاصة»(186) ولا غرابة في دعواه، فهو أحد رؤوس الأخباريين الذين يرون صحة عامة الكتب الروائية، وتبعهم على ذلك جماعة من المعاصرين(187) خاصة الأخباريون الجدد(188)
والقول الأول الذي يقضي بأن سليم بن قيس اسم مختلق لا حقيقة له هو القول الأصوب الذي تنصره الأدلة، لعدة وجوه ملخصها(189) أن كل ما يقال عن سليم بن قيس مداره على الكتاب المنسوب إليه، فلا يوجد أي دليل يثبت وجود سليم بن قيس سوى الروايات التي تُنسب إليه، يقول مهدي جلالي: «لا خبر يثبت تواجد سليم الفعلي وحضوره التاريخي، حتى أن
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 91الكتب التي بحثنا فيها من أجل الدقة العلمية قد بلغت ألف كتاب ونيف، وأينما وجد اسمه فهو حتمًا منقول عن الكتاب الذي نسب إليه»(190) وقال أيضا: «ما ذكرته بعض الكتب من أن سليمًا قد عاشر الأئمة الخمسة الأوائل والتابعين الكبار لا يستند إلى أي دليل أو مستند تاريخي مستقلّ، بل كان المعتمد سواء بطريق مباشر أو غير مباشر على كتاب سليم»(191)
كما أن مدار سائر أسانيد كتاب سليم على رجل واحد وهو أبان بن أبي عياش(192) كما أن سائر ما روي عن سليم في الكتب الروائية الإمامية هو من رواية أبان(193)
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 92وقد جاء في أول كتاب سليم قصة يظهر عليها الوضع والاختلاق، ملخصها أن سليمًا لم يحدث بكتابه أحدًا سوى أبان بن أبي عياش وأوصاه أن لا يحدث به حتى يموت(194) وأن أبان لم يحدث بهذا الكتاب أحدًا سوى عمر بن أذينة، ومقتضى هذه القصة أن مدار إسناد كتاب سليم على رواية عمر بن أذينة عن أبان فقط، وهذا
يبطل كل الأسانيد الأخرى التي يتوهم منها رواية غير أبان عن سليم، وسيأتي أن أسانيد كتاب سليم كلها أسانيد ضعيفة وفيها رواة متهمون بالكذب والوضع، فإذا تبينت ذلك فالتحقيق أن سليم شخصية لا وجود لها.
تحقيق حال الكتاب المنسوب إلى سليم بن قيس
لقد اختلفت أقوال علماء الإمامية في حال كتاب سليم بن قيس على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن كتاب سليم بن قيس لا يثبت
فذهب جماعة من علماء الإمامية إلى أن كتاب سليم موضوع ومصنوع، أولهم هو ابن الغضائري، حيث يقول: «الكتاب موضوع، لا مِرية فيهِ»(195) واتهم أبان بن أبي عياش بوضعه فقال: «وينسب أصحابنا وَضْعَ «كتاب سليم بن
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 93قَيس» إليه»(196) وتبعه على ذلك ابن داود الحلي فقال: «في الكتاب مناكير مشتهرة، وما أظنه إلا موضوعًا»(197)
ووافقه على ذلك أبو الحسن الشعراني، في عدة من كتبه، فقال عن كتاب سليم إنه «موضوع لغرض صحيح»(198) ، ووصف الكتاب بأنه «كتاب مجعول موضوع نُسب وضعه إلى أبان بن أبي عياش وهو ضعيف جدًا»(199) ، وقال أيضًا: «ولذلك ترى روايات كتاب سليم بن قيس منقولة في الكتب الأربعة مع أنّ الكتاب ضعيف مكذوب»(200) ، وقال في موضع آخر: «والراجح أن هذا الكتاب موضوع وينسب إلى أبان بن أبي عياش(201) ، والظاهر أنه وضعه لغرض صحيح على لسان سليم بن قيس لتعليم الحجة»(202) ، بل ونسب القول بوضع كتاب سليم بن قيس إلى جل المحققين فقال: «وقد حكم جل محققي الطائفة بكونه مجعولًا»(203) .
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأما حسن زاده الآملي، فقال في رده على استدلال حسين النوري الطبرسي برواية من كتاب سليم بن قيس: «كتاب سليم بن قيس موضوع وما تفرد به ضعيف جدًا»(204) .
وقال مرتضى الحائري: «أبان بن أبي عياش مرمي بالضعف وبجعل كتاب سليم والله العالم»(205) .
وقضى محمد باقر البهبودي بأن الكتاب من وضع الغلاة فقال: «الذي أعتقده بعد سبر الكتاب صدرًا وذيلًا ونقده كلمة كلمة، أن الكتاب موضوع وضعه أحد الغلاة على لسان سليم بن قيس»(206) .
و أدرج حسين الراضي كتاب سليم بن قيس ضمن الكتب الموضوعة(207) .
ومن علماء الإمامية من ذهب إلى أن كتاب سليم لا يصح لضعف إسناده، وأول من وقفنا عليه يحكم بضعف إسناد كتاب سليم هو أحمد بن موسى ابن طاووس الحلي ( 673 هـ)، إذ يقول: «الطريق غير معتبر، فيه إبراهيم بن عمر الصنعاني وأبان بن أبي عياش، طعن فيهما ابن الغضائري»(208) .
وأشهر من ذهب إلى هذا القول من المراجع المعاصرين هو أبو القاسم الخوئي حيث قال عن أحد أسانيد كتاب سليم: «الصحيح أنه لا طريق لنا إلى كتاب سليم بن قيس المروي بطريق حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 95عنه، وذلك فإن في الطريق محمد بن علي الصيرفي أبا سمينة وهو ضعيف كذاب»(209)
وقال عن إسناد الطوسي إلى الكتاب: «وكيفما كان فطريق الشيخ إلى كتاب سليم بن قيس بكلا سنديه ضعيف»(210) .
وهو قول المرجع علي السيستاني حيث أجاب عن سؤال عن صحة كتاب سليم بن قيس قائلًا: «في سنده إشكال»(211) .
ويقول المرجع محمد آصف محسني: «كتاب سليم لم يصل بسند معتبر، ولا أن نسخته وصلت بسند معتبر، نعم لبعض ما حكي عنه سند معتبر في مصادر أخرى»(212) .
ويقول حيدر حب الله – الأستاذ في حوزة قم: «كتاب سليم بن قيس لا قيمة تاريخية له»(213) .
وقد أفرد الشيخ الإمامي حسين المصطفى كتاب سليم بدراسة موسعة ومفصلة في كتابه التأسيس في نسبة كتاب سليم بن قيس، فتتبع سائر أسانيد الكتاب وضعفها، وانتهى إلى عدم صحة كتاب سليم بن قيس(214) .
القول الثاني: أن أصل كتاب سليم ثابت لكن الكتاب تعرض للدس والتدليس
وأول من قرر هذا القول هو المفيد 413 هـ)، حيث علق على استدلال ابن بابويه القمي برواية من كتاب سليم بن قيس قائلًا: «هذا الكتاب غير موثوق به،
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 96وقد حصل فيه تخليط وتدليس؛ فينبغي للمتديِّن أن يجتنب العمل بكلّ ما فيه، ولا يُعَوِّل على جملته والتقليد لروايته، ولْيَفزعْ إلى العلماء فيما تَضَمَّنه من الأحاديث لِيُوقفوه على الصحيح منها والفاسد»(215)
والغريب أن هذا الرأي لم تكتب له الشهرة(216) ، مع أن قائله من أكابر علماء الإمامية، فقد وجدنا قلة من علماء الإمامية أيد المفيد في هذه المقالة، وأشهر من تبنى هذا القول من المراجع المعاصرين هو محمد حسين فضل الله حيث يقول: «كتاب سليم بن قيس الذي هو العمدة في الموضوع ليس بمعتمد في صيغته بشهادة الشيخ المفيد وغيره، مع أن فيه خلطًا لا يخفى على أحد»(217) .
وقد تبنى قول المفيد جماعة من علماء الإمامية المعاصرين، منهم المحقق محمد تقي التستري حيث قال: «الحقّ في كتابه أنّ أصله كان صحيحًا، قد نقل عنه الأجلّة المشايخ الثلاثة والنعماني والصفّار وغيرهم، إلّا أنّه حدث فيه تخليط وتدليس من المعاندين، فالعدوّ لا يألو خبالا كما عرفت من المفيد»(218) وقال أيضًا: «الأصحّ ما قال المفيد من وقوع التخليط فيه فلا يعوّل على جملته،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 97فما قامت القرائن من أخباره على صحّتها يُعمل بها، وما قامت على عدمها يُجتنب العمل بها، وما خلت عنها يتوقّف فيها»(219)
وقد اعتمد محمد هادي معرفة على كلام المفيد أيضًا، فقال عن كتاب سليم: «هل النسخة الدارجة هي النسخة الأصل؟ لقد تشكّك فيها جلّ أهل التحقيق. قال الشيخ المفيد: هذا الكتاب غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس»(220) ثم سرد الأدلة على ذلك من خلال اختلاف نسخ الكتاب والإشكالات التي وُجهت إلى متونه ثم قال: «قد صحّ ما قاله قدوة أهل التحقيق الشيخ المفيد قدّس سرّه بشأن الكتاب»(221) وقريب من هذا ما قاله مرتضى العسكري فقد رد في عدة مواضع روايات كتاب سليم بن قيس معتمدًا على كلام المفيد فقال: «كان سليم من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، غير أن النسخة المنسوبة إليه انتشرت بعد وفاته»، ثم نقل كلام المفيد الآنف(222) وقد تبنى المرجع المعاصر كمال الحيدري هذا القول أيضًا، وإن جمع إلى ذلك تضعيف إسناد الكتاب، فقال عن كتاب سليم بن قيس: «كان متروك العمل به...لما ورد فيه من طعن كبير»(223) وقال أيضًا: «من نقاط الضعف الأخرى في الكتاب أن راويه الوحيد أو الأبرز هو أبان بن أبي عياش الذي عبروا عنه بأنه ضعيف الرواية جدًا،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 98حتى نسب الكثير من أعلامنا هذا الكتاب له»(224) ولخَّص رأيه في الكتاب قائلًا: «خلاصة القول في كتاب سليم بن قيس الهلالي هو أن الهلالي نفسه ثقة عظيم الشأن، إلا أن الكتاب المنسوب له غير موثوق به»، ثم نقل قول المفيد الآنف(225)
وقول المفيد هو ما اختاره محمد رضا السيستاني في حكمه على كتاب سليم بن قيس حيث قال مبينًا موقفه من الكتاب: «لعل القول الوسط فيه هو ما ذكره الشيخ المفيد» ونقل كلام المفيد ثم قال: «يظهر أن الكتاب ليس موضوعًا وإن ادعاه البعض، ولكن ليس كل ما فيه صحيحًا يمكن التعويل عليه، بل لا بد من تمييز الصحيح منه عن الفاسد بالأساليب العلمية المتبعة في أمثاله»(226) .
ويمكن اعتبار ابن المطهر الحلي ممن ينحو هذا المنحى فقد لخَّص رأيه في الكتاب قائلًا: «والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه، والتوقف في الفاسد من كتابه»(227) ، فمعنى كلامه أن الكتاب مشتمل على الغث والسمين.
وقد تبعه على ذلك الداماد فقال عن سليم: «يُنسب إليه هذا الكتاب المشهور المشتمل على مناكير فاسدة...والحق عندي فيه وفاقًا للعلامة وغيره من وجوه الأصحاب تعديله واستفساد الفاسد من الكتاب المنسوب إليه»(228) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القول الثالث: أن كتاب سليم معتمد ومعتبر
لعل أول من صرح من علماء الإمامية بأن كتاب سليم بن قيس معتمد هو محمد بن إبراهيم النعماني ( عاش في القرن الرابع )، فقال: «ليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة (عليهم السلام) خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم، ومن حملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) وأقدمها،...وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها ويعول عليها»(229) ، وهو قول عامة الأخباريين(230) ، وجماعة من المعاصرين(231) ، خاصة الأخباريون الجدد(232) .
وهذا القول ليس له نصيب من التحقيق العلمي، وسائر ما استدل به أصحابه لتوثيق أبان لا يلتفت إليه، فأبان لم يوثقه أي أحد من علماء الرجال القدماء، بل اتفق قدماء علماء الرجال على تضعيفه، فقد ضعفه كل من ابن الغضائري والطوسي، وضعفه جماعة من المتأخرين، ولذا ذكره حسين الساعدي في «الضعفاء من رجال الحديث» قائلًا: «ضعيف، تابعي، روايته في مدرسة
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 100الخلفاء مشهورة، نُسب إليه وضع كتاب سُليم بن قيس ضعّفه ابن الغضائري والطوسي، وعدّه من الضعفاء العلامة الحلّي، وابن داوود، والجزائري، ومحمّد طه نجف، والبهبودي»(233)
والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول، الذي يقضي بأن كتاب سليم بن قيس مختلق وموضوع، لما قدمنا من قبل من كون سليم بن قيس شخصية مختلقة، ولكون مدار سائر أسانيد أسانيد كتاب سليم بن قيس على رجل واحد هو أبان بن أبي عياش، ويمكن تقسيم أسانيد كتاب سليم من حيث أصلها إلى ثلاثة أقسام:
-القسم الأول: الأسانيد التي وردت في المصادر الروائية للإمامية التي نقلت بعض روايات سليم بن قيس.
-القسم الثاني: الأسانيد التي وردت في كتب الرجال والفهارس والإجازات.
-القسم الثالث: الأسانيد التي وردت في بعض النسخ الخطية لكتاب سليم بن قيس.
وقد أوصلها محمد باقر الزنجاني الأنصاري إلى 21 طريقًا(234) ، وهي تنتهي بأجمعها إلى أبان بن أبي عياش.
وقد قام الشيخ الإمامي حسين المصطفى بدراسة سائر أسانيد الكتاب، وخلص إلى ضعفها جميعًا فقال: «لا نجد في طرق كتاب سليم بن قيس طريقًا واحدًا يسلم مما يبطله، أو يجعله في موضع الضعف الشديد الذي لا يصح معه الاحتجاج، ولا الاستدلال على ثبوت الكتاب
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد حاول بعضهم أن يدعي أن أصل تضعيف أبان بن أبي عياش من أهل السنة(236) ، وهذا ليس إلا رجمًا بالغيب، فالطوسي وابن الغضائري لم ينقلا تضعيف أبان عن أي أحد من علماء أهل السنة، وهذه الطريقة التي يُعتذر بها عن بعض الضعفاء مبنية على مقدمة فاسدة، وهي أن تضعيف أبان الذي اتفق عليه أهل السنة وقدماء الإمامية ليس تضعيفا معتمدًا لأن منشأه من أهل السنة، وهذه دعوى باطلة.
ثم لو سلمنا جدلا بهذه الدعوى، وقلنا بعدم تضعيف أبان، ستكون النتيجة أنه مجهول، حيث لم يوثقه أحد من القدماء، إلا إن قال هؤلاء بأن سقوط الجرح يستلزم الوثاقة!.
وحاول بعضهم توثيق أبان بناء على ما ورد في كتاب سليم من أنه وثِق به وأخبره بالكتاب، وهذا من الغرائب، وهو منهج يعتمد على توثيق الرواة بناء على رواية أنفسهم، وقد نقض الخوئي في مقدمة معجمه هذه القاعدة قائلًا: «ربما يستدل بعضهم على وثاقة الرجل أو حُسنه برواية ضعيفة أو برواية نفس الرجل، وهذا من الغرائب» فإن الرواية الضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها، كما أن في إثبات وثاقة الرجل وحسنه بقول نفسه دورًا ظاهرًا!(237) ، بل إن الخوئي جعل الاستدلال بهذه القاعدة من المضحكات، قائلًا: «الاستدلال على وثاقة شخص، وعظم رتبته بقول نفسه من الغرائب، بل من المضحكات»(238) .
والخلاصة أننا لو تجاوزنا عن سائر العلل الواردة في أسانيد كتاب سليم، وغضضنا الطرف عن كونه كتابًا موضوعًا، فإن النتيجة هي أن إسناد الكتاب على قواعد الإمامية لا يثبت وبذلك يسقط الاستدلال بالكتاب(239) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إشكال مهم حول روايات كسر الضلع في كتاب سليم بن قيس
لاحظنا أثناء دراسة روايات كسر الضلع المروية في كتاب سليم بن قيس أن القدماء الذين نقلوا روايات كثيرة عن سليم بن قيس، من نظراء الكليني والنعماني وابن بابويه القمي والمفيد والشريف المرتضى والطوسي ونظرائهم من القدماء وغيرهم، لم ينقلوا أي رواية من الروايات التي ورد فيها كسر الضلع عن سليم، وأقدم من وجدناه ينقل ذلك من كتاب سليم هو أبو منصور الطبرسي (عاش في القرن السادس) في «الاحتجاج»، ثم ظهرت هذه الروايات في النسخ المتأخرة لكتاب سليم، وقد تنبه لذلك الباحث الإمامي أحمد الكاتب فقال: «لقد انتبهت وأنا أكتب هذه السطور الى عدم ذكر الكليني ( 329 ) في (الكافي) لرواية سليم، ولأية رواية أخرى حول الهجوم على بيت الزهراء، وكذلك للتفاصيل الأخرى التي ستشيع من بعده في القرن الرابع الهجري، رغم أن الكافي يعتبر من أول وأصح الكتب عند الإمامية، ولكنه مع ذلك لم يذكر شيئًا عن حكاية التهديد بالإحراق، أو الإحراق الفعلي بالنار، أو ضرب الزهراء، أو إسقاط جنينها، وما إلى ذلك من الروايات المختلقة التي رويت على لسان (سليم بن قيس الهلالي) في كتابه المزعوم، رغم أن الكليني كما يبدو، كان يعرف كتاب سليم، ونقل عنه بعض الأحاديث»(240) .
وهنا يُطرح تساؤل مهم: ما الذي يثبت أن الروايات التي جاءت في كتاب سليم عن كسر الضلع ليست من الروايات المدسوسة في الكتاب؟ خاصة أن كتاب سليم بن قيس قد تعرض للدس والتدليس كما نص على ذلك المفيد وغيره من علماء الإمامية.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
2 -رواية الأمالي
قال ابن بابويه القمي المشهور عند الإمامية بالشيخ الصدوق ( 381 هـ): حدثنا علي بن أحمد بن موسى الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ...، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا ذات يوم فأقبل الحسن والحسين وفاطمة وعلي رضي الله عنهم واحدًا بعد واحد، فكلما دخل منهم أحد يبكي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سأله أصحابه عن سبب بكائه، ذكر فضائل كل واحد منهم ثم قال: «وأما ابنتي فاطمة، فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، ... وإني لما رأيتها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها ، وكسر جنبها ، وأسقَطت جنينها ، وهي تنادي: يا محمدًاه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث،... فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يا فاطمة ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ثم يبتدئ بها الوجع فتمرض، فيبعث الله عز وجل إليها مريم بنت عمران، تمرضها وتؤنسها في علتها، فتقول عند ذلك: يا رب، إني قد سئمت الحياة، وتبرَّمتُ بأهل الدنيا، فألحقني بأبي. فيُلحقها الله عز وجل بي، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم عليَّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة ، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وأذل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها ، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين(241) ....» .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
دراسة سند الرواية
إن هذا الإسناد تالف، إذ إن جملة من رواته مجاهيل ومتهمون بالكذب والضعف، بل منهم الملعون، وإليك البيان:
علي بن أحمد بن موسى الدقاق: لخص الجواهري حكم الخوئي فيه فقال (مجهول)(242) موسى بن عمران النخعي: لا إشكال في أنه مجهول لم تتعرض لحاله كتب الرجال، وقد حكم بجهالته كل من المامقاني(243) وإبراهيم الشبوط(244) ومحسن الأعرجي(245) وقال الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني: «علماء الرجال لم يذكروه لا بمدح ولا قدح، وكونه من رجال كامل الزيارات لا يكفي في توثيقه»(246) وقال الشيخ عباس الحاجياني الدشتي: «لا أثر له في كتب الرجال»(247) وقال مسلم الداوري: «لم يرد فيه توثيق»(248) وعليه فمن ذهب إلى توثيقه بناء على أدلة مرجوحة فقد جانب الصواب، فالحق مع من حكم بضعفه كما هو
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مقتضى علم الرجال. الحسين بن يزيد النوفلي: ضعفه المجلسي الأول(249) وقال الشهيد الثاني: «وضعفه أشهر من أن يذكر»(250) وقال بحر العلوم معلقًا على أحد الأسانيد: «المشهور ضعف السند بالنوفلي لضعفه أو جهالته»(251) وضعفه الشيخ علي پناه الاشتهاردي(252)
ولخص حسين الساعدي مجمل القول فيه فقال: «قال النجاشي: قال قوم من القميين إنه غلا في آخر عمره والله أعلم، وتوقف العلامة في روايته بمجرد ما نقله عن القميين، وعدم الظفر بتعديل، وعدَّه من الضعفاء كل من العلامة، وابن داود، والجزائري، ومحمد طه نجف، والبهبودي، ويظهر من رواياته الوضع والاختلاق»(253) .
الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني :
ضعيف عند جل علماء الرجال، نقل النجاشي عن علي بن الحسن بن فضال الطعن فيه(254) وجاء الطعن مفسرًا عند الكشي وفيه: «عن محمد بن مسعود قال
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 106سألت علي بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة فقال: «كذاب ملعون لا أستحلّ أن أروي عنه حديثا واحدًا»»(255) وقال ابن الغضائري في رجاله: «ضعيف في نفسه»(256) وضعّفه كل من ابن المطهر الحلي(257) وعبد النبي الجزائري(258) ومحسن الأعرجي(259) والمامقاني(260) وإبراهيم بن حسين الدنبلي الخوئي(261) وطعن فيه أبو القاسم الخوئي(262) وقال مسلم الداوري: «لا يمكن الحكم بوثاقته ويعامل معاملة المجهول»(263) وقال علي الأبطحي عن الحسن بن علي البطائني وعن أبيه: «لا إشكال في ورود القدح في كل منهما بأنه كذاب»(264) وقدح فيه كثير من علماء الرجال مما لا يسع المجال لذكرهم، حتى أن الشيخ محمد جعفر شمس الدين نقل الإجماع على ضعفه فقال: «الخلاصة أن ضعفه وسقوط رواياته عن الاعتبار مما أجمع عليه أصحابنا»(265)
علي بن أبي حمزة البطائني والد الحسن بن علي: قال ابن الغضائري: «لعنه
حواشي هذه الصفحة11 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الله، أصل الوقف»(266) وضعفه كل من ابن المطهر الحلي(267) والشهيد الثاني(268) ونقل الخوانساري عن إسماعيل الخاجوئي اتفاق الإمامية على القدح به إلا من شذ منهم، فقال: «وأنا إلى الآن لم أجد أحدًا من الأصحاب غير الشيخ في هذا الكتاب يوثق علي بن أبي حمزة البطائني، أو يعمل بروايته إذا انفرد لأنه خبيث، واقفي، كذاب، مذموم»(269) وقال الفاني الأصفهاني: «لا يوجد أثر لتوثيق علي بن أبي حمزة من أحد على الإطلاق، بل نص على خبثه وكذبه بل ورد فيه اللعن والذم الكثير»(270) وقال الشيخ محمد طالب يحيى: «والمشهور بين الأصحاب قديمًا وحديثًا ضعفه»، وقال: «وقد تلخص الكلام في أنّ علي بن أبي حمزة البطائني واقفي ضعيف بالمعنى الأعم، ساقطة أخباره عن الحجية»(271) وحكم الخوئي بضعفه(272)
وحكم محمد إسماعيل الخواجوئي بالجهالة أو الضعف على رواية فيها كل من (محمد ابن أبي عبد الله الكوفي وموسى بن عمران النخعي، والحسين بن يزيد النوفلي، وعلي بن أبي حمزة البطائني) فقال: «الكوفي والنخعي مجهولان، والنوفلي قد رماه قوم من القميين في آخر عمره بالغلو، والبطائني قائد أبي بصير واقفي ورد فيه ما ورد عن الرضا (عليه السلام) من الطعن واللعن، فالرواية بين كونها مجهولة أو ضعيفة السند»(273) .
تنبيهان:
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التنبيه على أوهام وفيق سعد العاملي في كتابه «أين الإنصاف»
التنبيه الأول: توهم وفيق العاملي أن الفضل بن شاذان روى هذه الرواية، فقال: «وروى ابن شاذان المتوفي سنة 260 ه عن ابن عباس، قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا، إذ أقبل الحسن (ع)، فلما رآه بكى، ....... كأني بها وقد نزل الذل بيتها وانتهكت حرمتها، وغصب حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها وأسقطت جنينها»»(274) .
وقول وفيق العاملي «وروى ابن شاذان المتوفي سنة 260 هـ»، خطأ بلا شك لأن الناقل لهذه الرواية هو «أبو الفضل سديد الدين شاذان بن جبرائيل» في كتابه «الفضائل»(275) ، وهو من علماء القرن السادس أو السابع(276) ، وليس هو «الفضل بن شاذان بن الخليل النيسابوري»(277) الذي عدهّ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام علي بن محمد الهادي ( 254 هـ)(278) ، ومن أصحاب الإمام الحسن العسكري ( 260 هـ)(279) .
التنبيه الثاني: إن أبا الفضل شاذان بن جبريل في كتابه الفضائل إنما نقل الرواية من
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 109كتاب أمالي الصدوق(280) وحذف إسناد الرواية ولفق عدّة روايات في متن واحد، دون أن يبين ذلك وبدأ الرواية بقوله: «ومما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في فضل عليّ وأهل بيته عليه السلام عن ابن عباس....». وساق الخبر(281) فقال وفيق العاملي: «وروى ابن شاذان المتوفي سنة 260 هـ عن ابن عباس، قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا، إذ أقبل الحسن (ع)، فلما رآه بكى
فظن وفيق العاملي أن الفضل بن شاذان المعدود من أصحاب الأئمة يروي هذه الرواية، وجعل كتابه مصدرًا لها، ولم يتفطن إلى أن الرواية الواردة في كتاب شاذان بن جبرئيل (الذي عاش في القرن السادس أو السابع) منقولة من كتاب الأمالي للصدوق.
تنبيه على تمويه جعفر مرتضى العاملي في كتابه مأساة الزهراء
لقد حاول جعفر مرتضى العاملي أن يموه على القارئ حينما ذكر هذه الرواية في كتابه مأساة الزهراء ضمن الروايات التي تثبت وقوع كسر الضلع، فعزا هذه الرواية إلى كتاب «فرائد السمطين» الذي يُنسب إلى إبراهيم بن محمد الجويني 730 هـ)(282) وذلك ليوهم القارئ أن الخبر مروي من طرق أهل السنة، لكن الحق أن هذه الرواية ليست إلا رواية الأمالي التي رواها ابن بابويه القمي، فقد وردت في كتاب فرائد السمطين بإسناد ينتهي إلى علي بن أحمد بن موسى الدقاق،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 110وهو نفس الراوي الذي روى عنه ابن بابويه هذا بنفس الإسناد حذو القذة بالقذة، يقول صاحب فرائد السمطين: «أنبأني الشيخ أبو طالب علي بن أنجب بن عبيد الله بن الخازن، عن كتاب الإمام برهان الدين أبي الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي، عن أبي المؤيّد ابن الموفّق، أنبأنا علي بن أحمد بن موسى الدقاق، قال أنبأنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: أنبأنا موسى بن عمران، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن عليّ بن حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم»(283) ثم ذكر الخبر، فهذا الإسناد هو نفس إسناد الأمالي، وليس من أسانيد أهل السنة.
ثم إن هذا الإسناد هو إسناد مركب ومسروق ومنحول، فقد سرق واضعه هذا الإسناد من
كتاب ابن بابويه وركب له إسنادا آخر من رواية إبراهيم الجويني ثم وصل الإسنادين ولفق متن رواية الأمالي لصاحب فرائد السمطين، ولكنه بسبب جهله وقع في خطإٍ فاحش، إذ إنه جعل أبا المؤيد الخوارزمي يحدث عن الدقاق مباشرة! وهذه طامة كبرى إذ إن الخوارزمي قد ولد سنة 484 هـ(284) ، فبينه وبين الرواية عن الدقاق مفاوز، فالدقاق وإن لم تذكر سنة وفاته غير أن أقصى ما يقال: إنه توفي قبل سنة 400 هـ على أقصى تقدير، إذ إنه شيخ ابن بابويه القمي الذي توفي سنة ( 381 هـ)، فإذا تقرر هذا فكيف يُتصور أن يروي الخوارزمي عن الدقاق مباشرة؟.
وقد تنبه لهذه المعضلة محمد باقر المحمودي محقق كتاب فرائد السمطين، فعلق على هذا الإسناد قائلًا: «الرجل ليس من مشايخ أبي المؤيّد الموفّق بن أحمد بل هو من مشايخ ابن بابويه وقد حُذف من الأصل الواسطة بين أبي
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 111المؤيّد وهذا الرجل، ولم يتيسّر لنا تحقيق ذلك، والظاهر أنّ الحديث ذكره الخوارزمي في مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)
ورواه أيضًا ابن بابويه في الحديث الثاني من المجلس ( 24 ) من أماليه ص 112 ، عن عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي(285) . . .» .
والجواب: إن ما ذكره من وجود حذفٍ في الإسناد لا يستقيم، بل الصواب أن هذه غفلة فاحشة من واضع هذه الرواية، فضلًا عن أن واضع الإسناد الأصلي أخطأ في اسم الخوارزمي فسماه أبا المؤيد ابن الموفق، والصواب أن الموفق هو لقب لأبي المؤيد ولم يتنبه المحقق لذلك فترك الإسناد على حاله، والمقصود أن الاعتذار بوقوع سقط في الإسناد اعتذار بعيد.
فإذا تبين أن أصل هذه الرواية من كتاب الأمالي وأن بقية المصادر التي حشدها جعفر مرتضى العاملي لا قيمة لها، لكونها تنقل هذا الخبر من الأمالي، يتبين لك وجه الخلل في صنيع جعفر مرتضى، ويتبين أن غرضه هو المبالغة في حشد المصادر والاستكثار منها، وهذا المنهج الغريب الذي يقوم على تضخيم الحواشي بالمصادر التي ترجع إلى كتاب واحد يتكرر في كتابات كثير من الكُتَّاب الذين يحاولون إثبات روايات (كسر ضلع فاطمة رضي الله عنها)، حيث يتعمدون إيهام القارئ بأن القصة مذكورة في مصادر كثيرة عن طريق تسويد كتبهم بأرقام الصفحات والإحالة على المصادر القديمة والحديثة حتى تصل إلى عشرات المصادر لرواية واحدة، والأصل فيها مصدر واحد فقط كما هو الحال مع هذه الرواية، فرواية الأمالي التي نحن بصددها حكم علماء الإمامية على رواتها بأنهم مجاهيل ومتهمون بالكذب، فأصل سند هذه الرواية في مصدرها الأصلي لا يصلح
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 112للاستدلال، لكنّ هؤلاء الكُتّاب يحاولون الالتفاف على ضعف الرواية بتضخيم عدد المصادر التي وردت فيها، كي يظن القارئ أن هذه الكثرة دليل صحة الخبر، وهذا لا شك أنه خلل منهجي إن لم يكن تدليسا على القراء، فالرواية إذا كان مصدرها كتاب واحد فقط كان ينبغي على جعفر مرتضى ومن سلك مسلكه كوفيق العاملي(286) وغيرهم أن يكتفوا بمصدرها الأول، وبذلك يكفون الباحثين من مغبة تضييع الوقت في تتبع هذا الغثاء من المصادر التي يحشدونها، ليلبسوا بها على العوام، ويحاولوا إيهامهم بصحة الرواية من خلال التكثير من عدد المصادر.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
اختلف علماء الإمامية في الحكم على هذه الرواية على قولين:
القول الأول: القائلون بضعف الرواية
حكم هاشم الهاشمي في حواره مع السيد فضل الله على هذه الرواية بالضعف والإرسال(287) ، ولم يجعلها محمد آصف محسني ضمن الروايات المعتبرة(288) ، وقال محمد الحسيني: «ليست صحيحة، لوقوع الرواة التالية أسماؤهم: النوفلي، لم يوثق، وثقه الخوئي بناء على التوثيق العام، الحسن بن علي ضعيف، والده علي بن أبي حمزة ضعيف جدًا»(289) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القول الثاني: القائلون بصحة الرواية
وصف محمد باقر المجلسي في كتابه «جلاء العيون» إسناد هذه الرواية بأنه معتبر، وهذا عجيب من المجلسي، فقد مضى أن السند مسلسل بالمجاهيل والمتهمين بالكذب والضعف، فضلًا عن ورود اللعن فيهم.
بل إن المجلسي نفسه ضعف (الحسن بن علي بن أبي حمزة) في كتاب الوجيزة في علم الرجال(290) ، وأكثر من الطعن فيه في كتابيه ملاذ الأخيار(291) ، ومرآة العقول(292) ، كما ذكر الشيخ الإمامي حسين الساعدي((293) )، فكيف جعل السندمعتبرا في جلاء العيون؟!، لا شك أن هذا تناقض منه.
وبذلك يتبين أن الصواب مع من حكم بضعف هذه الرواية من علماء الإمامية.
مناقشة متن الرواية
-اشتملت الرواية على أمارات الغلو في فاطمة والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في موضعين:
الأول: ما نُسب للنبي صلى الله عليه وسلم من أنه قال: «فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، يا فاطمة ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾»،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 114فإن هذا كذب قطعًا، ومقتضاه أن الوحي لم ينقطع بعد النبي صلى الله عليه وسلم!.
الثاني: ما نُسب للنبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «فيبعث الله عز وجل إليها مريم بنت عمران، تمرضها وتؤنسها في علتها»، فهو مثل سابقه في الكذب والزور ولا يُظن بالعقلاء التصديق بمثل هذه الخرافات.
3 -رواية كامل الزيارات
قال جعفر بن محمد ابن قولويه ( 368 هـ): «حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قيل له: إن الله تبارك وتعالى يختبرك في ثلاث لينظر كيف صبرك»، إلى أن يقول: «وأما الثالثة فما يلقى أهل بيتك من بعدك من القتل، ... وأما ابنتك فتُظلم وتُحرم ويُؤخذ حقها غصبًا الذي تجعله لها، وتُضرب وهي حامل، ويُدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن، ثم يمسها هوان وذل، ثم لا تجد مانعًا، وتطرح ما في بطنها من الضرب، وتموت من ذلك الضرب... وأول من يحكم فيهم محسن بن علي (عليه السلام) وفي قاتله، ثم في قنفذ، فيؤتيان هو وصاحبه، فيضربان بسياط من نار، لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها، ولو وُضعت على جبال الدنيا لذابت حتى تصير رمادًا، فيُضربان بها...»(294) .
دراسة سند الرواية
هذا الإسناد لا يصح لما يلي:
-علي بن محمد بن سالم قال الشاهرودي: «لم يذكروه»(295) فهو (مجهول)،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 115وذهب الخوئي إلى أن الصواب في اسمه (علي بن محمد بن سليمان النوفلي) وأن (علي بن محمد بن سالم) الوارد في الرواية خطأ، قال الخوئي في ترجمة (علي بن محمد بن سالم): «وغير بعيد أن تكون كلمة سالم هنا محرف كلمة سليمان، فإن علي بن محمد بن سالم غير موجود، لا في الرجال ولا في الروايات، وإنما الموجود علي بن محمد بن سليمان»(296) وقال الجواهري في «المفيد من معجم رجال الحديث» ملخصًا رأي الخوئي في (علي بن محمد بن سليمان): «مجهول»(297) وقال المامقاني: «مهمل مجهول»(298) وعلى كل تقدير سواء كان ابن سالم أو ابن سليمان فكلاهما مجهول.
-عبد الله بن عبد الرحمان الأصم ، قال النجاشي: «ضعيف غال ليس بشيء»(299) ، وقال ابن الغضائري: «ضعيف مرتفع القول، له كتاب في الزيارات، مما يدل على خبث عظيم، ومذهب متهافت، وكان من كذَّابة أهل البصرة»(300) ، وضعفه الخوئي أيضًا(301) ، وقال حسين الساعدي في كتابه الضعفاء من رجال الحديث: «كذّاب، ضعيف، غال، ليس بشيء، له كتاب في الزيارات كله تخليط، ضعّفه النجاشي، وابن الغضائري، وعده من الضعفاء: العلاّمة وابن داوود والجزائري ومحمّد طه نجف والبهبودي»(302) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مناقشة متن الرواية
شواهد الكذب في متن الرواية ظاهرة، فمن ذلك ما جاء فيها من أن النبي صلى الله عليه وسلم أُخبِر ليلة الإسراء بما سيقع على أهل بيته بما فيهم فاطمة رضي الله عنها، ولا ريب أن هذا من أكاذيب الغلاة، ولو كان الأمر بهذه الأهمية لنُقل إلى المسلمين بنصوص صحيحة صريحة، لا أن يتفرد بها المتهمون والمجاهيل.
ومن أمارات الغلو والوضع في الرواية ما جاء فيها أن أول من يُحكم فيه يوم القيامة هو المحسن، وأنقاتليه «يُضربان بسياط من نار، لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها، ولو وضعت على جبال الدنيا لذابت حتى تصير رمادًا، فيُضربان بها»، فكيف يعقل أن أهم وأول قضية تعرض للحساب يوم القيامة هي مقتل المحسن، وهل المحسن أهم من الأنبياء الذين قتلوا حتى يبدأ به؟، وهل مقتل المحسن أهم من مقتل الحسين رضي الله عنه؟، والحق أن واضع الرواية هو من حشاها بهذا الكذب والزور الذي منشؤه الغلو.
ويظهر أن هذه الرواية ونظائرها من الروايات المروية بهذا الإسناد عن الأصم، والتي اشتملت على مضامين مغرقة في الغلو والكذب والسخافة، هي ما حمل ابن الغضائري على أن يقول عن كتاب الأصم في الزيارات: «له كتاب في الزيارات مما يدل على خبث عظيم، ومذهب متهافت، وكان من كذابة أهل البصرة»، فمن تأمل في الروايات التي أوردها ابن قولويه عن الأصم في كامل الزيارات اتضح له صحة كلام ابن الغضائري((303) ) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما نُسب إلى علي رضي الله عنه
ورد في كتاب سليم بن قيس روايتان عن علي رضي الله عنه جاء فيهما أن عمر رضي الله عنه أعفى أحد عماله ويسمى قنفذًا من الغرامة التي فرضها على جميع عماله في بقية الأمصار، شكرًا له على ضرب فاطمة رضي الله عنها، وهذه الرواية وإن كان لها مضمون واحد غير أنها وردت مرتين في الكتاب باختلاف يسير، فأفردنا كل رواية بالدراسة.
4 -رواية كتاب سليم بن قيس الأولى
عن سليم قال: إن أبا المختار بن أبي الصعق كتب إلى عمر بن الخطاب أبياتا يشكو فيها من جور عماله ...فلما قرأها عمر أغرم «تلك السنة جميع عماله أنصاف أموالهم لشعر أبي المختار ولم يغرم قنفذ العدوي شيئًا - وقد كان من عماله - وردَّ عليه ما أخذ منه وهو عشرون ألف درهم، ولم يأخذ منه عشره ولا نصف عشره ... قال سليم: فلقيت عليًا عليه السلام فسألته عما صنع عمر، فقال: «هل تدري لم كف عن قنفذ ولم يغرمه شيئًا؟» قلت: «لا». قال: «لأنه هو الذي ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط حين جاءت لتحول بيني وبينهم، فماتت صلوات الله عليها وإن أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج»»(304) .
دراسة سند الرواية
مضى الكلام بتفصيل عن كتاب سليم بن قيس وقد بيَّنا أنه كتاب موضوع ولا يوجد له أي إسناد صحيح، فضلًا عن تعرض نسخه للدس والتحريف(305) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حكم علماء الإمامية على الرواية
حكم محمد آصف محسني على هذه الرواية بعدم الاعتبار في كتابه مشرعة بحار الأنوار(306) .
5 -رواية كتاب سليم بن قيس الثانية
عن سليم، قال: «انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس فيها إلا هاشمي، غير سلمان وأبي ذر والمقداد ومحمد بن أبي بكر وعمر بن أبي سلمة وقيس بن سعد بن عبادة . فقال العباس لعلي عليه السلام: «ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذًا كما أغرم جميع عماله؟»، فنظر علي عليه السلام إلى من حوله ثم اغرورقت عيناه بالدموع، ثم قال: «شكر له ضربة ضربها فاطمة عليها السلام بالسوط، فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج»»(307) .
دراسة سند الرواية
هذه الرواية مثل التي سبقتها منقولة من كتاب سليم بن قيس الذي فصلنا الكلام عنه سابقًا، ومتنها قريب من الرواية التي قبلها مع اختلاف طفيف.
حكم علماء الإمامية على الرواية
حكم محمد آصف محسني على هذه الرواية بعدم الاعتبار في كتابه مشرعة بحار الأنوار(308) .
ما نُسب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
6 -رواية كتاب سليم بن قيس
عن سليم بن قيس قال: سمعت سلمان الفارسي، وروى خبرًا طويلًا فيه قصة بيعة الصديق رضي الله عنه وجاء فيه أن عليًا رضي الله عنه لما أبى أن يبايع أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أرسلا إليه جماعة ليجبروه على البيعة، وجاء في الرواية: «فقال عمر: «اذهبوا، فإن أذن لكم وإلا فادخلوا عليه بغير إذن»، فانطلقوا فاستأذنوا، فقالت فاطمة عليها السلام: «أحرج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن». فرجعوا وثبت قنفذ الملعون. فقالوا: «إن فاطمة قالت: كذا وكذا، فتحرجنا أن ندخل بيتها بغير إذن». فغضب عمر وقال: «ما لنا وللنساء»، ثم أمر أناسًا حوله أن يحملوا الحطب فحملوا الحطب وحمل معهم عمر، فجعلوه حول منزل علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام ثم نادى عمر حتى أسمع عليًا وفاطمة عليهما السلام: «والله لتخرُجَن يا علي ولتبايعن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا أضرمت عليك بيتك النار»، فقالت فاطمة عليها السلام: «يا عمر، ما لنا ولك؟» فقال: «افتحي الباب، وإلا أحرقنا عليكم بيتكم». فقالت: «يا عمر، أما تتقي الله تدخل علي بيتي؟»، فأبى أن ينصرف. ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت: «يا أبتاه يا رسول الله»، فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت: «يا أبتاه»، فرفع السوط فضرب به ذراعها فنادت: «يا رسول الله، لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر»، فوثب علي عليه السلام فأخذ بتلابيبه ثم نتره((309) فصرعه ووجأ أنفه ورقبته((310) وهمَّ بقتله، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أوصاه به، فقال: «والذي كرّم محمدًا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 120بالنبوة يا ابن صهاك لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمت إنك لا تدخل بيتي». فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي عليه السلام إلى سيفه، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج علي عليه السلام إليه بسيفه، لما قد عرف من بأسه وشدته. فقال أبو بكر لقنفذ: «ارجع، فإن خرج وإلا فاقتحم عليه بيته، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار». فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار علي عليه السلام إلى سيفه، فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه فألقوا في عنقه حبلًا، وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته، لعنه الله ولعن من بعث به...، وقد كان قنفذ لعنه الله ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها وأرسل إليه عمر: «إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها» فألجأها قنفذ لعنه الله إلى عضادة باب بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها، فألقت جنينًا من بطنها. فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدةً»(311)
دراسة سند الرواية
مضى الكلام عن كتاب سليم بن قيس، وقد بينا أنه كتاب موضوع لا يصح الاعتماد عليه((312) ).
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار في كتابه مشرعة بحار الأنوار(313) .
مناقشة متن الرواية
تشتمل هذه الرواية على عدة أمارات تدل على الكذب والاختلاق، وقد تضمنت عدة أكاذيب وأساطير وبعضها أساسه هو الخرافة.
-فمن ذلك ما جاء في هذه الرواية أن أول من بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو إبليس، فقد جاء في متنها أن عليًا رضي الله عنه قال: «ولكن هل تدري من أول من بايعه حين صعد المنبر؟ قلت: لا، ....قال علي عليه السلام: فإن ذلك إبليس لعنه الله» ثم افترى صانع هذه الرواية على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه: «يبايع الناس أبا بكر في ظلة بني ساعدة بعد تخاصمهم بحقِّنا وحجتنا، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مشمر»(314) ، فهل يوجد عاقل يصدق بمثل هذا الكذبة الظاهرة؟!، فالمقطوع به والثابت في الروايات الصحيحة أن أول من بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه(315) ، فضلا عما في هذه القصة من التلفيق البين والافتراء الظاهر، ولذلك فقد جعل الشيخ الإمامي هاشم معروف هذا الخبر من الموضوعات في المثالب وقال عنه: « ويكفي هذه الرواية عيبا أنها من مرويات سليم بن قيس...»(316) .
ومن ذلك ما نسبته هذه الرواية إلى علي رضي الله عنه من أنه طاف بفاطمة على المهاجرين والأنصار طلبًا لنصرته، فجاء في هذه الرواية أن سلمان قال: «فلما أن كان الليل، حمل علي عليه السلام فاطمة عليها السلام على حمار
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 122وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين عليهما السلام، فلم يدع أحدًا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتاه في منزله فذكَّرهم حقه ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم إلا أربعة وأربعون رجلًا. فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم ليبايعوا على الموت، فأصبحوا فلم يواف منهم أحد إلا أربعة»(317) فهل يُتصور في علي رضي الله عنه أن يطلب النصرة من الصحابة مستعينًا بامرأته؟! فهل منزلة علي رضي الله عنه عند الصحابة أدنى من منزلة فاطمة حتى يتوسل بها النصرة؟، وهل يليق بعلي رضي الله عنه أن يترك غيرته على امرأته ويطوف بها على الرجال بالمدينة؟، وعلي بن أبي طالب عندنا أهل السنة أكرم وأجل من أن يتسوّل النصرة من الصحابة بهذه الطريقة المبتذلة التي ننزهه عنها.
-ومن الأمور الباطلة التي اشتملت عليها هذه الرواية ما جاء فيها من الإساءة إلى فاطمة وعلي رضي الله عنهما، وادعاء واضعها أن المهاجمين على البيت دخلوا على فاطمة وما عليها من خمار، فقد ورد في هذا الخبر أن سليم بن قيس قال: «قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة عليها السلام بغير إذن؟ قال: إي والله، وما عليها من خمار»(318) .
ونقل جعفر مرتضى العاملي عن محمد بن مهدي القزويني شعرا يقول فيه:
| فقال إي وعزة الجبار | ليس على الزهراء من خمار |
|---|---|
| لكنها لاذت وراء الباب | رعاية للستر والحجاب(319) ( 319 ) |
ونحن ننزه فاطمة وعليًا رضي الله عنهما من هذه الدعاوى الكاذبة، ففاطمة رضي الله عنها أطهر من أن يراها الرجال بدون خمار، ولو وقع ذلك لما سكت علي رضي الله عنه عن ذلك وهو المعروف بالشجاعة والغيرة على
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 123أهله.
-ورد في هذه الرواية تناقض غريب، فقد نسب واضعها إلى علي رضي الله عنه أنه وثب إلى عمر رضي الله عنه بعد أن وجأ فاطمة بالسيف وضربها بالسوط، ثم صرعه ثم قال: «والذي كرّم محمدًا بالنبوة - يا ابن صهاك - لولا كتاب من الله سبق وعهدٌ عهده إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمت إنك لا تدخل بيتي»، فجعل علي عذره في عدم دفع الأذى عن فاطمة هو ما عهده إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عليًا بعد ذلك عمد إلى سيفه مرة تلو الأخرى، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عهد إليه بترك القتال، فلماذا يهرع إلى سيفه؟، بل إن مقتضى قول الراوي «وثار علي عليه السلام إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون»، أن المهاجمين لو لم يسبقوا عليًا إلى سيفه لقاتلهم، فهل تذكر علي رضي الله عنه عهد النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ثم نسيه بعد ذلك بفترة قصيرة؟.
والحق أن هذا الاضطراب والتناقض إنما صدر من واضع هذه الرواية، وعلي براء منها.
-وقد أضاف جعفر الشاخوري انتقادًا آخر إلى هذه الرواية فقال: «لماذا تأخر أمير المؤمنين (ع) عن إنقاذ الزهراء؟، حيث جاء في حديث سليم «فأحرق الباب ثُمَّ دفعه عمر فاستقبلته فاطمة (ع)، وصاحت يا أبتاه يا رسول الله، فرفع السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت، فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه، فوثب عليّ بن أبي طالب (ع) فأخذ بتلابيب عمر ثُمَّ هزه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله، فذكر قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وما أوصى به من الصبر والطاعة» كتاب سليم ص: 250 ، حيث لا يعقل أن ينتظر أمير المؤمنين أن يكيل هذا الشخص الضربات للزهراء وهو ينظر إليه ثم بعد ذلك يتدخل.
وثانيًا: حسب رأي المتأخرين أن المعصوم لا ينسى، فكيف تقول هذه الرواية، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»(320) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما نسب إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه
7 -رواية دلائل الإمامة
قال صاحب دلائل الإمامة: «حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري القاضي، قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين علي بن عمر بن الحسن بن علي بن مالك السياري، قال: أخبرنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة الكندي، قال: حدثني أبي، عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام)، عن محمد بن عمار بن ياسر، قال: سمعت أبي عمار بن ياسر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ........ وحملت بمحسن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرى ما جرى في يوم دخول القوم عليها دارها، وإخراج ابن عمها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما لحقها من الرجل أسقطت به ولدًا تمامًا، وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها صلوات الله عليها»(321) .
دراسة سند الرواية
إن كتاب دلائل الإمامة أحد أهم أعمدة أنصار أسطورة كسر الضلع، فقد ورد فيه أكثر من رواية عن هذه القضية، وبعضها حكم عليها بعض علماء الإمامية بالصحة كما سيأتي، ولأجل ذلك توسعنا في دراسة مفصلة لهذا الكتاب.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المسألة الأولى: التعريف بابن جرير الطبري وكتاب دلائل الإمامة المنسوب له
المشهور أن اسم محمد بن جرير الطبري مشترك بين رجلين:
الأول: محمد بن جرير الطبري ( 310 هـ) الإمام السني الجليل صاحب التاريخ والتفسير، وهو غني عن التعريف، ولا إشكال أنّه ليس المقصود في بحثنا، ولذا لم نقف على أحد كتاب دلائل الإمامة له.
الثاني: محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي المعروف، ترجم له الشيخ الطوسي قائلًا: «محمد بن جرير بن رستم الطبري الكبير، يكنى أبا جعفر، ديِّن فاضل، وليس هو صاحب التاريخ، فإنه عامي المذهب، وله كتب جماعة، منها كتاب المسترشد»(322) ، وكتابه «المسترشد في الإمامة» معروف ومتداول.
لكن البعض توهم وجود طبريٍّ ثالث، وهو الشخصية التي طال حولها الجدل بين علماء الرجال عند الإمامية وأوقع الكثير منهم في أوهام وأخطاء، ويُنسب إلى هذه الشخصية الكتاب الذي ننقل منه هذه الرواية وهو «دلائل الإمامة»، وأطلق على مؤلفه اسم « محمد بن جرير بن رستم الطبري الصغير»، وأول من قال بوجود هذه الشخصية هو الشيخ عبد الله المامقاني ( 1351 هـ)، وقد قدِّر أنه عاش في القرن الخامس، وقد خالف بذلك قول من سبقه من الإمامية الذين كانوا ينسبون كتاب دلائل الإمامة إلى (محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي الكبير صاحب المسترشد) دون التعرض لوجود شخصية (الطبري الصغير).
والذي يظهر أن ابن شهر آشوب 588 هـ) صاحب كتاب معالم العلماء أول من أخطأ في نسبة هذا الكتاب إلى (محمد بن جرير بن رستم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إلا أن المحقق التستري يرى أن أول من نسب الكتاب إلى الطبري الكبير هو السيد علي بن موسى بن طاووس ( 664 هـ)(324) ، وقد شرح المحقق التستري ( 1415 هـ) هذه النظرية بالتفصيل مبينًا أن سبب هذا الاضطراب في الكتاب ومؤلفه يعود للخطأ الذي وقع فيه ابن طاووس، وننقل كلامه مختصرًا لأهميته، يقول التستري: «أول من وهم- في ما أعلم- أنّ هذا الكتاب لمحمد بن جرير بن رستم، عليُّ بن طاووس، فنقل في آخر نجومه معجزات عن المعصومين عليهم السّلام، ونقل عن هذا الكتاب معجزات من الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السّلام إلى المهدي عليه السّلام، إلّا الباقر عليه السّلام، وفي كلّ من العشرة يقول: «يُروى عن دلائل الإمامة للشيخ محمد بن رستم الطبري». ووجه توهّمه أنّه رأى في بعض مواضع الكتاب في أوّل السند: «قال أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ» وأوّلها في النسخة الموجودة في ذكر معجزات الحسن عليه السّلام، ثمّ بعده إلى خمسة عشر خبرًا «قال أبو جعفر حدّثنا فلان» .......، فظنّ أنّ المراد به مصنّف الكتاب كما قد يعبّر القدماء في تصانيفهم عن أنفسهم إلّا أن ذلك أعمّ، فكما يحتمل ذلك، يحتمل أن يكون- كما قد يقال: «قال فلان في كتابه»- نقلًا عن آخر فهو نظير قوله في الكتاب كثيرًا «روى فلان» مثلًا ممّن تقدّم عصره بكثير......، ولعلّ في ما لم يصل إلينا في أحوال أمير المؤمنين عليه السّلام أو النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: في أوّل الكتاب: «قال محمّد بن جرير الطبريّ في كتابه دلائل الأئمّة»، بمعنى نقل صاحب الكتاب الموجود عنه، فظنّه ابن طاووس: المصنِّف»(325) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثم يضيف التستري أسماء العلماء الذين تابعوا ابن طاووس في هذا الوهم قائلًا: «وتبع ابن طاووس في الوهم من تأخّر عنه كالمجلسيّ، فينقل ما في هذا الواصل إلينا ناسبًا له إلى «محمّد بن جرير بن رستم الطبريّ في دلائله»، إلّا أنّه حيث رأى أنّ الشّيخ والنجاشيّ لم يعدّا لابن رستم غير المسترشد، ولم يكن المسترشد وصل إليه، قال في أوّل بحاره بعد أن ذكر أنّ مِن مداركه دلائل الطبريّ ذاك قال: ويسمّى بالمسترشد. وتبعه السيّد البحرانيّ فقال أيضًا في مدينة معاجزه في ذكر مداركه: وكتاب الإمامة لمحمد بن جرير بن رستم الطبريّ»(326) .
وممن نبه على خطأ نسبة كتاب «دلائل الإمامة» إلى ابن جرير الطبري الكبير، المحقق آغابزرك الطهراني ( 1389 هـ)، حيث ترجم لشخصية الصغير قائلًا: «محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري المتأخر الصغير في مقابل الكبير الذي ترجم له النجاشي، والصغير هذا هو صاحب كتاب (الإمامة) الذي أكثر النقل عنه السيد هاشم البحراني في مدينة المعاجز ...... وذكر في أول (مدينة المعجزات): [ أن كتاب (الإمامة) لأبي جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي كثير العلم حسن الكلام ]، وظاهره أنه اعتقد أنّ صاحب كتاب (الإمامة) الذي ينقل عنه هو بعينه ابن جرير الطبري الإمامي صاحب المسترشد الذي ترجم له النجاشي بهذا الاسم والنسب والوصف، ..... وبالجملة فصاحب الترجمة متأخر بكثير عن محمد بن جرير الكبير صاحب كتاب المسترشد»(327) .
وعلى ما سبق من كلام أهل التحقيق والمعرفة في الكتب كالطهراني والتستري أن نسبة كتاب «دلائل الإمامة» (للطبري الكبير) خطأ بلا شك ولا ريب،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 128لاختلاف طبقة الشيوخ الذين روى عنهم صاحب كتاب «دلائل الإمامة» عن شيوخ الطبري الكبير.
ووافق الخوئي رأي التستري والطهراني في عدم صحة نسبة كتاب «دلائل الإمامة» للطبري الكبير وتفريقه بين الكبير والصغير، حيث قال: «إن محمد بن جرير [الصغير] هذا، مغاير لمحمد بن جرير [الكبير] المتقدم جزما، فإن ذاك [الكبير] روى كتابه الحسن بن حمزة الطبري(328) الذي هو من مشايخ الصدوق، والمتوفى سنة ( 358 هـ)، وهذا [الصغير] معاصر للنجاشي والشيخ قدس سرهما، فإنه روى في كتاب دلائل الإمامة، وقال: نقلت هذا الخبر من أصلٍ بخط شيخنا أبي عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري، وفي كتابه قرائن كثيرة، وروايات عن مشايخ النجاشي والشيخ ومن في طبقتهم، ولقد استوفى الشيخ المتتبع الماهر الشيخ آقا بزرك الطهراني عافاه الله تعالى في كتابه الذريعة: الجزء 8 ، ص 241 الكلام على ذلك، فلا حاجة إلى التطويل في المقام هذا»(329) .
ووافق السيد محمد صادق بحر العلوم رأي الخوئي ومن سبقه من أهل التحقيق ففرق بين شخصية الكبير والصغير، وذهب إلى أن الكبير متقدم على الصغير بطبقة أو طبقتين، وأن الطبري الإمامي الكبير كان معاصرًا للإمام الطبري السني صاحب التاريخ والتفسير(330) .
وعلى ماسبق يستحيل أن ينسب كتاب دلائل الإمامة للطبري الإمامي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 129الكبير، كما أشار لذلك أهل التحقيق من كبار علماء الإمامية، لأن شيوخ مؤلف الدلائل من طبقة متأخرة زمنًا عن شيوخ ابن جرير الطبري الإمامي الكبير.
وعلى ما سبق يرد السؤال المهم: منْ هو هذا الطبري الصغير الذي يُزعم أنه مؤلف كتاب «دلائل الإمامة»؟.
نقول: بعد أن تبين استحالة نسبة كتاب دلائل الإمامة للطبري الكبير كما ذهب لذلك أساطين أهل التحقيق والرجال والمعرفة في الكتب والمؤلفات عند الإمامية، وأن خطأ ابن شهر آشوب وابن طاووس ومن تبعهما في نسبة الكتاب للطبري الكبير أظهر من الشمس في رابعة النهار -وهي النتيجة الحتمية المنطقية التي سيصل إليها كل باحث منصف-، كان لابد أن يقال: إن كتاب دلائل الإمامة لمؤلف مجهول(331) ، كان معاصرًا للشيخ الطوسي والنجاشي، أو هو كتاب ملفق موضوع لم يحسن واضعه ضبط طبقات الشيوخ.
وأن علماء الإمامية منذ عصر ابن شهر آشوب مرورًا بابن طاووس إلى المجلسي وقعوا في توهم كبير بنسبة هذا الكتاب المجهول للطبري الكبير.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حتى أتت النوبة لعبد الله المامقاني وزعم أنه تنبه لرأي لم يسبق إليه بعد أن تيقن استحالة نسبة كتاب «دلائل الإمامة» للطبري الكبير، فبدلًا منْ أن يقول المامقاني: إن مؤلف كتاب الدلائل رجل مجهول، نجده وقع بخطأ فادح، فقال بعد كلام له: «فتحقق مما ذكرنا كله أن محمد بن جرير بن رستم الطبري من أصحابنا اثنان كبير وهو السابق، وصغير».
وليت المامقاني اكتفى باختلاق شخصية جديدة من العدم بل زاد الطين بلة وأردف قائلًا: «وكلاهما ثقتان عدلان مرضيان»، ولنا الحق هنا أن نسأل المامقاني: كيف عرفت وأنت رجل معاصر أن الطبري الصغير الذي زعمت وجوده واخترعته من العدم وأنه عاش في القرن الخامس، (ثقة عدل مرضي)؟.
ثم قال المامقاني مفتخرًا بعد إسباغ التوثيق على هذه الشخصية الوهمية: «فاغتنم ذلك فإنه من خواص كتابنا هذا، لم أقف من تنبه له من أصحابنا في الكتب الرجالية، والحمد لله سبحانه على نعمه التي لا تحصى»(332) !.
نقول: لا يملك المامقاني ومن تبعه ممن توهموا وجود شخصية الطبري الصغير -كالطهراني والخوئي- دليلًا واحدًا من كتب التراجم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 131والرجال والتاريخ، بل كل كتب العلوم الإسلامية والإنسانية لم تتطرق لوجود هذه الشخصية قبل ما تلفظ به المامقاني!.
والإشكال الأكبر أن المامقاني الذي اختلق هذه الشخصية ووصفها بالثقة والعدالة والرضى، يُقِرُّ ويعترف بأن كتب الرجال خالية عن ترجمة لهذا الشخص، إذ يقول: «وليس له ذكر في كلمات أصحابنا الرجاليين»(333) .
وقال الطهراني أيضًا مبينًا سبب الخلل في نسبة كتاب دلائل الإمامة للطبري الكبير صاحب المسترشد: «ومنشأ توهم الاتحاد، عدم وجود ترجمة لأبي جعفر محمد بن جرير المتأخر في أصولنا الرجالية»(334) .
وممن رد على اختلاق المامقاني هذه الشخصية الخيالية ونفى وجودها، الشيخ موسى العباسي الزنجاني إذ يقول: «وليعلم أن محمد بن جرير اثنان عند أرباب التراجم من العامة والخاصة ....، وزاد عليهما بعض المتأخرين(335) رجلًا آخر، ونسب له كتاب الإمامة، وقال: إن الأخير من معاصري الشيخ ونظرائه ....»، ثم قال: «وأمّا الثالث فلا وجود له جزمًا»(336) .
وعليه يمكن أن يقال: منذ عصر ابن شهر آشوب وابن طاووس مرورًا بالمجلسي كانوا يرون أن هذا الكتاب يُنسب لابن جرير الطبري الكبير صاحب المسترشد، ولما جاءت النوبة للمامقاني غيّر ما كان سائدًا عندهم، ونفى نسبة هذا الكتاب لابن جرير الكبير، بسبب الاضطراب في طبقة مشايخ هذا المُصنَّف المجهول،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 132فحتى يصون رأي من سبقه من العلماء ويلفق بين قولهم وبين الاضطراب الواقع في أسانيد الكتاب، قال عن وصف الطوسي في الفهرست لابن جرير صاحب المسترشد بأنه (الكبير): «أشار الشيخ في عبارة الفهرست المزبورة في ذاك تقييده بالكبير، فإنه يهدينا إلى أن في علمائنا من هو مطابق اسمًا ووالدا وجدًا ووطنًا أصغر منه»(337) وهكذا ولّد لنا المامقاني هذا الشخص من العدم، فظن أن وصف الشيخ الطوسي لابن جرير صاحب المسترشد بالكبير يعني أن هناك طبريًا آخر يشترك معه في اسمه ونسبه وبلده، فجاء بقول لم يسبقه إليه أحد، ثم استشرى هذا الخطأ إلى من جاء بعده، فكرر ما قاله المامقاني دون تحقيق ودراية!.
وقد رد محمد التستري على زعم المامقاني أن وصف الشيخ الطوسي لابن جرير صاحب المسترشد بالكبير يعني وجود طبري آخر صغير فقال: «أمّا قول الفهرست في ذاك: «الكبير» فمعناه الجليل لإخراج العامّي، لقوله بعدُ: «وليس هو صاحب التاريخ فإنّه عامّي»»(338) ، ومعناه أن الطوسي أراد التفريق بين الطبري السني والطبري الإمامي الذي وصفه بالكبير، وليس مراده أن ثمة طبريًا إماميًا صغيرًا.
وعلى ما سبق، وقع بعض متأخري علماء الإمامية في خطأين في هذا الكتاب:
الأول: هو نسبة الكتاب لابن جرير الطبري الكبير، واستمر هذا الخطأ عدّة قرون.
والثاني: هو ماذهب له المامقاني باختلاق شخصية الطبري الصغير ونسخ به الخطأ الأول وخطؤه هذا أسوء من الخطأ الأول، وللأسف استمر هذا الخطأ إلى يومنا هذا.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المسألة الثانية: رأي علماء الإمامية في كتاب دلائل الإمامة
جاء في مقدمة كتاب دلائل الإمامة في طبعته الأولى في المطبعة الحيدرية: «وهذا الكتاب لم يزل مصدرًا من مصادر الشيعة في الإمامة والحديث، تركن إليه وتعتمد عليه في أجيالها المتعاقبة منذ تأليفه إلى وقتنا الحاضر»(339) .
وهذا الكلام فيه مبالغة وتجاوز، وقد بينا فيما سبق أن مؤلف الكتاب شخص مجهول وسنبين رأي علماء الإمامية بالكتاب نفسه. ويمكننا القول: إن الكثير من أهل التحقيق اليوم في ريبة وشك بسبب غرابة هذا الكتاب وغموض شخصية مؤلفه حتى أن الطهراني ذكر أن من العلماء من يعتقد أن الكتاب وُضِعَ في زمن متأخر، وإن حاول الطهراني الرد على هذا الرأي، لكنه للأسف لم يذكر لنا قائل هذا الكلام المهم إذ يقول: «وقد ظهر مما فصلناه بطلان ما زعمه بعض من أن «دلائل الإمامة» من موضوعات القرن السابع، وإنما وضعه بعض الغلاة ونسبه إلى محمد بن جرير، وأنه لقصوره في فن التاريخ والرجال رتب أسانيد روايات الكتاب بحيث يصير المؤلف - محمد بن جرير - في بعض الأسانيد من رجال القرن الخامس وفي بعضها من القرن الرابع وفى بعضها في القرن الثالث»(340) .
وإذا نظرنا إلى ماسبق من الاضطراب في مؤلف الكتاب، وتهافت طبقات أسانيده تكون نظرية اختلاق الكتاب وتلفيقه في القرن السابع قابلة للتصديق.
ويقول التستري واصفًا الخلل في هذا الكتاب: «وكيف كان، فالكتاب مشتمل على الغثّ والسمين»(341) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال الشيخ موسى العبّاسي الزنجاني: «ولا يخفى أنّ الكتاب لبعض المتأخرين المعاصرين للشيخ(342) جمع فيه بين ما يرويه عن مشايخه، وبين ما رواه محمد بن جرير، وجعلهما كتابًا واحدًا، ولما ذكرنا دلائل كثيرة منها الاختلاف الفاحش في رتبة من سميناهم آنفًا بعضهم مع بعض، ومنها عدم رواية أحد عن محمد بن جرير هذا، والطلوع والغيبة كذلك في التاريخ من دلائل الكذب والعدم(343) ، إلى غير ذلك فتدبر»(344) ، وهذا صريح من الزنجاني أنه كتاب ملفق لا يعرف جامعه(345) !.
وقال صائب عبد الحميد: «وأكثر أخباره مما لا يعول عليه»(346) .
ونختم الكلام على مؤلف كتاب «دلائل الإمامة» ومؤلفه المجهول بكلام مهم جدًا للدكتور نعمة الله صفري فروشاني في مقال طويل له(347) نأخذ منه بعض المقتطفات ليقف القارئ على حقيقة هذا الكتاب المجهول – الذي يرى بعضهم أنه من المصادر المركون إليها - وخطورة الأفكار التي يروج لها.
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أشار الدكتور نعمة الله إلى أن كتاب دلائل الإمامة قد يكون لُفِّق من كتب منها كتاب ابن أبي الثلج وكتاب الإسكافي فقال: «ونظرًا لوقوع ابن أبي الثلج البغدادي ( 325 هـ) في إسناد تلك الروايات، وبمقارنة هذا القسم من الكتاب بكتاب «تاريخ الأئمة»، لابن أبي الثلج، نستطيع الجزم بالاقتباس والنقل الكامل منه. كما نلاحظ التشابه الكبير بينه أي دلائل الإمامة وبين «الأنوار»، لمحمد بن همام الإسكافي، الذي يوجد بين أيدينا جزءٌ منتخبٌ منه بعنوان «منتخب الأنوار»»(348) .
وأردف قائلًا: «ومع ما خلصنا إليه في المرحلة المتقدمة من هذه المقالة حول مؤلِّف الكتاب، وبأنه مجهول لدينا، إلا أن الإمعان الدقيق في أسانيد روايات الكتاب تجعلنا نستبعد في الحدّ الأدنى كون الكتاب من تأليف الوضّاعين؛ وذلك لأن أسانيد بعض الروايات معروفة في جوامع الحديث الشيعي، وضعف رجالها أمر غير خفي على أهل هذا الفن، ولو كان المؤلف من الذين يضعون الحديث لالتجأ إلى أسانيد أكثر قبولًا في أوساط الحديث الشيعي»(349) .
وقال عن رجال أسانيد الكتاب : «وفي الجملة فإن رجال أسناد كتاب «دلائل الإمامة» إما غير معروفين في كتب الرجال؛ وإما أنهم معروفون، ولكن لم يكونوا من الثقات، أي إنهم كانوا ضمن لائحة المهملين أو المجهولين، وكلاهما من أقسام الضعيف»(350) .
وذهب إلى أن ذكر بعض الثقات في الأسانيد كان لغرض التغطية والتدليس فقال: «أما عن شأن وجود الشخصيات الموثَّقة في سلسلة أسناد
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 136الكتاب فإن الاحتمال القوي؛ بالنظر إلى محتوى الرواية، أنه قد تم وضع تلك الروايات، ونسبت عمدًا إلى هؤلاء الأعلام للتغطية وإضفاء نوعٍ من القدسية»(351)
ثم قال الدكتور نعمة الله مبينًا سبب وجود أسماء بعض رجال الزيدية في أسانيد الكتاب: «فإن احتمال وضعها وكذبها قويٌّ، بل تم الالتجاء إلى وضع روايات، ونسبت عمدًا وكذبًا إلى كبار المذهب الخصم؛ رغبةً في التفوق وتسجيل الانتصار»(352) .
المسألة الثالثة: دراسة سند الكتاب
بعد أن تبين الخطأ البين الذي وقع به ابن طاووس في نسبة كتاب دلائل الإمامة لابن جرير الطبري الكبير صاحب المسترشد، يحق لنا أن نسأل: هل لابن طاووس طريق لكتاب دلائل الإمامة؟
نقول: إن انتفاء نسبة الكتاب لابن جرير الإمامي الكبير ينفي ضمنا سند ابن طاووس لهذا الكتاب، بل حتى ابن طاووس لم يذكر سنده لهذا الكتاب رأسا، قال الطهراني عن الكتاب: «وكان قد بقي في زوايا الخمول حتى وصلت نسخته التامة إلى السيد ابن طاوس في القرن السابع، فعرف قدره واستخرج منه أنواع رواياته وأدرجها في تصانيفه، ومن المؤسف أنه بعد عصر ابن طاوس ضاعت تلك النسخة التامة، كما ضاعت عنا كثير من الكتب التي كانت مصادر لتأليفات ابن طاوس .... ولا طريق لنا إلى إثبات وجود تلك الكتب إلا من وجود مضامينها في تصانيف ابن طاوس، خرِّيت صناعة معرفة الكتب»(353) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذا صريح بعدم ظفر علماء الإمامية بأي طريق لابن طاووس لهذا الكتاب المجهول الذي كان على حد وصف الطهراني في زوايا الخمول!.
المسألة الرابعة: دراسة حال رواة الإسناد
إسناد هذه الرواية لا يصح على قواعد الإمامية، بل إننا نجزم أنه إسناد مركب، إذ إن جماعة من رجال السند لا ذكر لهم في كتب الرجال، وإليك البيان:
-أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري، هو (أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن العدل المقرئ الطبري)(354) ، قال المامقاني في تنقيح المقال: «ضعيف»(355) .
-علي بن عمر بن الحسن بن علي بن مالك السياري، قال محمد الشاهرودي: «لم يذكروه»(356) .
-جعفر بن محمد بن عمارة الكندي، قال محمد الشاهرودي عنه: «لم يذكروه»(357) .
-(أبوه) محمد بن عمارة الكندي، قال محمد الشاهرودي عنه: «لم يذكروه»(358) .
-محمد بن عمار بن ياسر، قال محمد الشاهرودي عنه: «لم يذكروه»(359) .
فالسند مسلسل بالمجاهيل.
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما نسب إلى سعيد بن المسيب
8 -رواية المجلسي عن كتاب دلائل الإمامة
قال المجلسي: «أجاز لي بعض الأفاضل في مكة زاد الله شرفها رواية هذا الخبر، وأخبرني أنه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب دلائل الإمامة(360) وهذه صورته:حدثنا أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، قال: حدثني عبد الرحمن بن سنان الصيرفي، عن جعفر بن علي الحوار، عن الحسن بن مسكان، عن المفضل بن عمر الجعفي، عن جابر الجعفي، عن سعيد بن المسيب»، فذكر قصة طويلة عن خلاف وقع بين يزيد بن معاوية وعبد الله بن عمر بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، وزعم واضع القصة أن يزيد أخرج من تابوت مُقْفَلٍ كتابًا بخط عمر، وجاء فيه: «فلما فشت بيعته(361) علمنا أن عليًا يحمل فاطمة والحسن والحسين إلى دور المهاجرين والأنصار يذّكرهم بيعته علينا في أربعة مواطن، ويستنفرهم فيعِدونه النصرة ليلًا ويقعدون عنه نهارًا، فأتيت داره مستشيرًا لإخراجه منها، فقالت الأمَةُ فضة وقد قلت لها: قولي لعلي يخرج إلى بيعة أبي بكر فقد اجتمع عليه المسلمون فقالت: إن أمير المؤمنين (ع) مشغول، فقلت: خلي عنك هذا وقولي له يخرج وإلا دخلنا عليه وأخرجناه كرهًا، فخرجت فاطمة فوقفت من وراء الباب، فقالت: أيها الضالون
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 139المكذبون» ماذا تقولون؟ وأي شيء تريدون؟ فقلت: يا فاطمة!. فقالت فاطمة: ما تشاء يا عمر؟! فقلت: ما بال ابن عمك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب؟. فقالت لي: طغيانك يا شقي أخرجني وألزمك الحجة، وكل ضال غوي. فقلت: دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء، وقولي لعلي يخرج. فقالت: لا حب ولا كرامة أبحزب الشيطان تخوفني يا عمر؟! وكان حزب الشيطان ضعيفًا فقلت: إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها نارًا على أهل هذا البيت، وأُحرِق من فيه، أو يقاد علي إلى البيعة، وأخذت سوط قنفذ فضربت، وقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا هلموا في جمع الحطب، فقلت: إني مضرمها. فقالت: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين، فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه فرمته فتصعب علي، فضربتُ كفيها بالسوط فألمها، فسمعت لها زفيرًا وبكاء، فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب، فذكرتُ أحقاد علي وولوغه في دماء صناديد العرب، وكيد محمد وسحره، فركلت الباب وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه! يا رسول الله!، هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك، آه يا فضة!، إليك فخذيني فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض وهي مستندة إلى الجدار، فدفعتُ الباب ودخلتُ، فأقبلتْ إلي بوجه أغشى بصري، فصفقتُ صفقة على خديها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض، وخرج عليٌّ، فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار وقلت لخالد وقنفذ ومن معهما: نجوتُ من أمر عظيم!(362)
دراسة سند الرواية
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
سبق الكلام على حقيقة كتاب دلائل الإمامة ومؤلفه المجهول فلا داعي لتكراره، ومع ذلك فإن هذه الرواية لا توجد في نسخ دلائل الإمامة، بل إن المقطوع به أن هذه الرواية مدسوسة ومصنوعة قبل عصر المجلسي بقليل، وأن واضعها نسبها إلى كتاب دلائل الإمامة.
ولم يذكر المجلسي من الذي أجازه بهذا الخبر الذي زعم أنه منقول من كتاب دلائل الإمامة، ولم يذكر أيضًا طريق هذا المجيز إلى كتاب دلائل الإمامة، وبينه وبين مؤلف دلائل الإمامة
-المفترض- عدة قرون، وهذا وحده كاف لرد هذه الرواية المكذوبة، ومع ذلك فإن إسنادها ساقط لعلل عدة:
-(محمد بن هارون بن موسى التلعكبري): (مجهول) على مباني الخوئي الرجالية(363) ، وقد يرد على جهالة (محمد بن هارون) اعتراضان:
الاعتراض الأول:
لو قال قائل: وجدنا الخوئي يقول في معجمه في الكنى: «أبو جعفر بن هارون: قال الشيخ الحر في تذكرة المتبحرين ( 1087 ): «أبو جعفر بن هارون بن موسى التلعكبري: فاضل، يروي عن أبيه، وكان يحضره النجاشي كما تقدم((364) )»».
ووجه الشاهد من هذا: أن الخوئي نقل وصف الحر العاملي ل (محمد بن هارون) بأنه (فاضل) دون اعتراض على كلامه وهذا إقرار من الخوئي أن محمد بن هارون بن موسى رجل فاضل وهذا دليل توثيق أو مدح له على الأقل((365) ).
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
نقول: هذا خطأ كبير ويدل على عدم فهم منهج الخوئي في الرجال، وجوابنا من وجهين.
الوجه الأول:
أن الخوئي لا يقيم وزنًا لأقوال المتأخرين وهم كل من جاء بعد الشيخ الطوسي، كعلماء القرن السابع والثامن مثل الحلي وابن داود وابن طاووس فكيف سيقيم وزنا لرأي الحر العاملي وهو من علماء القرن الثاني عشر؟.
قال الخوئي كاشفًا عن رأيه في توثيقات المتأخرين: «وإن كنا لا نعتمد على توثيقات المتأخرين، إلا أن جماعة يعتمدون عليها، فلا مناص من التعرض لها»(366) .
فالخوئي إذا نقل قول أحد المتأخرين، فإنما يذكره من باب الفائدة والعلم وليس الإقرار به واعتماده.
الوجه الثاني:
إن مصطلح (فاضل) عند الخوئي لا يدل على المدح فضلًا عن التوثيق، حتى لو صدر من المتقدمين، فمن باب أولى أن لا يقبله إن كان صادرا من المتأخرين؟(367) .
قال الخوئي: «إن الفضل لا يعد مدحًا في الراوي بما هو راو، وإنما هو مدح للرجل في نفسه باعتبار اتصافه بالكمالات والعلوم»(368) .
الاعتراض الثاني:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لو قال قائل: إن (محمد بن هارون بن موسى) عُدّ من مشايخ النجاشي، وقد ذهب الخوئي وغيره إلى توثيق جميع مشايخه وبالتالي يكون ثقة على هذا المبنى.
نجيب من وجهين:
الوجه الأول:
القول بتوثيق مشايخ النجاشي هو من مخترعات المتأخرين والظاهر أن أول من قال به هو السيد بحر العلوم، قال محمد حسن الرباني: «إن الذي قام بتوضيحها والتمهيد لها هو العلامة السيد مهدي بحر العلوم في كتابه: الفوائد الرجالية وتبعه على ذلك آية الله الخوئي وتبعه غيره، فهذه القاعدة ظهرت في القرن الثالث عشر»(369) .
وهي قاعدة ابتدعها المتأخرون، وغير مسلم بها أصلًا عند الكثير من محققي الإمامية لضعف أدلتها، قال محمد رضا السيستاني: «لا دليل على وثاقة جميع شيوخ النجاشي»(370) .
وقال علي أكبر المازندراني: «فتحصل أن الحكم بوثاقة جميع مشايخ النجاشي مشكل لا دليل عليه»(371) .
الوجه الثاني:
على تقدير صحة قاعدة توثيق شيوخ النجاشي والتي لا تقوم على دليل صحيح
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 143نقول: لا يعدّ محمد بن هارون بن موسى التلعكبري من مشايخ النجاشي، فليس كل من نقل عنه النجاشي يكون شيخًا له فقد وضع الخوئي وهو من القائلين بتوثيق مشايخ النجاشي قيدًا مهمًا في تمييز شيوخ النجاشي عن غيرهم فقد صرح الخوئي أن من نقل عنه النجاشي بلفظ (حدثنا أو أخبرنا) أو أي صيغة تدل على السماع يعدّ شيخًا له في الرواية وليس كل من نقل عنه بلفظ قال فلان مثلًا.
قال الخوئي: «يريد النجاشي بما ذكره من توقفه عن الرواية عنه إلا بواسطة بينه وبينه، أنه لا يروي عنه طريقه إلى كتاب بمثل حدثني، أو أخبرني، وأما النقل عنه بمثل قال فقد وقع منه .... ومما يؤكد ما ذكرناه تفكيك النجاشي بالتعبير(372) ....» .
قال محمود درياب: «إن غاية ما يستفاد من هذه الأدلة توثيق مشايخه رحمه الله من الذين روى عنهم بقوله «أخبرنا» أو «حدثنا» لا غيرهم، لأن الحدّ الوسط في هذه الأدلة التي ذُكرت هو الرواية والطريق، وهو القدر المتيقن في شمولها، وما سواه مشكوك فيه.
إذن دعوى توثيق مطلق مشايخه حتى أولئك الذين تعلم عليهم الفقه أو الأنساب مثلًا
أو الذين لم يصرح في النقل عنهم بقوله «أخبرنا» أو «حدثنا» دعوى أعم من هذه الأدلة، فلا يثبت توثيقهم بها»(373) ، وصرح فيما بعد أن محمد بن هارون لا يعدّ من مشايخ النجاشي في الرواية(374) ، وذكر أيضًا أنه لم يعثر على محمد بن هارون التلعكبري في طرق النجاشي إلى الأصول والكتب(375) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعلى هذا لا يكون محمد بن هارون بن موسى التلعكبري شيخًا للنجاشي على مبنى الخوئي لعدم نقل النجاشي عنه بلفظ حدثنا أو أخبرنا.
الاعتراض الثالث:
ومما قد يستدل به لتوثيق (محمد بن هارون بن موسى التلعكبري) أن النجاشي ترحم عليه في ترجمة (أحمد بن محمد بن الربيع) إذ يقول النجاشي: «قال أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى رحمه الله»(376) .
والترحم يدل على توثيقه أو على حسنه على أقل حال.
والجواب:
إن النجاشيّ نفسه لا يقول بأن الترحم دليل توثيق فقد ترحم النجاشي على أحد شيوخه وبنفس الوقت نقل عن العلماء تضعيفه!، قال النجاشي في ترجمة (أحمد بن محمد الجوهري): «رأيت هذا الشيخ، وكان صديقًا لي ولوالدي، وسمعت منه شيئًا كثيرًا، ورأيت شيوخنا يضعفونه، فلم أرو عنه شيئًا وتجنبته، وكان من أهل العلم والأدب القوي وطيب الشعر وحسن الخط، رحمه الله وسامحه»(377) .
وقال المحقق التستري في رده على المامقاني: «كثيرًا ما يستند المصنّف في الحُسن إلى ترضيّ الرجالي والترحم، مع أنّه أيضًا أعم، فقد يترحم الإنسان على من كان له معه خلة وصداقة أو كان عليه حق وشفقة أو كان ذا كمال ومعرفة وإن لم يكن ثقة في الديانة»(378) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حتى أن الخوئي صرح مرارا بخطأ نظرية استنباط التوثيق أو الحُسن من ترحم أحد العلماء عليه قال الخوئي: «الترحم لا يدل على المدح، فضلًا عن الوثاقة»(379) .
والخلاصة أن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري مجهول، وما قيل في توثيقه لا عبرة به.
-(جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي): قال عنه ابن الغضائري: «كَذّابٌ، مَتْرُوكُ الحديثِ جُمْلةً، وفي مذهبِهِ ارْتفاعٌ، ويَرْوي عن الضُعفاء والمجاهِيل، وكلُّ عُيُوب الضُعفاء مُجْتَمِعَةٌ فِيه»(380) .
وقال النجاشي: «قال أحمد بن الحسين(381) ، كان يضع الحديث وضعًا ويروي عن المجاهيل، وسمعت من قال: كان أيضًا فاسد المذهب والرواية، ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو علي بن همام، وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري رحمهما الله»(382) .
قال حسين الساعدي ملخصًا رأي علماء الإمامية في حقه: «ضعيف الحديث كان يضع الحديث وضعًا، فاسد المذهب، ضعّفه ابن الوليد، وابن نوح، والصدوق، وابن الغضائري، والنجاشي، ونقل الطوسي في رجاله تضعيفه. ووثقه أبو غالب، وظاهر الشيخ الطوسي، ومدحه الخصيبي وأبو القاسم الكوفي. ويقدَّمُ التضعيف، لأنه من المشايخ الكبار وأصحاب الفن، ولقاعدة تقديم التضعيف على التوثيق عند التعارض ولوجود المرجح. ويظهر من رواياته الوضع والاختلاق، وأنه من الغلاة المخلطة»(383) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
-(عبد الرحمن بن سنان الصيرفي): مجهول لم نقف له على ترجمة في كتب الإمامية، ولذا قال عنه الشاهرودي «لم يذكروه»(384) ، ومع كون الرجل مجهولًا ليس له ذكر في كتب الرجال، إلا أن الشاهرودي حاول إصلاح حاله بناء على روايته لهذه الرواية الركيكة، وهذا من الغرائب.
-(جعفر بن علي الحوار): مجهول ليس له ترجمة في كتب الإمامية وأشار الشاهرودي أنه «لم يذكروه»(385) .
-(الحسن بن مسكان): مجهول ليس له ترجمة في كتب الإمامية، وقد يكون (الحسن) مصحفا، وصوابه (الحسين)، قال الشهيد الثاني في تعليقه على إحدى الروايات: «وفي الرجال الحسين بن مسكان، فيحتمل أن يكون الحسن سهوًا، ..... والحسين بن مسكان غير معتبر في الرجال»(386) . وقال ابن الغضائري: «لا أعرفه، إلا أن جعفر بن محمد بن مالك روى عنه أحاديث فاسدة، وما عند أصحابنا من هذا الرجل علم»(387) .
قال الخوئي: «وأما الحسن أو الحسين بن مسكان، فهو غير معروف جزمًا وكيف كان يكفي في عدم ثبوت وثاقة الحسين بن مسكان، أنه رجل مجهول لا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
-(المفضل بن عمر): هو من رؤوس الغلاة، قال عنه أبو العباس النجاشي: «فاسد المذهب مضطرب الرواية، لا يعبأ به. وقيل إنه كان خطابيًا. وقد ذُكِرت له مصنفات لا يعول عليها»(389) . وكلام النجاشي مقدم على غيره عند جمهور علماء الرجال، وقال الشيح حسين الساعدي بعد دراسة مفصلة لحال المفضل بن عمر: «جاء في مدحه عدّة روايات أكثرها ضعيفة وإن صحّت فهي قاصرة الدلالة ومعارضة بعدّة روايات صحيحة السند في ذمه ووصفه بالغلو، وضعّفه النجاشي، وابن الغضائري، ورجّح تضعيفه كلّ من العلامة الحلي، وابن داود الحلي، والجزائري، ومحمد طه نجف، والبهبودي، ويظهر من رواياته التخليط والغلو والارتفاع والوضع والاختلاق»(390) .
-(سعيد بن المسيب): هو أحد ثقات أئمة أهل السنة المشهورين، لكنه لم يوثق عند قدماء علماء الرجال الإمامية توثيقًا صريحًا، فلم يترجم له النجاشي ولا الطوسي في فهرستيهما، وإنما ذكره كل من البرقي في رجاله والطوسي في رجاله في أصحاب علي بن الحسين(391) ، و نقل الكشي في ترجمته روايات مختلفة في أمره بين المدح والقدح(392) ، وقد تعرض الخوئي لمناقشتها وبيَّن عدم حجيتها على وثاقة سعيد أو تضعيفه، إما لضعف إسنادها أو لعدم دلالتها على الوثاقة أوالضعف، وختم ترجمته بالتوقف في أمره(393) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
واختلف علماء الرجال المتأخرين في حاله، فمنهم من ذهب إلى وثاقته كالحلي(394) وابن داود(395) وغيرهم(396) ، ومنهم من ذهب إلى ضعفه واتهموه بنصب العداوة لآل البيت، كالشهيد الثاني في حواشيه على خلاصة الأقوال(397) ، وتبعه عبد النبي الجزائري فذكر سعيد بن المسيب في قسم الضعفاء(398) ، وقال أبو القاسم النراقي: «الحقّ كونه عاميًا فاسد الطريقة، بل قيل: إنَّه ناصبيّ، فلا يلتفت إلى روايته»(399) .
والتحقيق أنه مجهول عندهم، لما قرره الخوئي من «عدم تمامية سند المدح والقدح»(400) ، ولذا لخص بسام مرتضى حكم الخوئي بأنه متوقف فيه(401) ، وأمالجواهري فلخص حكم الخوئي في سعيد فقال: (مجهول)(402) ، وعلى أي حال، فسعيد بن المسيب بريء من رواية هذا الخبر، فقد مضى أن هذه الرواية لا توجد أصلًا في نسخ دلائل الإمامة، فضلًا عن كون من قبْله من الرواة في الإسناد من الضعفاء والمجاهيل والغلاة.
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار في مشرعة بحار الأنوار(403) .
مناقشة متن الرواية
إن هذه الرواية تشهد على نفسها بالوضع والكذب، حتى أن المجلسي مع ما عرف عنه من التساهل إلا أنه قال بعد أن ذكر هذه الرواية: «لم أجد الرواية بغير هذا السند، وفيها غرائب»(404) ، فأصل هذا الخبر الطويل، جاء فيه أنه بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه، أنكر عبد الله بن عمر بن الخطاب ذلك على يزيد بن معاوية فأخرج يزيد لابن عمر كتابًا من تابوت بخط والده عمر بن الخطاب يقر على نفسه أنه لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا نفاقًا وخوفًا من السيف، وأنه لا زال يعبد الأصنام ويقسم بها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساحرًا، وطعن في الكعبة، وغيرها من الأكاذيب الركيكة التي تدل على فساد عقل واضع القصة، واستحلاله الكذب الواضح الفاضح الذي لا يروج إلا على السفهاء .
وقد انتقد الشيخ الإمامي جعفر الشاخوري هذه الرواية لاشتمالها «على مقولة غريبة لعمر، وهي: لما سمعت لها زفيرًا عاليًا كدت أن ألين وانقلب لولا أن أتذكر كيد محمد وولوغ علي في دماء صناديد العرب، فهل يعقل أن يعلن كفره البواح على المسلمين ويفضح نفسه على رؤوس الأشهاد؟»(405) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما نسب إلى جعفر الصادق رحمه الله
9 -رواية الخصيبي ( 358 هـ)
جاء في كتاب الهداية الكبرى: «قال الحسين بن حمدان الخصيبي، حدثني محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان، عن أبي شعيب محمد بن نصير، عن ابن الفرات، عن محمد بن المفضل، قال: سألت سيدي أبا عبد الله الصادق...»، وهي رواية طويلة تكرر فيها ذكر أسطورة كسر الضلع عن الصادق، في عدة مواضع منها:
عن الصادق أنه قال: «وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وسم الحسن، وضرب الصديقة فاطمة بسوط قنفذ ورفسه في بطنها وإسقاطها محسنًا»(406) .
وقال أيضًا: «وتقص عليه قصة أبي بكر وإنفاذ خالد بن الوليد وقنفذ وعمر جميعًا لإخراج أمير المؤمنين (عليه السلام) من بيته إلى البيعة في سقيفة بني ساعدة، ...وقول عمر له: اخرج يا علي إلى ما أجمع عليه المسلمون من البيعة لأمر أبي بكر، فما لك أن تخرج عما اجتمعنا عليه، فإن لم تفعل قتلناك، وقول فضة جارية فاطمة (عليها السلام): إن أمير المؤمنين عنكم مشغول، والحق له لو أنصفتموه واتقيتم الله ورسوله، وسب عمر لها، وجمع الحطب الجزل على النار لإحراق أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب ورقية وأم كلثوم وفضة، وإضرامهم النار على الباب، وخروج فاطمة (عليها السلام) وخطابها لهم من وراء الباب، وقولها: ويحك يا عمر» ما هذه الجرأة على الله ورسوله؟،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 151تريد أن تقطع نسله من الدنيا، وتفنيه وتطفئ نور الله، والله مُتم نوره، وانتهاره لها وقوله: كفي يا فاطمة فلو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم حاضر والملائكة تأتيه بالأمر والنهي والوحي من الله، وما علِيٌّ إلا كأحد المسلمين، فاختاري إن شئت خروجه إلى بيعة أبي بكر وإلا أحرقكم بالنار جميعًا، وقولها له: يا شقي عدي، هذا رسول الله لم يبل له جبين في قبره، ولا مسَّ الثرى أكفانه، ثم قالت وهي باكية: اللهم إليك نشكو فقد نبيك ورسولك وصفيك وارتداد أمته ومنعهم إيانا حقنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيك بلسانه، وانتهار عمر لها وخالد بن الوليد وقولهم: دعي عنك يا فاطمة حماقة النساء، فكم يجمع الله لكم النبوة والرسالة، وأخذ النار في خشب الباب وأدخل قنفذ لعنه الله يده يروم فتح الباب، وضرب عمر لها بسوط أبي بكر على عضدها حتى صار كالدملج الأسود المحترق، وأنينها من ذلك وبكاها، وركْل عمر الباب برجله حتى أصاب بطنها وهي حاملة بمحسن لستة اشهر وإسقاطها، وصرختها عند رجوع الباب وهجوم عمر وقنفذ وخالد، وصفقة عمر على خدها حتى أبرى قرطها تحت خمارها، فانتثر وهي تجهر بالبكاء، تقول: يا أبتاه يا رسول الله، ابنتك فاطمة تضرب ويقتل جنين في بطنها، وتصفق يا أبتاه ويسقف خد لها كنت تصونه من ضيم الهوان، يصل إليه من فوق الخمار، وضربها بيدها على الخمار لتكشفه، ورفعها ناصيتها إلى السماء تدعو إلى الله، وخروج أمير المؤمنين من داخل البيت مُحمر العينين، داير الحدقتين، حاسرًا، حتى ألقى ملاءته عليها وضمها لصدره، وقال: يا ابنة رسول الله، قد علمتي أن الله بعث أباك رحمة للعالمين، فالله الله أن تكشفي أو ترفعي ناصيتك، فوالله يا فاطمة لئن فعلتي ذلك لا يبقي الله على الأرض من يشهد أن محمدًا رسول الله، ولا موسى ولا عيسى ولا إبراهيم ولا نوح ولا آدم، ولا دابة تمشي على وجه
PDF 152الأرض ولا طائر يطير في السماء إلا هلك، ثم قال: يا ابن الخطاب لك الويل كل الويل بالكيل من يومك هذا وما بعده وما يليه، اخرج قبل أن أُخرج سيفي ذا الفقار فأفني غابر الأمة، فخرج عمر وخالد بن الوليد وقنفذ وعبد الرحمن بن أبي بكر، وصاروا من خارج الدار، فصاح أمير المؤمنين بفضة: إليكي مولاتك فاقبلي منها ما يقبل النساء، وقد جاءها المخاض من الرفسة وردة الباب فسقطت محسنًا عليه قتيلًا، وعرفت أمير المؤمنين إليه التسليم، فقال لها: يا فضة لقد عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفني وعرف فاطمة وعرف الحسن وعرف الحسين اليوم بهذا الفعل، ونحن في نور الأظلة أنوار عن يمين العرش، فواريه بقعر البيت فإنه لاحق بجده رسول الله صلى الله عليه وسلم!(407)
وقال أيضًا: «ولا كيوم محنتنا بكربلاء، وإنْ كان كيوم السقيفة، وإحراق الباب على أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة وقتل محسن بالرفسة لأعظم وأمرُّ، لأنه أصل يوم الفراش. قال المفضل: يا مولاي أسأل؟، قال: اسأل، قال: يا مولاي ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ [التكوير: 9 ]، قال: يا مفضل تقول العامة إنها في كل جنين من أولاد الناس يقتل مظلومًا، قال المفضل: نعم يا مولاي هكذا يوم أكثرهم، قال: ويلهم من أين لهم؟، هذه الآية هي لنا خالصة في الكتاب، وهي محسن (عليه السلام) لأنه منا»(408) .
دراسة سند الرواية
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تكرر في كتاب الخصيبي ذكر قضية كسر ضلع فاطمة وإسقاط المحسن، حتى صار أحد أهم المصادر التي يستدل بها علماء الإمامية اليوم لإثبات قضية كسر ضلع فاطمة(409) ، لذا لا بد من دراسة حال الخصيبي وحقيقة كتابه.
المسألة الأولى: تحقيق حال الحسين بن حمدان الخصيبي ( 358 هـ)
طعن أغلب علماء الرجال الإمامية في الحسين بن حمدان الخصيبي، وإليك أقوالهم:
قال النجاشي: «كان فاسد المذهب»(410) ، وقال ابن الغضائري: «كذاب فاسد المذهب، صاحب مقالة ملعونة لا يلتفت إليه»(411) ، ووافقه ابن المطهر الحلي فيما قاله(412) .
وقال المامقاني: «ضعيف»(413) ، وقال الجواهري في «المفيد من معجم رجال الحديث» ملخصًا حكم الخوئي فيه: «مجهول فاسد المذهب»(414) .
وضعفه المجلسي(415) وإبراهيم بن حسين الدنبلي النجفي في كتابه ملخص المقال في تحقيق أحوال الرجال في قسم الضعفاء(416) وأدرجه إبراهيم الشبوط في الضعفاء(417)
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 154وقال حسين الساعدي عنه: «ضعيف، كذّاب، رأس الفرقة النصيرية بعد النميري، في روايته تخليط وغلو وكذب، ضعّفه النجاشي، وابن الغضائري، وعدّه من الضعفاء: العلاّمة، وابن داوود، والجزائري، ومحمّد طه نجف(418)
بل إنك ستعجب حين ترى جعفر مرتضى العاملي الذي استدل في كتابه «مأساة الزهراء» بكتاب الهداية للخصيبي لإثبات أسطورة كسر الضلع يعترف بأن الخصيبي من الغلاة في كتبه الأخرى(419) ، ويصرح بأنه «من رؤساء الغلاة ...وقد وصفوا الخصيبي بأشد الأوصاف الموهنة لأمره»(420) ، ويطعن فيه في موضع ثالث قائلًا: «الحسين بن حمدان ضعيف جدًا، فاسد المذهب، صاحب مقالة ملعونة، لا يلتفت إليه، كما يقولون في كتب الرجال»(421) .
ثم إن النصيرية يعدونه من كبار علمائهم، لذلك طعن فيه جماعة من المعاصرين، قال صائب عبد الحميد عن الحسين بن حمدان: «شيخ الغلاة النصيرية في عصره، فاسد المذهب»(422) ، وقال محمد رضا الجلالي: «من كبار الفرقة النُصَيْريّة، بل يظهر من كتاب (الهداية) أنّه من المتعصّبين لهذا المذهب»(423) . وقال أمير مهنا وعلي خريس عند الكلام على النصيرية: «ومن دعاتهم الحسين بن حمدان الخصيبي»(424) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المسألة الثانية: تحقيق صحة نسبة كتاب الهداية الكبرى إلى الخصيبي ( 358 هـ)
لا شك أن الخصيبي ألف كتابًا عن تاريخ الأئمة، فقد ذكر النجاشي أن للخصيبي «كتاب تاريخ الأئمة»(425) ، وأما الطوسي فذكر الكتاب باسم «أسماء النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة عليهم السلام»(426) ، غير أن الكلام في صحة نسبة النسخة المتداولة لكتاب الهداية الكبرى إلى الخصيبي، وهو أمر لا يقوم عليه أي دليل، بل إن الأدلة تثبت كون هذه النسخة المطبوعة اليوم موضوعة على الخصيبي لأمور:
الأمر الأول: إن هذا الكتاب لم ينقل منه القدماء، مثل ابن بابويه القمي والمفيد والمرتضى والطوسي، ولعل أقدم من نقل عن هذا الكتاب هو الحسن بن سليمان الحلي(427) في القرن التاسع، والذي يظهر من خلال تتبع النقول عن كتاب الهداية في كتب الإمامية، أن الكتاب كان يتناقل عند النُصيرية سِرًّا، ثم وقف عليه رؤساء الأخباريين من الإمامية في القرن العاشر، كهاشم البحراني والمجلسي والحر العاملي، ومن وقتها صار الإمامية يرجعون إلى أخباره، ويعتمدون عليه، وإذا تبين ذلك فلا ينبغي الاعتماد على كتاب كان متداولًا عند الغلاة، و لم يكن له ظهور إلا في القرون المتأخرة.
الأمر الثاني: هناك اختلاف فاحش بين نسخ الكتاب من جهة الزيادة والنقصان، حيث إنه بعد دراسة سريعة للنسخ التي وقفنا عليها من هذا الكتاب، تبين لنا وجود ثلاثة أصناف من نسخ الكتاب:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الصنف الأول: النسخة المصغرة، وسماها ناسخها: «سير الأئمة عليهم السلام»، وتبدأ بإسناد سماع ينتهي للحسين بن حمدان بن الخضيب(428) ، وتتفق مع النسخة المتداولة في أول إسناد في بعض الأخبار الواردة فيها، لكنها تنقص عنها بكثير من الروايات والأخبار، وهذه النسخة تشتمل على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الاثني عشر على ترتيب وفياتهم، وتنتهي بأخبار متفرقة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه، وتشتمل على أخبار أبواب الأئمة(429) ، وكثير من أخبارها مسندة، وهي تقع في ( 62 ) ورقة فقط، وهي من أقدم نسخ الكتاب لأن تاريخ نسخها هو 963 هـ(430) ، ولم تطبع إلى الآن، كما أنها لم تُعتمد في المطبوع.
الصنف الثاني: النسخة المتداولة المحرفة، وهي النسخة التي اعتمد عليها أغلب من كتب عن قضية كسر ضلع فاطمة رضي الله عنها، وهي التي طبعت في مؤسسة البلاغ، وهي تزيد عن النسخة المختصرة بمقدار الضعفين، وأغلب أخبارها بلا إسناد، وهي مقسمة إلى أربعة عشر بابا تشتمل على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة رضي الله عنها وأخبار بقية الأئمة الاثني عشر على ترتيب وفياتهم، وخلت من الباب الخامس عشر المشتمل على أخبار أبواب الأئمة، كما أنها تحتوي على رواية المفضل بن عمر الطويلة التي تقص أخبار الرجعة، وهذه النسخة التي يعزو إليها
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 157سائر من يستدل بروايات كسر الضلع(431)
الصنف الثالث: النسخة المبسوطة الكاملة، وهي التي تشتمل على النسخة المتداولة، وتزيد عليها بإثبات الباب الخامس عشر، المخصص لأبواب الأئمة الاثني عشر، وهذا الباب لم يكن موجودًا في بعض النسخ الخطية، لكنه مثبت في نسخ أخرى، ويبدو أن هذه النسخة كانت مهجورة، فلم يورد منها علماء الإمامية الناقلون عن كتاب الهداية شيئًا، بل يظهر من بعض علماء الإمامية أنه كان يظن أن الباب الخامس عشر ليس من كتاب الهداية أصلًا وأنه كتاب مستقل(432) ، وقد طبعت هذه النسخة الكاملة مؤخرا(433) ، غير أن هناك إشكالًا كبيرًا في هذه الطبعة حيث إن المحقق لم يقم بمقارنة النسخة الخطية الكاملة مع النسخة المطبوعة، بل قام بالاعتماد على الطبعة السابقة وأضاف الأبواب المحذوفة(434) .
ويتضح من خلال ما مضى أن هناك تباينًا كبيرًا بين نسخ كتاب الهداية المنسوب للخصيبي، والاختلاف ليس هينًا، بل إن كل صنف من هذه الأصناف يمكن عده كتابًا مستقلًا عن الآخر، كما أننا قمنا بمقارنة سريعة بين النسخ الخطية والنسخ المطبوعة، فتبين لنا أن النسخة المطبوعة تحتوي على زيادات
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 158ليست في النسخ الخطية، فكتاب الهداية المطبوع يبدأ بمقدمة تقع في أربع صفحات(435) لم نجد لها أثرًا في النسخ الخطية(436) وهذا يعني أن النسخة المطبوعة أيضًا لا يمكن أن يوثق بها، فكيف يمكن الاعتماد على كتاب تعرضت نسخه لهذا الحجم الكبير من التناقض والاختلاف والزيادة والنقصان؟.
ولأجل ذلك حكم بعض النصيريين المعاصرين بأن كتاب الهداية موضوع، يقول هاشم عثمان: «كتاب الهداية الكبرى من صِنعة وضّاع، وهو مروي على لسان الخصيبي، الله وحده يعلم مدى صحته»(437) .
وقال الشيخ الإمامي حسين الخشن: «الكتاب لم تصلنا منه نسخة عبر طرق الإجازة المعروفة، ولا هو من المشهورات التي تستغني عن الأسانيد، وعليه فما الذي يضمن صحة النسخة التي وصلت إلى المتأخرين...لذا لا يسعنا الوثوق بالكتاب بصرف النظر عن ضعف أسانيده»(438) .
المسألة الثالثة: بيان حال إسناد الرواية
ومع كل ما تقدم فلا عبرة بالأسانيد الواردة في هذا الكتاب، لكننا سنتعرض لها من باب استيفاء الجواب عن إسناد الرواية فنقول في هذا الإسناد عدة علل:
-محمد بن إسماعيل الحسني: لم يذكر الخصيبي نسبه الكامل، فحاول بعض المتأخرين من علماء الإمامية تعيينه لعدم وجود ترجمة له في كتب الرجال،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 159لكنهم وقعوا في أوهام بسبب عدم تنبههم لطبقات الرواة:
- فقد وهم الشاهرودي وهمًا فاحشًا حين ظن أنه «محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن المجتبى عليه السلام»، فأورد نسبه ثم قال: «روى الحسين بن أحمد الخصيبي، عنه وعلي بن عبد الله الحَسَنيين»(439) ، وقال عنه: «لم يذكروه»(440) .
ووجه خطئه ظاهر، فإن الحسين بن الحمدان الخصيبي الذي توفي سنة ( 358 هـ)(441) يستحيل أن يروي عن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي رضي الله عنهما، لأن أقصى ما يقال في تاريخ وفاة محمد بن إسماعيل هذا، هو في أوائل المائة الثالثة، فقد نص الطبري ( 310 هـ) على أن حفيده الحسن بن زيد(442) مات سنة 270 هـ(443) ، فإذا كانت وفاة حفيد محمد بن إسماعيل سنة 270 هـ، فكيف يتصور أن يبقى حيًّا إلى أن يسمع منه الخصيبي المتوفى سنة 358 هـ؟».
ثم إن محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه الخصيبي في هذا السند هو تلميذ محمد بن نصير النميري الذي «توفي حوالي سنة 270 هـ»(444) ، وعليه فهو متأخر جدًا من جهة طبقته التاريخية عن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد الذي ظن الشاهرودي أنه المراد بمحمد بن إسماعيل الحسني.
وذهب
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 160موسى الزنجاني إلى رأي مناقض لرأي الشاهرودي، فاحتمل أن المقصود بمحمد بن إسماعيل هو: «محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر»، بناء على ظنه رجوع نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، فقال: «وروى الشيخ في الغيبة بسنده عن الحسين بن أحمد الخصيبي، عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسينان الحسنيان]، قالا: دخلنا على أبي محمد عليه السلام الخبر، والظاهر أنه هذا أيضًا»(445) ثم قال عنه: «أعتبره في الحسن كالصحيح»(446) وما ذهب إليه الزنجاني بعيد، فهو لم يورد قرينة قاطعة على دعوى الاتحاد بين الرجلين، خاصة عند الالتفات إلى نسب محمد بن إسماعيل الحسني، فقد روى عنه الخصيبي عدة روايات في كتابه الهداية بعنوان «محمد بن إسماعيل الحسني»(447) وأما محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر، فهو حسيني وليس حسنيا.
وحتى لو سلمنا بأن محمد بن إسماعيل حسيني وليس حسنيًا بناء على وقوع تصحيف في نسبه -مع أن هذا في غاية البعد لتكرر ضبط نسبه بالحسني في مواضع كثيرة من كتاب الهداية-، فإن إثبات اتحاده مع محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بعيد أيضًا، إذ إن محمدًا هذا يروي عنه الكليني المتوفى سنة 329 هـ بواسطة شيخه علي بن محمد(448) وعليه يظهر أنه في طبقة أعلى من طبقة شيخ الخصيبي، إذ يبعد أن يروي الخصيبي المتوفى بعد الكليني بثلاثين سنة عن شيخ شيخ الكليني الذي هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 161وعليه فهذا الاحتمال لا يصح أيضًا، وعلى تقدير صحة ما ذهب إليه الزنجاني من كونه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم فهو أيضًا مجهول لعدم توثيق أحد من قدماء الرجال له، ولذا لخص الجواهري حكم الخوئي عنه فقال: «مجهول»(449)
والصحيح أن محمد بن إسماعيل الحسني (مجهول) لا يدرى من هو، ولم نقف له على ترجمة.
- علي بن عبد الله الحسني: الشيخ الثاني لمؤلف الهداية في هذه الرواية هو مثل سابقه أيضًا، لم نجد له ترجمة في كتب الرجال، فهو مجهول.
-أبو شعيب محمد بن نصير: هو البكري النميري(450) ، قال أبو عمرو الكشي : «كان محمد بن نصير النميري يدعي أنه رسول نبي، وأن علي بن محمد العسكري عليه السلام أرسله، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن عليه السلام، ويقول فيه بالربوبية، ويقول بإباحة المحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضًا في أدبارهم، ويقول : إنه من الفاعل والمفعول به، أحد الشهوات والطيبات، وأن الله لم يحرم شيئا من ذلك»(451) ، ومثله قال سعد بن عبد الله القمي(452) .
وقال الخوئي في المعجم: «وقال ابن شهرآشوب بعد ما ذكر عبد الله بن سبأ: «ثم أحيا ذلك رجل اسمه محمد بن نصير النميري البصري، زعم أن الله تعالى لم يظهره إلا في هذا العصر، وأنه علي وحده، فالشرذمة النصيرية ينتمون إليه، وهم قوم إباحية تركوا العبادات،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 162والشرعيات، واستحلوا المنهيات، والمحرمات، ومن مقالهم أن اليهود على الحق ولسنا منهم، وأن النصارى على الحق ولسنا منهم»(453)
وجمع حسين الساعدي أقوال من طعن فيه من علماء الإمامية فقال: «غال ملعون، ادعى البابية، تنسب إليه الفرقة النصيرية، ضعفه الكشيّ، وابن الغضائري، والطوسي، والطبرسي، وعدّه من اضعفاء العلامة الحلي، وابن داود والجزائري ومحمد طه نجف»(454) .
- عمر بن الفرات: قال حسين الساعدي: «غالٍ، عدّته النصيرية من أبواب الإمام الرضا عليه السلام، وروى له الخصيبي عدّة روايات كلها تخليط، وعدّه من الضعفاء العلامة، وابن داود والجزائري ومحمد طه نجف»(455) .
-محمد بن المفضل: قد يُظن أن محمد بن المفضل هذا هو الذي قال النجاشي في ترجمته: «محمد بن مفضل بن إبراهيم بن قيس بن رمانة الأشعري، عربي، يكنى أبا جعفر، ثقة، من أصحابنا الكوفيين»(456) .
والصواب أن محمد بن مفضل الذي ذكره الخصيبي ويروي عن الإمام الصادق، مغاير لمن ترجم له النجاشي قطعًا، لأن محمد بن المفضل الذي وثقه النجاشي آنفًا يروي عنه أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة كما مر من كلام النجاشي وقد توفي ابن عقدة سنة 333 هـ(457) وقال النجاشي أيضًا في كتابه مؤرخًا لتاريخ سماع ابن عقدة عن محمد بن المفضل: «أخبرناه إجازة محمد بن جعفر،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 163عن أحمد بن محمد، قال: حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم سنة خمس وستين ومائتين، قال: حدثنا محمد بن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان»(458)
والسؤال هنا: كيف يقال إن محمد بن المفضل الذي سمع منه ابن عقدة سنة 256 هـ، يروي عن الإمام الصادق الذي توفي سنة 148 هـ؟!.
وقد أشار الخوئي إلى احتمال تغاير الرجلين أو إلى سقط في كلام ابن عقدة(459) ، واحتمل محمد تقي التستري تغاير الرجلين كما في قاموس الرجال(460) .
وعلى هذا يمكن أن يقال إن محمد بن المفضل تصحيف وصوابه (محمد بن المفضل بن عمر) كما نقل البروجردي في جامع أحاديث الشيعة إذ يقول: «الحسين بن همدان الحضيني(461) في كتابه، عن محمد بن إسماعيل، وعلي بن عبد الله الحسينان، عن أبي شعيب محمد بن نصير، عن عمر بن فرات، عن محمد بن المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام(462) ....» .
وقال البهبودي: «محمد بن المفضل بن عمر: مهمل أو مجهول»(463) ، فهو يرى أن الصواب في اسمه (محمد بن المفضل بن عمر).
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومعلوم أن محمدًا هذا هو ابن المفضل بن عمر أحد الغلاة المشهور ضعفه، قال محسن الأمين: «والمفضل بن عمر الجعفي من أصحاب الصادق ع، وولده محمد بن المفضل بن عمر من أصحاب الكاظم»(464) .
وهذا يدل على أن الخلل في السند وارد ومحتمل جدًا، وقد يقال إن محمدًا هذا يروي عن أبيه المفضل الذي يعدّ في أصحاب الصادق، ولكن سقطت صيغة التحديث بين محمد الابن ووالده المفضل بن عمر، فصار السند محمد بن المفضل أو محمد بن المفضل بن عمر عن الصادق مباشرة، وهذا لايمكن، لأن محمد بن المفضل بن عمر معدود في أصحاب الإمام الكاظم(465) )، ولم يدرك الإمام الصادق.
والذي يرجح هذا الاحتمال أن الحسين بن سليمان الحلي نقل السند في مختصر بصائر الدرجات بهذا اللفظ: «الحسين بن حمدان عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيين، عن أبي شعيب محمد بن نصير، عن عمر بن الفرات، عن محمد بن المفضل، عن المفضل بن عمر قال: سألت سيدي الصادق(466) .....» .
وعلى ما سبق لو قيل: بأن الصواب أن الراوي هو (محمد بن المفضل بن عمر)، يقال: هو (مجهول) على مباني الخوئي كما نص على ذلك محمد الجواهري(467) إذ إن كتب الرجال الإمامية خالية عن ذكر حاله أو مدحه فضلًا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 165عن توثيقه.
- المفضل بن عمر: وسقط من نسخة الهداية الكبرى المطبوعة كما يظهر، وقد مضى الكلام عنه((468) ).
كلام علماء الإمامية في سند الرواية
قال محمد باقر البهبودي بعد أن برأ ساحة المفضل بن عمر وأمثاله من اختراع هذه الرواية الخرافية، وذهب إلى أنها مدسوسة على المفضل: «غير أنه قد كذب عليهم، وزيد في رواياتهم، واختلق عليهم، وإنما أتوا من قبل الغلاة وأشباههم ممن أرادوا أن يهدموا أساس المذهب، فكذبوا وزادوا واختلقوا أحاديث ونسبوه(469) إلى أصحاب الأئمة الصادقين نصرة لمذهبهم وترويجا لمرامهم الفاسد كما فعلت المرجئة والقدرية، فوضعوا أحاديث ونسبوه(470) إلى المعروفين من أصحاب رسول الله. فإذًا لابد وأن نحقق عن حال من أسند عنه، فنرى في الحديث محمد بن نصير وهو النميري الكذاب الغال الخبيث المدعي للنيابة على ما في غيبة الشيخ ص 250 وقد مر في ج 51 ص 367 و 368 شطر من ترجمته يروي عن عمر بن الفرات الكاتب البغدادي الغالي ذو(471) المناكير، عن محمد بن المفضل بن عمر: مهمل أو مجهول، ولكن الظاهر أن الكذب إنما جاء من قبل البغدادي الكاتب ذي المناكير، وهو الذي كتب وصنف هذا الحديث وسردها(472) بطوله، أو الجاعل هو نفس النميري. ولذلك ترى أنه يعرف في طيه محمد بن نصير النميري بعنوان نيابة الإمام عليه السلام، وأنه يقعد بصابر وهو اسم سكة في مرو، مع ما مر في ج 51 ص 368 عن غيبة الشيخ أنه كان يدعي أنه رسول
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 166نبي، ويقول بالتناسخ، ويقول في أبي الحسن الهادي بالربوبية، ويقول بالإجابة للمحارم((473) وتحليل نكاح الرجال وأنه من التواضع. فاعتمد الكاتب إلى أحاديث صحيحة أو حسنة، وأخرى ضعيفة أو مجعولة، فزاد عليها من مخائله، وجمع بين مضامينها ولعب فيها كالقصاصين الدجالين فراجع ج 52 باب 23 و 24 ترى مضامين هذا الحديث منبثة فيها بين صحيح وسقيم»(474)
وقال البهبودي أيضًا عن رواة هذه الحديث: «وإسناد الحديث أيضًا مشتمل على المجهول والغالي وهو: الحسين بن حمدان (أي الحضيني الفاسد المذهب)، عن محمد بن إسماعيل وعلي ابن عبد الله الحسنيين، عن أبي شعيب محمد بن نصر، عن عمر بن الفرات عن محمد بن المفضل، عن المفضل بن عمر»(475) .
وقال محمد آصف محسني وهو يلوم المجلسي لإيراده هذه الرواية في بحار الأنوار: «في متنه بعض القرائن على الوضع فلم يصح ذكره في الكتاب، لكن هَمُّ المحدثين في الغالب الأغلب جمع الروايات من غير التفات إلى ضعف السند وضعف المتن، وإيجابهم قبول كل ما ينقل بالعربية مسندًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الإمام عليه السلام، فطوبى للوضاعين والكذابين وويل للثقافة الدينية وعوام الناس»(476) .
وقال مصطفى الخميني: «ما رواه الحلبي في البحار عن بعض مؤلفات أصحابنا،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 167عن الحسين بن حمران(477) عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسين، عن أبي شعيب محمد بن نصر، عن عمر بن الفرات، عن محمد بن الفضل، عن مفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع لها والمبايع».
قال مصطفى الخميني معلقًا على هذا السند: «ولا أظن رواية في رواياتنا أضعف سندًا منها، فراجع آحادها»(478) .
10 -رواية كامل الزيارات
قال جعفر بن قولويه: «وبهذا الإسناد، عن عبد الله الأصم، عن عبد الله بن بكير الأرجاني، قال: صحبت أبا عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة من المدينة...»، إلى أن يقول:« وقاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقاتل فاطمة ومحسن»(479) .
والإسناد الذي أحال ابن قولويه عليه في الرواية التي قبل هذه هو: محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سليمان، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن أبي عبد الله(480) وعليه يكون إسناد هذا الخبر هو «محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سليمان، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد عن عبد الله الأصم عن عبد الله بن بكر الأرجاني عن أبي عبد
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 168الله وهذا هو الإسناد الذي أثبته المجلسي عندما أورد الخبر في بحار الأنوار(481) وكذا هاشم البحراني في البرهان(482) خلافا لمن توهم أن إسناد هذه الرواية هو نفس إسناد التي قبلها(483)
وهذا الإسناد مشابه لإسناد رواية كامل الزيارات المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يختلف عنه إلا في آخر الإسناد، حيث روى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، من طريق عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما هذا الخبر فرواه من طريق عبد الله الأصم، عن عبد الله بن بكير الأرجاني عن أبي عبد الله الصادق.
ووردت الرواية في كتاب الاختصاص المنسوب للمفيد هكذا: «أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه، والعباس بن معروف، عن عبد الله بن المغيرة قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن عبد الله بن بكر الأرجاني قال: صحبت أبا عبد الله عليه السلام في طريق مكة من المدينة فنزل منزلًا .... وقاتل أمير المؤمنين عليه السلام، وقاتل فاطمة عليها السلام، وقاتل المحسن(484) ....» .
دراسة سند الرواية
في هذا الإسناد عدة علل:
- عبد الله بن عبد الرحمان الأصم: وقد مضى أنه أحد كذابي أهل البصرة(485) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
-عبد الله بن بكير الأرجاني: وعليه مدار هذه الرواية، وقد اختلف في اسمه ونسبه على أقوال:
قيل: عبد الله بن بكر الأرجاني(486) ، وقيل: ابن بكير، وقيل في نسبه :الأرجاني، كما هو مثبت في أسانيد كامل الزيارات، وقيل: الرجاني(487) .
تنبيه: قبل الخوض في بيان حاله لا بد من الإشارة إلى مغايرة هذا الراوي ل (عبد الله بن بكير بن أعْيَن بن سُنْسُن أبو علي الشيباني) الذي ترجم له النجاشي(488) ، والذي قال عنه الطوسي: «فطحي المذهب إلا أنه ثقة»(489) ، فإن عبد الله بن بكير أو بكر الأرجاني الذي نحن بصدد دراسة حاله في هذه الرواية ليس من ولد (أعين بن سنسن) وقد ترجم له الكشي في رجاله تحت عنوان (عبد الله بن بكير الرجَّاني)، ونقل عن حمدويه بن نصير أنه قال: «عبد الله بن بكير ليس هو من ولد أعين»(490) ، وهذا تصريح منه بعد اشتراكه(491) مع (عبد الله بن بكير بن أعين بن سنسن) الفطحي، ولهذا قال الخوئي مفرقا بينهما في كلام له: «ما نقله عن الكشي إنما هو في عبد الله بن بكير الأرجاني، لا في عبد الله بن بكير الشيباني، فإن عبد الله بن بكير الشيباني هو ابن أعين بلا شبهة»(492) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبعد ثبوت تغاير الراوِيين نقول: عبد الله بن بكير أو بكر الأرجاني لم يرد فيه توثيق فهو مجهول، وممن ذهب إلى جهالته الخوئي(493) ، وذهب جمهور علماء الرجال عند الإمامية إلى أنه ضعيف، منهم ابن الغضائري(494) ، والعلامة الحلي(495) ، وابن داود(496) ، والمجلسي(497) ، وفخر الدين الطريحي(498) ، وعبد النبي الجزائري(499) ، ومحمد طه نجف(500) ، والملا العلياري التبريزي(501) ، والسيد علي البروجردي(502) ، وحسين الساعدي(503) ، وإبراهيم الشبوط(504) ، والشيخ علي أكبر الترابي(505) .
حواشي هذه الصفحة13 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار في مشرعة بحار الأنوار(506) .
11 -رواية دلائل الإمامة
قال صاحب كتاب دلائل الإمامة: «حدثني أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو علي محمد بن همام بن سهيل رضي الله عنه، قال: روى أحمد بن محمد بن البرقي، عن أحمد بن محمد الأشعري القمي، عن عبد الرحمن بن بحر، عن عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال: ولدت فاطمة (عليها السلام) في جمادى الآخرة، يوم العشرين منه، سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأقامت بمكة ثمان سنين، وبالمدينة عشر سنين، وبعد وفاة أبيها خمسة وسبعين يوما، وقبضت في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه، سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وكان سبب وفاتها أن قنفذًا مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسنًا ومرضت من ذلك مرضًا شديدًا»(507) .
دراسة سند الرواية
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مضى الكلام على كتاب دلائل الإمامة بالتفصيل، وبينا أنَّ مؤلفه مجهول، وأن نسخته المتداولة لا يوثق بها، ومع ذلك سنبين حال السند، خاصة أن هذه الرواية هي عمدة أدلة المعاصرين في إثبات واقعة كسر الضلع المزعومة، وهي من الروايات القليلة التي صرح علماء الإمامية بصحتها ، ولأجل ذلك خصصناها بدراسة مفصلة وموسعة لأن سقوط هذه الرواية يعني سقوط أهم دليل روائي يتكئ عليه أنصار أسطورة كسر الضلع.
فنقول: إن إسناد هذه الرواية لا يثبت لعلل عدة:
-العلة الأولى: (محمد بن هارون بن موسى التلعكبري): (مجهول)، ومضى الكلام عنه آنفا(508) .
-العلة الثانية: جاء في سند الرواية (حدثني أبو علي محمد بن همام بن سهيل رضي الله عنه، قال: روى أحمد بن محمد بن البرقي)، نقول: إن محمد بن همام الإسكافي يقول في هذا الإسناد: روى أحمد بن محمد البرقي، ولم يقل: سمعت أو أخبرني أو حدثني أو غيرها من صيغ السماع وهذا واضح ومهم جدًا، وعليه ففي سماع محمد بن همام هذا الخبر من أحمد بن محمد البرقي إشكال، لأن اختيار محمد بن همام هذا اللفظ يدل على عدم سماعه هذا الخبر من
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 173البرقي مباشرةً.
ويؤيد هذا أن محمد بن همام الإسكافي في كتابه التمحيص نقل عن أحمد بن محمد البرقي بلفظ روى أيضًا، فقال: «روى أحمد بن محمد البرقي في كتابه الكبير، عن أبي عبد لله عليه السلام قال: قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرًا، ولكل نعمة شكرًا».
وهذا يؤكد أن محمد بن همام لا يروي عن أحمد البرقي مباشرة، فإما أن يكون قد نقل عنه بواسطة، أوأنه ينقل من كتاب البرقي وليس سماعًا منه.
و لو قال معترض: إن الناسخ هنا أخطأ فكان يريد أن يكتب: (عن)، ولكنه قلبها إلى (روى)، والدليل أنها وردت في بحار الأنوار(509) ، بلفظ (عن) بدل (روى)، ومن ثم نعتمد نسخة بحار الأنوار ولا نأخذ ما في كتاب دلائل الإمامة.
فالجواب:
أولًا: المثبت في دلائل الإمامة في نسخة (مؤسسة الأعلمي)، والنسخة التي حققها (قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة - قم) لفظ: (روى)، ومن يرى غير هذا اللفظ عليه أن يأتي بنسخة خطية من كتاب الدلائل يثبت فيها عكس ما أثبتته الطبعات المحققة.
ثانيا: جاء في مقدمة تحقيق كتاب التمحيص لمحمد بن همام الإسكافي عند تعداد شيوخه: «أحمد بن محمد البرقي: دلائل الإمامة: 10 ، 45 (الظاهر أن هنا بينه وبين ابن همام سقط)»(510) ، فنقول: وهذا هو الصواب فالسقط أو الانقطاع ظاهر في الإسناد.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولو قيل: إن الذي ورد في بحار الأنوار لفظ (عن) بدل روى، فالجواب: إن هذا من تصرف المجلسي الذي خالف به كل النسخ المطبوعة اليوم(511) ، بل خالف به كتاب (محمد بن همام) نفسه!، أو للتساهل في عدم التفريق بين لفظ (عن) و (روى) عند نسْخ الروايات من مصادرها.
وأخيرًا لو قال قائل: إن محمد بن همام كان معاصرًا لأحمد بن محمد البرقي فنحمل لفظ (روى) على السماع.
فالجواب: ليس الموضوع حول المعاصرة، بل الموضوع هل سمع منه أو لم يسمع، مع التذكير بإصرار محمد بن همام الإسكافي وهو أحد رواة الخبر على اختيار لفظ (روى) في كل ما ينقله عن (البرقي) – بحسب ما وقفنا عليه - بل وتصريحه في كتابه التمحيص أنه ينقل من كتابه كما مر، وهو دليل على عدم السماع في كل موضع يروي عنه فيه.
وعليه: فيظهر أن ابن همام لم يسمع هذا الخبر من البرقي.
-العلة الثالثة : جاء في سند الرواية (عن أحمد بن محمد الأشعري القمي، عن عبد الرحمن بن بحر، عن عبد الله بن سنان).
(عبد الرحمن بن بحر) قد يُظن أنه المذكور في المفيد من معجم رجال الحديث والذي قال عنه الجواهري ملخصًا حكم الخوئي فيه: (مجهول)(512)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 175لكن هذا مستبعد، إذ إن ابن بحر الذي ترجم له الخوئي هنا يروي عن جعفر الصادق بواسطة واحدة، وأما ابن بحر الذي روى عنه صاحب دلائل الإمامة، فبينه وبين الصادق ثلاثة وسائط، وعليه يبعد اتحاد الرجلين، ثم إن عبد الرحمن بن بحر هذا لم نقف له على ترجمة في كتب الرجال، وعليه فهو مجهول.
تنبيه:
عبد الرحمن بن بحر هو المثبت في جميع نسخ دلائل الإمامة حتى غيّره القسم العلمي في مؤسسة البعثة الذي أشرف على تحقيق كتاب دلائل الإمامة(513) ، فأبدلوا (عبد الرحمن بن بحر) المجهول وجعلوا مكانه (عبد الرحمن بن أبي نجران)، رغم خلو جميع النسخ التي اعتمدوا عليها من (ابن أبي نجران)!، ومع إقرارهم بأن المثبت هو (ابن بحر) في النسخ التي اعتمدوا عليها وهي:
نسخة المكتبة الرضوية ورمزها (م) . نسخة مكتبة السيد المرعشي ورمزها (ع) . النسخة المطبوعة في المطبعة الحيدرية سنة 1369 هـ ورمزها (ط) .
قال محققو دلائل الإمامة -طبعة مؤسسة البعثة- : «ابن بحر تصحيف، صوابه ما في المتن(514) من البحار والعوالم، روى عن ابن سنان وروى عنه ابن عيسى في موارد كثيرة، انظر معجم رجال الحديث 9:299(515) » .
فتبريرهم مبني على
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 176أمرين:
الأول: أن الموجود في كتاب بحار الأنوار للمجلسي وكتاب العوالم (عبد الرحمن بن أبي نجران) كما زعموا .
الثاني: أن ابن نجران يروي عن ابن سنان، وروى عنه ابن عيسى في موارد كثيرة، فتعين أن يكون هو ابن أبي نجران .
وبعد هذه الحُجة غيّروا النص في متن الكتاب وخالفوا النص المثبت في النسختين الخطيتين للكتاب وكذا الطبعة الأولى للكتاب التي اعتمدوا عليها وهي طبعة المطبعة الحيدرية.
فنقول:
أولًا: أما قولهم إن المثبت في بحار الأنوار و العوالم هو عبد الرحمن بن أبي نجران، فجوابه من وجهين:
الوجه الأول: أما استدلالهم بكتاب بحار الأنوار فنقول: إن من أكثر المهتمين والمختصين بكتاب بحار الأنوار هو المرجع المحقق آصف محسني الذي ذكر أن المجلسي كثيرًا ما يغير الأسماء حيث قال ما نصه عند ذكره ما يعاب على المجلسي في بحار الأنوار: «تغييراته في أسماء الرواة ... حيث أتعبني في بعض الموارد»(516) .
وهذا ديدن المجلسي في كثير من المتون فهو يختصر الروايات في بعض الأحيان أو يغير ألفاظها، سواء بقصد أو بغير قصد، خصوصًا بعدما اعترف المحقق آصف محسني بأن المجلسي يغير كثيرًا في أسماء الرواة، فلا تقدم نصوص بحار الأنوار على نسخ الكتاب كما يقتضيه التحقيق العلمي.
الوجه الثاني: أما استدلالهم بكتاب عوالم العلوم فالجواب عنه: أنه لا يصح
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 177الاستدلال بالمطبوع من كتاب العوالم، لاختلاف طبعات الكتاب، فالمثبت في النسخة التي اعتمدت عليها مؤسسة البعثة هو كلمة (عبد الرحمن بن أبي نجران)(517) بينما المثبت في طبعة أخرى هو كلمة (عبد الرحمن بن بحر)(518)
ثانيا: قولهم إن ابن أبي نجران هو الراوي عن ابن سنان وروى عنه ابن عيسى في موارد كثيرة فتعين أن يكون هو ابن أبي نجران الثقة، وليس ابن بحر المجهول.
فالجواب عنه: لو سلمنا بصحة هذه المقدمة فإن مؤسسة البعثة لم تلتزم بها، حيث قامت بتغيير اسم (ابن بحر) الثابت في جميع النسخ الخطية إلى (ابن أبي نجران) استنادا لقرينة الشيوخ والتلاميذ، إلا أن الغريب أنهم عملوا بهذه القاعدة في (عبد الرحمن بن بحر) فقط، ولم يطبقوها على (عبد الله بن سنان) وهو شيخ (ابن أبي نجران) في نفس الرواية!.
حيث أصبح سند الرواية بعد أن تصرفت مؤسسة البعثة فيه هكذا: (ابن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان)، فإذا كانت مؤسسة البعثة اعتمدت قاعدة تمييز الرواة بناء على الشيوخ والتلاميذ، مع أن رواية عبد الله بن سنان عن ابن مسكان غير معهودة،
فكان يلزمهم تغيير (عبد الله بن سنان) في هذا الإسناد إلى (محمد بن سنان) بناء على نفس القاعدة التي استخدموها لتبديل (ابن بحر) إلى (ابن أبي نجران)، لأننا قد بحثنا في المصادر الروائية للإمامية فلم نجد (لعبد الله بن سنان) رواية عن (ابن مسكان)، بل الراوي عن (ابن مسكان) هو (محمد بن سنان) المعلوم ضعفه عند الكثير من علماء الإمامية.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فلماذا لم تغير مؤسسة البعثة اسم (عبد الله بن سنان) إلى (محمد بن سنان) كما فعلوا في (ابن بحر) و (ابن أبي نجران) بناء على قرينة الشيوخ والتلاميذ؟ والغريب أنهم ناقضوا منهجهم هذا في كتاب آخر، ففي تحقيقهم لكتاب البرهان في تفسير القرآن، وقفوا في إحدى النسخ الخطية على خطأ في أحد الأسانيد، فورد فيها رواية ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان بدل رواية ابن أبي عمير، عن عبد الله بن مسكان، فأثبتوا الصواب وهو رواية ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، وقالوا: «عبد اللّه بن سنان، عن ابن مسكان، روى ابن أبي عمير عنهما، و لكن لم تثبت رواية أحدهما عن الآخر»(519) ، فصرحوا هنا بعدم ثبوت رواية عبد الله بن سنان عن ابن مسكان، وهذا مناقض لما ذكروه في تحقيقهم لدلائل الإمامة حيث إنهم هناك أثبتوا رواية عبد الله بن سنان عن ابن مسكان دون أن يشيروا لعدم ثبوتها، ولو كانوا يبتغون الحقيقة لكان عليهم أن يغيروا الراوي إلى محمد بن سنان كما هو الصواب.
ولعل ما حملهم على ذلك أن إزالة (ابن بحر) المجهول من الإسناد ووضع (ابن أبي نجران) يفيد في تقوية السند في ظنهم وإن خالف جميع نسخ الكتاب، ولكن تغيير (عبد الله بن سنان) إلى (محمد بن سنان) كما هو الظاهر سيؤدي إلى تضعيف الرواية عند الكثير من علماء الإمامية، لذلك أعملوا قاعدة قرينة الراوي والمروي عنه في (ابن بحر) وأعرضوا عنها في (ابن سنان)(520) !.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعندما سئل جعفر مرتضى العاملي عن هذا السند وكيفية سماع عبد الله بن سنان من ابن مسكان، مع مخالفته لجميع المصادر، ومخالفته لقرينة الراوي والمروي عنه؟، قال: «ما المانع من أن يروي عبد الله بن سنان عن ابن مسكان خصوص هذه الرواية، حتى لو لم يرو عنه أية رواية أخرى؟»(521) .
ونقول له أيضًا: وما المانع من أن يروي أحمد بن محمد الأشعري القمي عن عبد الرحمن بن بحر خصوص هذه الرواية، حتى ولو لم يرو عنه أية رواية أخرى؟.
فإن كان لهم الحق بتطبيق قاعدة تحديد الراوي بقرينة الراوي والمروي عنه، فعليهم إعمالها في جميع السند وليس بهذه الطريقة التي تدل على أن الأمر لا علاقة له بالبحث العلمي.
وعليه فالتحقيق أن الصواب في الإسناد هو عبد الرحمن بن بحر، حيث ورد اسمه في جميع نسخ كتاب دلائل الإمامة.
وأما من ذهب إلى أن مقتضى القواعد العلمية تغيير (ابن بحر) إلى (ابن أبي نجران) فقد نوافقه إن التزم هذه القاعدة في جميع السند وعليه لابد من تغيير (عبد الله بن سنان) إلى (محمد بن سنان) فهل سيلتزم هذا القائل بذلك؟.
العلة الرابعة: تبين لنا بعد بحث طويل وتتبع لنظائر هذا الإسناد، أن هناك علة ظاهرة فيه، حيث أن ذكر عبد الله بن سنان في هذا الإسناد غلط، والصحيح محمد بن سنان للأمور التالية:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
1 -وردت هذه الرواية في كتاب تواريخ مواليد الأئمة لابن الخشاب البغدادي ( 567 هـ) بلفظ قريب مما جاء في دلائل الإمامة، لكن المثبت في إسنادها هو محمد بن سنان وليس عبد الله، قال ابن الخشاب: «حدثنا حرب، قال: حدثنا الحسن بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن محمد بن مسكان(522) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، وحدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبي، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر محمد بن علي، قالا(523) : «ولدت فاطمة بعد ما أظهر الله نبوة نبيه، وأنزل عليه الوحي بخمس سنين وقريش تبني البيت، وتوفيت ولها ثمانية عشر سنة وخمسة وسبعين يوما». وفي رواية صدقة: « ثمانية سنين»»(524) .
2 -إن الذي ينقل عنه روايات في أبواب مواليد الأئمة ووفياتهم بنفس هذا الإسناد هو محمد بن سنان، فقد نقل عنه الكليني ثمانية روايات في أبواب مواليد الأئمة ووفياتهم، أربع منها هي من رواية محمد بن سنان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله جعفر الصادق(525) ، وروايتين بنفس الإسناد تنتهي إلى أبي بصير(526) ، وروايتين من قول محمد بن سنان(527) ، والمقصود أن مواليد ووفيات الأئمة المنقولة عن جعفر الصادق لم ترو إلا بهذا الإسناد الذي يمر بمحمد بن سنان لا عبد الله، وعليه فالصحيح في الإسناد إثبات محمد بن سنان.
3
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 181-نقل كل من المجلسي في بحاره هذه الرواية ولم يثبت فيها عبد الله بن سنان، بل جاء فيها «ابن سنان» دون تمييز.
4 -نص بعض محققي الإمامية على عدم وجود رواية لعبد الله بن سنان عن عبد الله بن مسكان، قال المحقق عباس تبريزيان: «لم تثبت رواية عبد الله بن سنان عن ابن مسكان ، ولكن رواية محمّد عنه ثابتة»(528) ، وعندما ورد في إحدى النسخ الخطية لكتاب البرهان في تفسير القرآن رواية عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان، لم يثبتها محققو مؤسسة البعثة فقالوا: «في «س» عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان روى ابن أبي عمير عنهما، ولكن لم تثبت رواية أحدهما عن الآخر(529) » .
5 -عندما ترد رواية ابن سنان عن ابن مسكان دون تمييز المراد بابن سنان، يرجح علماء الإمامية أن المراد بابن سنان هو محمد لا عبد الله، قال أحمد زين العابدين العلوي: «إنّ فيه قرينة على أن ما في كثير من الأخبار عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الحلبي، يراد به محمّد لا عبد الله»(530) ، وقال في موضع آخر: «وقع في التّهذيب: رواه عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان، وهذا هو الصّحيح، لرواية الحسين عن ابن مسكان بواسطة ابن سنان لا بدونه، ثمّ إنّه محمّد لا عبد الله، فالسّند ضعيف»(531) .
وقال محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني معلقًا على رواية جاء فيها ابن سنان عن ابن مسكان: «وتوهُّم أنّ ابن سنان ليس بمحمد لا يفيد إنْ لم يُتحقق كونه عبد
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 182الله، والحق تعين كونه محمدًا كما كررنا فيه القول»(532) وقال في موضع آخر: «ابن سنان هو محمد على الظاهر»(533) وقال في موضع ثالث: «فيه ابن سنان وهو محمّد، كما قدّمناه، وأنّ احتمال عبد الله منتف...وما وقع في بعض الطرق من ذكر عبد الله بعد الحسين، نبّه الوالد قدس سره على أنّه سهو ...وبالجملة فاحتمال عبد الله الثقة لا وجه له»(534)
وقال الحسين الخوانساري(535) : «فيه ابن سنان عن ابن مسكان، وابن سنان هو محمد لا عبد الله كما هو الظاهر»(536) .
وقال نعمة الله الجزائري عن إسناد رواه ابن سنان عن ابن مسكان: «ضعيف بابن سنان فإنه محمد»(537) ، وقال في موضع آخر: «ابن سنان الَّذي يروي عن ابن مسكان قد تحققت أنّ اسمه محمّد»(538) ، وقال أيضًا: «ضعيف بابن سنان، فإنّه وقع التصريح به كثيرًا في الأخبار بأنّه محمّد بن سنان»(539) .
وقال الخوئي: «وابن سنان هذا هو محمّد بن سنان الضعيف، لا عبد الله بن سنان؛ لأنّه الذي يروي عنه الحسين بن سعيد، وهو يروي عن ابن مسكان غالبا دون عبد الله، فالمطمئن به بحكم الغلبة أن الواقع في السند هو محمد، ولا أقل من الشك والاحتمال»(540) .
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال أبو القاسم الكواكبي: «الظاهر ان المراد بابن سنان فيها هو محمد بن سنان دون عبد اللّه بن سنان لان محمد بن سنان يروي عن ابن مسكان كثيرًا واما عبد اللّه بن سنان فيبعد روايته عنه فان ابن مسكان يروي عنه ومعه يبعد ان يكون هو راويا عنه ومحمد بن سنان ضعيف او مجهول»(541) .
فإذا تبين أن الصحيح في الإسناد هو محمد بن سنان وليس عبد الله فهذا يزيد هذا الإسناد وهنا، وقد لخص الشيخ الإمامي حسين الساعدي حاله قائلًا: «خلاصة القول فيه: ضعيف، متهم بالغلو، ضعفه ابن شاذان، وابن عقدة، والمفيد، وابن الغضائري، والنجاشي، والطوسي، وعدّه في الضعفاء العلامة الحلي، وابن داود، والجزائري، ومحمد طه نجف، والبهبودي، كثير الرواية، في بعضها غلو وتخليط وكذب، ومنها محفوف بقرائن الصحة وعمل الفقهاء بمضامينها»(542) ، وضعفه إبراهيم الشبوط(543) .
إشكال حول نسبة سائر ما جاء في هذا النص إلى جعفر الصادق رحمه الله
تنبهنا أثناء دراسة هذه الرواية إلى وجود احتمال قوي بأن تكون الفقرة الأخيرة من هذه الرواية والتي ورد فيها سبب وفاة فاطمة رضي الله عنها ليست من أصل الرواية المنسوبة لجعفر الصادق، وهي الفقرة التالية: «وكان سبب وفاتها أن قنفذًا مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسنًا ومرضت من ذلك مرضًا شديدًا...».
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والذي يظهر أن هذه الفقرة ليست من الكلام المروي عن جعفر الصادق، بل الأقرب أن هذه الفقرة ليست من الرواية أصلًا، بل هي استطراد يذكر سبب وفاة فاطمة، وهذا الاستطراد إما أنه من كلام مؤلف دلائل الإمامة أو من غيره .
والذي جعلنا نميل إلى هذا الاحتمال أمران:
الأمر الأول : أن مؤلف دلائل الإمامة روى هذا الخبر في موضع سابق بإسناد قريب من هذا الإسناد، عن ابن مسكان عن أبي بصير، عن جعفر الصادق بدون هذه الزيادة، فقال: «وُلدت فاطمة (عليها السلام) في جمادى الآخرة يوم العشرين منه، سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فأقامت بمكة ثمان سنين، وبالمدينة عشر سنين، وبعد وفاة أبيها خمسة وسبعين يوما، وقبضت في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه، سنة إحدى عشرة من الهجرة»(544) .
فهذه الرواية خلت من الزيادة التي ورد فيها سبب وفاة فاطمة، إضافة إلى أن هذه الرواية قد وردت عن جعفر الصادق في كتاب آخر دون تلك الزيادة، فقد جاء في كتاب «تواريخ مواليد الأئمة» لابن الخشاب البغدادي 567 هـ): «حدثنا حرب، قال: حدثنا الحسن بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن محمد بن مسكان(545) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، وحدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبي، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر محمد بن علي قالا:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 185ولدت فاطمة بعد ما أظهر الله نبوة نبيه، وأنزل عليه الوحي بخمس سنين وقريش تبني البيت، وتوفيت ولها ثمانية عشر سنة وخمسة وسبعين يوما. وفي رواية صدقة ثمانية سنين»(546)
فرواية ابن الخشاب تتفق في سندها مع رواية دلائل الإمامة، إذ إن كلتا الروايتين منقولتين من طريق ابن مسكان، عن أبي بصير، عن الصادق، وعلى هذا فإن الكلام المنسوب لجعفر الصادق ينتهي عند قوله: «وتوفيت ولها ثمانية عشر سنة وخمسة وسبعين يوما»، وما جاء بعد ذلك من ذكر سبب الوفاة، ليس جزءًا من الرواية.
الأمر الثاني : أنه عند استقراء الروايات المنقولة من طريق محمد بن سنان في ذكر مواليد ووفيات الأئمة، وجدنا أن سائر الروايات المنسوبة إليه في هذا الباب لا تذكر سبب الوفاة، بل تقتصر على ذكر تاريخ الوفاة وعمر الإمام، وإليك ثمانية روايات في أبواب وفيات الأئمة رواها محمد بن يعقوب الكليني بسنده عن ابن سنان، وابن سنان يروي هذه الروايات بنفس الإسناد المروي عنه في دلائل الإمامة:
1 محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قبض الحسن بن علي (عليه السلام) وهو ابن سبع
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
2 - محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قبض الحسين بن علي (عليه السلام) يوم عاشوراء، وهو ابن سبع وخمسين سنةً»(548) .
3 - محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قبض علي بن الحسين (عليه السلام) وهو ابن سبع وخمسين سنةً، في عام خمس وتسعين، عاش بعد الحسين خمسًا وثلاثين سنةً»(549) .
4 - محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قبض محمد بن علي الباقر وهو ابن سبع وخمسين سنةً في عام أربع عشرة ومائة، عاش بعد علي بن الحسين (عليه السلام) تسع عشرة سنةً وشهرين»(550) .
5 - محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: «قبض أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) وهو ابن خمس وستين سنةً في عام ثمان وأربعين ومائة، وعاش بعد أبي جعفر (عليه السلام) أربعًا و ثلاثين سنةً»(551) .
6 محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير(552) قال: «قبض موسى بن جعفر
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 187(عليه السلام) و هو ابن أربع و خمسين سنةً في عام ثلاث وثمانين ومائة، وعاش بعد جعفر (عليه السلام) خمسًا وثلاثين سنةً»(553)
7 - عن محمد بن سنان قال: «قبض علي بن موسى (عليه السلام) وهو ابن تسع وأربعين سنةً وأشهر، في عام اثنين ومائتين، عاش بعد موسى بن جعفر عشرين سنةً إلا شهرين أو ثلاثة»(554) .
8 - عن محمد بن سنان قال: «قبض محمد بن علي وهو ابن خمس وعشرين سنةً وثلاثة أشهر واثني عشر يوما، توفي يوم الثلاثاء لست خلون من ذي الحجة سنةً عشرين ومائتين، عاش بعد أبيه تسعة عشر سنةً إلا خمسًا وعشرين يومًا»(555) .
فالملاحظ في سائر هذه الروايات أنها تشترك في تحديد تاريخ وفيات المعصومين وأعمارهم، أما ذكر سبب الوفاة فليس معهودًا في هذه الروايات، حتى لو كان سبب الوفاة مأساويًا، كما هو الشأن بالنسبة لاستشهاد الحسين رضي الله عنه في كربلاء، حيث لم يذكر سبب وفاته، وكذا بالنسبة للحسن رضي الله عنه، فلم يذكر سبب وفاته مع أنهم يدعون أنه رضي الله عنه مات مسمومًا».
وعلى هذا فما جاء بعد رواية دلائل الإمامة في ذكر سبب وفاة فاطمة رضي الله عنها ليس من رواية محمد بن سنان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 188الصادق، لأنه مخالف لمسلك الروايات التي وردت بهذا الإسناد في وفيات المعصومين، وهذا واضح لمن تأمل هذه الروايات.
ومع أن هذا الاحتمال لو ثبت سيغنينا عن مناقشة هذه الرواية رأسا، حيث ثبت أنها ليست من كلام المعصوم وإنما هو كلام لا يعرف قائله، غير أننا لم نقتصر على محاججة المخالفين به، فقد مر معنا الجواب عن سند الرواية، ثم رأينا أن نختم بإيراد هذا الإشكال حتى يتنبه له الباحثون، وبالله التوفيق.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
ذهب محمد حسين فضل الله إلى ضعف هذه الرواية لكونها من رواية محمد بن سنان(556) ، حكم آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار في مشرعة بحار الأنوار(557) .
12 -رواية كنز الفوائد
قال أبو الفتح الكراجكي: «ومما حدثنا به الشيخ الفقيه أبو الحسن بن شاذان، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا ابن الوليد محمد بن الحسن، قال حدثنا الصفار(558) محمد بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن مفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 189قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: «ملعون ملعون كل بدن لا يصاب في كل أربعين يومًا،...ملعون ملعون من رمى مؤمنًا بكفر، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله، ملعونة ملعونة امرأة تؤذي زوجها وتغمه، وسعيدة سعيدة امرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه وتطيعه في جميع أحواله، يا يونس، قال جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة ابنتي ويغصبها حقها ويقتلها»»(559)
دراسة سند الرواية
يعد هذا الإسناد نموذجًا من نماذج الوضع والدس في أحاديث أهل البيت رضي الله عنهم وتركيب الأسانيد المختلقة على رواة لم يتلفظوا بها، ولمّا كان واضع هذا الحديث جاهلا في علوم الحديث والرجال والأسانيد في التراث الإمامي، وقع في أخطاء فادحة ولفق أسانيد يعرف أهل الصنعة أنها منحولة على أصحابها، فلا يكفي في صحة السند أن يكون رواته ثقات فقط بل لابد من تحقق الاتصال وغيرها من الشروط، بل إن أول كلمة في تعريف الحديث الصحيح هي الاتصال كما قال الشهيد الثاني: «ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي(560) ....»( )، وهذا ما غفل عنه واضع هذا الإسناد فاكتفى بجمع رواة ظنهم ثقات، وفاته قضية الاتصال، وإليك حقيقة هذا الإسناد المختلق.
أولًا: جاء في الإسناد رواية: «الصفار محمد بن الحسين قال حدثنا محمد
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 190بن زياد».
وهناك احتمالين في هذا الإسناد:
الأول: أن الإسناد على ظاهره، لكنه وقع تصحيف الحسن إلى الحسين، لأن الصفار اسمه محمد بن الحسن بن فرُّوخ، وثقه النجاشي(561) ، وتوفي سنة 290 هـ، وهو هنا يروي عن (محمد بن زياد) وهو محمد بن أبي عمير الذي وثقه الشيخ الطوسي(562) والمتوفى سنة 217 هـ،
فإن كان الأمر كذلك، فهل ثبت سماع الصفار من محمد بن أبي عمير؟.
أجاب الشيخ مسلم الداوري عن هذا السؤال قائلًا: « لم يثبت سماع محمد بن الحسن الصفار عن ابن أبي عمير، فإنه يروي عن ابراهيم بن هاشم وهو يروي عن ابن أبي عمير كثيرًا، إذًا هو متأخر من حيث الطبقة، ومقتضى تاريخ وفاتهما ايضًا ذلك، فإذا وُجد في السند محمد بن الحسنعن ابن أبي عمير،((563) )فالظاهر هو محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، كما وقع نظيره في بعض الموارد»(564) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذا توثيق جواب مسلم الداوري من موقعه
PDF 192الرسمي:

وما قاله الداوري صحيح، فإنه لم يثبت في الكتب الأربعة، وكتاب بصائر الدرجات للصفار روايته ولو لمرة واحدة عن محمد بن أبي عمير، وهذا يؤكد الإشكال في هذا الإسناد.
الاحتمال الثاني: أن الإسناد وقع فيه سقط وتصحيف، كما أشار لذلك مسلم الداوري، بأن يكون أصل الإسناد: «الصفار عن محمد بن الحسين، عن محمد بن زياد»، فسقطت كلمة «عن» بين الصفار ومحمد بن الحسين، وذلك أن اسم الصفار هو محمد بن الحسن، وهو يروي عن محمد بن الحسين، ومحمد بن الحسين من تلاميذ محمد بن أبي عمير كما ثبت في عدة
مواضع من كتاب بصائر الدرجات للصفار(565) ، والكافي للكليني(566) ، وقد نص الخوئي على أن محمد بن الحسين من الرواة عن ابن أبي عمير(567) ، وهو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، أبو جعفر الزيات الهمداني، والصفار هو تلميذه والراوي لكتبه(568) ، ولعل هذا الاحتمال هو الأقرب ، فإن ثبت ذلك فالكلام في الإسناد يقع فيمن بعدهما من الرواة.
ثانيا: جاء في الإسناد أيضًا رواية: «المفضل بن عمر عن يونس بن يعقوب».
وقبل الكلام على حال المفضل بن عمر لا بد من الالتفات إلى أنه لم يثبت في الكتب الأربعة بل والثمانية(569) جميعها مع بذل الوسع في البحث
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 193رواية المفضل بن عمر عن يونس بن يعقوب إلا في هذا المورد المنقول من كنز الفوائد للكراجكي!.
وما قاله مسلم الداوري عن الانقطاع بين الصفار ومحمد بن أبي عمير، يقال هنا أيضًا بل هنا الأمر أوضح بكثير، فإن رواية المفضل بن عمر عن يونس بن يعقوب تخالف طرق الروايات عند الإمامية، فالمشهور رواية (المفضل بن عمر عن يونس بن ظبيان عن الصادق) وهي جادة مشهورة بخلاف هذه الرواية المخالفة لجميع الأسانيد.
وعليه فالانقطاع أو التصحيف أو السقط لا يمكن التنصل عنه في هذا السند، وهذا ما ذهب إليه السيد أحمد المددي وهو من علماء الرجال عند الإمامية وأستاذ في حوزة قم، فحين سُئل:
«هل ثبت سماع المفضل بن عمر من يونس بن يعقوب مباشرة؟، خصوصا مع عدم الظفر بأي رواية للمفضل عن يونس بن يعقوب مباشرة في الكتب الأربعة، فهل بعد هذا يمكن الحكم بالإرسال بينهما أو السقط في السند إن وجد كما هو مقرر في علم طبقات الرواة؟».
أجاب المددي قائلًا: «يونس بن يعقوب متأخر طبقة عن المفضل بن عمر، والتفصيل موكول إلى محله»(570) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذه صورة الجواب من موقع
PDF 195المددي:

وعلى هذا فقد أثبت عالمان من علماء الرجال الانقطاع في موضعين في هذا السند، وكفى بهذا دليلًا على بطلان الاستدلال بهذه الرواية المختلقة.
ولو عدلنا عن السقط أو الانقطاع وقلنا إن الصواب هو (يونس بن ظبيان) -وهذا ليس ببعيد- لأنه شيخ المفضل بن عمر في العديد من الموارد، نقول قال الشيخ حسين الساعدي ملخصًا القول في يونس بن ظبيان: «غال، ضعيف جدًا، كذاب، يضع الحديث، ضعفه محمد بن مسعود العياشي، والفضل بن شاذان، والكشي، وابن الغضائري، والنجاشي، وعدّه من الضعفاء العلامة، وابن داود، والجزائري، ومحمد طه نجف، والبهبودي، له عدّة روايات في الكتب الأربعة وغيرها يظهر من بعضها التخليط والوضع»(571) .
ونقول: وضعفه المامقاني(572) ، والخوئي(573) ، وقال عبد النبي الكاظمي: «واعلم أن هذا قد ضعفه أكثر أهل الرجال»(574) .
وما سبق يكفي لرد الرواية لكل منصف، فإن الانقطاع ظاهر في موضعين.
ثالثا: من رواة هذا الإسناد (المفضل بن عمر) وهو من رؤوس الغلاة.
قال عنه أبو العباس النجاشي: «فاسد المذهب مضطرب الرواية، لا يعبأ به، وقيل إنه كان خطابيا. وقد ذُكِرت له مصنفات لا يعول عليها»(575) .
وكلام النجاشي مقدم على غيره عند جمهور
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 196علماء الرجال.
وقال الشيح حسين الساعدي بعد دراسة مفصلة لحال المفضل بن عمر: «جاء في مدحه عدّة روايات أكثرها ضعيفة وإن صحّت، فهي قاصرة الدلالة ومعارضة بعدّة رويات صحيحة السند في ذمه ووصفه بالغلو، وضعّفه النجاشي، وابن الغضائري، ورجّح تضعيفه كلّ من العلامة الحلي، وابن داود الحلي، والجزائري، ومحمد طه نجف، والبهبودي، ويظهر من رواياته التخليط والغلو والارتفاع والوضع والاختلاق»(576) .
ودَرَسَ محمد رضا السيستاني حال المفضل بن عمر في بحث طويل، وناقش فيه جميع الأقوال التي تناولته، ولخص رأيه قائلا: «تحصل مما تقدم أن أقل ما يمكن أن يقال بشأن المفضل بن عمر الجعفي: هو أن حاله ملتبس ولا يمكن الاطمئنان بوثاقته فضلًا عن جلالته، والله تعالى هو العالم بحقيقة الأمور»(577) .
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
أسقط محمد آصف محسني هذه الرواية من الاعتبار في تعليقه على بحار الأنوار(578) .
مناقشة متن الرواية
ورد في متن الرواية سلوك يخالف ثقافة أهل البيت وأساليب خطابهم لعامة الناس، وهو كثرة اللعن في متن الرواية بطريقة تثير الاستغراب، ولا نقصد هنا أنه لم يرد فيما ينسب لأهل البيت لعنهم لشخص أو فعل معين، ولكن تكرار اللعنات بطريقة مريبة بعيدة عن هدي النبوة والعلماء، وأقرب إلى منطق جهلة الوعاظ، فقد تكررت كلمة «ملعون» أكثر من عشرين مرة!
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إن هذا المنطق يدل على دنو ثقافة واضع الرواية على لسان الإمام جعفر الصادق المنزه عن هذا المستوى من الخطاب، ومن تأمل سمت الإمام الصادق وحسن منطقه، وورعه، ورجاحة عقله، عَلِم عِلْم اليقين أنه لا يمكن أن يتلفظ بهذه الألفاظ بمثل هذا السياق الركيك.
القسم الثاني: الروايات غير المسندة
انتهج أنصار أسطورة كسر الضلع منهجًا قائمًا على حشد كل ما يقفون عليه من نصوص لإثبات هذه الأسطورة بغض النظر عن قيمة هذه النصوص، ولذا وجدناهم يستدلون بعدة روايات وردت فيها قضية كسر الضلع، إلا أنها لا تستوفي الحد الأدنى من شروط الحجية وهي الإسناد المتصل،
وهدفهم من حشد الروايات هو تكثير الأدلة لجعل مسألة كسر الضلع من القضايا المشهورة والمستفيضة، بل وبلغ التساهل ببعضهم إلى رفعها إلى مرتبة القضايا المتواترة، ولأجل ذلك رأينا أن نبين حال هذه الروايات من خلال دراستها وبيان سقوطها وعدم صلاحيتها للاحتجاج، وبيان ما في نصوصها من الإشكالات والعلل الموجبة لردها وعدم الاستناد إليها، وقد سلكنا في دراستها نفس المسلك الذي اعتمدناه في دراسة الروايات المسندة، حيث رتبنا هذه الروايات بحسب مخارجها ترتيبا زمنيا، وحاولنا استيفاء تخريج كل رواية من مصادر الإمامية.
وعدد هذه الروايات هو تسع روايات أغلبها منقول من كتب ألفت بعد القرن السادس.
و لم نكتف بالتنبيه على خلو هذه الروايات من الإسناد المتصل، بل قمنا بدراسة أحوال الرواة الذين تنسب إليهم هذه الروايات، خاصة حينما يكونون من الضعفاء والمتهمين، وهذا يزيد حال هذه الروايات وهْنًا على وهنٍ، ويبين أن الذين يعتمدون على هذه الروايات لإثبات قضية خطيرة مثل هذه لا يستندون إلى منهج علمي سليم.
ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم
1 -رواية الطُّرَف لابن طاووس
نقل علي بن موسى بن طاووس في كتاب «طُرَف من الأنباء والمناقب» عن كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد الضرير(579) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا علي، ويل لمن ظلمها، وويل لمن ابتزّها حقها، وويل لمن انتهك حرمتها، وويل لمن أحرق بابها، وويل لمن آذى جنينها، وشج جنْبَيْها وويل لمن شاقّها وبارزها»(580) .
وكل ما ينقله ابن طاووس من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد يشترك في نفس السند.
دراسة سند الرواية
إن الكلام عن سند هذه الرواية يقع في مسائل:
المسألة الأولى: الكلام على سند علي بن طاووس إلى كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد الضرير
لم يذكر ابن طاووس سنده لكتاب الوصية لعيسى بن المستفاد ولذلك ضعَّف علي الاشتهاردي روايةً نقلها ابن طاووس عن كتاب الوصية لعدة علل
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 200منها: «عدم ذكر ابن طاووس سنده إلى عيسى بن المستفاد فالخبر مقطوع الأوّل»(581) و حكم علماء الرجال الإمامية بضعف سند ابن طاووس إلى كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد، قال محمد المؤمن القمي: «إن سند ابن طاووس إلى عيسى بن المستفاد مجهول»(582) وأعَلَّ علي كاشف الغطاء رواية منقولة من كتاب الطرف لابن طاووس عن عيسى بن المستفاد بسبب «ضعفها بالإرسال»(583) وطعن الخوئي في كتاب عيسى بن المستفاد وطريق ابن طاووس إليه عند كلامه على إحدى الروايات فقال: «بمجهولية طريق ابن طاووس إليه لأن بينهما وسائط»(584) وقال آصف محسني: «نسخة كتابه لم تصل بسند معتبر إلى ابن طاووس»(585)
المسألة الثانية: الكلام على بقية طرق كتاب الوصية
وربما يقول قائل: إن عدم وجود سند لابن طاووس إلى الكتاب لا يستلزم ضعف طرق كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد، فإن الشيخين النجاشي والطوسي ذكرا إسنادًا لكتاب الوصية، وعليه يمكن تصحيح الرواية بناء على وجود سند للنجاشي والطوسي إلى الكتاب،
فالجواب: سنبين حال سند النجاشي والطوسي لكتاب الوصية سدًّا لباب الاعتراض، فنقول: ذكر النجاشي في ترجمة عيسى بن المستفاد طريقه إليه كما هي عادته في ذكر أسانيده إلى المترجم لهم، ثم حكم على السند بالاضطراب، فقال: «له كتاب الوصية، رواه شيوخنا عن أبي القاسم جعفر بن محمد قال: حدثنا
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 201أبو عيسى عبيد الله بن الفضل بن هلال بن الفضل بن محمد بن أحمد بن سليمان الصابوني، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد، قال: حدثنا أبو يوسف الوحاظي والأزهر بن بسطام بن رستم، والحسن بن يعقوب، قالوا: حدثنا عيسى بن المستفاد، وهذا الطريق طريق مصري فيه اضطراب»(586)
فالنجاشي طعن في هذا السند بالاضطراب، ثم إن السند لا يصح:
فأبو جعفر محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد: مجهول(587) ، وقال عنه الشاهرودي: «لم يذكروه»(588) .
ومشايخه الثلاثة الذين يروي عنه كتاب الوصية كلهم مجاهيل:
(أبو يوسف الوحاظي): مجهول لا يدرى من هو، ولم نقف له على ترجمة مع بذل الوسع.
و(الأزهر بن بسطام بن رستم): قال عنه الشاهرودي: «أزهر بن نظام: لم يذكروه،... والأظهر أنه أزهر بن بسطام بن رستم، وقع هو مع أبي يوسف والحسن بن يعقوب في طريق النجاشي إلى كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد»(589) .
و(الحسن بن يعقوب): قال عنه الشاهرودي: «لم يذكروه»(590) فهذا الطريق
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 202مسلسل بالمجاهيل.
ثم أشار النجاشي إلى سند آخر للكتاب ينتهي إلى عبيد الله بن الفضل أيضًا، فقال: «وقد أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران قال: حدثنا يحيى بن محمد القصباني، عن عبيد الله بن الفضل».
وهذا السند لا يصح أيضًا:
لأن من رواته: يحيى بن محمد القصباني، ويقال الغصباني: قال عنه الشاهرودي: «لم يذكروه»(591) ، فهو مجهول ليس له توثيق في كتب الرجال.
وأما عبيد الله بن الفضل الذي هو مدار إسناديّ النجاشي: فهو «مجهول» أيضًا(592) .
وعلى هذا تكون طرق النجاشي لكتاب عيسى بن المستفاد جمعت بين الاضطراب، وجهالة الرواة .
وأما الطوسي فلم يذكر سندًا متصلًا للكتاب أصلًا، وإنما قال: «له كتاب(593) ، رواه عبيد الله بن عبد الله الدهقان عنه»(594) ، ولذا قال إبراهيم الشبوط: «إن الشيخ الطوسي في الفهرست لم يذكر طريقًا إليه»(595) .
والراوي للكتاب عن عيسى بن المستفاد هو عبيد الله بن الدهقان وهو ضعيف أيضًا، قال عنه النجاشي: «ضعيف»(596) وقال أبو القاسم الخوئي عن هذا
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 203الطريق: «وطريق الشيخ إليه ضعيف»(597) وضعف جواد القيومي الأصفهاني(598) والشيخ عباس الدشتي(599) إسناد الطوسي إلى الكتاب.
ولذا ضعف ابن الغضائري سند كتاب الوصية فقال: «كتاب «الوصية» لا يثبت سنده»(600) ، وووافقه ابن المطهر الحلي(601) ، والأردبيلي الغروي(602) ، ومحمد المازندراني(603) ، وبذلك يتبين أن سائر طرق كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد الضرير لا تصح بالكلية.
المسألة الثالثة: رأي علماء الإمامية في عيسى بن المستفاد
ذهب جمهور علماء الرجال من الإمامية إلى ضعف عيسى بن المستفاد، وأقدمهم النجاشي حيث قال عنه: «لم يكن بذاك»(604) وقال ابن
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 204الغضائري عنه: «هو في نفسه ضعيف»(605)
ووافقه الحلي(606) والأردبيلي(607) ، والمازندراني(608) ، وذهب محمد تقي المجلسي (الأب) إلى أنه مجهول(609) .
وقد حكم بضعفه أيضًا كل من المامقاني(610) ، والمحقق الداماد(611) ، وإبراهيم الدنبلي(612) ، وعلي البروجردي(613) .
وقال كاشف الغطاء: «عيسى بن المستفاد قد ضعفه العلامة»(614) ، وضعف الخوئي روايته قائلًا: «هي ضعيفة السند بعيسى بن المستفاد»(615) ، ولخَّص الجواهري رأي الخوئي فيه قائلًا: «مجهول»(616) ، وقال الاشتهاردي عنه: «إنه على ما ذكره أهل الرجال ضعيف»(617) ، وقال عنه محمد المؤمن القمي: «عيسى نفسه ضعيف»(618) .
وذكر حسين الساعدي في كتابه «الضعفاء من رجال الحديث» طائفة أخرى من كبار علماء الرجال عند الإمامية الذين حكموا بضعفه قائلًا: «خلاصة القول فيه: ضعيف، ضعفه ابن الغضائري والنجاشي، وعده من الضعفاء: العلامة
حواشي هذه الصفحة14 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 205وابن داود والجزائري ومحمد طه نجف، والبهبودي، ويظهر من رواياته التخليط والأسلوب القصصي»(619)
وما أحسن قول الساعدي: «يظهر من رواياته التخليط والأسلوب القصصي»، فمن تأمل الروايات التي ينقلها هذا الرجل قضى بصحة كلام الساعدي، فإن جلّ مرويات عيسى بن المستفاد أشبه بأساليب القصاصين وصُنّاع الأساطير.
وبهذا يتبين أن جمهور علماء الرجال الإمامية حكموا بضعف عيسى بن المستفاد، فظهر أن توثيق النوري الطبرسي(620) وأمثاله من المتساهلين لعيسى ، قول شاذ مخالف لقول الغالبية العظمى من علماء الرجال، كما أن الوجوه التي استندوا إليها في محاولة توثيقه لا ترجع إلى مُحصِّل.
المسألة الرابعة: رأي علماء الإمامية في سند الروايات المنقولة من كتاب عيسى بن المستفاد
حكم المحقق آصف محسني في مشرعة بحار الأنوار هذه الرواية بعدم الاعتبار حيث قال: «جملة من روايات الباب منقولة من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد الضرير نقلها عن موسى بن جعفر عليه السلام، لكن عيسى إما غير قابل للاعتماد كما يستفاد من كلام النجاشي أو هو مجهول. على أن نسخة كتابه لم تصل بسند معتبر إلى ابن طاووس كما أشرنا إلى أصل هذا الكلام في أول هذه التعليقة، فلا اعتماد على هذه الروايات، وما قيل في اعتبارها ص( 495(621) ) ضعيف موهون»(622) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كما أن من مضى من علماء الرجال الإمامية حكموا بضعف سند كتاب عيسى بن المستفاد وضعفوا طريق ابن طاووس إليه.
وقد خالف في ذلك بعضهم، وعلى رأسهم محمد باقر المجلسي حيث يقول: «عيسى وكتابه مذكوران في كتب الرجال، ولي إليه أسانيد جمة، وبعد اعتبار الكليني رحمه الله الكتاب واعتماد السيدين عليه، لا عبرة بتضعيف بعضهم، مع أن ألفاظ الروايات ومضامينها شاهدة على صحتها»(623) .
وذهاب المجلسي لكون كتاب الوصية معتبرًا غير مسلم، فقد مضى أن طريق ابن طاووس لكتاب الوصية ضعيف، وكذا طريق النجاشي والشيخ الطوسي، وبهذا يتبين أن استدلال المجلسي بأن الكليني حكم باعتبار كتاب الوصية لا يتلفت إليه أيضًا، فقد سلك مسلك الأخبارية الذين يصححون أغلب الكتب والروايات، وعليه لا عبرة بقول من حكم بأن هذا الكتاب معتبر، كالمجلسي والنوري ومن تابعهم.
والعجيب أن المجلسي نفسه قد ضعف عيسى في كتابه الوجيزة(624) ، لكنه ناقض نفسه هنا وحكم باعتبار الكتاب!.
2 -رواية منهاج الصلاح
قال ابن المطهر الحلي: ««زار النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فاطمة عليها السلام، فقامت عليها السلام فهيأت له طعامًا من تمر وقرص وسمن، جاري عادتها معه، واجتمعوا على الأكل هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 207فلما أكلوا سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطال سجوده ثم بكى ثم ضحك ثم جلس، وكان أجرأهم في الخطاب علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: «يا رسول الله رأينا منك اليوم ما لم نره قبل ذلك»، قال صلى الله عليه وسلم: وما هو؟، قال: سجدت وبكيت وضحكت فما سبب ذلك؟، فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لما أكلت معكم فرحت وسررت بسلامتكم، واجتماعكم فسجدت لله تعالى شكرًا». فهبط جبرئيل عليه السلام يقول: «سجدت شكرًا لفرحك بأهلك؟» فقلت: «نعم»، فقال: «ألا أخبرك بما يجري عليهم بعدك؟» فقلت: «بلى يا أخي يا جبرئيل»، فقال: «أما ابنتك فهي أول أهلك لحاقا بك بعد أن تظلم ويؤخذ حقها وتمنع إرثها ويظلم بعلها ويكسر ضلعها»....»(625)
إن أقدم من ذكر هذه الرواية بهذا اللفظ هو ابن المطهر الحلي في كتابه منهاج الصلاح، ونقلها عنه المجلسي في بحاره، وقد ذكر الحلي هذه الرواية بألفاظ قريبة منها دون عبارة «ويكسر ضلعها» في كتابه «نهج الحق وكشف الصدق»(626) ونقل ابن أبي جمهور الأحسائي هذه الرواية في كتابه «عوالي اللئالي»، وبذلك يتبين أن مرجع هذه الرواية إلى مصدر واحد فقط وهو ابن المطهر الحلي، ولذلك لا تغتر بقول عبد الزهراء مهدي: «وقريب منها ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائي مختصرًا»(627) لأن ابن أبي جمهور إنما نقل نفس الرواية التي ذكرها الحلي في نهج الحق، وهي خالية من الإشارة إلى كسر الضلع،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 208ولذا وصفها عبد الزهراء مهدي بأنها رواية مختصرة، وبذلك يتبين أن عبد الزهراء مهدي تعمد إيهام القارئ بكثرة مصادر الرواية من خلال عزوها إلى أكثر من مصدر مع أنها ترجع إلى مصدر واحد.
دراسة سند الرواية
ليس لهذه الرواية سند، فابن المطهر الحلي الذي روى هذا الخبر لم يبين مصدره ولا ذكر سندًا للرواية، وبينه وبين هذه الحادثة المزعومة أكثر من سبعة قرون، فكيف يطمئن الباحث لصحة نقل هذه القصة؟، لا ريب أن من يبحث عن الحق لا ينبغي عليه الاعتماد على مثل هذه الروايات التي لا إسناد لها ولا زمام ولا خطام، وهذا أقل ما يقال في أمثال هذه الروايات.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم هاشم الهاشمي على هذه الرواية بالضعف والإرسال(628) ، وحكم المحقق آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار(629) .
ما نسب إلى علي رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
3 -رواية الكفعمي في المصباح(630)
عن علي عليه السلام أنه قال: «اللهم صل على محمد وآل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها وابنتيهما اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرَّفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك، وعطَّلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، والحدا في آياتك، وعاديا أولياءك، وواليا أعداءك، وخرّبا بلادك، وأفسدا عبادك، اللهم العنهما وأتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما،... وعهد نفضوه، وحلال حرّموه، وحرام أحلّوه، وبطن فتقوه، وجنين أسقطوه، وضلع دقّوه، وصكّ مزّقوه، وشمل بدّدوه، وعزيز أذلّوه، وذليل أعزّوه(631) .....» .
دراسة الإسناد
هذا النص جزء من دعاء صنمي قريش، وهو الدعاء المنسوب إلى علي رضي الله عنه، وليس له أي إسناد.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار في كتابه مشرعة بحار
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال المرجع كمال الحيدري عن دعاء صنمي قريش: «لا أصل ولا سند ولا مستند ولا مرجع، ولا يقرأه إلا الجهلة والعوام»(633) .
وقال كمال الحيدري جوابا عن سؤال عن دعاء صنمي قريش: «دعاء باطل ولا أصل له، ولا قيمة له ونحن نربأ بأئمتنا عن مثل هذه الكلمات»(634) .
وعندما سئل حيدر حب الله الأستاذ في حوزة قم، عن ثبوت دعاء صنمي قريش أجاب: «لا يوجد أيّ سند إطلاقًا لهذا الدعاء، ولا ذكر أيّ مصدر تمّ أخذ الدعاء منه وصولًا إلى ابن عباس عن علي عليه السلام، فلا نعرف كيف وصل هذا الدعاء إلى الكفعمي والحلّي والإصفهاني، وتفصلهم عن زمن صدوره حوالي 600 سنة (الإصفهاني)، أو 800 سنة (الحلّي والكفعمي) في الحدّ الأدنى. إنّ فاصل ستة قرون أو ثمانية قرون تحتاج للكثير من الجهد لردم هوّتها على مستوى الإثبات التاريخي والحديثي، والكلام العاطفي أو التسامحي أو الجدلي لا ينفع هنا، بل الأمر بحاجة إلى معطيات ووثائق وقرائن علميّة»(635) وقال ردًّا على من حاول تصحيح الخبر بوروده في كتاب المصباح للكفعمي: «دعوى أنّ كلّ ما في كتاب مصباح الكفعمي صحيح؛ لأنّه نقله عن كتب معتمدة، غير صحيحة رجاليًّا، وقد فنّدها الباحث الرجالي الشيخ مسلم الداوري في
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 211كتابه (أصول علم الرجال بين النظريّة والتطبيق: 217 220 والمعروف بين علماء الرجال والحديث الشيعة عدم ثبوت هذه الدعوى، فالكفعمي من المتأخّرين جدًا من حيث الزمان، وإفاداته التوثيقيّة أو التصحيحيّة في مقدّمة كتبه غير ملزمة لسائر العلماء، لاسيما بعد انكشاف مصادره للمحقّقين والتي أخذ منها مرويّاته، ومنها مصادر فقهيّة متأخّرة، وليست حديثية أصلًا، وكثير منها مراسيل»(636) وأجاب حيدر حب الله عن دعوى المجلسي بأن هذا الدعاء مشهور قائلًا: «كما أنّ شهرة هذا الدعاء بين الشيعة كما يقول العلامة المجلسي لا تعني شهرته بين القدماء، إذ لعلّه ناظرٌ إلى زمنه وما هو قريب منه، وإلا فلماذا لا نجد هذا الدعاء في كتب المتقدّمين من علماء الشيعة حتى القرن السابع الهجري؟»، بل حتى بعد القرن السابع الهجري قلّما وجدناه إلى زمن الكفعمي، وأين الدليل على شهرته بين الشيعة، وهو لا عين له ولا أثر في كتبهم القديمة المتوفّرة؟»!(637)
واعتبر حيدر حب الله أن «ما يخفّف من إمكان الوثوق بصدور هذا الدعاء وهذا عبارة عن قرينة تستحقّ التوقّف عندها هو عدم وجود عين ولا أثر ولا حتى إشارة لهذا الدعاء في كتب الشيعة بمذاهبها في القرون الستة الهجريّة الأولى إطلاقًا وفقًا لما وصلنا منها، رغم جهود ضخمة بُذلت للوصول إلى معلومات قديمة من طرف مناصري هذا الدعاء، فلم يذكر في الكتب الأربعة، ولا في كتب الصدوق، ولا المفيد، ولا المرتضى، ولا الطوسي، ولا الطبري الإمامي، ولا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 212غيرهم، بل حتى الطوسي لم يذكره في كتاب المصباح المخصّص للمندوبات والأدعية والسنن، رغم أنّ في هذه الكتب الكثير من الطعن في الخلفاء الثلاثة الأوائل. كما لم يذكره المشهدي في مزاره إطلاقًا، بل لعلّه من الغريب أنّ السيد ابن طاووس رغم أنّ أستاذه (وأستاذ نصير الدين الطوسي) الشيخ أسعد بن عبد القاهر الإصفهاني هو شارح هذا الدعاء كما تقدّم، وقد أخذ عنه ابن طاووس وتلمذ على يديه، ورغم أنّ السيد ابن طاووس كتب كثيرًا في الأدعية والمستحبّات، وربما لم يترك شاردة ولا واردة إلا أشار إليها في هذا المجال، ورغم روايته خبر الرضا عليه السلام الذي يشترك مع هذا الدعاء في بعض فقراته، مع ذلك كلّه لم يذكر هذا الدعاء إطلاقًا، ولم يُنقل عنه قول فيه أبدًا، ممّا يضع علامات استفهام كبيرة»(638)
إذا تبين ذلك فلا قيمة لقول من خالف في ذلك ومال إلى الاعتماد على هذا الدعاء من علماء الإمامية(639) ، فليس لديهم أي مستند علمي لتصحيح هذا الخبر.
ما نسب إلى فاطمة رضي الله عنها
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
4 -رواية الخصيبي
روى الخصيبي أن فاطمة رضي الله عنها قالت في وصيتها: «لا يصلِّي عَلَيَّ أمة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين بعْلي، وظلموني وأخذوا وراثتي، وحرقوا صحيفتي التي كتبها أبي بمِلْك فدك والعوالي» إلى أن تقول: «فأخذ عمر السوط من قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي فالتوى السوط من قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي، فالتوى السوط على يدي حتى صار كالدملج، وركل الباب برجله فرده علي وأنا حامل فسقطت لوجهي والنار تسعر، وصفق وجهي بيده حتى انتثر قرطي من أذني، وجاءني المخاض فأسقطت بغير جرم، فهذه أمة تصلِّي عَلَيَّ؟، وقد تبرأ الله ورسوله منها وتبرأت منها»(640) .
دراسة سند الرواية
وردت هذه الرواية بلا إسناد في كتاب الهداية الكبرى المنسوب للحسين بن حمدان الخصيبي (عاش في القرن الرابع)، وقد مضى الكلام على الخصيبي وكتاب الهداية المنسوب إليه، وطعن علماء الإمامية فيه(641) .
رأي علماء الإمامية في سند الرواية:
حكم آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار في كتابه مشرعة بحار الأنوار(642) .
ما نسب إلى الحسن بن علي رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
5 -رواية الاحتجاج
قال أبو منصور الطبرسي: «ورُوي عن الشعبي، وأبي مخنف، ويزيد بن حبيب المصري ...»، ثم ذكر خبرًا طويلًا جاء فيه أن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالًا منك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة منك لأمره، وانتهاكًا لحرمته»(643) .
دراسة الإسناد
وردت هذه الرواية في كتاب الاحتجاج لأبي منصور أحمد بن علي الطبرسي بلا إسناد،
والمشهور بين الإمامية أن صاحب الكتاب هو أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي(644) ، الذي عاش في القرن السادس، لأن ابن شهر آشوب المتوفى سنة 588 هـ ذكرَ أنه شيخه، ومقتضى ذلك أن أبا منصور الطبرسي عاش في القرن السادس(645) .
وهذه الرواية لا يعتمد عليها، لعدم وجود إسناد لها، حيث إن كتاب الاحتجاج خال عن ذكر الأسانيد، ولذلك رد جماعة من علماء الإمامية روايات كتاب الاحتجاج وطعنوا فيها لعدم ورود أسانيد لها:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال المرجع أبو القاسم الخوئي: «روايات الاحتجاج لا يعتمد عليها من جهة الإرسال»(646) ، وقال أيضًا: «إن روايات الاحتجاج ضعيفة السند إذ لم يذكر السند فيها»(647) .
قال محمد هادي معرفة: «أما الكتاب فلا يعدو مراسيل لا إسناد لها، أكثرها تلفيقات من روايات نقلية واحتجاجات عقلية، كانت العبرة بذاتها لا بالأسانيد، ومن ثم فإن العلماء يرفضون الأخذ بها كروايات متعبد بها، وإنما هو كلام عقلاني، وإلا فلا اعتبار بكونه منقولًا، الأمر الذي يحط من شأن الكتاب باعتبار كونه سندًا لحوادث تاريخية سالفة» .
وقال أيضًا: «ويعلّل تأليفه لهذا الكتاب ترغيب أبناء الطائفة في سلوك طريق الحجاج والمجادلة بالتي هي أحسن، فأتى فيه بأنواع الجدل في مختلف شؤون الدين، ناسبا لها إلى عظماء الأمّة كلا أو بعضا، ترويجا لهذه الطريقة الحسنة».
وقال أيضًا: «وعليه فهو أشبه بكتاب كلامي من كونه مصدرًا حديثيًا أو تاريخيًا، والعمدة هي الاستدلال بطريقة العقل لا مجرّد النقل»(648) .
فملخص كلامه أن صاحب الاحتجاج لفق الحجج الكلامية والعقلية على شكل روايات ونسبها إلى الأئمة المعصومين كي يلقن العوام طرائق الجدل ونصرة آرائهم.
وقال مرتضى العسكري عن إحدى روايات كتاب الاحتجاج: «هذا مما تفرد به صاحب الاحتجاج نقلًا مرسلًا على عادته في
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 216إيراد المراسيل، ومن ثم فإن كتابه غير صالح للاعتماد»(649) وقال في موضع آخر: «مر بنا في «روايات لا أصل لها» أن رواياته أقوال بلا سند»(650)
وأعل المرجع محمد اليعقوبي رواية من هذا الكتاب قائلًا: «ضعف سند روايات الاحتجاج»(651) .
وربما قد يتعلق بعضهم بأن صاحب الاحتجاج قال في مقدمة كتابه: «ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف»(652) .
والجواب: إن هذا الكلام لم يعتد به جمهور علماء الإمامية، فلم يذهب أحد منهم إلى صحة كل ما ورد في كتاب الاحتجاج، بل جعلوا عدم ذكر صاحب الاحتجاج لأسانيد رواياته موجبًا لردها، ولذا قال علي أكبر السيفي عن إحدى روايات الاحتجاج: «وأما سندًا، فهي ضعيفة بالارسال، وإن شهد الطبرسي في مقدمة الاحتجاج باشتهار أكثر الروايات المحذوفة إسنادها»(653) .
وقال فتح الله نجار: «رغم أن المؤلف ألزم نفسه بأنه لا يذكر في احتجاجه إلا الروايات المعتبرة، ولكنه كما قلنا بحذفه الإسناد سقط كتابه الاحتجاج في مقام الاحتجاج والاستدلال، وهو غير قابل للاعتماد في البحث العلمي»(654) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولذا درج علماء الإمامية على رد روايات كتاب الاحتجاج لعلة سقوط الإسناد منها، كما مضى نقله عن جماعة منهم.
وبالتالي فكتاب الاحتجاج لا يصلح أن يُحتج به، وعليه فهذه الرواية الواردة فيه لا عبرة بها.
ما نسب إلى محمد بن علي الباقر رحمه الله
6 -رواية تفسير العياشي
قال العياشي: «عن بعض أصحابنا، عن أحدهما قال: ... فلما قبض نبي الله صلى الله عليه وسلم كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف، وعمد عمر فبايع أبا بكر، ولم يُدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فلما رأى ذلك علي عليه السلام ورأى الناس قد بايعوا أبا بكر، خشي أن يفتتن الناس، ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف، فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع، فقال علي: لا أخرج حتى أجمع القرآن، فأرسل إليه مرة أخرى، فقال: لا أخرج حتى أفرغ، فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها تحول بينه وبين علي عليه السلام فضربها، فانطلق قنفذ وليس معه علي عليه السلام، فخشي أن يجمع علي الناس، فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على علي بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما رأى علي ذلك خرج فبايع كارهًا غير طائع»(655) .
دراسة السند
وردت هذه الرواية بدون إسناد في كتاب التفسير المنسوب إلى العياشي، وقد طعن عدة من علماء الإمامية في هذا الكتاب:
قال محمد هادي معرفة: «تفسير أبي النضر محمد بن مسعود العياشي (توفي سنة 320 الذي كان من أجمع التفاسير المأثورة، قد أصبح مقطوع
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 219الإسناد، حَذَف أسانيده بعض الناسخين لعذر غير وجيه، وبذلك أسقط مثل هذا التفسير الثمين عن الحجية والاعتبار»(656)
ووصف المرجع أبو القاسم الخوئي روايةً وردت في تفسير العياشي بأنها «ضعيفة السند، لعدم ثبوت اعتبار تفسير العياشي»(657) .
وقال أبو طالب التجليل التبريزي: «أحاديث تفسير العياشي كلها مرسلات، والحديث المرسل ليس حجة عند الإمامية»(658) .
وقال المرجع جعفر السبحاني عن تفسير العياشي: «غير أنّ ناسخ الكتاب في القرون السابقة، جنى على الكتاب جناية علمية لاتغتفر حيث أسقط الأسانيد، وأتى بالمتون، وبذلك سدّ على المحقّقين باب التحقيق»(659) .
وقال مرتضى العسكري عن تفسير العياشي: «كيف يستدل على روايات لا يعلم من رواها وهل رواها راو غال ضالّ كذّاب»(660) ؟.
ولو تغاضينا عن ذلك فالإسناد مبهم، فالعياشي يروي الخبر عن بعض الأصحاب ولم يبيِّن من هم، وهذا يزيد من وهن الرواية لو كان لها إسناد، فكيف وهي بلا إسناد متصل.
وعليه فالرواية ساقطة.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم آصف محسني على الرواية بعدم الاعتبار في كتابه مشرعة بحار الأنوار(661) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما نسب إلى جعفر الصادق رحمه الله
7 -رواية الاختصاص المنسوب للمفيد
قال صاحب كتاب الاختصاص: «أبو محمد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس أبو بكر مجلسه بعث إلى وكيل فاطمة صلوات الله عليها فأخرجه من فدك فأتته فاطمة عليها السلام فقالت: يا أبا بكر، ادعيت أنك خليفة أبي وجلست مجلسه، وأنك بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، وقد تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق بها عليَّ وأن لي بذلك شهودا، ....» إلى أن يقول الراوي: «فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك، فقال: فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد، ما هذا الكتاب الذي معك؟، فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك، فقال: هلمِّيه إلي، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه المحسن، فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت((662) )ثم أخذ الكتاب فخرقه، فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت»((663) ) .
دراسة سند الرواية
ذُكرت هذه الرواية في كتاب الاختصاص المنسوب للمفيد بإسناد منقطع، لكن كتاب الاختصاص لا تصح نسبته للمفيد، بل هو لمؤلف مجهول، فالكتاب غير معتمد وهذا ما نص عليه من حقق هذه المسألة من علماء الإمامية:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قال المرجع أبو القاسم الخوئي: «لم يثبت أن كتاب الاختصاص للشيخ المفيد»(664) ، وقرر ذلك في أكثر من موضع(665) ، وقال أيضًا: «كتاب الاختصاص لم يثبت اعتباره في نفسه»(666) ، وقال في موضع آخر: «الرواية ضعيفة لعدم ثبوت إسناد كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد»(667) .
ويقول المرجع المعاصر علي السيستاني: «كتاب الاختصاص لم تثبت نسبته إلى المفيد»(668) .
وقال حسين معتوق عن كتاب الاختصاص: «وهذا الكتاب لم يذكره أحد من المتقدمين ممن ترجم الشيخ المفيد (قدس سره)، ولكن في نسخة منه تاريخ كتابتها سنة 1055 هـ) ذكر كاتبها أنه من مصنفات الشيخ المفيد (قدس سره) وأنه استخرجه من كتاب الاختصاص للشيخ أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران المعاصر للشيخ الصدوق، ولا علم لنا بحال هذا الكاتب، فضلًا عن الفاصل الزمني بينه وبين الشيخ المفيد، وعدم وجود إسناد متصل إليه، ولذا حكم غير واحد من المحققين منهم السيد المحقق الخوئي (قدس سره) إلى عدم ثبوت نسبة الكتاب إليه»(669) وذكر المعتوق جماعة ممن نفى نسبة الكتاب إلى المفيد منهم: المرجع محمد آصف محسني، ومحمد
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 222باقر البهبودي، والمرجع كمال الحيدري، و محمد رضا السيستاني، وآية الله الصاغاني، والشيخ الزنجاني، والشيخ محمد الأميني.
وقال عدنان عباس البطاط: «إن الأدلة على نسبة الكتاب إلى الشيخ المفيد يمكن المناقشة فيها، ثم إن أقدم نسخة مخطوطة موجودة من كتاب الاختصاص وهي التي تعود إلى تاريخ 1055 هـ لايوجد فيها علامة تدل على أن الكتاب للشيخ المفيد، وما استند عليه البعض من أن الروايات التي في أول الكتاب تعود إلى الشيخ المفيد نراها ظهرت في النسخ المتأخرة عنها كما في النسخة المؤرخة بتاريخ 1085 هـ أي بعد ثلاثين عامًا من اكتشاف الكتاب في نسخة تحمل اسم العيون والمحاسن على أول النسخة، وبعد ثلاث وستون(670) سنة من اكتشاف الكتاب أي بتاريخ 1118 هـ، كتب على ظهر الصفحة الأولى من النسخة التي عليها تملك البحراني: «مختصر كتاب الاختصاص»، ومن هنا نستطيع القول: إن العنوان يمكن أن يكون قد أضيف فيما بعد إلى الكتاب، كما أضيفت الروايات التي يرجع سندها إلى الشيخ المفيد، ثم إن الكتاب عبارة عن دفتر جمعت فيه مجموعة من الروايات والمسائل من كتب متعددة منها ما هو مأخوذ من كتاب الاختصاص تصنيف أبو(671) علي أحمد بن الحسين، ويبقى الجامع لهذا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفصل حيدر حب الله الكلام حول كتاب الاختصاص وناقش سائر ما استُدِل به لإثبات نسبته للمفيد ثم قال : «وبهذا يظهر أنّه لا يوجد دليل مقنع يُثبت انتساب هذا الكتاب للشيخ المفيد، ولا لشيخٍ آخر ثابت الوثاقة والعلم، بل لو ثبت أنّه للمفيد فإحراز صحّة النسخة - بعد ما قلناه - ليس بالأمر السهل أيضاً، ومن ثمّ فلا يمكن الاستناد لمرويّات هذا الكتاب»(674) .
وحتى لو سلمنا جدلًا بنسبة الكتاب إلى المفيد، فإن هذا لا ينفع في إثبات صحة هذه الرواية، حيث إن إسناد المؤلف إلى أبي محمد الراوي عن عبد الله بن سنان غير معلوم، ولذا قال هادي النجفي عن إسناد هذه الرواية: «المفيد رفعه عن أبي محمّد، عن عبد الله بن سنان»(675) ، ومراد النجفي بكلمة «رفعه» كما هو ظاهر هو الإشارة إلى خلو الخبر من الإسناد، لأن مصطلح الرفع هنا يستعمل في الروايات المنقطعة الإسناد(676) ، ومعلوم أن المفيد المتوفى سنة ( 413 هـ) يستحيل أن يروي عن عبد الله بن سنان الذي هو من أصحاب جعفر الصادق ( 148 هـ) بواسطة واحدة، وعلى أية حال فإن هذا الخبر لا عبرة به لجهالة إسناده.
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم آصف محسني على هذه الرواية بعدم الاعتبار في مشرعة بحار الأنوار((677) ).
ما نسب إلى الحسن العسكري رحمه الله
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
8 -رواية فرحة الزهراء
روى ابن أبي العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن حويج(678) البغدادي قالا: تنازعنا في ابن الخطاب واشتبه علينا أمره، فقصدنا جميعًا أحمد بن إسحاق القمي صاحب أبي الحسن(679) العسكري عليه السلام بمدينة قم، فقرعنا عليه الباب، فخرجت علينا صبية عراقية فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعيده، فإنه يوم عيد، فقلت: سبحان الله، إنما الأعياد أربعة للشيعة: الفطر والأضحى، والغدير، والجمعة، قالت: فإن أحمد بن إسحاق يروي عن سيده أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام أن هذا اليوم يوم عيد، وهو أفضل الأعياد عند أهل البيت عليهم السلام وعند مواليهم، قلنا: فاستأذني عليه وعرِّفيه مكاننا، قالا: فدخلتْ عليه فعرَّفته، فخرج علينا وهو مستور بمئزر يفوح مسكًا، وهو يمسح وجهه، فأنكرنا ذلك عليه، فقال: لا عليكما فإني اغتسلت للعيد، قلنا أولًا: هذا يوم عيد؟، قال: نعم، وكان يوم التاسع من شهر ربيع الأول، قالا: فأدخلنا داره وأجلسنا. ثم قال: إني قصدت مولاي أبي الحسن عليه السلام كما قصدتماني بسر من رأى(680) فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه عليه السلام في مثل هذا اليوم، وهو يوم التاسع من شهر ربيع الأول، فرأيت سيدنا عليه وعلى آبائه السلام
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 225قد أوعز إلى كل واحد من خدمه أن يلبس ما يمكنهم من الثياب الجدد، وكان بين يديه مجمرة يحرق العود فيها بنفسه، فقلت له: بآبائنا وأمهاتنا يا ابن رسول الله هل تجدد لأهل البيت في هذا اليوم فرح؟، فقال عليه السلام: وأي يوم أعظم حرمة عند أهل البيت من هذا اليوم التاسع من شهر ربيع الأول! ثم ذكر أن هذا اليوم هو يوم مقتل عمر رضي الله عنه، وبدأ يسرد عدة من مثالبه بزعمه، والتي منها أنه «أحرق بيت الوحي وكذَّب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واغتصب فدك منها ...وأسخط قرة عين المصطفى ولم يرضها،...ولطم وجه الزكية عليها السلام(681)
دراسة سند الرواية
لم تنقل هذه الرواية في أي مصدر من مصادر الإمامية الروائية القديمة كالكتب الأربعة وكتب ابن بابويه القمي وكتب المفيد والطوسي وغيرهم من قدماء الإمامية، فلا أصل لها في أمهات المصادر الروائية، وإنما نقلها جماعة من علماء الإمامية المتأخرين عن مصادر مختلفة: -فالمجلسي ينقلها عن كتاب زوائد الفوائد لعلي بن طاووس الابن(682) ، وقد رواها علي بن طاووس بدون إسناد(683) .
–وقد نُسبت هذه الرواية إلى كتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري، وهذا غلط، وسببه أن نعمة الله الجزائري قال في الأنوار النعمانية: «ورويناه من كتاب الشيخ الإمام العالي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري قال: المقتل الثاني يوم التاسع من شهر ربيع الأول: أخبرنا الأمين السيد أبو المبارك أحمد بن محمد بن أردشير الدستاني، قال: أخبرنا أبو البركات بن محمد
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 226الجرجاني، قال: أخبرنا هبة الله القمي واسمه يحيى، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق بن محمد البغدادي، قال: حدثنا الفقيه الحسن بن الحسن السامري، أنه قال: كنت أنا ويحيى بن أحمد بن جريح البغدادي، فقصدنا أحمد بن إسحاق القمي، وهو صاحب الإمام الحسن العسكري عليه السلام(684) ثم ذكر الخبر، فتوهم عبد الزهراء العلوي أن المراد بمحمد بن جرير هنا هو الطبري الذي يُنسب إليه كتاب دلائل الإمامة، فنسب الرواية إليه، قائلًا: «وقد رواه مسندًا الطبري (القرن الرابع) في كتابه دلائل الإمامة»(685) وتبعه بعضهم على ذلك(686) وهذه النسبة خاطئة، فالجزائري لم يصرح بنسبة الخبر لا لكتاب دلائل الإمامة ولا لمؤلفه، فهو لم يبين من المقصود بمحمد بن جرير الطبري، فيمكن أن ينصرف هذا إلى صاحب المسترشد، ويمكن أن ينصرف إلى مؤلف كتاب دلائل الإمامة، وبما أن هذه الرواية لا توجد في كتاب دلائل الإمامة فنسبتها إلى مؤلفه غير صحيحة، كما أن خلو كتاب المسترشد منها يمنع نسبتها إلى محمد بن جرير بن رستم الطبري.
-ونُسبت هذه الرواية إلى كتاب «مصباح الأنوار في فضائل إمام الأبرار» لهاشم بن محمد من علماء الإمامية في القرن السادس، والكتاب لا زال مخطوطًا، ونص سند المصباح «أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد القمي بالكوفة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعدويه القزويني، وكان شيخًا صالحًا زاهدًا سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة صاعدًا إلى الحج، قال: حدثني محمد بن علي القزويني، قال:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 227حدثنا الحسن بن الحسن الخالدي بمشهد أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا: تنازعنا في أمر أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الكوفي(687) واشتبه علينا أمره، فقصدنا جميعًا أبا علي أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري القمي صاحب أبي الحسن العسكري (عليه السلام) بمدينة قم» وساق الخبر(688)
-ووُجدت هذه الرواية في كتاب «العقد النضيد والدر الفريد» المنسوب لمحمد بن الحسن القمي(689) ، حيث يقول: «عن الحسن بن الحسين السامري، قال: كنت أنا ويحيى بن أحمد بن جريح البغداديّ، فتنازعنا في ابن الخطّاب، فاشتبه علينا أمره، فقصدنا أحمد بن إسحاق القمّي صاحب الإمام أبي محمّد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) بمدينة قم» ثم ذكر الخبر(690) .
-وذكر هذه الرواية الحسن بن سليمان الحلي في المحتضر فقال: «ما نقله الشيخ الفاضل علي بن مظاهر الواسطي، عن محمّد بن العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن جريح البغدادي، قالا: تنازعنا في أمر ابن الخطّاب فاشتبه علينا أمره، فقصدنا جميعًا أحمد بن إسحاق القمي صاحب العسكر (عليه السلام) بمدينة قم» وذكر
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبعد أن بينا مصادر هذه الخبر، يظهر بوضوح أن الخبر فيه عدة علل وأنه غير متصل الإسناد:
-إن رواية علي بن طاووس في زوائد الفوائد خالية عن الإسناد المتصل، فعلي بن طاووس لم يذكر إسناده إلى من روى الخبر وبينه وبين راوييه ثلاثة قرون، لأن علي بن طاووس هذا كان حيًّا إلى سنة ( 704 هـ).
-أما الرواية التي نقلها الجزائري عن الطبري فهي أيضًا خالية عن الإسناد المتصل، فالجزائري لم يبين من أين نقل الرواية، وبينه وبين الطبري قرون عديدة!.
-أما صاحب مصباح الأنوار هاشم بن محمد، فلا يعرف ولا توجد له ترجمة، ولذا قال عنه الشاهرودي: «لم يذكروه»(692) ، والإسناد المذكور في الكتاب ليس متصلًا قطعًا، فإن هاشم بن محمد يروي في هذا الخبر عن الحسن القمي الذي سمع هذا الخبر من أبي بكر محمد بن جعدويه القزويني سنة 341 هـ، وإذا علمنا أن هاشم بن محمد كان حيًّا سنة 552 هـ(693) ، يتبين أن في الإسناد سقطًا واضحًا، فبين هاشم بن محمد وأبي بكر القزويني أكثر من مئتي سنة، فيمتنع أن يروي عنه بواسطة واحدة.
-أما صاحب العقد النضيد، وهو الحسن بن محمد القمي فهو أيضًا مجهول لا يعرف، قال محقق كتابه: «لم يعرف شيء عن حياة المؤلف»(694) فلا توجد له ترجمة في كتب الرجال، وأقدم من ذكره هو محسن الأمين في أعيانه،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 229وذكر أنه من أعلام القرن السابع أو ما بعده!(695) ومصدر محسن الأمين هو مخطوط العقد النضيد فقط، وإنما اعتمد في ترجمة الرجل على الكتاب الذي نسب إليه، ثم إنه قد روى هذا الخبر أيضًا بلا إسناد.
وقد يُقال: إن الحسن بن محمد القمي هذا نفس الرجل الذي يروي عنه هاشم بن محمد هذا الخبر في مصباح الأنوار!!، وهذا من الغرائب، فالحسن بن محمد القمي في هذا الخبر سمع أبا بكر القزويني سنة 341 هـ، فمقتضى ذلك أنه عاش في القرن الرابع وعلى أقصى تقدير يمكن أن نحتمل أنه بقي إلى أوائل القرن الخامس، أما صاحب العقد النضيد فينقل روايات عمن عاش في إلى أواسط القرن السادس، كأبي المؤيد الخورازمي ( 568 هـ)، وأبي محمد الخزاعي الرازي ( 510 هـ تقديرًا)، والفتال النيسابوري (عاش في القرن السادس)(696) ، فلا يمكن أن يكون نفس الرجل، إلا في حالة واحدة، وهي أن الكتاب لا تصح نسبته إليه وأنه منحول على مؤلف من القرن السادس، والبحث في ذلك عسير ولا ترجى منه كبير فائدة في هذا البحث، خاصة أن كتاب العقد النضيد لا توجد له إلا نسخة واحدة فقط!(697) .
-أما رواية صاحب المحتضر فهي منقطعة الإسناد أيضًا، قال الشيخ الإمامي محمد عباس دهيني: «السند الساقط بين عليّ بن مظاهر الواسطي ومحمد بن العلاء الهمداني الواسطي؛ إذ يفصل بينهما ما لا يقلّ عن خمسة
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 230قرون، فالسند الساقط يتكوَّن في أقلّ تقدير من خمسة رجال. وهذا إعضالٌ كبير»(698)
ولو تنزلنا عن كل هذه الإشكالات، فإن مدار هذه الرواية على محمد بن العلاء الواسطي ويحيى بن محمد بن جريح أو حويج، كما ورد في رواية زوائد الفوائد ومصباح الأنوار، أما رواية الجزائري عن محمد بن جرير الطبري، ورواية الحسن بن محمد القمي في العقد النضيد، فقد تغير فيها يحيى بن محمد بن جريح إلى الحسن بن الحسين السامري!.
وحتى مع التنزل بأن هؤلاء الثلاثة رووا الخبر، فهذا لا ينفع في شيء، حيث إن هؤلاء الرواة الثلاثة بأجمعهم مجاهيل عند الإمامية: فمحمد بن العلاء الهمداني، ويحيى بن محمد بن جريح، والحسن بن الحسين السامري ليست لهم ترجمة في كتب الرجال الإمامية، ولذا قال الشاهرودي عن كل منهم: «لم يذكروه»(699) .
ثم إن الدكتور الإيراني الإمامي حسن أنصاري يرى أن أصل هذه الرواية من التراث النصيري، فقد وُجدت هذه الرواية بنفس الإسناد في كتاب «مجموع الأعياد» لأبي سعيد الميمون بن القاسم الطبراني النصيري 426 هـ)، يقول أبو سعيد الطبراني: «حدّثنا محمّد بن العبّاس الخراساني، قال: أخبرنا أبو عليّ أحمد بن إسماعيل السّليماني، قال حدّثنا الحسين بن أحمد بن
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 231شيبان القزوينيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد ابن عليّ الكمنجشي، قال: حدّثنا محمّد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمّد بن جذع البغداديّ، قال: تنازعنا في باب أبي الخطّاب، فاشتبه علينا أمره، فقصدنا جميعًا أحمد بن إسحاق القمّي صاحب العسكري عليه السلام بمدينة قم، فقرعنا عليه الباب…»(700) ويؤيد ذلك ما مضى من أن أمهات مصادر الإمامية الروائية لم تنقل هذا الخبر أصلا، وعليه فهذا الخبر من تراث النصيري، رواه أحد علمائهم في القرن الخامس في كتاب مليء بالغلو، ثم تسرب إلى تراث الإمامية في القرون المتأخرة(701)
حكم علماء الإمامية على الرواية
حكم محمد آصف محسني على هذه الرواية بالضعف(702) وكتب الدكتور الإيراني حسن أنصاري مقالة استوفى فيها البحث عن أصل هذه الرواية في كتب الإمامية، ثم ختمها ببيان أن أصل الرواية من التراث النصيري، واعتبر هذه الرواية قصة
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال حيدر حب الله: «رواية أحمد بن إسحاق فبصرف النظر عن المناقشة في سندها ومدى صحّتها صدورًا ومضمونًا ومتنًا، وفيها كلام ليس بالقليل، وهي من أهم مستندات ما يُعرف بـ (عيد فرحة الزهراء)، وهي رواية غير معتبرة على المستوى الصدوري، لا على مستوى حجية خبر الثقة ولا الخبر الموثوق»(704) ، وقال محمد عباس دهيني: «هذه الرواية ضعيفة السند»(705) .
وصرح المرجع الإمامي محمد اليعقوبي بعدم وجود أصل لهذه القضية فقال: «الذي أعتقده أن هذا العيد وهذه الفرحة لا أصل لها، والاحتفال به بدعة»، وقال أيضًا: «هذه الفرحة وهذا العيد لا أصل له، وليس له وجود في عصر الأئمة المعصومين»(706) .
مناقشة متن الرواية
تضمنت هذه الرواية شواهد قاطعة على كونها رواية مفتراةً ومكذوبًة، فمن ذلك:
1 دعوى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توفي في اليوم التاسع من ربيع الأول،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 233وهذا غير صحيح على الإطلاق، قال ابن إدريس الحلي الإمامي: «وهذا خطأ من قائله بإجماع أهل التاريخ والسير»(707)
2 - جاء في هذه الرواية: «وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق كلهم ثلاثة أيام»، ولا ريب أن هذا باطل وكذب.
9 -رواية الطرازي
قال ابن طاووس: «ذكر الزيارة المشار إليه لمولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، تقول: ... وصلِّ على البتول الطاهرة، الصديقة المعصومة، التقية النقية، الرضية (المرضية)، الزكية الرشيدة، المظلومة المقهورة، المغصوبة حقها، الممنوعة إرثها، المكسور ضلعها، المظلوم بعلها، المقتول ولدها»(708) .
دراسة الإسناد
ليس لهذه الرواية إسناد، فابن طاووسنقلها عن كتاب محمد بن علي الطرازي((709) )الذي عاش في القرن الخامس، والطرازي لم يذكر إسنادا لهذه الرواية، فضلًا عن أن الطرازي هذا ليست له ترجمة في كتب الرجال ولم يُعرف إلا بنقل ابن طاووس عنه، قال آغا بزرك الطهراني: «المؤلف ممن ليست له ترجمة في الأصول الرجالية للأصحاب ولم نطلع على شخصيته إلا من تأليفه الذي ذكره لنا السيد رضي الدين ابن طاووس بالنقل عنه، ولم توجد نسخة هذا الكتاب بعد عصر السيد ابن طاووس حتى اليوم، بل لم نر النقل عنه في أي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 234موضع آخر عن غير السيد»(710) ولذا قال عنه الشاهرودي: «لم يذكروه»(711) ولخَّص الجواهري رأي الخوئي فيه قائلًا: «مجهول»(712)
رأي علماء الإمامية في سند الرواية
حكم عليها هاشم الهاشمي بالضعف والإرسال(713) ، ولم يذكرها آصف محسني ضمن الروايات المعتبرة في مشرعة بحار الأنوار(714) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مناقشة أصول روايات كسر الضلع وبيان قلة مصادرها وأسانيدها
قد يتصور بعضهم أن عدد روايات كسر الضلع كبير بناء على ما قد يوهمه كثرة الروايات الواردة في ذلك، فما جمعناه في هذه الدراسة من الروايات التي اشتملت على التصريح بحصول حادثة الهجوم على بيت فاطمة رضي الله عنها، وما يتعلق بذلك من إحراق بيتها رضي الله عنها واقتحام الباب وضربها وإسقاط جنينها، سواء جاءت هذه التفاصيل مجتمعة في بعض الروايات أو متفرقة، أو وردت الإشارة إلى جزء منها، عدة كل ذلك هو واحد عشرون رواية فقط، لكن عند تمحيص هذا العدد يظهر أنه أقل بكثير من ذلك:
فعدد روايات القسم الأول وهي الروايات المسندة هو: 12 رواية.
وعدد روايات القسم الثاني وهي الروايات الخالية عن الإسناد هو: 9 روايات.
فلو أسقطنا روايات القسم الثاني لكون أغلبها منقولًا من قرون متأخرة، فضلًا عن خلوها من الإسناد مما يجعلها بدون أي قيمة علمية، سيكون عدد روايات قصة كسر الضلع هو اثنتي عشرة رواية فقط.
وعند دراسة روايات القسم الثاني التسعة، نجد أنها إما قد رويت بإسناد منقطع، كما هو الشأن بالنسبة للروايات ذوات الأرقام ( 6 ، 7 ، 8 )، وإما أنها خلت عن الإسناد رأسا كما هو حال أغلبية روايات القسم الثاني، وهي الروايات المرقمة بـ ( 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 9 ).
ثم إننا عندما نبحث في أصول روايات القسم الثاني نجد أن أغلبها ينتمي إلى قرون متأخرة جدًا، فأربع روايات ترجع إلى مصادر من القرن السابع وهي ذوات الأرقام ( 1 ، 2 ، 8 ، 9 )، والرواية رقم ( 3 ) من القرن العاشر، فنصف هذه الروايات تعود إلى مصنفات متأخرة جدًا، وأما البقية، فأقدمها يرجع للقرن الرابع وهي الروايتين المرقمتان بـ ( 4 ، 6 )، والرواية رقم ( 7 ) من القرن الخامس، والرواية رقم ( 5 ) من القرن السادس، ثم إن هناك ثلاث روايات نقلت بالواسطة، فالرواية رقم ( 1 ) توجد في مصدر من القرن السابع ينقل عن مؤلف من القرن الثالث، والرواية رقم ( 9 ) ترجع إلى مصدر من القرن السابع ينقل عن كتاب لمؤلف من القرن الخامس، والرواية رقم ( 8 ) ينقلها مصدر من القرن الثاني عشر عن مؤلف من القرن السابع، وبالتالي فثلاث روايات من الروايات الثمان أصلها من مصدر وسيط واحد هو علي بن موسى بن طاووس.
وعندما نتمعن في أحوال كتب روايات القسم الثاني، نجد مشكلة أخرى، فخمسة من الكتب الثمانية التي وُجدت فيها روايات كسر الضلع هي كتب مطعون فيها:
- فإما أن تكون العلة في مؤلف الكتاب نفسه، كما هو الشأن بالنسبة للرواية الأولى المنقولة عن كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد، وكذا بالنسبة للرواية الرابعة المنقولة عن كتاب الهداية المنسوب للخصيبي، والرواية السابعة المعزوة إلى كتاب الاختصاص الذي يجهل مؤلفه.
- وإما أن تكون العلة في الكتاب نفسه، بأن يكون خاليًا من الأسانيد كما هو الشأن في الرواية الخامسة المنقولة عن كتاب الاحتجاج، أو أن يحذف بعض النساخ إسناد الروايات من الكتاب، كما هو الشأن بالنسبة للرواية السادسة المنقولة من كتاب تفسير العياشي.
ثم إن الرواية التاسعة لم يعرف مخرجها، فلم تُنسب إلى أي أحد، فحال الرواية مجهول من جهة مخرجها، أما بقية الروايات فاثنتان منهما ترجعان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبقية الروايات وهي ست، نسبت إلى كل من علي و فاطمة والحسن والباقر والصادق والعسكري رضي الله عنهم.
وباختصار، فإن روايات القسم الثاني وجودها وعدمها سواء من الناحية العلمية، فلا ينبغي الاشتغال بها، وإنما نبهنا على حالها كي لا يُتوهم من تَعدُّدِ مصادرها أن لها قيمة علمية، وبالتالي لا ينبغي الاغترار بهذه الكثرة المتوهمة، هذا بالنسبة للروايات الخالية من الإسناد المتصل.
وعندما نرجع إلى روايات القسم الأول، وهي الروايات المسندة، فإن حالها لا يختلف عن روايات القسم الثاني، من حيث كون عددها موهمًا في ظاهره للكثرة والتنوع، لكن عند التحقيق في ذلك نجد أن هذه الكثرة لا حقيقة لها أيضًا، وذلك أن هذه الروايات الاثني عشر، ترجع بأجمعها إلى ستة مصادر فقط، فثلث روايات هذا القسم أصلها كتاب واحد، وهي الروايات ذوات الأرقام ( 1 ، 4 ، 5 ، 6 ) فمصدرها كتاب سليم بن قيس، ورُبُعها من كتاب واحد أيضًا، وهي الروايات ذوات الأرقام ( 7 ، 8 ، 11 )، فهي معزوة إلى كتاب دلائل الإمامة، فأكثر من نصف الروايات المسندة يرجع إلى كتابين فقط، وهما كتاب سليم بن قيس وكتاب دلائل الإمامة، ثم إن الروايتين ذات الرقمين ( 3 ، 10 )، ترجعان إلى كتاب كامل الزيارات، وبقيت ثلاث روايات ترجع إلى ثلاثة كتب مختلفة، وعليه فمدار الروايات الاثني عشر، على ستة مؤلفين فقط.
وكلما دققنا في مخارج هذه الروايات إلا وزادت الشُّقةُ، وتبين أن أصل هذه الروايات يرجع إلى رواة معدودين على أصابع يد واحدة، وذلك أننا وجدنا أن الروايتين الأولى والثانية، مرويتين من طريق ابن عباس، والروايتين الثالثة والعاشرة،
PDF 238مرويتان من طريق عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، والروايتين الرابعة والخامسة مرويتان عن علي بنفس المعنى، والروايتين الثامنة والحادية عشرة، مرويتان من طريق محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، والروايات الثامنة والتاسعة والثانية عشرة، مروية من طريق المفضل بن عمر، والروايتين السابعة والثامنة مرويتان من طريق جابر الجعفي، وبالتالي فإن أحد عشر رواية من اثني عشر رواية مسندة مدارها على ستة رواة فقط
وأما حين ننظر في أحوال المصادر التي نقلت منها هذه الروايات، نجد أن ذلك يزيدها وهنًا على وهن، فإن نصف المصادر التي نقلت منها هذه الروايات هي كتب مطعون فيها، فكل من كتاب سليم بن قيس، ودلائل الإمامة المنسوب للطبري، والهداية المنسوب للخصيبي كتب لا تصح كما مضى بتفصيل، وهذه الكتب الثلاثة تضمنت ثلثي الروايات المسندة، وعددها ثمان روايات، وهي الروايات ذوات الأرقام ( 1،4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 11 )، وهذا الذي ذكرناه مهم جدًا حيث إن ما قدمناه ينقض دعوى كثرة هذه الروايات أو شهرتها واستفاضتها كما سيأتي تحقيقه بتفصيل، فإذا كانت هذه الروايات أدنى منزلةً من أن تبلغ مستوى الشهرة أو الاستفاضة فمن أين لها أن تبلغ مبلغ التواتر؟!.
تقرير ضعف سائر أسانيد روايات كسر الضلع
إن من يدرس الروايات التي ذكرت قصة كسر الضلع، ويطبق عليها موازين الإمامية في دراسة الروايات، لا بد أن يحكم بضعف هذه الروايات، وهذا ما فعله جماعة من علماء الإمامية، فالمرجع محمد آصف محسني ضعَّف جل روايات كسر الضلع في كتابه مشرعة بحار الأنوار، وقد نقلنا أحكامه على أغلب الروايات، ولذلك لا تجد في كتاب المعتبر من بحار الأنوار وفقًا لنظريات الشيخ آصف محسني لعمار مهداوي رواية عن كسر ضلع فاطمة، ومعنى ذلك أن محسني ضعف سائر الروايات التي وردت في بحار الأنوار في هذه المسألة، وعندما ألف محسني كتابه معجم الأحاديث المعتبرة الذي أودع فيه الأحاديث الصحيحة عنده، وهو آخر أعماله وأوسعها، لم ينقل في هذا الكتاب أي رواية تثبت واقعة كسر الضلع.
وهذا ما انتهى إليه أيضًا محمد الحسيني، فقد حكم على الروايات التي أوردها جعفر مرتضى العاملي لإثبات واقعة كسر الضلع بأنها غير صحيحة، فقال: «من مجموع الروايات 18 التي تؤكد الاعتداء بالضرب، رواية واحدة فقط تتوفر على الصحة السندية، أما البواقي فهي لا تتوفر على شروط الصحة السندية، لاشتمالها على الإرسال أو ضعف طرقها فضلًا عن صعوبة الالتزام ببعضها»(715) والرواية الوحيدة التي حكم بصحة سندها هي رواية دلائل الإمامة المرقمة برقم 32 في كتاب مأساة الزهراء لجعفر مرتضى
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 240العاملي، والذي يبدو أن مقصود محمد الحسيني هو الحكم على الإسناد فقط دون النظر في مؤلف الكتاب، ولذا فقد استدرك في الطبعة الثانية لكتابه هوامش نقدية وحكم بأن مؤلف الكتاب غير موثق، فقال: «لو كنا...بصدد مناقشة أصل البحث وموضوع النزاع نفيًا وإثباتًا لأشرنا إلى الإشكال في الرواية الصحيحة المشار إليها رقم 32 لأن هذه الرواية مروية عن دلائل الإمامة للطبري محمد بن جرير بن رستم ولم يوثق عند رجال التوثيق، مع أنه كان معاصرًا للشيخ الطوسي والنجاشي، نعم وثقه بعض المتأخرين وتحديدًا السيد هاشم البحراني في مدينة المعاجز»(716)
وعندما ندقق في أحوال أسانيد روايات القسم الأول وهي الروايات التي اشتملت على الإسناد، فإننا نجد أنها بأجمعها أسانيد ضعيفة، فضلًا عن أن نصف الروايات المسندة منقولة من كتب مطعون فيها بوجه من الوجوه، ثم إن سائر هذه الروايات منقولة من طرق المجاهيل والكذابين والوضاعين والغلاة عند علماء الرجال الإمامية، وإليك بيان ذلك من خلال استعراض أسانيد روايات القسم الأول باستعمال طريقة التشجير التي توضح مكامن الخلل في الأسانيد.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.





محاولة التنصل من إثبات قصة كسر الضلع بأسانيد صحيحة
ولأجل ضعف هذه الروايات، لجأ أنصار هذه النظرية إلى جواب ظريف، وهو أن إثبات صحة قصة كسر الضلع لا يحتاج إلى أسانيد صحيحة، يقول جعفر مرتضى: «إنه ليس من حق أحد أن يطلب من الناس أن يقتصروا في ما يثيرونه من قضايا على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة (ع) بأسانيد صحيحة، وفق المعايير الرجالية في توثيق رجال السند . . . لأن ذلك معناه أن يسكت الناس كلهم عن الحديث في جل القضايا والمسائل، دينية كانت أو تاريخية أو غيرها. بل إن هذا الذي يطلب ذلك من الناس، لو أراد هو أن يقتصر في كلامه على خصوص القضايا التي وردت بأسانيد صحيحة عن المعصومين، فسيجد نفسه مضطرا إلى السكوت، والجلوس في بيته، لأنه لن يجد إلا النزر اليسير الذي سيستنفده خلال أيام أو أقل من ذلك»(717) ، وقال أيضًا: «لو أريد الاقتصار في التاريخ على ما صح سنده - حسب المصطلح الرجالي - فلا يمكن إثبات أية حقيقة تاريخية إلا ما شذ وندر»(718) ، وقال معترضًا على المطالبة بصحة الإسناد: «هل يجب توفر سند صحيح لكل قضية تاريخية؟»، وكم هو عدد القضايا التي ثبتت كذلك؟ وهل ثبوت أية قضية تاريخية يتوقف على وجود سند صحيح وفق المصطلح الرجالي؟!!(719) .
ونظير هذا قول هاشم الهاشمي: «إن المقياس في الأخذ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 247بمضمون الروايات ليس هو دومًا صحة السند من ضعفه، فليس كل ما لم يثبت فيه سند صحيح فإن ذلك دليل على صحة طرحه وعدم الأخذ بموجبه، فإنه توجد في بعض الأحيان قرائن داخلية وخارجية تحيط بالرواية وتكتنفها تستوجب الوثوق بالصدور، وتشهد لصحة محتوى الحديث»(720) وهذه القاعدة التي قررها جعفر مرتضى وأنصاره ليست إلا للتنصل من إثبات صحة سائر الروايات التي يستدل بها أنصار أسطورة كسر الضلع، ولذا فهم لم يبيِّنوا أحوال تلك الروايات إلا نادرًا(721) ولهذا يقول نجيب مروة وهو من تيار جعفر مرتضى العاملي «هل سيبقى لنا روايات، وهل سيبقى لنا تاريخ إذًا، خاصة إذا اعتمدنا على الروايات الصحيحة بالمعنى السندي»(722)
والحقيقة أن سبب تنصلهم من الالتزام بالأخبار الصحيحة هو علمهم بأن ذلك سيلغي كثيرًا من القضايا الباطلة التي خدعوا بها العوام لفترة طويلة، فلو التزموا ببيان درجة كل رواية من جهة السند، فسيظهر للناس أن جل اعتمادهم على روايات منقولة عن الضعفاء والمتهمين والكذابين والغلاة، ولذا استغنوا عن التعرض لبحث الإسناد، أو اشتراط صحة السند، بل والاستغناء عن روايات أئمة أهل البيت»، يقول جعفر مرتضى العاملي مقررًا قاعدة عجيبة: «إن ثبوت القضايا لا يتوقف على توفر سند صحيح لها برواية عن المعصومين»(723) .
وهذا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 248من الغرائب(724) ويكفي في نقضه أن ننقل ما يناقضه من كلام الإمامية أنفسهم، فالشيخ الإمامي فضل علي القزويني قال وهو يحاول أن يدفع تهمة ابن أبي الحديد بتفرد الإمامية برواية قصة كسر الضلع: إن الإمامية لا ينسبون إلى أبي بكر وعمر وغيرهما إلا ما ورد عن أئمتهم عليهم السلام بأسانيدهم المعتبرة تحرزًا عن الكذب والافتراء عليهما أو على غيرهما(725) ودعوى اعتمادهم على الأسانيد المعتبرة لا حقيقة لها، فقد بينا حال تلك الأسانيد التي حكم المرجع محمد آصف محسني بأنها غير معتبرة.
إن جعفر مرتضى ونظراءه لما أرادوا بيان أهمية قضية كسر الضلع جعلوها من أهم قضايا العقائد والإيمان، لكن حينما يُطلب منهم إثباتها بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة، يجيبون بأن ذلك ليس شرطًا، وما ذاك إلا لعلمهم بأن هذه الروايات لو عُرضت على موازينهم لسقطت عن الاعتبار.
ثم كيف يعقل أن تكون هذه القضية أساسية في حياتنا الفكرية والإيمانية، ولها ارتباط بأمر أساسي في هذا الدين، ولا ينبغي الاستهانة بها، أو التقليل من أهميتها(726) ، ثم لا يشترط أن تكون منقولة عن أئمة أهل البيت بأسانيد صحيحة؟»، ولا يتفرد بها إلا المجاهيل والضعفاء والمتهمون والغلاة!.
وقد ادعى جعفر مرتضى وأنصاره صحة بعض الروايات، وهي على قلتها
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 249ضعيفة بأجمعها، فأهم رواية يعتمد عليها أنصار أسطورة كسر الضلع هي رواية كتاب دلائل الإمامة، وقد فصلنا الجواب عنها وبينا بوضوح أن مؤلف الدلائل مجهول وأن الكتاب لا يوثق به وأن أسانيد الروايات فيها علل قادحة، وهذه حال أصح رواية عندهم، وبقية الروايات قد تكلمنا عنها بتفصيل، ولذلك لجأ المخالفون إلى طرق أخرى لمحاولة إثبات صحة روايات كسر الضلع، فتارة يدّعون الوثوق بصحتها بناء على كثرة الطرق، وتارة يدعون اشتهار هذه القصة، ومنهم من بالغ حتى ادعى تواترها، وهو ما سنبين عدم صحته بتفصيل في المباحث الآتية.
الرد على محاولات تصحيح روايات كسر الضلع
إن جعفر مرتضى العاملي ومن تبعه من أنصار أسطورة كسر الضلع، يعلمون جيدا أن الروايات التي يستدلون بها لإثبات صحة هذه الخرافة هي روايات تعاني من علل قادحة، وأن رواتها بين مجهول وضعيف وكذاب، ولذا وجدناهم يُعرضون عن الكلام عن أسانيد هذه الروايات، باستثناء روايات معدودة على الأصابع حاولوا تصحيحها بطرق واهية، وقد فندنا كلامهم بتفصيل حينما درسنا أسانيد هذه الروايات، وبينا أنها بأجمعها روايات ساقطة من جهة الإسناد، ولأن أنصار أسطورة كسر الضلع يتحاشون الخوض في الأسانيد كي لا يتضح عوارها ومواطن الخلل فيها عند العوام، لجؤوا إلى طرق أخرى لادعاء صحة هذه الروايات، ومرادهم بذلك هو إثبات هذه القصة بغض النظر عن أحوال رواتها، ويريدون بذلك تصحيح هذه الروايات بطرق ملتوية، حتى يتمكنوا بذلك من التهرب من إثبات صحة أسانيد هذه الروايات، وبما أن هذا المنهج الذي سلكوه هو ملاذهم الأخير لإثبات أسطورة كسر الضلع، قمنا بتتبع دعاواهم وتفنيدها وبيان بطلانها .
دعوى ثبوت كسر الضلع بكثرة الطرق
حاول أنصار أسطورة كسر الضلع ادعاء تعدد طرق هذه القصة ليثبتوا أنها صحيحة، يقول محمد مرتضى وهو يرد على محمد الحسيني حين بيَّن أن 18 رواية ورد فيها التصريح بضرب فاطمة رضي الله عنها لا تصح من جهة السند:
PDF 251«إن هذا العدد أي 18 رواية ليس قليلًا، فإن هذا العدد يوجب الوثوق»(727)
والجواب: قد مضى الكلام عن هذا الأمر بتفصيل، وقلنا إن هذا الكثرة وهمية ولا حقيقة لها، لأن القول بكثرة الطرق فرع عن القول بثبوتها، ونحن نمنع ثبوت كثرة الطرق أصلًا، فلو اقتصرنا على الروايات المسندة والمنقولة من الكتب السالمة من الطعن، لن يصفو من مجموع سائر الروايات سوى أربع روايات فقط، وهي روايتا ابن قولويه في كامل الزيارات، ورواية ابن بابويه في الأمالي، ورواية الكراجكي في كنز الفوائد، ثم إن روايتي ابن قولويه رويتا بإسناد واحد مداره على عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، ومن ثم يكون مدار هذه الشهرة المدعاة على ثلاث طرق فقط، فأين الكثرة المزعومة؟.
أما بقية الروايات التي اشتملت على الإسناد، فهي منقولة من كتب مطعون فيها كما هو الحال بالنسبة للروايات الأربع المنقولة من كتاب سليم بن قيس، والروايات الثلاث المنقولة من كتاب دلائل الإمامة، ورواية الخصيبي، فوجودها وعدمها سواء، ولا يمكن الاستناد إليها للقول بتعدد طرق الرواية.
وهذا ما حمل نجيب نور الدين على أن ينتقد جعفر مرتضى العاملي بسبب الاستكثار من المصادر لإيهام كثرة الأسانيد، فاعتبر أن «الاكتفاء بذكر روايات، دون ممارسة نقد تاريخي وروائي، واعتبار أنَّ الكثرة تغني عن التحقيق، هو منهج موضع تساؤل ومحلّ ردّ»(728) ، وقال أيضًا: «قد يكون الرّواة معروفين بالكذب والوضع والتدليس، عند ذلك، فإنَّ عدد الرّوايات لا يزيد من احتمال الثبوت، ولا يرفع من مستوى التأكيد بشيء»(729) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
دعوى ثبوت كسر الضلع بالشهرة
حاول بعض الإمامية ادعاء شهرة أسطورة كسر الضلع، قال أبو جعفر الطوسي: «والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أن عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت، فسمى السقط محسنًا، والرواية بذلك مشهورة عندهم. وما أرادوا من إحراق البيت عليها، حين التجأ إليها قوم، وامتنعوا من بيعته، وليس لأحد أن ينكر الرواية بذلك، لأنا قد بينا الرواية الواردة من جهة العامة، من طريق البلاذري، وغيره. ورواية الشيعة مستفيضة به، لا يختلفون في ذلك»(730) ، ويقول محمد تقي المجلسي: «قضايا شهادتها بسبب ضرب عمر الباب على بطنها وضرب قنفذ بالسوط عليها، مشهورة عند العامة والخاصة»(731) .
ويقول محمد باقر المجلسي: «وردت روايات مستفيضة في ضربها بالسياط وبغمد السيف بحيث صارت مجروحة»(732) .
ونقل عبد الزهراء مهدي الكلام الآنف عن الطوسي والمجلسيَّيْن، ثم حشد كلام عدة من علماء الإمامية لإثبات دعوى الشهرة(733) .
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: نقض دعوى الشهرة
إن هذه الشهرة المدعاة لا حقيقة لها، لأنها حادثة ومتأخرة عن زمن الواقعة بكثير، فإن الكتب الروائية والتاريخية التي نقلت هذه القضية في عصر القدماء،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 253ونقصد به منذ القرن الأول إلى نهاية القرن الخامس قليلة جدًا!، فالكتب الروائية المهمة والتي ينبغي أن تكون مصدرًا لهذه الرواية خاليةً عن ذلك، وأشهرها كتاب الكافي للكليني الذي لم يذكر قصة حادثة كسر الضلع، وكذلك من سبقه من محدثي الإمامية، كمحمد بن الحسن الصفار في كتابه بصائر الدرجات، والبرقي في كتاب المحاسن، ومما يؤكد أن هذه القصة لم تكن مشهورة في زمن القدماء، أن كتاب نهج البلاغة الذي هو من أهم الكتب التي تعرضت لمسألة الخلافة والبيعة لم يذكر أي شيء عن قصة كسر الضلع، ونفس الملاحظة تنطبق على كتب التواريخ، فقدماء المؤرخين الذين يحتج بهم الإمامية، من نظراء أبي مخنف وهشام بن محمد الكلبي وغيرهم لم يذكروا شيئًا عن قصة كسر الضلع، ولو كانت هذه القصة مشهورة فعلًا، لكان المفيد قد ذكرها في كتابه «الإرشاد» الذي يعد من أهم المؤلفات التاريخية للإمامية، ومع ذلك فليس فيه شيء عن حادثة كسر الضلع، وعليه فقول الطوسي: إن الرواية بذلك مشهورة عندهم، فيه مجازفة بينة، ومن الغرائب أن الطوسي لم يرو في كتبه أي شيء يثبت قصة كسر الضلع، مع كثرة كتبه التي وصلتنا، فكيف يغفل عن هذه الرواية المشهورة ولا يتعرض لها إلا في معرض رد كلام مخالفيه!.
الوجه الثاني: أن العبرة بالثبوت والصحة لا بمجرد الرواية والشهرة
وتحقيقه أن العبرة والفصل في القضايا الخلافية هو بإقامة الدليل والحجة على صحة القضية، وأما الاحتجاج بدعوى الشهرة دون إقامة الحجة والبينة عليها فلا يحسن في القضايا الخلافية، وإنما الصواب هو تقرير القول وبيان صحته،
PDF 254ثم الاستدلال على صحته بالشهرة إن وجدت، وأما مجرد الاشتهار فليس حجة عند المحققين(734) وما أكثر الأمور التي يدعى شهرتها ثم بعد البحث يتبين ألا أصل لها، ولذا ترى كثيرًا من علماء الإمامية قد درجوا على الاستدلال بقولهم: «رب مشهور لا أصل له»(735)
الوجه الثالث: عدم اعتماد المخالفين على الشهرة في جملة من القضايا التاريخية
وبيانه أن كثيرًا من القضايا التاريخية قد أنكرها أنصار أسطورة كسر الضلع حتى وإن بلغت درجة الشهرة، وبعضها قائم على أدلة صحيحة وصريحة وإنكارها غير سديد، ككون زينب ورقية وأم كلثوم رضي الله عنهن بنات النبي صلى الله عليه وسلم(736) فقد أنكر جعفر مرتضى العاملي هذه الحقيقة المقطوع بها مع أنها تجاوزت درجة الشهرة، حتى أن المفيد قال عمن خالف في هذه القضية: «المخالف لذلك شاذ بخلافه»(737) فمن ينكر كون زينب ورقية وأم كلثوم هن بنات النبي صلى الله عليه وسلم مع ثبوت الروايات الصحيحة في ذلك من طرق أهل السنة والإمامية، ومع إجماع علماء النسب
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 255والتاريخ والحديث على ذلك، كيف يمكنه ادعاء الاعتماد على الشهرة لإثبات أسطورة كسر الضلع مع أنها لا تثبت بأي سند صحيح أصلًا!
ونظير هذا إنكار جماعة من الإمامية القدماء وأغلب المعاصرين لزواج أم كلثوم الكبرى رضي الله عنها بنت فاطمة وعلي رضي الله عنهما بعمر بن الخطاب رضي الله عنه(738) ، مع أن رئيس علماء الإمامية في زمنه الشريف المرتضى قال عن زواج عمر من أم كلثوم «معلوم مشهور»، بل من «الضروروت»(739) ، وهذا يدل أن الشهرة عند هؤلاء لا وزن لها ولا قيمة لها عندهم.
دعوى ثبوت كسر الضلع عن طريق التواتر
ادعى تواتر روايات كسر الضلع جماعة من علماء الإمامية، ولعل رائدهم هو محمد باقر المجلسي(740) ، وتبعه على ذلك من تأخر عنه كفضل علي القزويني(741) ، وناصر حسين الهندي(742) ، وهو قول جماعة من المعاصرين(743) ، وبالغ جعفر مرتضى العاملي في دعوى التواتر حتى قال: «الروايات بمجموعها متواترة عن أهل بيت العصمة، فإذا ضم إليها ما سواها من نصوص فإنها تفوق حد التواتر»!(744) .
والجواب من وجوه:
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الأول: نقض دعوى تواتر روايات حادثة كسر الضلع
إن مفهوم التواتر في الروايات هو من القضايا التي بُحثت في كتب مصطلح الحديث والدراية، وقد وقع فيها خلاف كبير إذ إن التواتر من المباحث المنطقية التي دخلت إلى كتب أصول الفقه، ثم انتقلت إلى علوم الرواية، والتعريف الأشهر والأقرب إلى منطق التواتر هو التعريف الذي اختاره زين الدين العاملي المشهور عند الإمامية بالشهيد الثاني، في كتابه الرعاية شرح الدراية حيث يقول: «ما بلغت رواته في الكثرة مبلغًا، أحالت العادة تواطؤهم :- أي اتفاقهم - على الكذب، واستمر ذلك الوصف، في جميع الطبقات حيث يتعدد، بأن يرويه قوم عن قوم، و هكذا إلى الأول. فيكون أوله في هذا الوصف كآخره، ووسطه كطرفيه، ليحصل الوصف: وهو استحالة التواطئ على الكذب، للكثرة في جميع الطبقات المتعددة»(745) ، فالتواتر –بحسب هذا التعريف- لا يتحقق إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: رواية الكثرة عن الكثرة، أو الجمع عن الجمع.
الشرط الثاني: تحقق الكثرة في جميع الطبقات.
يقول الشيخ الإمامي أكرم بركات العاملي: «قد يكون للخبر وسائط كثيرة في النقل، كالأخبار الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، فحتى يكون هذا الخبر متواترًا، لا بد أن تتحق الأمور السابقة في كل طبقة من طبقاته، فإذا كانت هذه الأمور متحققة في كل الطبقات ما عدا واحدة، فإن الخبر يعد من أخبار الآحاد لا المتواتر.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مثاله: إذا روى الحديث مئة راو ... ، عن مئة راو ...، عن مئة راو أيضًا بالشروط المطلوبة، عن أحد الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الخبر ليس متواترًا»(746) .
الشرط الثالث: عدم تواطؤ الرواة على الكذب.
والتواتر بهذه الشروط نادر جدًا، فقد نقل محمد الحسيني هذا التعريف ثم عقَّب عليه قائلًا: «ولتعسر التوفر على تحقيق التواتر في جميع الطبقات، فقد ادعى البعض ندرة التواتر، إلا في عدد من الأخبار»(747) ، ومن هؤلاء زين الدين العاملي، فقد صرح بأنه لم يقف على خبر متواتر بهذا المعنى إلا نادرًا فقال: «ولم نتحقق إلى الآن خبرًا خاصًا، بلغ حد التواتر إلا ما سيأتي»(748) ، وذكر بعد ذلك حديث «من كذب عليَّ متعمدًا».
فإن قيل: قد ادعى بعض أهل العلم تواتر روايات بناء على كثرة أسانيدها دون تحقق شروط التواتر فيها، فالجواب أن هذا تساهل منهم، قال الشوكاني: «قد زعم بعض من لم يكن له كثرة اشتغال بفن الحديث، أن هذا الحديث أعني «من حفظ على أمتي» الخ، متواتر، والذي أوقعه في هذا كثرة طرق الحديث وتعدد من أُسند إليه من الصحابة، وهو لا يعلم أن كل طريق من تلك الطرق مظلمة محشوة بالضعفاء والكذابين والوضاعين، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا مما ينبغي التيقظ له فإن الطرق التي لم تثبت وإن بلغت عددًا متضاعفًا،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 258لا يخرج بها الحديث عن رتبته لو كان مرويا من طريق واحدة، لأن الكاذب لا يعجزه أن يكذب على عشرة أو عشرين من الصحابة، فيروي عنهم حديثا ويسوقه إلى كل واحد منهم بإسناد»(749) وقال الشيخ إبراهيم اللاحم: «من اعتمد على مجرد الكثرة لإثبات التواتر وقع في محذور، كما فعل السيوطي في كتابه في الأحاديث المتواترة، فإنه كما تقدم اختار عدد العشرة ليكون الخبر متواترًا، ثم طبق كلام شيخه في أن المتواتر لا يحتاج إلى نظر، فأدخل في الكتاب أحاديث ضعيفة لا تصح»(750)
وقد وقع هذا التساهل عند الإمامية أيضًا، فقد أكثروا من ادعاء تواتر روايات دون تحقق شروط التواتر فيها، وقد بين ذلك زين الدين العاملي فقال: «أكثر ما ادعي تواتره من هذا القبيل: ينظر مدعي التواتر إلى تحققه في زمانه، أو هو وما قبله، من غير استقصاء جميع الأزمنة، ولو أنصف لوجد الأغلب خِلو أول الأمر منه، بل ربما صار الحديث الموضوع ابتداءً متواترًا بعد ذلك ، لكن شرط التواتر مفقود من جهة الابتداء. ونازع بعض المتأخرين في ذلك، وادعى وجود المتواتر بكثرة وهو غريب»(751) .
ولأجل ذلك أنكر زين الدين العاملي على المرتضى وصف أخبار النص على علي رضي الله عنه بالتواتر، فقال: «لا شبهة في أن كل واحد من تلك الأخبار آحاد»(752) .
وعندما ذهب الجواهري إلى تواتر الروايات التي تعيِّن الأصناف التي تجب فيها الزكاة، تعقبه الخوئي فقال: «قد ادعى في الجواهر تواترها، لكن دعوى التواتر مُشكلة لاستدعائها أن يبلغ عدد الرواة في كل طبقة حدًّا يمتنع عادة اشتباههم
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 259أو تواطؤهم على الكذب، وليس في المقام كذلك، فإن الرواة في طبقة الإمام (ع) لا يزيدون على أربعة عشر، على أن الطبقة في أول السند لا تشتمل على أكثر من ثلاثة أنفار: الشيخ والكليني والصدوق فإن كلها تنتهي إليهم وما بينهما من الطبقات متوسطات، وهذا المقدار لا ينطبق عليه ضابط التواتر كما لا يخفى»(753)
فأصل إطلاق التواتر على بعض الأخبار هو من التساهل والغفلة عن شروط التواتر.
فإذا تقرر، ذلك فاعلم أن القول بتواتر روايات كسر الضلع هو مجازفة بينة وواضحة، ولا تصدر من منصف وعارف بحقيقة روايات كسر الضلع، فالروايات التي جاء التصريح فيها بواقعة كسر الضلع وإسقاط الجنين روايات قليلة ومعدودة، وقد بينا بتفصيل أن عدد الروايات المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أو أئمة أهل البيت والتي ذكرت قضية كسر الضلع، هي اثنا عشر رواية فقط، لكنها ترجع إلى ستة مصادر، وبيان ذلك في هذا الجدول:
| المصدر | عدد الروايات | أرقامها |
|---|---|---|
| كتاب سليم بن قيس | 4 | 1-4-5-6 |
| أمالي ابن بابويه القمي | 1 | 2 |
| كامل الزيارات | 2 | 3-15 |
| دلائل الإمامة | 3 | 7-8-11 |
| الهداية | 1 | 9 |
| كنز الفوائد | 1 | 12 |
فإذا تبين ذلك فكيف يمكن القول بتواتر روايات مدارها على ستة
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 260مؤلفين فقط؟!.
أما عندما نبحث في طبقات هذه الروايات، فنجدها كلها خالية عن شرط استواء الكثرة في الطبقات، بل إن العكس هو الذي حصل، حيث تكرر بعض الرواة في بعض الطبقات:
- فالروايتان المنقولتان من كتاب سليم بن قيس ومن كتاب الأمالي لابن بابويه، مرويتان من طريق ابن عباس.
- والروايتان الثالثة والعاشرة المنقولتان من كتاب كامل الزيارات، مرويتان من طريق عبد الله بن عبد الرحمان الأصم.
- والروايتان الرابعة والخامسة المنقولتان عن كتاب سليم بن قيس مرويتان عن علي بنفس المعنى.
- والروايتان الثامنة والحادية عشرة المنقولتان من كتاب دلائل الإمامة، مرويتان من طريق محمد بن هارون بن موسى التلعكبري.
- والروايتان التاسعة والثانية عشرة المنقولتان من كتاب كنز الفوائد وكتاب الهداية، مرويتان من طريق المفضل بن عمر.
ومن ثمَّ فإن عشر روايات من اثني عشرة رواية مسندة ترجع إلى خمسة رواة فقط، فأين التواتر المدعى؟ وسنوضح الأمر من خلال هذه المشجرة:

أما بقية الروايات الخالية من الإسناد، فلا يمكن حشرها مع الروايات المسندة لإثبات التواتر، وإلا فما قيمة الإسناد إذا كانت الروايات الخالية من الإسناد لها نفس مرتبة الروايات المسندة، وأصل الاحتجاج بالتواتر إنما بني على كثرة رواة الخبر مع اشتراط استواء هذه الكثرة في جميع الطبقات، بأن يروي الخبر جمع عن جمع، أما ما نحن فيه، فهو لا يخرج عن خبر الواحد عن الواحد، فالكثرة غير متحققة في أي طبقة من طبقات الإسناد، فمن أين لهم أن يدعوا التواتر!.
الاعتراض بعدم الحاجة إلى البحث في أحوال رواة الأحاديث المتواترة وجوابه
قد يعترض بعضهم بأن بعض أهل العلم يقولون إن الخبر المتواتر لا يُبحث في سنده، ليعلل القول بتواتر روايات كسر الضلع، والجواب: إن من قال بعدم البحث عن أحوال الرواة في الخبر المتواتر إنما أجرى ذلك في الأخبار التي تحققَّ تواترها وتوفرت على شروط التواتر، وهذه الشروط لا يمكن التحقق منها إلا بالنظر في رواة الخبر وأسانيده، فلا بد أن يتحقق شرط التواتر أولًا، حتى يمكن القول بعدم الحاجة إلى البحث عن أحوال الرواة، وحتى يثبت التواتر لا بد أن يتم التثبت من اتصال الأسانيد وعدم انقطاعها، ومن وثاقة الرواة.
وأما القول بترك البحث عن أحوال رواة الأخبار مطلقًا، فهو غير مراد عند القائلين بالتواتر، وقد قرر هذا جماعة من علماء الإمامية، قال محمد باقر البهبودي: «الخبر المتواتر إنما يوجب العلم، إذا كان رواته سالمين عن الطعن براء عن الاتهام، وأما إذا كان رواته فسقة فجرة، فلا يوجب علمًا ولا عملًا، فإن اجتماع الفساق
وقال محمد الحسيني: «تساءل صاحب الفضيحة: «لماذا يتجاهل السيد الحسيني دائمًا أن الحديث المتواتر، لا حاجة للنظر في سنده».
ولا ندري ماذا يعني بهذا الكلام، فإن كان يعني به أن الخبر بعد ثبوت تواتره لا يكون ثمة حاجة إلى البحث في الأسانيد، فإنه كلام صحيح، لأن التواتر يفيد العلم، ولكن البحث في أصل ثبوت التواتر، لأنه موضع النزاع.
وإن كان يعني أن حساب التواتر لا يتوقف على النظر في الأسانيد، والتدقيق في الرواة والرجال، فهذا أشبه بالانتحار العلمي، على حد تعبيره، الذي يتكرر في كتابه الفضيحة، لأن حساب التواتر بلا إشكال يتوقف على النظر في الرواة وأحوالهم، وذلك لأن احتمال الصدق كما يكبر بسبب عدد المخبرين، كذلك يكبر بسبب نوعية المخبرين، وكذلك في احتمال إلغاء الكذب والخلاف، فإن احتمال الكذب كما أنه يتضاءل بتكثر عدد الرواة، فإنه يتضاءل بنوعية هؤلاء الرواة، ولذلك يتوقف التواتر على المضعف الكمي والكيفي»(755) .
وقال المرجع جعفر السبحاني في تعليقه على تعريف التواتر: «يؤمن معه من عمدهم على الكذب، ويحرز ذلك بكثرة المخبرين ووثاقتهم، أو كون الموضوع مصروفًا عنه دواعي الكذب، أو غير ذلك»(756) ، وقال عبد الهادي الفضلي بعد نقله كلام جعفر السبحاني: «وهي ملاحظة واردة وجيدة»(757) .
وقرر علماء الإمامية ما يدل على أن مجرد الكثرة لا تغني عن البحث في أحوال الرواة حتى لو ادعي تواتر الخبر، فعندما ادعى المجلسي تواتر بعض الروايات
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 264تعقبه محمد آصف محسني فقال: «ادعى المؤلف أن أصل القصة متواترة تواترًا معنويًا 32 157 لكن روايات الباب متعارضة وإسنادها ضعيفة»(758)
وقد ادعى جماعة من علماء الإمامية تواتر روايات تحريف القرآن، فقال بذلك محمد باقر المجلسي(759) ، ونعمة الله الجزائري(760) ، ويوسف البحراني(761) ، وعدنان البحراني(762) ، وتبعهم على ذلك النوري الطبرسي فادعى تواتر روايات تحريف القرآن في كتابه فصل الخطاب(763) .
فرد عليه البلاغي قائلًا: «إن المحدث المعاصر جهد في كتاب فصل الخطاب في جمع الروايات التي استدل بها على النقيصة، وكثّر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل عن الأئمة عليهم السلام في الكتب كمراسيل العياشي وفرات وغيرها، مع أن المتتبع المحقق يجزم بأن هذه المراسيل مأخوذة من تلك الأسانيد هذا مع أن القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة أنفار، وقد وصف علماء الرجال كلًّا منهم: إما بأنه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفو الرواية، وإما بأنه مضطرب الحديث والمذهب يعرف حديثه وينكر ويروي عن الضعفاء، وإما بأنه كذاب متهم لا أستحل أن أروي من تفسيره حديثًا واحدًا، وأنه معروف بالوقف وأشد الناس عداوة للرضا عليه السلام، وإما بأنه كان غاليًا كذابًا،
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 265وإما بأنه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه ومن الكذابين، وإما بأنه فاسد الرواية يرمى بالغلو، ومن الواضح أن أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئًا»(764)
وقد قام فتح الله المحمدي بتقسيم الروايات التي استدل بها صاحب فصل الخطاب على التحريف إلى عدة أقسام، وذكر منها:
« 86 رواية من تفسير علي بن إبراهيم القمي، وسيوافيك الكلام في هذا التفسير المنسوب إلى القمي، حيث ستتحقق من أنه ليس من صنعه، ومقدمته من شخص قد جمع هذا التفسير وهو مجهول.
- 83 رواية من كتاب الكافي، وهي في الأساس من «باب النكت والنتف» وقد حكم المجلسي رحمه الله بتضعيف كل ما في الباب إلّا ستة أحاديث.
- 69 رواية من كتاب «الناسخ والمنسوخ» المنسوب إلى سعد بن عبد الله الأشعري، منها 3 روايات فقط مسندة، والبقية كلها مرسلة ومرفوعة(765) .
فإذا جاز للإمامية أن ينكروا تواتر روايات التحريف مع أن كثيرًا منها روايات مسندة، وفيها ما هو صحيح السند على موازينهم، وفيها 80 رواية مسندة مروية في أصح كتبهم وهو الكافي، فمن باب أولى رد دعوى تواتر روايات كسر الضلع التي لا يصح منها شيء أصلًا، ولم يرو الكليني أي شيء منها، وإذا استعرنا كلام البلاغي في روايات كسر الضلع،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 266نقول: إن «القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة أنفار»، وقد وصف علماء الرجال الإمامية كلًّا منهم بأنه إما ضعيف الحديث أو أنه كان كذابًا، أو يرمى بالغلو أو أنه مجهول، «ومن الواضح أن أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئًا».
الوجه الثاني: رد بعض علماء الزيدية والإمامية لدعوى تواتر روايات كسر الضلع
صرح جماعة من علماء الزيدية بعدم تواتر روايات كسر الضلع، فقال يحيى بن الحسن القرشي عن قصة ضرب فاطمة وإسقاط جنينها: «لو وقع ذلك لكان نقله ظاهرًا متواترًا لعظمه وغرابته»(766) ، وقال عز الدين المؤيد معلقًا على كلام يحيى بن الحسن القرشي: «لا شك أنها لم تبلغ حد التواتر»(767) .
وانتقد جماعة من علماء الإمامية وكُتَّابهم دعوى تواتر روايات كسر الضلع، يقول محمد الحسيني منتقدًا جعفر مرتضى العاملي: «لاحظنا على كتابه أنه يعمد إلى إطلاق دعاوى لم تثبت علميا، ولا أثبتها لنا بطريق علمي، من ذلك ما ادعاه العاملي من أن قضية الاعتداء بالضرب مما ثبت بالتواتر»(768) ، وقال في موضع آخر: «ليس ثمة ما يشير إلى تواتر الرواية بخصوص الاعتداء بالضرب على الزهراء»(769) .
وانتقد نجيب نور الدين مسلك جعفر مرتضى العاملي في حشد الروايات والمصادر لإثبات التواتر فقال: «يحدث كثيرًا أن يحشد صاحب الكتاب عدّة
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 267مصادر للحديث الواحد، على الرغم من رجوع أكثر هذه المصادر إلى مصدر واحد، فيذكر مثلًا مصدر الرواية من الكتب القديمة، ويذكر أيضًا مصدرها في الكتب المتأخّرة، مع العلم أنَّ الكتب المتأخّرة ترجع إلى الكتب المتقدّمة.
ويحصل كثيرًا أن يذكر أكثر من رواية، مع أنَّها ترجع جميعها إلى رواية واحدة ذات مصدر واحد، كلّ ذلك للإيحاء للقارئ، بأنَّ أدلّة مطلبه مؤكّدة وقاطعة ولا تحتمل الخلاف، ويوهمه بأنَّ الأمر متواتر أو مجمعٌ عليه، علمًا أنّه يوجد بالمقابل روايات معارضة، قد تزيدها في العدد وقد تقلّ عنها، ومع ذلك فإنَّ المؤلّف يعرض عن الأدلّة المعارضة ولا يذكرها»(770) .
وبذلك يتضح أن دعوى تواتر روايات كسر الضلع لا حقيقة لها، لأن هذه الروايات لا يتوفر فيها أي شرط من شروط التواتر، فهي روايات ذكرت في مصادر قليلة ومعدودة، وتنتهي إلى رواة لا يتجاوزون عدد الأصابع، فضلًا عن الانقطاع في أسانيد كثير منها وجهالة رواتها وضعف بعضهم، ومثل هذا النوع من الأخبار لا يمكن أن يتصف بالصحة فضلًا عن التواتر.
دعوى ثبوت كسر الضلع بالإجماع
ادعى جعفر مرتضى العاملي(771) وغيره(772) ثبوت الإجماع على واقعة كسر الضلع، ومستندهم في ذلك قول الطوسي: «والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أن عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت، فسمى السقط
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 268محسنًا...، ورواية الشيعة مستفيضة به، لا يختلفون في ذلك»(773)
وأجيب عن دعوى الإجماع بوجوه:
الوجه الأول: بطلان دعوى الإجماع لوجود المخالف
إن دعوى الإجماع التي تُحكى في قضية كسر الضلع ليست صحيحة، فقد أنكر جمع من علماء الإمامية قديمًا وحديثًا قصة كسر الضلع، فقد مضى أن أبا الحسن العمري (القرن الخامس) هو أول من صرح بعدم ثبوت هذا القصة، فقال: «ولم يحتسبوا بمحسن؛ لأنه ولد ميّتًا، وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة، ووجدت بعض كتب أهل النسب يحتوي على ذكر المحسن، ولم يذكر الرفسة من جهة أعوّل عليها»(774) ، وأبو الحسن العمري معاصر للطوسي، وهو من أشهر علماء النسب عند الإمامية، وعليه فدعوى الطوسي اتفاقهم على ذلك مدفوعة بوجود المخالف في عصره، ثم إن جماعة من علماء الإمامية المعاصرين خالفوا هذا الإجماع المدعى، فمنهم من شكك في بعض تفاصيل حادثة كسر الضلع ككاشف الغطاء، ومنهم من شكك في واقعة كسر الضلع، ومنهم من صرح بنفيها وعدم صحتها(775) ، وعليه فدعوى الاتفاق والإجماع مخالفة للواقع.
وقد اعترض المرجع محمد حسين فضل الله وأنصاره على دعوى الإجماع بوجه آخر، فنسبوا إلى المفيد المخالفة في هذه المسألة، وذلك أن المفيد قال وهو يذكر عدد أولاد علي: «فأولاد أمير المؤمنين عليه السلام سبعة وعشرون ولدًا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 269ذكرًا وأنثى....وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة عليها السلام أسقطت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ذكرًا كان سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حمل محسنًا، فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون ولدًا، والله أعلم وأحكم»(776) قالوا: والمفيد أستاذ الطوسي، وقد قدَّم الكلام في هذه المسألة بذكر أن عدد أولاد علي هم 27 ولدًا، ثم نقل أن من الشيعة من يذكر أن عددهم 28 لأنهم احتسبوا محسنا، قالوا: فظهر بذلك أن قول المفيد غير قول هؤلاء الذين قالوا إن فاطمة رضي الله عنها أسقطت المحسن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نسب المفيد القول بإسقاط المحسن إلى طائفة منهم فظهر بذلك أن القائلين بإسقاط المحسن هم بعض الشيعة وليس كلهم، وهذا مناف لدعوى الإجماع.
ومما يؤيد أن المفيد ليس قائلًا بقول تلك الطائفة، ما ذكرنا سابقًا أن كتاب الإرشاد للمفيد وهو من أهم الكتب التاريخية للإمامية خلا من ذكر أسطورة كسر الضلع.
واستدل أنصار فضل الله بأمر آخر، وهو أن المفيد ذكر في كتاب الجمل واقعة التهديد فقط، فقال: «لما اجتمع مَن اجتمع إلى دار فاطمة (عليها السلام)، من بني هاشم وغيرهم، للتحيُّز عن أبي بكر، وإظهار الخلاف عليه، أنفذ عمر بن الخطّاب قنفذًا، وقال له: أخرجهم من البيت؛ فإنْ خرجوا، وإلَّا فاجمع الأحطاب على بابه، وأعلمهم أنَّهم إن لم يخرجوا للبيعة أضرمت البيت عليهم نارًا. ثمَّ قام بنفسه في جماعة، منهم المغيرة بن شعبة الثقفي، وسالم مولى أبي حذيفة، حتّى صاروا إلى باب عليّ (عليه السلام)، فنادى: يا فاطمة بنت رسول الله، أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع ويدخل في ما دخل فيه المسلمون،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 270وإلَّا والله أضرمت عليهم نارًا»(777) قال نجيب نور الدين معلقًا على هذا النص: «هذا ما قاله الشيخ المفيد في الموضوع، وكما يرى القارئ، لم يصرّح شيخ الطائفة مطلقًا بأنَّه حصل ما هو أزيد من تهديد بالحرق، هناك نيّة بالاعتداء(778) فإن ثبت ذلك انتفت دعوى الإجماع(779)
وقال محمد حسين فضل الله: «إذا كان الشيخ الطوسي ينقل اتّفاق الشيعة على أنَّ عمر ضرب على بطن فاطمة (عليها السلام) حتّى أسقطت محسنًا، والرّواية بذلك مشهورة عندهم، فالشيخ المفيد يخالف الطوسي، وهو مُعاصر له، بل هو أستاذه، وكلامه يوحي بأنَّه لا يتبنَّى الإسقاط من الأساس»(780) .
ويقول نجيب نور الدين: «كيف يصحّ نقل كلام عن الشيخ الطوسي يناقضه الشيخ المفيد؟، والطوسي تلميذ المفيد، أي إنَّهما وجدا في زمنٍ واحد واختلفا في زمنٍ واحد، ورغم ذلك يتحدّث المؤلّف عن إجماع كلام الشيعة حول هذا الأمر»(781) .
ويقول جعفر الشاخوري عن دعوى نقل الطوسي للإجماع: «لم نتحقق هذا الإجماع ...فكيف يكون أستاذه مخالفًا»(782) .
ولم يقتصر هذا القول على المرجع محمد حسين فضل الله وتلاميذه، فقد سبقه محمد صادق بحر العلوم 1399 هـ)، إذ إنه نقل كلام المفيد ثم علق
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 271عليه قائلًا: «وهذا الكلام من المفيد يعطي عدم اعترافه بحديث محسن وسقوطه، مع أنه مشهور لدى المؤرخين والنسابين فراجع وتأمل»(783)
وقد أشكل كلام المفيد على جعفر مرتضى فحاول توجيهه ليناسب دعوى الإجماع، فزعم تارة أن مراد المفيد هنا بكلمة الشيعة هم الإمامية(784) ، وزعم تارة أخرى أن المفيد لم يصرح بواقعة إسقاط المحسن لأن عصره كان بالغ الحساسية(785) ، ولا ريب أن هذه الاعتذارات الباردة ليست إلا لعلمه بأن كلام المفيد يناقض دعوى الإجماع المزعومة.
وقد نقض نجيب نور الدين هذا الجواب من جعفر مرتضى بصنيع الطوسي الذي لم يجد غضاضة في التصريح بقضية كسر الضلع، والطوسي تلميذ المفيد، وعاش في نفس عصره، يقول نجيب نور الدين: «لماذا لم يتصرَّف الشيخ الطوسي إذًا بالطريقة نفسها، وهو كما علمنا معاصر للشيخ المفيد بل تلميذه؟ أَلَم يكن أجدر بتلميذ الشيخ المفيد أن يتعامل مع الأمر بالطريقة نفسها، حسب مرتكزات التفكير عند المؤلّف؟ وحسب منطق المؤلّف، يُعَدّ الشيخ الطوسي متهوّرًا (والعياذ بالله)، لأنَّه لم يتمتَّع بالحكمة العالية التي كانت عند أستاذه، وهذا غير صحيح وغير مقبول»(786) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الوجه الثاني: أن الطوسي لم يصرح بوقوع الإجماع
وذلك أن عبارة الطوسي لم يرد فيها لفظ الإجماع، وإنما ورد فيها لفظ الاتفاق، ومعلوم أن مصطلح الإجماع أخص من مصطلح الاتفاق، فالاتفاق يمكن أن يحصل من جماعة من الناس دون سائرهم، خلافًا للإجماع الذي يشترط فيه أن يكون اتفاق الكافة، والقرينة على ذلك أن المفيد نفسه لم ينقل قولًا واحدًا في إسقاط المحسن،بل نقل قولين مختلفين، فلو كان الإجماع حاصلًا لنقل قولًا واحدًا، وهذا ما نبه عليه محمد الحسيني فقال: «الصحيح هو عدم نقل الشيخ الطوسي الإجماع على هذه المسألة، كيف يعقل أن يدعي الطوسي الإجماع وأستاذه المفيد يخالف؟»(787) .
الوجه الثالث: نص الإمامية على عدم الاعتداد بإجماعات الطوسي
وبيانه أن جماعة من علماء الإمامية قد عابوا على الطوسي تساهله في ادعاء الإجماع على كثير من الأمور دون أن يكون ذلك واقعًا، وهذا معروف عندهم، وقد ألف زين الدين العاملي المشهور عند الإمامية بالشهيد الثاني رسالة يتعقب فيها دعاوى الإجماع التي حكاها الطوسي والتي خالف فيها الطوسي إجماع نفسه، وسماها: «مخالفة الشيخ الطوسي لإجماعات نفسه»(788) وبين أن غرضه من تأليف هذه الرسالة أن «لا يَغْترّ الفقيه بدعوى الإجماع، فقد وقع فيه الخطأُ والمجازفةُ كثيرًا من كلّ واحدٍ من الفقهاء سيّما من الشيخِ والمرتضى»(789) وذكرَ في هذه الرسالة ستًا وثلاثين مسألة حكى فيها الطوسي الإجماع
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 273وأغلبها من كتاب الخلاف، ثم في بقية كتبه الأخرى نقل الخلاف في نفس المسألة التي حكى فيها الإجماع، ولذا يقول يوسف البحراني: «التحقيق أن الذين هم الأصل في الإجماع كالشيخ والمرتضى قد كفونا مؤنة القدح فيه وبيان بطلانه بما وقع لهم من دعوى الإجماعات المتناقضة تارة، ودعوى الإجماع على ما تفرد به أحدهما تارة، أو تبعه عليه شذوذ من أصحابه، كما لا يخفى على المطلع على أقوالهم»(790) ثم أشار إلى رسالة الشهيد الثاني الآنفة.
ويقول الأردبيلي عن الإجماع الذي يحكيه الطوسي في كتابه الخلاف: «لا اعتداد بإجماع الخلاف»(791) ، ويقول أحمد آل طعان القطيفي عن الطوسي: «عُرِفَ مِنْ تساهله في نقل الإجماعات، حتى إنّه ينقل الإجماع في موضع ويخالفه»(792) ، وهذا الأمر ينطبق على هذه القضية أيضًا، فلو تنزلنا للمخالفين وقبلنا أن كلام الطوسي محمول على الإجماع، فالجواب أن هذا الإجماع غير مسلم لتساهل الطوسي المعروف في نقل الإجماع فضلًا عن مخالفة غيره له كما تقدم، وبذلك لا يصح الاستدلال بدعوى الإجماع .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ملاحظات عامة على مضامين روايات كسر الضلع
إن علل روايات أسطورة كسر الضلع لا تقتصر على أسانيدها الواهية، ومتونها التي تشهد على نفسها بالوضع والاختلاق كما بيناه بتفصيل، بل هناك إشكالات أخرى كثيرة في هذه الروايات، بعضها يتعلق بالتناقض والتعارض بين هذه الروايات نفسها، وبعضها يتعلق بتعارضها مع روايات أخرى اقتصرت على وقوع التهديد أو التخويف فقط دون دعوى حصول الهجوم على بيت فاطمة، وبعض هذه الإشكالات يتعلق باللوازم المترتبة عن الاعتقاد بهذه الأسطورة والتي يترتب عليها الطعن في شجاعة علي، وبعضها يتعلق بقضية المحسن بن علي والتعارض في كونه مات صغيرًا أو كونه سقطًا، وبعضها يتعلق بأثر هذه القصة على علاقة علي وآل البيت بأبي بكر وعمر رضي الله عنها.
التعارض والتناقض بين متون روايات كسر الضلع
قبل بيان أوجه التناقض والتعارض بين روايات كسر الضلع، لا بد من تقرير مهم، وهو أننا لا نقول إن مجرد وقوع الاختلاف في روايات كسر الضلع موجب للقول ببطلانها، فالاختلاف في تفاصيل واقعة ما ليس بحد ذاته سببًا للقول ببطلان حوادث التاريخ، فما أكثر الأحداث التاريخية الثابتة التي اختلف في كثير من تفاصيلها، لكن الاختلاف في وقائع كسر الضلع ليس من قبيل الاختلاف في الوقائع التاريخية الثابتة، بل هو اختلاف لا يرتفع باستعمال قواعد الجمع والترجيح بين الروايات المختلفة، فهو اختلاف وتعارض يعود على أصل القصة بالبطلان، وذلك لأن أصل هذا التعارض في روايات حادثة كسر الضلع ليس مرده اختلافًا بين رواة القصة في تفاصيل يحتمل فيها وقوع التعارض، بل
PDF 275هو تعارض منشؤه الوضع والكذب والزيادة والاختلاق، فكل راو من رواة هذه القصة يأتي بأمر ليس عند غيره، حتى إننا لا نكاد نجد روايتين متفقتين في تفاصيل أخبار كسر الضلع، وهذا هو الذي يوجب الحكم بأن هذا التعارض موجب للحكم ببطلان هذه القصة.
ولا يمكن تطبيق قواعد الجمع بين الروايات المتعارضة في حادثة كسر الضلع، لأن الجمع فرع القول بالثبوت، وكذلك يمتنع الترجيح بين هذه الروايات، لأنها روايات تستوي في كونها روايات ساقطة الإسناد، فلا يمكن تقديم رواية على أخرى.
ثم إننا جرينا على طريقة الإمامية في تعاملهم مع بعض الوقائع والقضايا التاريخية، فما أكثر الحوادث التاريخية التي أنكروا صحتها وحكموا ببطلانها بدعوى وقوع التعارض فيها، وكثير من هذه الحوادث ثابتة بأسانيد صحيحة، والأمثلة على ذلك عديدة، ولعل أشهرها إنكار المفيد لزواج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم بنت علي رضي الله عنه، بدعوى الاختلاف في الروايات، وقد تابعه على ذلك جماعة من المعاصرين وجعلوا هذا الاختلاف المتوهم في قصة زواج أم كلثوم موجبًا لتكذيبها، مع أن هذا الاختلاف لا حقيقة له أصلًا((793) ومع أن هذا الزواج ثابت بروايات صحيحة في كتب السنة والإمامية!، فإذا كان هؤلاء يحكمون ببطلان زواج عمر من أم كلثوم بدعوى الاختلاف في الروايات مع أنها مروية في أصح كتبهم بأسانيد صحيحة، فمن باب أولى أن يحكموا ببطلان قصة كسر الضلع التي لم ترو من وجه صحيح
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 276أصلًا.
ثم إن أهم من دافع عن أسطورة كسر الضلع وحاول إثباتها هو جعفر مرتضى العاملي، فقد حاول بسائر الطرق إثبات صحتها، وادعاء ثبوتها، وتغافل عن سائر التعارضات والتناقضات التي وردت في الروايات التي اعتمد عليها، مع أننا نجده في مواضع أخرى يجعل مجرد الاختلاف في الروايات موجبًا للحكم ببطلان حوادث تاريخية، والأمثلة على هذا المنهج المطرد في كتابات جعفر مرتضى العاملي لا تُحصى، بل إن السمة الطاغية عليه في دراسة الروايات هو أنه يعمد إلى جمع ما أمكنه من الاختلافات بين الروايات –دون أن ينظر في مراتب الروايات، ولا في درجاتها- ثم يرد الحوادث والوقائع بناء على دعوى التعارض(794) ولذا قال محمد الحسيني: «استعمل السيد مرتضى نفسه كلمة (تناقض) في أخبار لا تكاذب بينها، والتناقض من التعارض كما هو معلوم.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 277وذلك في كتابه: (الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم) حيث رد عددًا من الأخبار لتناقضها مع عدم التنافي بينها، وقد ذكرنا عددًا من الشواهد مطلع البحث فراجع، وبالتحديد في حديثنا حول المنهج، بل إنه رد الروايات والأخبار لمجرد الاختلاف»(795)
ونحن سرنا في هذا البحث على نفس مسلك جعفر مرتضى العاملي في رده للروايات بناء على التعارض، مع أن منهجنا أسلم وأدق، لأن الذي جعلنا نعد هذه الاختلافات من قبيل التعارضات والتناقضات الموجبة للحكم ببطلان هذه القصة، أن أصل البلاء في روايات كسر الضلع هو كونها مروية من طرق الضعفاء والكذابين والمتهمين والغلاة الذين لا ينبغي الاعتماد على رواياتهم أصلًا، فضلًا عن كون أغلب الكتب التي وردت فيها كتب ملفقة وموضوعة ومصنوعة، أو كتب ساقطة وغير متعمدة.
وهذا الذي قررناه وجدنا أحد أنصار جعفر مرتضى يقر به في إحدى مناقشاته لخصومه، حيث يقول: «لماذا كان الأجدر عند السيد الحسيني رد رواية حمَّاد لضعف سندها، ولم يكن الأجدر رد رواية الخثعمي فهي أيضًا ضعيفة السند؟ علمًا بأن رواية حمّاد صريحة بعدم وجود الحلال والحرام في المصحف بعكس رواية الخثعمي التي احتاج الأمر معها إلى توجيه لمعنى الكتاب على أنه المصحف فإن كانتا ضعيفتين سندًا ولا مرجح لهما، فليحكم بردهما معًا»(796)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 278ونحن نقول: هذا ما سرنا عليه في هذا البحث، وهو مسلك عمل به مناصرو جعفر مرتضى العاملي نفسه!((797) وبعد هذه المقدمة، نقول: إن هناك اختلافات وتعارضات فاحشة وتناقضات عديدة في روايات كسر الضلع، وقد أشار إلى ذلك المرجع محمد حسين فضل الله حين قال: «إن هناك كثيرًا من الارتباك في الروايات حول وقوع الإحراق أو التهديد به»(798) ولعل هذا ما أشار إليه فضل علي القزويني حين قال: «اختلفت كلمات الشيعة في الجملة في كيفية القضية، لكن المسلم عندهم أن محسنًا سقط ميتًا بفعل عمر»(799) وهذا الذي ادعى أنه مسلَّم ليس بمسلَّم كما سيأتي، وهذا التعارض بين روايات كسر الضلع، هو الذي جعل أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي، صاحب ابن أبي الحديد، يتوقف في قضية إسقاط المحسن، لتعارض الروايات، فقد سأل ابن أبي الحديد أثناء حوار بينهما فقال: «أروي عنك ما يقوله قوم إن فاطمة رُوِّعت فألقت المحسن؟، فقال لا تروه عني، ولا ترو عني بطلانه فإني متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه»(800)
ويقول جعفر الشاخوري: «فإذا كانت هذه الروايات مشكوكًا فيها وذلك لاختلافها في تحديد الثمن فلماذا لا نطبق هذا الكلام على الروايات التي تقول إن الإمام علي عليه السلام لم يثُر وذلك لأنه لم يحصل على عشرين رجلًا، وبعضها تقول عدة بدر أي 314 رجلًا، أو الروايات الواردة حول تفاصيل الاعتداء على الزهراء عليها السلام:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
- حيث إن بعضها يقول: إن عمر لطم الزهراء على وجهها حتى انتثر قرطها، وبعضها يقول إن الذي فعل ذلك هو قنفذ.
- وفي رواية: أن عمر ضربها بالسوط فأثر ذلك في عضدها كالدملج.
- وفي رواية رابعة: أنه وجأها بالسيف وهو في غمده.
- وفي رواية خامسة: أنه عصرها بالباب.
- وفي رواية سادسة: أنه شاهدها في الطريق فأخذ منها صك فدك ومزقه فقالت له الزهراء (ع) بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي هذه من دون الإشارة إلى تعرضها إلى الضرب.
- وفي رواية سابعة: أن عمر رفسها بعد أن أخذ منها الصك.
- وفي رواية ثامنة: إنهم اقتحموا الدار وأخذوا عليًا وخرجت الزهراء إلى قبر أبيها صلى الله عليه وسلم من دون الإشارة إلى تعرضها للضرب أيضًا».
ثم يقول الشاخوي: «وكما نبهنا، فإن بعض تلك المرويات تنسب هذا العمل لقنفذ، كما أن بعضها كما في «الصحيح من السيرة»، ينسب هذا العمل للمغيرة بن شعبة، وإليك نص العبارة: وقد روي قول الإمام الحسن (ع) للمغيره بن شعبة: «أنت ضربت أمي فاطمة حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها استذلالًا منك لرسول الله صلى الله عليه وسلم»، فالحاصل أن بعض الروايات تنسب هذا العمل لعمر، وبعضها لقنفذ، وبعضها للمغيرة، وبعضها لا يتعرض لهذا الأمر أصلًا، فهل يمكن أن يدعى أن كل هذه الروايات صحيحة، وأن الثلاثة ضربوها، وهل يمكن أيضًا أن يدعى أن الزهراء (ع) ضُربت بالسيف في غمده وعصرت بالباب، ولطمت على وجهها، ورفست في بطنها، وضربت بالسوط، وأن جميع هذه الأمور حصلت عملًا بقاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح؟»(801) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
هذا ما ذكره الشاخوري، وهو جزء من التناقضات التي وقعت في روايات كسر الضلع، وقد عثرنا أثناء المقارنة بين هذه الروايات على ما ذكره الشاخوري وزيادة، وهو ما سنفصله من خلال بيان سائر التفاصيل التي وقع فيها التعارض في روايات كسر الضلع، وفي هذه المقارنة اقتصرنا على الروايات التي ورد فيها التصريح بضرب فاطمة أو كسر ضلعها أو إسقاط جنينها، وهي الروايات التي خصصناها بالدراسة في هذا البحث، وبما أن هذه الروايات مستوية في كونها روايات ضعيفةً لا تثبت، فلا يمكن بأي حال ترجيح رواية على أخرى(802) .
الاختلاف والتناقض في يوم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الحادثة
جاء في رواية كامل الزيارات أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف بوقوع هذه الحادثة ليلة الإسراء(803) ، أي لما كان في مكة، أما رواية منهاج الصلاح فتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بالواقعة في المدينة في بيت فاطمة لما نزل جبرئيل وأخبره بذلك(804) .
الاختلاف والتعارض في تاريخ حادثة كسر الضلع
جاء التصريح في أغلب الروايات بأن حادثة كسر الضلع وقعت بعد بيعة أبي بكر الصديق مباشرة، وهذا ما جاء في رواية كتاب سليم بن قيس(805) ورواية الخصيبي(806) أما في رواية كتاب الاختصاص فتذكر أن واقعة ضرب فاطمة كانت
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 281بعد البيعة بزمن، حيث إن الرواية تذكر أن الصديق بعث إلى وكيل فاطمة في أرض فدك فأخرجه منها، فجاءت إليه فاطمة ووقع بينهما كلام فكتب لها أبو بكر كتابًا برد فدك(807) ومعلوم أن فدك أرض بخيبر، ولا ريب أن إرسال رسول أبي بكر إلى فدك ورجوعه بعد إخراج وكيل فاطمة يحتاج إلى وقت طويل حتى يقع.
الاختلاف والتناقض فيمن ضرب فاطمة رضي الله عنها
وقع تناقض واختلاف فاحش فيمن أقدم على ضرب فاطمة:
1 - فبعض الروايات تنسب ذلك إلى قنفذ، تارة بسوط، كما جاء في روايتين من كتاب سليم بن قيس(808) ، وتارة بدون ذكر السوط، كما في رواية تفسير العياشي(809) .
2 - وبعض الروايات تنسب ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
فتارة تذكر أن عمر وجأ فاطمة بالسيف ثم ضربها بالسوط، كما في رواية كتاب سليم بن قيس(810) ، وتارة تذكر أن ذلك كان بسوط قنفذ، كما في الرواية التي نقلها المجلسي عن كتاب دلائل الإمامة(811) ، وتارة تذكر أن ذلك كان بسوط أبي بكر، كما في رواية الخصيبي(812) ، وتارة تذكر أن عمر رفس فاطمة برجله، كما في رواية كتاب الاختصاص(813) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
3 - وبعض الروايات تنسب الضرب إلى المغيرة بن شعبة كما وقع في رواية كتاب الاحتجاج(814) .
الاختلاف والتناقض في تعيين نسب قنفذ
ومن غرائب روايات كسر الضلع الاختلاف الفاحش الذي وقع في نسب قنفذ:
1 - فرواية كتاب سليم بن قيس تصف قنفذًا بالعدوي(815) ، ورواية كتاب دلائل الإمامة فتصف قنفذًا بأنه مولى عمر(816) ، وهذا يعني بأن معدود في بني عدي إما ولاء أو نسبا.
2 - وأما رواية تفسير العياشي فتذكر أن قنفذًا هو ابن عم أبي بكر(817) ، وأما رواية كتاب الاحتجاج المنقولة عن سليم بن قيس فجاء فيها أن قنفذًا من الطلقاء أحد بني تيم(818) ، ومعنى هذا أنه تيمي.
3 - وأخيرًا فرواية الخصيبي تصف قنفذًا بأنه مولى أبي بكر(819) .
فكيف يمكن الجمع بين هذه التناقضات؟.
الاختلاف في إحراق البيت من عدمه
تذكر مجموعة من الروايات أن من هجم على بيت فاطمة أشعل فيه النار، كما في رواية كتاب سليم بن قيس(820) ورواية الخصيبي(821) ورواية كتاب
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 283الطرف(822) والرواية المشهورة برواية فرحة الزهراء(823) أما رواية تفسير العياشي فلا تذكر وقوع الحرق(824)
الاختلاف والتناقض فيمن سبب أثر الدملج في عضد فاطمة
تنص أغلب الروايات على أن قنفذًا ضرب فاطمة بالسوط فترك في عضدها أثرا مثل الدملج، وهذا ما جاء في الروايات المنقولة من كتاب سليم(825) ، أما روايتا الخصيبي فإنهما تنسبان هذا الفعل إلى عمر رضي الله عنه(826) !.
الاختلاف والتناقض في سبب إسقاط فاطمة للجنين
من التناقضات العجيبة التي لا يمكن دفعها بأي وجه من الوجوه، ما وقع من التعارض بين هذه الروايات في سبب إسقاط الجنين:
- فرواية كتاب سليم بن قيس تذكر أن السبب في ذلك هو أن قنفذًا ألجا فاطمة رضي الله عنها إلى عضادة الباب ودفعها فكسر ضلعها وألقت جنينها(827) .
- أما كتاب دلائل الإمامة فجاء فيه أن قنفذًا لكز فاطمة رضي الله عنها بنعل السيف فأسقطت الجنين(828) .
-أما الرواية التي
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 284نقلها المجلسي عن كتاب دلائل الإمامة(829) وروايتا كتاب الهداية(830) فجاء فيهما أن فاطمة رضي الله عنها كانت وراء الباب، فركله عمر، فأسقطت.
-وأما رواية كتاب الاختصاص فتذكر أن عمر رفس فاطمة لما رجعت من عند أبي بكر فأسقطت(831) .
-أما رواية كتاب الاحتجاج فتنسب الإسقاط إلى ضربة المغيرة بن شعبة(832) !.
وهذا التناقض الفاحش الذي دخل إلى جل تفاصيل القصة لا يمكن دفعه إلا بطرح بعض الروايات دون سائرها، ولو سلك أنصار أسطورة كسر الضلع هذا المسلك فإنهم سيقعون في إشكال عويص، لعدم وجود منهج واضح يمكن الاعتماد عليه لترجيح رواية دون أخرى، ثم إنهم لو فعلوا ذلك فإنهم سيهدمون سائر حججهم، لأن طرح أي رواية من روايات كسر الضلع بناء على التعارض والتناقض سيؤدي إلى طرح سائر هذه الروايات.
والتناقض ليس مقتصرًا على الروايات التي ورد فيها التصريح بالضرب أو الاعتداء أو إسقاط الجنين، بل إن التناقض بين روايات كسر الضلع وبين روايات أخرى استدل بها المخالفون وهي تنفي وقوع الهجوم أصلًا، وما هو سنبحثه في المبحث التالي.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تناقض روايات كسر الضلع مع روايات التهديد والتهويل
لقد لاحظنا أثناء دراستنا للروايات التي يستدل بها أنصار أسطورة كسر الضلع، أن المخالفين يحشدون كل الروايات التي يظنون أنها تثبت حصول هذه الواقعة دون التأمل في مضامين هذه الروايات، وفي كثير من الأحيان يغفلون أو يتغافلون عن التناقض والتعارض الظاهر بين هذه الروايات، وفي بعض الأحيان يوردون روايات تهدم استدلالاتهم بالكلية،
ومن أهم المزالق التي وقع فيها هؤلاء، استدلالهم بروايات اقتصرت على ذكر التهديد بالإحراق لإثبات حدوث كسر الضلع، مع أن هذه الروايات- مع غض النظر عن سندها- مناقضة لحادثة كسر الضلع، إذ إنها تقتصر على وقوع التهديد فقط ولا تذكر شيئًا عن وقوع كسر الضلع(833) بل إن بعضها فيه التصريح بأن عمر إنما أراد التهويل، مثل رواية الاحتجاج التي استدل بها جعفر مرتضى العاملي ونظراؤه(834) فقد روى أبو منصور الطبرسي عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: «ثم إن عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: «ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة»، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون، حتى إذا مضت أيام، أقبل في جمع كثير إلى منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال: «والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه». فقيل له: إن
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 286فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: «ما بالكم أتروني فعلت ذلك؟ إنما أردت التهويل»، فراسلهم علي أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن»(835)
وقد علق محمد الحسيني على استدلال جعفر مرتضى بهذه الرواية قائلًا: «لاحظنا على السيد العاملي أنه يحشد نصوصه تحشيدًا دونما تحقيق أو تدقيق...، ويظهر ذلك جليًا في الروايات التي سجلها في كتابه والمروية عن الأئمة، حيث إنه لم يعالجها على المستويين وحشدها بشكل عشوائي، وبعض الروايات يعارض البعض الآخر وينفيه، وبعضه لا يلتزم به السيد العاملي لأنه يصادر ما يريد إثباته، وكنموذج على ذلك ما رواه عن (احتجاج الطبرسي)»، ثم ذكر هذه الرواية، ثم قال: «هذا النص مما لا يمكن أن يلتزم به السيد العاملي، لأنه يناقض ما يريد إثباته من أن عمر ضرب السيدة الزهراء ودخل الدار وفعل كذا وكذا، لأن الظاهر من الحديث أن تهديد عمر هو تهديد صوري»(836) ، وقال في موضع آخر عن استدلال جعفر مرتضى العاملي بهذه الرواية: «نقلها عن كتاب الاحتجاج للطبرسي الذي وصفه بالوثاقة والاعتماد، والخبر إن لم يكن صريحا بتبرئة عمر فهو ظاهر فيه، فهل يلتزم بذلك السيد مرتضى العاملي؟»(837) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إشكالات الاعتقاد بأسطورة كسر الضلع
إن الاعتقاد بأسطورة كسر ضلع فاطمة رضي الله عنها يترتب عليه إشكالات كثيرة توجب رد هذه القصة، وقد وجدنا عدة إشكالات على هذه الأسطورة نذكر أهمها وأشهرها.
الإشكال الأول: لزوم نسبة الجبن إلى علي وبني هاشم رضي الله عنهم وحاشاهم
يستلزم الإيمان بقصة ضرب فاطمة رضي الله عنها وضغطها من وراء الباب عن عمد، حتى كُسر ضلعها وأَجهضت، نسبة الجبن إلى علي رضي الله عنه وحاشاه، إذ إن هذا الفعل وقع أمام ناظريه ولم يقم بدفع الأذى عن زوجته، مع أنه رضي الله عنه مشهود له بالشجاعة والبأس والحمية.
فكيف يُتصور أن يقع كل هذا الظلم والأذى على فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ويسكت عن ذلك بنو هاشم الذين كان لهم أعظم الشوكة والبأس في قريش؟، ففيهم العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم أحد أسياد قريش وبنوه جماعة وعصبة، وفيهم بنو الحارث بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأشهرهم أبو سفيان بن الحارث الذي ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين، وفيهم عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه وبنوه جماعة، وفيهم بنو جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فلو أن ما يدعيه المخالفون من الاعتداء على فاطمة رضي الله عنه قد وقع، لكان رجال بني هاشم أول من ينتصر لها ممن ظلمها، ولو طلب علي رضي الله عنه وبنو هاشم النصرة من قريش لانتصر لهم سائر قبائلها.
ثم كيف يتصور سكوت الصحابة قاطبة عن هذه المظلمة ولا ينتصر أحد منهم لفاطمة أو يدفع عنها الظلم وهم الذين فدوا أباها صلى الله عليه وسلم بحياتهم؟!، خاصة أن منهم من لا يشكك الإمامية في إيمانهم، كسلمان وأبي ذر والمقداد وغيرهم الذين يرى الإمامية عدالتهم ويسمونهم بالصحابة المنتجبين.
إن هذه الأدلة العقلية التاريخية التي تستحضر تاريخ الصحابة وطبيعة قبائل قريش في زمنهم، هي ما استند إليه جماعة من أهل العلم لإنكار هذه الأسطورة، يقول أبو المحاسن الواسطي (عاش في القرن التاسع) مبينًا مفاسد ما في هذه القصة: «إن ذلك فيه نسبة خساسة وعجز إلى علي رضي الله عنه وبني هاشم لأن عليًا الشجاع الأعظم من الآل والصحب ومعه عصبته القبيلة العظمى من قريش، وهم أبطال بني هاشم، قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم أهل الأنفة والنخوة ولم يصبروا على ضيم، ...فكيف يجوز أن يصبروا على إهانة مخدومهم وابنة مخدومهم»(838) .
وذكر الفضل ابن روزبهان ( 909 هـ): أن من أسمج ما افتروه «هذا الخبر وهو إحراق عمر بيت فاطمة رضي الله عنها»، ثم ذكر عدة وجوه في نقض هذه الفرية منها: «أن عيون بني هاشم وأشراف بني عبد مناف وصناديد قريش كانوا مع علي، وهم كانوا في البيت، وعندهم السيوف اليمانية، وإذا بلغ أمرهم إلى أن يحرقوا من في البيت، أتراهم طرحوا الغيرة وتركوا الحمية رأسًا، ولم يخرجوا بالسيوف المسلة، فقتلوا من قصد إحراقهم بالنار؟».
ومنها: «لو صح هذا دل على كمال عجز علي -حاشاه عن ذلك- فإن غاية عجز الرجل أن يحرَق هو وأهل بيته وامرأته في داره وهو لا يقدر على الدفع، ومثل هذا العجز يقدح في صحة الإمامة».
ومنها: «أن أمراء الأنصار وأكابر الصحابة كانوا مسلمين منقادين محبين
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 289لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أتراهم سكتوا ولم يكلموا أبا بكر في هذا، وأن إحراق أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز ولا يحسن»(839) وغيرها من الأجوبة الدامغة التي تبين أن العقلاء لا يليق بهم التصديق بهذا الضرب من الأخبار المردودة.
وبيَّن ابن حجر الهيتمي مؤدى مقالة كسر الضلع وشناعتها قائلًا: «قصدوا بهذه الفرية القبيحة، والغباوة التي أورثتهم العار والبوار والفضيحة، إيغار الصدور على عمر رضي الله عنه ولم يبالوا بما يترتب على ذلك من نسبة علي رضي الله عنه إلى الذل والعجز والخوَر، بل ونسبة جميع بني هاشم وهم أهل النخوة والنجدة والأنفة إلى ذلك العار اللاحق بهم الذي لا أقبح منه عليهم، بل ونسبة جميع الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك، وكيف يسع من له أدنى ذوق أن ينسبهم إلى ذلك مع ما استفاض وتواتر عنهم من غيرتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم وشدة غضبهم عند انتهاك حرماته، حتى قاتلوا وقتلوا الآباء والأبناء في طلب مرضاته؟»(840) .
وقال محمود شكري الألوسي: «وهذا أيضًا من أقبح مفترياتهم وكذبهم، بل فيه طعن بأهل البيت ورميهم بالجبن، إذ أقل العرب تأبى غيرته ذلك، فكيف بأبي الحسنين كرم الله تعالى وجهه وصناديد بني هاشم يسكتون عن مثل ذلك؟»(841) ، وقال أيضًا: «وعلي كرم الله تعالى وجهه أجلُّ من أن يقيم على ضيم وهو أسد الله تعالى الغالب»(842) .
وهذا الجواب هو الذي اعتمده جماعة من الزيدية في رد هذه الأسطورة، فرووا عن
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 290سلمة بن كهيل أنه قال لزيد بن علي: «إن الناس يزعمون أن فاطمة لُطمت»، فأجاب زيد بن علي: «كانت أكرم على أهلها من ذلك يا أبا يحيى»(843) ونقل يحيى الصعدي عن المعتزلة في الجواب عن هذه الفرية أنهم قالوا: «لو وقع شيء من ذلك لأنِف أكثر المسلمين لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما صبر بنو هاشم على هذه الذلة»(844) ونقل عن المعتزلة أيضًا أنهم قالوا: «لا يظن العاقل بالصحابة مثل هذا، لا سيما مع شرف بني هاشم وعزة نفوسهم، وقد كانت العرب كلها تقوم معهم في مثل هذا»(845)
بل إن بعض الإمامية قد استنكروا قصة كسر الضلع بناء على ما يترتب عليها من نسبة علي رضي الله عنه إلى الجبن وعدم دفع الأذى عن أهله وحاشاه رضي الله عنه، فيقول المرجع محمد حسين فضل الله: «إذا هجموا على الزهراء، ما هو دور الإمام علي؟ الإمام علي جبان؟ أنتم كلكم متزوجون، إذا فرضنا أن أحدهم أراد أن يهجم على زوجتك، يريد أن يقتلها أو يعتدي عليها، تقعد وتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟ أو تدافع عنها؟ إذا لم تدافع عن زوجتك ماذا يقول الناس عنك؟»(846) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويقول الشيخ الإمامي ياسر عودة: «تحدث السيد الأستاذ(847) بهذه الملاحظة ونحن نوافقه: هل يمكن قبول مسألة أن الإمام عليًا ؛ جبان إلى هذا الحد يقف متفرجًا على زوجته وهي تضرب ولا يحرك ساكنًا؟، ولو فعلها أي إنسان دخل دارك لا يمكن لك مع ضعفك إلا أن تتصدى له، ولو أدى ذلك إلى موتك، فللبيوت حرمات، فكيف بالزهراء عليها السلام وبيتها، مع ملاحظة أن هذا المعتدَى على داره وزوجته هو الإمام علي ؛ الذي يقول: «لو تظاهرت العرب على قتالي ما وليت مدبرًا»»(848) .
ويقول نجيب نور الدين وهو يرد على جعفر مرتضى العاملي: «قوله إنَّ الإمام عليًّا (عليه السلام) قد عمل بتكليفه الشرعي في سكوته على ما حصل للسيّدة الزهراء (عليها السلام)، أمرٌ مريب، لأنّه لا يعقل بحالٍ من الأحوال أن يكون تكليف الإمام عليّ (عليه السلام) الشرعي هو السكوت على أذيّة زوجته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وأن يترك من يريد هتك حرمتها يفعل ما يريد وهو جالسٌ في مكانه يسمع ويرى ولا يُحرِّك ساكنًا، إنَّ الإمام عليًّا (عليه السلام) أجلُّ ممّا يحاول أن يصفه به المؤلّف، وأعلى شأنًا من أيِّ إنسان يملك حميّة الدفاع عن الضعفاء ومهضومي الحقوق أو المعتدى عليهم، فكيف إذا كان هذا المظلوم هو أشرف خلق الله وأعزّهم عليه وعلى نبيّه؛ فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟»، ونحن نستغرب كيف يكون تكليف رجل كالإمام صلوات الله وسلامه عليه هو أن يسكت عن فعل أولئك المعتدين؟ هذا، وهل يقنع هذا الكلام
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 292عاقلًا، كائنًا مَن كان؟!(849)
ويقول أيضًا: «يصف المؤلّف السيِّدة الزهراء (عليها السلام) وهي تتعرَّض للأذى بأنَّها قد عملت تكليفها الشرعي، ونحن نجد هذا الأمر مستغربًا ومستهجنًا، إذ كيف يمكن أن يكون تكليف الزهراء (عليها السلام) الشرعي هو أن تُظلَم وتُضرَب في بيتها، وأن تستسلم لهذا الظلم بملء إرادتها، وأن يكون تكليف الإمام عليّ (عليه السلام) أن يتركها عرضة للظلم؟ أيُّ منطق هذا الذي يحاول المؤلّف أن يقنعنا به؟»(850) .
ويتابع نجيب نور الدين قائلًا: «كيف يتقبَّل الناس موقف الإمام فيما لو صحَّ قول المؤلّف، وهو المعروف بحميّته وبطولته؟ ألَا يدعو الموقف للريبة من الإمام كما يصوّر مواقفه الكاتب، وأنَّه يجلس في المنزل ينظر إلى زوجته تظلم وهو لا يُحَرِّك ساكنًا؟ أليسَ من الممكن أن يقول النّاس: كيف يمكن أن يكون عليّ (عليه السلام) إمام المسلمين وهو عاجز عن الدفاع عن زوجته وهي تضرب أمام عينيه؟ وإذا كان سكوته -على حدِّ ما يدَّعي المؤلّف- بهدف "عدم ضياع الحقّ" في إمامة الأُمّة، فكيف سيقتنع الناس أنَّ الإمام جدير بهذه الإمامة وهو على هذه الصورة التي يقدّمها عنه المؤلّف؟»!(851) .
وبذلك يتضح أن ما تضمنته هذه الأسطورة من نسبة علي رضي الله عنه إلى ترك الدفاع عن أهله من أهم الأدلة التي استدل بها أهل العلم قديمًا وحديثًا ومن سائر الفرق الإسلامية على بطلان هذه القصة المفتعلة، وقد حاول
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 293بعض المخالفين الجواب عن هذا الإشكال بأجوبة غريبة ومتناقضة، وهو ما سنتعرض لمناقشته والرد عليه.
بيان تهافت أجوبة الإمامية عن سبب ترك علي رضي الله عنه الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها
حاول أنصار أسطورة كسر الضلع دفع إشكال نسبة الجبن إلى علي رضي الله عنه بسبب عدم دفاعه عن فاطمة رضي الله عنها بعدة وجوه ضعيفة، رأينا أن نسرد بعضها ونبين تهافتها:
1 -نقد دعوى ترك علي رضي الله عنه الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها لوجود وصية من النبي صلى الله عليه وسلم
استدل أنصار أسطورة كسر الضلع برواية انفرد بها كتاب سليم بن قيس جاء فيها أن عليًا رضي الله عنه إنما ترك الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بذلك!، فقد روي في كتاب سليم بن قيس أن عليًا وثب فأخذ بتلابيب عمر «ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أوصاه به، فقال: «والذي كرم محمدًا بالنبوة - يا ابن صهاك - لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمت إنك لا تدخل بيتي»(852) .
والجواب عن هذه الرواية يقع في عدة وجوه:
الوجه الأول: إن هذه الرواية متناقضة في نفسها، فهي تذكر هنا أن عليًا صرع عمر وهمَّ بقتله ثم تذكر الوصية فتركه، فالمانع هنا هو الوصية المزعومة غير أن هذه الرواية ستنسب إلى علي رضي الله عنه بعد سطور قليلة أن المهاجمين رجعوا ليأخذوا عليًا واقتحموا البيت «وثار علي عليه السلام إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه فألقوا في عنقه حبلًا»(853) فهنا نجد أن عليًا لم يلتزم بالوصية بل همَّ بأخذ سيفه ليرد المهاجمين، ثم تذكر الرواية أن عليًا رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 294قال لما أُخذ مجبرا للبيعة: «أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا أبدًا، أما والله ما ألوم نفسي في جهادكم، ولو كنت استمكنت من الأربعين رجلًا لفرقت جماعتكم، ولكن لعن الله أقوامًا بايعوني ثم خذلوني»(854) وهذه مناقضة ثالثة، إذ إن الرواية تنسب إلى علي رضي الله عنه أنه لو تمكن من سيفه أو كان معه أربعون رجلًا لما أجبروه على البيعة»، فهذه الرواية تذكر ثلاثة أسباب متناقضة لعدم دفاع علي عن نفسه أودفاعه عن فاطمة، فتارة تكون العلة هي الوصية، وتارة عدم وصوله لسيفه، وتارة أنه لم يكن معه أنصار
الوجه الثاني: لم يرد في الرواية ما هو نوع الوصية، هل هو ترك الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها، أو ترك الدفاع عن قضية الإمامة؟، ولو سلمنا بأن المراد هو ترك الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها، فالجواب أن هذا من أبين الكذب، فكيف يُعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك ابنته تتعرض للأذى والإهانة؟! كيف وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الدفاع عن أهليهم وإن أدى ذلك إلى الموت؟.
بل بشر النبي صلى الله عليه وسلم من بذل نفسه للدفاع عن أهله بالشهادة فقال صلى الله عليه وسلم: «من قُتل دون أهله فهو شهيد»(855) وهذا المعنى مروي في كتب الإمامية، فقد روى الكليني عن أبي جعفر الباقر أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون مظلمته فهو شهيد، ثم قال: يا أبا مريم هل تدري ما دون مظلمته؟ قلت: جُعلت فداك، الرجل يقتل دون أهله ودون
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 295ماله وأشباه ذلك، فقال: يا أبا مريم إن من الفقه عرفان الحق»(856) وهذا المبدأ مسلّم به عند علماء الإمامية أيضًا، قال الطوسي: «إذا قصد رجل رجلًا يريد نفسه أو ماله أو حريمه فله أن يقاتله دفعا عن نفسه بأقل ما يمكنه دفعه به، وإن أتى ذلك على نفسه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»»(857)
وقد ورد في كتب الإمامية روايات تعيب على الرجل الذي يترك الدفاع عن امرأته إن أرادها أحد بسوء، وتأمر كل من أريد بسوء في ماله أو أهله أن يقاتل ويحارب، ففي الكافي أن رجلًا قال لعلي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن لصًا دخل على امرأتي فسرق حليها، فقال علي: «أما إنه لو دخل على ابن صفية((858) ) لما رضي بذلك حتى يعمه بالسيف»((859)(860) ).( )
وفي الكافي والتهذيب عن الباقر رحمه الله أنه قال: «إن الله ليمقت العبد يُدْخَل عليه في بيته فلا يقاتل»((861) )، وفي التهذيب عن الباقر أنه قال: «إذا دخل عليك رجل يريد أهلك ومالك فابدأه بالضربة إن استطعت، فإن اللص محارب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فما تبعك منه من شيء فهو عليّ»((862) ).
فإذا تقرر ذلك، كيف يصح أن يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما أمر به أصحابه، خاصة أن الأمر يتعلق ببضعته الطاهرة رضي الله عنها؟.
وكيف يتصور من علي رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 296أن يعيب على الرجل ترك الدفاع عن امرأته، ولا يدفع الأذى عن زوجة فاطمة رضي الله عنها، وكيف يتصور أن يأمر علي والأئمة الناس بالدفاع عن نسائهم، وتترك الزهراء ليُكسر ضلعها ويسقط جنينها، وتُهان وتُذل ويكون ذلك سبب موتها؟، وهي سيدة النساء، وبضعة النبي صلى الله عليه وسلم، وابنته الوحيدة التي عاشت بعده صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثالث: لقد انتقد أهل العلم من أهل السنة وحتى بعض الإمامية هذه الرواية، فقال الألوسي: «كون لزومه الأرض(863) لعهد عهده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقولون، لا أصل له»(864) .
وقال الكاتب الإمامي نجيب نور الدين وهو تلميذ المرجع محمد حسين فضل الله: «أمّا أن ينسب الكاتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه هو من طلب إليه السكوت، فهذا خلاف العقل والمنطق، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدر عنه ذلك؟ ومتى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعطف بتركهم يهيجون ويظلمون ويعتدون دون أن يقول كلمته الصارخة في وجههم، ودون أن يلقمهم حجرًا في أفواههم وأياديهم، فكيف إذا كان ذلك بحقّ ابنته الزهراء (عليها السلام)؛ بضعته الشريفة ونفسه الزكيّة وفي داخل بيتها؟»، ومتى عُرِفَ عن الإمام عليّ (عليه السلام) تفريطه بوديعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها تُهان وتؤذى دون أن يقلب الأرض على رؤوس هؤلاء؟ وهل الدين إلاَّ تلك المكارم التي ما عهدناها عند أحد كما كانت عند الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام عليّ (عليه السلام)!(865) .
واعترض الشيخ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 297الإمامي جعفر الشاخوري على رواية الوصية قائلًا: «إن المستفاد من الأخبار أن عليًا موصى بعدم المطالبة بحق الخلافة بالسيف، وليس موصًى بعدم الدفاع عن نفسه وأهله»(866)
وقال الشيخ الإمامي ياسر عودة: «إن قلت كما ادعى البعض: إنه مأمور، لأنه تمسك بتلابيب عمر وطرحه أرضًا ثم قال: «لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمت أنك لا تدخل بيتي»(867) ، أقول:
أولًا: هذا لم يثبت بسند صحيح، وبغض النظر عن السند، إذا كان مأمورًا كما يُدعى فهو مأمور بعدم أخذ الخلافة بالقوة، لكي لا يهرق الدم ويمحو ذكر الإسلام...، أما أن لا يدافع عن بيته وزوجته فهذا لا يمكن أن ينهى عنه أحد، لا الشرائع السماوية ولا القوانين الوضعية ولا النخوة العربية ولا الشهامة الإيمانية، فذلك ادعاء باطل وتبرير أقبح من الذنب»(868) .
وقال الدكتور الإمامي علي صالح رسن منتقدًا دعوى الوصية وهو يتكلم عن علي رضي الله عنه: «وهو بالمقابل لم يستطيع أن يدرأ الخطر عن عائلته بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بكذا وكذا، وأن القوم يفعلون به ما يفعلون بعده، فما عليه إلا أن يكون صابرًا محتسبًا، وهذه حجة غير مقبولة، فلو كان صلى الله عليه وسلم حاضرًا، ويرى ما حل بالإمام وأسرته، لشد حزام الحرب، حتى يدفع الخطر عنهم، دون الصبر والاحتساب، وأي صبر على ما؟فالقضية متعلقة بالعرض والنفس(869) وهل هناك قضية يوجب فيها الجهاد أهم من العرض، وإذا كان من متقول يقول: إن الإمام حفاظا على وحدة المسلمين صبر واحتسب نقول له كن أنت محل الإمام، وليفعل
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 298بأهلك كما حصل له روحي الفداء، واصبر واحتسب»(870)
وقال أيضًا: «القارئ عندما يطلع على هذه الأقاويل يظن الظنون في شخص الإمام وكأن عمر واضعًا(871) ، سيفه على نحره متى ما شاء ذبحه، والإمام لم يحرك ساكن(872) ، فاغتصب حقه في الخلافة كما يدعون، وسكت ونهب داره واعتدى على زوجته الزهراء وكسر ضلعها وسقط جنينها ولم يفعل شيء(873) ، وأخيرًا أجبره عمر على أن يزوجه طفلته أم كلثوم، فوافق على ذلك واغتصب حق الزهراء في فدك وغيرها، والإمام يعمل بالتقية، فما هذه الأباطيل يا مسلمين؟ كفاكم التعرض لشخص الإمام واتركوه لشأنه أفضل من أن تأذوه((874) )في قبره»(875) .
الوجه الرابع: لقد ورد في كتب الإمامية ما يناقض هذه الوصية، حيث تذكر أن عمر حين أراد أن ينبش قبر فاطمة منعه علي من ذلك دفاعًا عنها:
يقول الشيخ الإمامي ياسر عودة: «نسأل سؤالًا هامًا في المقام، حيث ورد أن عمر في اليوم التالي من دفنها عليها السلام سرًّا، غضب لعدم مشاركته في مراسم الدفن، واعتبر ذلك استخفافًا من علي به، فأخذ أبو بكر((876) وجماعة، وصعد إلى البقيع لينبش القبر، وكان الإمام علي قد رسم في الأرض عدة قبور ليخفي أثره، فلما وصل الخبر إلى الأمير صعد إلى البقيع، منتفخ الأوداج محمر الوجه شاهرًا سيفه قائلًا له: «والذي نفسه بيده لو رمت من هذا القبر شيئًا لسقيت الأرض من دمائك، ....والسؤال الكبير هنا، الذي يدافع عن زوجته وهي ميتة وليس معلوما مكان قبرها،
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 299فلربما دفنت في حجرتها ويأتي بهذه الحالة مغضبا كما تصف آنفًا، ألا يدافع عنها وهي حية»(877)
وقد استدل جعفر الشاخوري البحراني على بطلان رواية الوصية بموقف علي حينما دافع عن قبر فاطمة، فقال: «على أن المستفاد من الأخبار أن عليًا موصى بعدم المطالبة بحق الخلافة بالسيف وليس موصى بعدم الدفاع عن نفسه وأهله، ففي دلائل الإمامة عندما بلغ أمير المؤمنين ع أن البعض همّ بنبش قبر الزهراء ع بحجة الصلاة عليها، فخرج علي مغضبًا قد احمرت عيناه ودرت أوداجه وعليه القباء الأصفر الذي كان يلبسه في الكريهة، وهو يتوكأ على سيف ذي الفقار، إلى أن يقول فأخذ عليّ بجوامع ثوبه ثم ضرب به الأرض، وقال: يا بن السوداء، أمّا حقي فقد تركته مخافة ارتداد الناس عن دينهم، وأما قبر فاطمة فوالذي نفس علي بيده لئن رمت أنت أو أصحابك شيئًا لأسقينَّ الأرض من دمائكم»(878) .
2 -قياس موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه في دعوى تركه الدفاع عن زوجته، بقصة النبي إبراهيم ؛ والملك الجبار
حاول بعض أنصار أسطورة كسر الضلع قياس موقف علي رضي الله عنه في عدم دفاعه عن فاطمة رضي الله عنها، بقصة إبراهيم ؛ حين أرسل امرأته سارة إلى الجبار، وأصل هذه القصة أن إبراهيم ؛ «هاجر بسارة، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فأرسل إليه: أن أرسل إلي بها، فأرسل بها، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله»(879) ، ووجه استدلالهم الفاسد أن إبراهيم ؛ لم يمنع امرأته من الجبار، ولم يدفع عنها الأذى.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والقصة ثابتة غير أن الاستدلال بها غير صحيح لعدة وجوه:
الأول: أن هذه الرواية مختصرة، وعند النظر في بقية الطرق التي وردت فيها الرواية بصيغة مفصلة نجد أنه قد جاء في أحد ألفاظ الرواية أن إبراهيم ؛ كان يعلم بأن الجبار لن يصل إلى سارة، وأن الله سيمنعه منها، فقد روى أبو يعلى بسند صحيح أن إبراهيم لما أرسل سارة إلى الجبار قال لها: «اذهبي إليه، فإن الله سيمنعه منك»(880) ، فإن تقرر هذا فلا وجه للاستدلال بهذه القصة.
الثاني: أن القياس بين الأمرين باطل، فزوجة إبراهيم ؛ لم ينلها أي أذى من الجبار ولم يمسها أصلًا، وأما فاطمة رضي الله عنها فالقوم يزعمون أنها ضربت حتى كسر ضلعها وأسقط جنينها، وأن هذا كان سبب وفاتها، فالتماثل غير واقع بين الأمرين أصلًا، وعليه لا يصح القياس، لأن القياس لا يكون إلا بين أمرين متماثلين.
3 -نقد محاولة قياسهم ما وقع في مقتل عثمان رضي الله عنه بقصة كسر الضلع
حاول بعضهم أن يدعي وجود تماثل بين أسطورة الهجوم على دار فاطمة رضي الله عنها، وقصة حصار الخوارج لدار عثمان رضي الله عنه، وادعوا أن الاعتراض على عدم دفاع علي رضي الله عنه عن فاطمة مدفوع بصدور نظير ذلك عن عثمان رضي الله عنه، لأنه بزعمهم لم يدافع عن زوجته حين اعتدى عليها المهاجمون، كما أنه لم يدافع عن نفسه حتى قتله الخوارج، وعليه فلا يجوز الاعتراض على ما ينسبونه إلى علي من ترك الدفاع عن زوجته.
والحقيقة أن هذا الجواب من أضعف الأجوبة وأوهاها، وبيان ذلك من وجهين:
الأول:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 301إن استدلال المخالفين بعدم دفاع عثمان عن زوجته من أوهى الاستدلالات وأغربها، وذلك أن الرواية التي ذكرت اعتداء الخوارج على نائلة زوجة عثمان رضي الله عنه هي رواية سيف بن عمر التميمي، وهذه الرواية -على ضعفها- تذكر أن الخوارج دخلوا على عثمان وفيهم الغافقي وسودان بن حمران، «فضربه الغافقي بحديدة معه، وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء، وجاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبت عليه نائلة ابنة الفرافصة، واتقت السيف بيدها، فتعمدها ونفح أصابعها فأطن(881) أصابع يدها وولت...» ثم بعد ذلك قتل عثمان(882) فهذه الرواية تنص على أن الاعتداء على نائلة كان بعد ضرب عثمان وإسالة دمه وإسقاطه أرضًا وسقوط المصحف على يديه، فعثمان على هذا التقدير كان قد ضرب وسقط أرضًا، فكيف يقاس بعلي الذي لم يضربه أي أحد بالسيف ولا سالت دماؤه. وقد ثبت في رواية أصح منها أن الخوارج لم يضربوا نائلة أصلًا وإنما تكلموا فيها بكلام ساقط بعد أن قتلوا عثمان رضي الله عنه(883) وهذا هو الثابت والراجح، وإنما أجبنا عن هذا الاستدلال الضعيف من باب التنزل وبيان عدم صحة استدلالهم بهذه القصة.
الثاني: إن الاستدلال بقصة مقتل عثمان للاعتذار عن موقف علي رضي الله عنه يراد منه تبرير أسطورة كسر الضلع وإثبات صحتها، والحق أن المستدلين بقصة عثمان يلزمهم القول ببطلان قصة كسر الضلع، وذلك أن الاعتداء على عثمان وقتله أدلى إلى وقوع فتنة كبرى بين المسلمين وقامت الحرب بينهم بسبب هذه المظلمة العظمى،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 302مع أن واقعة مقتل عثمان لم يعاصرها كثير من كبار المهاجرين والأنصار الذي استشهدوا في الفتوحات، فكيف يتصور أن تقع حادثة كسر الضلع التي تتعرض فيها فاطمة رضي الله عنها للظلم ويكسر ضلعها ويقتل جنينها ويكون ذلك سبب وفاتها ثم لا يكون لخيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار أي ردة فعل على ذلك» مع العلم أن فاطمة رضي الله عنها كانت أحب الناس إلى الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هل هذا إلا دليل على بطلان هذه القصة ووهنها وعدم صحتها.
تناقضات جعفر مرتضى العاملي في الإجابة عن إشكال سكوت علي رضي الله عنه
وقع جعفر مرتضى العاملي في تناقضات غريبة وعجيبة في إجابته عن إشكال سكوت علي رضي الله عنه عن الدفاع عن فاطمة رضي الله عنها، فهو يقرر في أحد المواضع أن عليًا عمل بتكليفه الشرعي، لكنه عندما يسرد الروايات يتغافل عن متونها التي ورد فيها ما يناقض دعواه، وقد نبه على ذلك محمد الحسيني في نقده لمنهج جعفر مرتضى العاملي في حشد النصوص فقال: «من طريف ما يرويه عن علي عليه السلام وهو يقاد والحبل في عنقه... ويصر على ذلك في مواطن أخرى وهو لا يسيء برأيه لعلي وذلك لوصية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاه بها، وبنى على ذلك عدم مواجهة الإمام علي عليه السلام للمهاجمين دار الزهراء (ع)، ولكن في موضع آخر يروي أن عليًا أنجد الزهراء (ع) ولكن المهاجمين فرُّوا من بين يديه [ج 1/299 وفي موضع آخر يقول: إن الزبير هو وحده الذي لم يحتمل فأخذ السيف وواجه القوم 1/290 لتخليص علي عليه السلام، ويظهر منه أن عليًا عليه السلام لم يواجه التزامًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن يروي في موضع آخر خلاف ذلك تمامًا حيث يحشد الروايات التي تؤكد مواجهة علي للمهاجمين وخاصة عمر بن الخطاب وأنه أخذ بتلابيب عمر ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمَّ بقتله، ولكن للأمانة يقول: إنه عليه السلام تذكَّر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فكف عنه 2/155 وفي نص آخر: أن خالد بن الوليد سل سيفه لضرب فاطمة (ع) فحمل عليه علي عليه السلام بسيفه فأقسم على عليِّ عليه السلام فكف 2/165 ويظهر أن امتناع علي عليه السلام هذه المرة لا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لقسم خالد بن الوليد وتوسله، ولكننا استطرادًا نقول: بغض النظر
PDF 304عما في هذه الروايات من أمور تبدو غريبة هل يلتزم السيد جعفر مرتضى بجواز السهو على المعصوم وخاصة بوصية تتعلق بمستقبل الأمة الإسلامية؟» ...على أنه ينقل روايات تخالف ما نقله أولًا، وعن سليم بن قيس الهلالي نفسه [فانتهوا بعلي (ع) إلى أبي بكر وهو يقول: «أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا أبدًا»...[ 2/156
وقوله (ع) لو استمكنت من أربعين رجلًا يوم فتش البيت، يعني بيت فاطمة [ 2/194 ]، إن هذا الخليط غير المتجانس من الروايات أوقع السيد مرتضى في تناقض مرير!(884) .
- وقد وقع جعفر مرتضى العاملي في تناقض آخر أعجب من الذي قبله، فأساء من حيث يدري أو لا يدري إلى علي رضي الله عنه، وجعل فاطمة رضي الله عنها أشجع منه!، فعندما اعترض المرجع محمد حسين فضل الله على الروايات التي تذكر أن فاطمة فتحت الباب، قائلًا: «إذا كانت الزهراء (ع) مخدرةً، فكيف تبادر هي لفتح الباب، فإن التي لا ترى الرجال ولا تقابل أحدًا لا تفعل ذلك»(885) ، أجاب جعفر مرتضى قائلًا: «هل المخدرة لا يحق لها أن تدافع عن نفسها، لو هوجمت، أو عن ولدها وزوجها، أو عن شرفها، أو دينها، ورسالتها؟»(886) ، ويقول في موضع آخر عن فاطمة رضي الله عنها: «هناك نص يفيد أنها هي التي أنجدت عليًا حين أخذوه، فاعتدوا عليها بالضرب، يقول النص: «فحالت فاطمة عليها السلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط»»(887) .
ونحن نقول: وهل
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 305يتصور أن فاطمة رضي الله عنها تبادر للدفاع عن زوجها وولدها وهي امرأة، وزوجها جالس في البيت ينظر إليها ولا يحرك ساكنًا حين يُعتدى عليها، وينتهي الهجوم بكسر ضلعها وإسقاط جنينها، وتكون هذه الواقعة سبب وفاتها؟!، فالعجب من جعفر مرتضى كيف أجاز لفاطمة التصدي للدفاع عن البيت وهي امرأة، وفي نفس الوقت ينسب إلى علي الشجاع البطل السكوت وعدم الدفاع عن أهله، فمن الأولى بالمواجهة مع الرجال النساء أم الرجال؟.
ثم إن كان تكليف علي رضي الله عنه – على ما ادعاه جعفر مرتضى العاملي- هو السكوت، كان الأولى بفاطمة رضي الله عنها أن تلتزم بما كُلِّفَ به علي رضي الله عنه، إذ لا يعقل أن يُكلَّفَ علي رضي الله عنه بالسكوت وتبادر هي للمواجهة كما زعم جعفر مرتضى العاملي، لأن المقصود بالوصية كما زعم أنصار أسطورة الضلع هو تجنب وقوع الصدام بين علي رضي الله عنه وبين بقية الصحابة حتى لا يؤدي ذلك إلى شرخ في الإسلام، فوقوع أي مواجهة بين الفريقين مناف للحكمة من الوصية، وعليه فكيف يعقل أن تخالف فاطمة الوصية وتبادر بالدفاع عن علي رضي الله عنه وبذلك تسقط الفائدة من الوصية المزعومة؟!.
ولو قال قائل: إن الوصية خاصة بعلي رضي الله عنه، فالجواب: لو سلمنا جدلًا بذلك، فأين بنو هاشم، وعمار وسلمان والمقداد وبقية الصحابة المنتجبين من إنجاد فاطمة وعلي رضي الله عنهما من الظلم الذي وقع عليهم؟، والحقيقة أن هذه الأجوبة هي من الضعف والتهافت بمكان، وقد لجأ إليها أصحابها للجواب عن الإشكالات التي تترتب على الاعتقاد بهذه الأسطورة، وكلما حاولوا حل إشكال في هذه القصة، وقعوا في ما هو أشد منه، فهم كما قال الشاعر:
| المُستجيرُ بعمروٍ عِندَ كَربَتِهِ | كالمُستَجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنارِ |
|---|
إن
PDF 306هذا التناقض الذي وقع فيه جعفر مرتضى يدل على العجز عن الإجابة عن هذا الإشكال العويص الذي لا يرتفع، والذي يكون مؤداه الطعن في علي رضي الله عنه، ولهذا قال نجيب نور الدين ردًّا عليه: «أمّا وقد جَلَسَ الإمام في المنزل دون أن يُبادر إلى أيّة حركة، كما يصوّره المؤلّف، وتقوم الزهراء (عليها السلام) للدفاع عنه، فهذا ما لا يجوز الكلام فيه، لا على الإمام عليّ (عليه السلام) ولا على السيِّدة الزهراء (عليها السلام) أيضًا»(888)
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الإشكال الثاني: المحسن بن علي بين القول بالولادة والإسقاط
مقتضى أسطورة كسر الضلع هو أن المحسن مات جنينًا في بطن أمه بسبب الضربة التي تعرضت له فأسقطته ميتًا، وهذه القصة تعارضها روايات أخرى أمثَلُ منها، تنص على أن المحسن ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
فروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: «مررت بغلام له ذؤابة وجمة إلى جنب علي بن أبي طالب فقلت: «ما هذا الصبي إلى جانبك»؟، قال: «هذا عثمان بن علي سمَّيته بعثمان بن عفان، وقد سمَّيت(889) بعمر بن الخطاب، وسمَّيت بعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وسمَّيت بخير البرية محمد صلى الله عليه وسلم، فأما حسن وحسين ومحسِّن فإنما سمَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعق عنهم وحلق رؤوسهم وتصدق بوزنها وأمر بهم فسروا وختنوا»(890) ، ولكن هذا الخبر لا يصح، ففي سنده عباد بن أحمد العزرمي، قال عنه الدارقطني: «متروك»(891) .
وروي من طرق مختلفة عن أبي إسحاق السبيعي عن هانئ بن هانئ، عن علي رضي الله عنه قال: لما ولد الحسن سمَّيته حربًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أروني ابني، ما سميتموه؟» قال: قلت: «حربًا». قال: «بل هو حسن» فلما ولد الحسين سميته حربًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أروني ابني، ما سمَّيتموه؟»، قال: قلت: حربًا. قال: «بل هو حسين»، فلما ولد الثالث سميته حربًا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أروني ابني، ما سمَّيتموه؟» قلت: حربًا. قال: «بل هو محسِّن» ثم قال:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 308«سمَّيتهم بأسماء ولد هارون شبر، وشبير، ومشبر»(892)
وهذا الحديث مداره على هانئ بن هانئ، فقد تفرد أبو إسحاق السبيعي بالرواية عنه، واختلف فيه النقاد، فقد قال عنه الشافعي: «لا يعرف، وأهل العلم بالحديث لا ينسبون حديثه لجهالة حاله»، وقال عنه ابن سعد: «منكر الحديث»، وقال عنه علي بن المديني: «مجهول»، بينما مال غيرهم لتوثيقه، فقال العجلي: «كوفي تابعي ثقة»، وقال النسائي عنه: «ليس به بأس»، وذكره ابن حبان في ثقاته على عادته المعروفة في توثيق المجاهيل(893) .
وبسبب هذا الاختلاف وقع الاختلاف أيضًا بين أهل العلم في تصحيح الحديث، فقد أورده ابن حبان في صحيحه، وقال عنه الحاكم: «صحيح الإسناد»(894) ، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر(895) ، و حكم له بالصحة بعض المعاصرين من أهل العلم، كالشيخ شعيب الأرناؤوط(896) ، والشيخ أحمد شاكر(897) وذهب آخرون إلى ضعف الخبر، كالشيخ الألباني(898) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويبدو من أبي بكر البزار أنه يميل إلى ضعف الحديث، حيث قال: «هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحسن من هذا الإسناد بهذا اللفظ، على أن هانئ بن هانئ قد تقدم ذكرنا له أنه لم يحدث عنه غير أبي إسحاق، وقد روي عن علي من وجه آخر، وروي عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث هانئ أحسن ما يروى في ذلك»(899) .
والراجح ضعف الخبر، لكن هذا الخبر يظل أحسن وأفضل من خبر كسر الضلع المكذوب، غير أن المخالفين يتمسكون بخبر كسر الضلع الذي لا أصل له عند أهل السنة ويردون هذا الخبر الذي رواه جماعة من كبار المحدثين وصححه بعضهم، وليس له علة إلا جهالة الراوي له عن علي رضي الله عنه، ونحن لو كنا أصحاب هوى، لذهبنا إلى تصحيح هذا الخبر لأنه ينقض أسطورة إسقاط المحسن من أساسها، ولكننا لسنا أتباع الهوى. ولو خيِّر الإنسان بين الاعتقاد بقصة إسقاط المحسن التي لم ترو بأي وجه سليم، وبين القول بصحة رواية ولادة المحسن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكان الأقرب إلى الصواب هو الاعتقاد برواية ولادة المحسن، فهذا الخبر هو أفضل ما روي في أمر المحسن، وأما قصة إسقاطه فلم ترو في دواوين السنة النبوية وكتب التاريخ بأي إسناد.
ثم إن جماهير أهل العلم من السنة ذهبوا إلى أن المحسن ولد ومات صغيرًا، وأقدم من وقفنا عليه يصرح بذلك هو محمد بن إسحاق المدني 151 هـ) حيث يقول: «وَلَدت فاطمة لعلي الحسن، والحسين، ومحسن، فذهب محسن صغيرًا»(900) وهذا ما ذهب إليه ابن قتيبة 276 هـ) حيث قال «أما
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 310محسّن بن عليّ، فهلك وهو صغير»(901) والبلاذري 278 هـ) إذ يقول: «ومحسن درج(902) صغيرًا(903) وأبو جعفر الطبري 310 هـ)، حيث يقول في تاريخه: «ويذكر أنه كان لها منه ابن آخر يسمى محسنًا توفي صغيرًا»(904) والدارقطني 385
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 311هـ) حيث يقول في كتابه الإخوة والأخوات: «وأما محسن فمات صغيرًا»(905) وابن حزم 456 هـ) حيث قال في الجمهرة: «مات المحسّن صغيرًا»(906) وهو قول عامة أهل العلم(907)
ولم يتفرد أهل السنة بهذا، بل وافقهم في ذلك بعض علماء الإمامية، فقد صرح بذلك أحد أقدم مؤرخيهم وهو اليعقوبي (عاش في القرن الثالث) فقال وهو يذكر أولاد علي: «محسن مات صغيرًا»(908) . وورد هذا في كتاب الهداية المنسوب للخصيبي والذي مضى أنه وردت فيه روايات طويلة ذكرت قصة كسر الضلع، فقد جاء في أول الكتاب عند ذكر أبناء علي رضي الله عنه: «محسن مات صغيرًا(909) ، وهذا مناقض لما جاء في الكتاب من روايات إسقاطه، وقد قلنا فيما مضى إن النسخة المطبوعة من كتاب الهداية لا يوثق بها، وقد وقع فيها زيادة وتحريف.
وقال النسابة الإمامي ابن فندق البيهقي 565 هـ) وهو يذكر أولاد علي رضي الله
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 312عنه: «المحسن بن علي هلك صغيرًا»(910)
ومن أهل العلم من ذكر ولادة المحسن دون أن يذكر أنه مات صغيرًا، كابن حبان ( 354 هـ)(911) ، وابن منده ( 395 هـ)(912) وغيرهم.
وذهب قلة من أهل العلم إلى أن المحسن سقطٌ، ولم نقف على أحد من المتقدمين ممن قال بذلك من أهل السنة، وإنما ذهب إلى ذلك بعض المتأخرين، وأشهر من وقفنا عليه يصرح بذلك الحافظ المزي حيث قال: «محسن درج سقطًا»(913) ، غير أن قول الحافظ المزي قد اختلف في هذه المسألة، فقد صرح في أول الكتاب بأن المحسن مات صغيرًا، فقال وهو يذكر أولاد فاطمة رضي الله عنها: «ومحسنًا مات صغيرًا»(914) ، وذهب إلى كون المحسن سقطا جماعة غير المزي مثل عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري ( 894 هـ)(915) ، وغيرهم(916) ، وهذا القول أضعف من الذي قبله، إذ إنه قول متأخر ولا يستند إلا أي رواية مسندة عند أهل السنة، فضلًا عن أن الجمهور على خلافه، فهذا القول مرجوح، وإنما أردنا التنبيه عليه للفائدة.
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والمقصود أن القول بولادة المحسن ووفاته صغيرًا، هو قول جماهير أهل العلم من أهل السنة، ووافقهم في ذلك بعض علماء الإمامية، وهذا مناقض للقول بصحة أسطورة كسر الضلع التي تذكر أن المحسن سقط بسبب الهجوم على بيت فاطمة رضي الله عنها.
ويضاف إلى ما ذكرناه إشكال آخر، وهو أن مقتضى قصة كسر الضلع أن المحسن بن علي هو أول من مات من أهل البيت((917) )بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مخالف للرواية الثابتة والمشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي بشر فيها النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وقال لها: «إنك أول أهل بيتي لحاقا بي»، وفي لفظ آخر أن فاطمة رضي الله عنها قالت: «أخبرني أني أول أهل بيته أتبعه»(918) ، وهذا الحديث مروي أيضًا في كتب الإمامية، فقد رواه ابن بابويه في الأمالي(919) ،
وهذا الخبر قد تحقق قطعًا، إذ إن أول من توفي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم هي فاطمة رضي الله عنها، لكن القول بأسطورة كسر الضلع يلزم منه تكذيب هذا الحديث والقول بأن المحسن بن علي هو أول من مات من أهل البيت.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الإشكال الثالث: تناقض قصة كسر الضلع مع نسبة المعجزات والولاية التكوينية إلى علي رضي الله عنه
إن أنصار أسطورة كسر الضلع لا يجدون ضيرًا في الاعتقاد بصحة هذه القصة مع مناقضتها لما ينسبونه إلى علي رضي الله عنه من القدرات الخارقة التي تبلغ حد المعجزات، إضافة إلى اعتقادهم بأن عليًا يمتلك الولاية التكوينية والقدرة المطلقة للتحكم في الكون بأسره، فإذا نظرنا في تراث الإمامية نجد أنهم نسبوا إلى علي رضي الله عنه مئات المعجزات والخوارق التي تدل على أن عليًا رضي الله عنه كان يمتلك قدرة فوق القدرات البشرية، وصنفوا في ذلك كتبًا عديدة قديمًا وحديثًا، ككتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي، وكتاب نوادر المعجزات المنسوب للطبري، وكتاب مدينة المعاجز لهاشم البحراني، وكتاب إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للحر العاملي، وغيرها من الكتب، وقد أوصل هاشم البحراني عدد معجزات علي إلى خمسمائة وخمس وخمسين معجزة، منها: قلع باب خيبر الذي لم يستطع حمله إلا سبعون رجلًا(920) ومنها: قدرته على منع النار من الإحراق!(921) ومنها: الرواية التي أوردها جعفر مرتضى العاملي في كتابه مأساة الزهراء، فقال: «إن عليًا خاطب بعض أصحابه بكلام استعظموه، حيث لم يفهموا المراد منه، فقاموا ليخرجوا من عنده، فقال علي (ع) للباب: يا باب استمسك عليهم، فاستمسك عليهم الباب»((922) ومنها: أن الحديد كان لينًا في يديه لدرجة أنه أخذ قطب الرحى الغليظة المصنوعة من الحديد ولفَّها حول عنق خالد بن الوليد رضي الله عنه(923)
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 315وأنه كان يطير فوق السحاب(924) وأنه كان يُسَكِّنَ الأرض عندما تتزلزل(925) وأنه مسخ رجلًا فحوله إلى سلحفاة(926) ومسخ آخر فجعله كلبًا(927) وأنه يوم صفين كان في كتيبة معاوية عشرين ألف فارس يرى كل واحد منهم أن عليًا يقفو أثره(928) وأن المشركين يوم الخندق في قصة الأحزاب افترقوا سبع عشرة فرقة وهو مع كل فرقة يحصدهم بالسيف(929) وغيرها من الأمثلة التي يصعب إحصاؤها
ولا يقتصر الأمر على المعجزات والخوارق، بل بلغ الغلو عند بعضهم إلى الاعتقاد بأن عليًا يتحكم بالكون كله، فيقول الخميني: «إن للإمام (عليه السلام) مقامًا محمودًا ودرجةً ساميةً وخلافةً تكوينيةً تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لائمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل»(930) ويقول أستاذ الحوزة العلمية المرجع أبو القاسم الخوئي: «أمَّا الولاية التكوينية: فلا إشكال في ثبوتها وأنّ المخلوقات بأجمعها راجعة إليهم وإنّما خلقت لهم، ولهم القدرة على التصرف فيها وهم وسائط التكوين، ولعلّ ذلك بمكان من الوضوح ولا يحتاج إلى إطالة الكلام»(931) ويقول المرجع محمد صادق الروحاني: «الولاية التكوينية أي ولاء التصرف التكويني والمراد بها: كون زمام أمر العالم بأيديهم، ولهم السلطنة التامة على جميع الأمور بالتصرف فيها كيف ما شاءوا إعدامًا وإيجادًا، وكون عالم الطبيعة منقادًا لهم، لا بنحو الاستقلال، بل في طول قدرة الله تعالى وسلطنته واختياره...فالروايات
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 316واختياره...فالروايات المتواترة المتضمنة للمعجزات والكرامات الصادرة عن المعصومين عليهم السلام كالتصرف الولائي في النقش وصيرورته أسدًا مفترسًا وما شاكل إنما نلتزم بها ونعتقد من غير التزام بالتأويل...، بالجملة: ثبوت الولاية بهذا المعنى للنبي والأئمة المعصومين الذين يثبت لهم جميع ما يثبت للنبي صلى الله عليه وسلم للروايات الكثيرة المتواترة مما لا ينبغي التوقف(932) فيه ويقول جعفر مرتضى العاملي أشهر أنصار أسطورة كسر الضلع من المعاصرين: «إن جميع الشيعة يعتقدون بمعنى الولاية التكوينية ومضمونها، لأنهم يرون أن كرامات الأئمة «عليهم السلام»ومعجزاتهم متواترة إجمالًا، وقد تضمنت عشرات القضايا التي اشتملت على تعمدهم «عليهم السلام» القيام بأمور تدخل في نطاق ما يسميه البعض في هذه الأعصار ب «الولاية(933) التكوينية»»
ولو غضضنا الطرف عن مئات المعجزات المنسوبة إلى علي رضي الله عنه ووقفنا عند اثنتين منها، الأولى: قدرته على تعطيل النار من الإحراق، والثانية: القدرة على أمر الأبواب أن تُغلق وإصماتها حتى لا تفتح، فسيظهر لنا إشكال واضح، وهو لماذا لم يستعمل علي رضي الله عنه هذه المعجزات لمنع الأذى عن زوجته فاطمة؟، لأن استخدام هذه القدرات الخارقة لن يؤدي إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع المهاجمين ولن يقع علي رضي الله عنه في مخالفة الوصية المزعومة التي تأمره بالصبر، فكيف يعقل ألا يستخدمها لدفع الأذى والضرر عن زوجته فاطمة مع كامل قدرته على ذلك؟
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فإذا تقرر أن الإمامية ينسبون إلى علي المعجزات والخوارق، ويدعون أنه يمتلك الولاية التكوينية التي تخوله التحكم في الكون بأسره، فكيف يجتمع هذا مع قولهم بأن عليًا عجز عن الدفاع عن زوجته فاطمة رضي الله عنهما حتى كُسر ضلعها وأسقط جنينها؟ فإما أن يقولوا بأن الولاية التكوينية وتلك المعجزات لا حقيقة لها، لأن عليًا لو كان يملك الولاية التكوينية لوجب عليه حفظ نفس فاطمة من القتل، وهذا من أوجب الواجبات عليه، إذ فاطمة هي بضعة النبي صلى الله عليه وسلم وسيدة نساء العالمين، وإلا لكان مفرِّطًا في دفع الأذى عنها، وإما أن يصرحوا بأن أسطورة كسر الضلع لا حقيقة لها، لأنها لا تتفق مع دعوى الولاية التكوينية لعلي رضي الله عنه.
نقد محاولات ادعاء وجود شواهد لقصة كسر الضلع
حاول أنصار أسطورة كسر الضلع الاستدلال ببعض الروايات التي لا يوجد فيها أي ذكر لموضوع ضرب فاطمة رضي الله عنها وإسقاط جنينها للزعم بأن هذه الروايات هي شاهد على وقوع كسر الضلع، ومع أن ما ورد في هذه الروايات لا يثبت وقوع كسر الضلع، فلا يمكن تحميلها ما لا تحتمله، لأن محل النزاع بيننا وبينهم هو إثبات رواية واحدة صحيحة سواء على موازين أهل السنة أم الإمامية تثبت قصة ضرب فاطمة رضي الله عنه وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، وهذه الروايات بأجمعها خالية عن ذلك، لكن المخالفين يسلكون مسلكًا غريبًا في الاستدلال بهذه الروايات، حيث إن هذه الروايات اشتملت على بعض الأمور المذكورة في روايات كسر الضلع، كالتهديد بالإحراق وتأخر البيعة، فيجعلون هذه الأمور شاهدة على وقوع أصل الهجوم، ومع أن المضامين التي وردت في هذه الروايات ليست محل النزاع بيننا وبينهم في هذا البحث غير أننا سنتعرض للرد على استدلالهم بهذه الروايات، لأن بعض العوام قد لا يتنبهون لموضع الخلل في استدلال الخصوم(934) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القسم الأول: روايات أهل السنة
لقد بينا فيما مضى أن أنصار أسطورة كسر الضلع يحاولون إثبات صحة هذه القصة المفتعلة بطرق واهية وبعيدة عن المنهج العلمي، ومن الطرق التي سلكوها ادعاء ورود شواهد تثبت أصل حادثة كسر الضلع في كتب أهل السنة، ومع أن الجواب عن هذا يسير، وذلك أنه قد تقرر في علم الحديث أن أحد الطرق المشهورة في وضع الروايات واختلاقها هو أن يعمد الراوي الكذاب إلى الرواية ويزيد فيها ما ليس منها، وهذا المنهج هو الذي سلكه صناع أسطورة كسر الضلع، لأنهم عمدوا إلى الروايات التي تتحدث عن بيعة أبي بكر الصديق فزادوا فيها أكاذيب عديدة لا أصل لها، ولم يروها أي أحد من المحدثين الثقات، ومن ضمن هذه الأكاذيب أسطورة إحراق بيت فاطمة وضربها وإسقاط جنينها، فهذه التفاصيل ليس لها أي أصل في روايات أهل السنة، غير أن المخالفين يتغاضون عن هذه الحقيقة ويحاولون إثبات قصة كسر الضلع بروايات أخرى لا تذكر شيئًا عن كسر الضلع، بل بعضها يناقض تلك القصة أصلًا، كما هو الشأن في روايات التهديد بالإحراق، وهو ما سنناقشه بالتفصيل في هذا المبحث.
أولًا: روايات التهديد بالإحراق
يحتج كثير من أنصار أسطورة كسر الضلع بروايات ورد فيها تهديد عمر لمن كان في بيت فاطمة، ويجعلون ذلك شاهدًا على صحة أصل قصة كسر الضلع، وهذه الروايات التي رويت في هذا المعنى هي بأجمعها لا تدل على ذلك، فضلًا عن أنها كلها روايات لا تثبت عند التحقيق(935) وإليك التفصيل:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الرواية الأولى: رواية ابن أبي شيبة
يستدل المخالفون(936) برواية مروية عن أسلم مولى عمر أنه قال: «حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما من الخلق أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وايم الله، ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت. قال: فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني، وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وايم الله، ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم، ولا ترجعوا إلي، فانصرفوا عنها، فلم يرجعوا إليها، حتى بايعوا لأبي بكر»(937) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والجواب عن هذا الاستدلال من جهة الإسناد والمتن:
أما من جهة الإسناد: فهذا الخبر مداره على رواية محمد بن بشر(938) ، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم مولى عمر رضي الله عنه، وقد اختلفت أقوال الباحثين في الحكم على هذا الإسناد على قولين:
الأول: من ذهب إلى صحة الخبر، بناء على ظاهر الإسناد(939) .
الثاني: الحكم بعدم صحة الخبر لوجود علل ظاهرة وخفية توجب القدح في سنده، لأن القائلين بصحة الإسناد اكتفوا بظاهره دون التنبه لما فيه من العلل الخفية،(940) ، وهذا هو القول الصواب في نظرنا، وملخص العلل التي أعل بهذا هذا الخبر هي ثلاث علل:
- العلة الأولى الانقطاع والإرسال:
وذلك أن أسلم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 322مولى عمر لم يسمع هذا الخبر من عمر رضي الله عنه، فهو لم يصرح بالتحديث بالسماع عن عمر، وروى الخبر بلفظ «أن»، وهي عبارة لا تدل على السماع كما هو مقرر عند المحدثين(941) فضلًا عن أنه لم يشهد الواقعة، حيث إن الثابت أن أسلم لم يكن بالمدينة في زمن البيعة التي يدعى أن واقعة كسر الضلع كانت إثرها(942)
-العلة الثانية: التفرد والنكارة: وهذا التفرد واقع في أكثر من جهة:
الجهة الأولى: «تفرد محمد بن بشر بهذا الخبر عن عبيد الله الذي لم يروه عن عبيد الله أحد من أصحابه المشهورين كمالك والثوري، مع أن محمد بن بشر غير مكثر عن عبيد الله، ولا هو من أصحابه المعروفين»(943) ، وأما ما روي من متابعات لمحمد بن بشر فكلها متابعات لا تصح.
فالمتابعة الأولى هي: رواية عبد السلام بن حرب لهذا الخبر وإن لم يرد فيها لفظ التهديد، وصحح الحاكم إسنادها على شرط الشيخين(944) فهي متابعة منكرة، أما من جهة الإسناد فقد قال الذهبي عنه: «غريب عجيب»(945) وقال محققو طبعة دار التأصيل من المستدرك تعليقًا على كلام الحاكم: «هذا الإسناد ليس على شرط الشيخين، فإنهما لم يخرجا لعبد المؤمن بن علي الزعفراني، وقد قال أبو زرعة:
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 323«ما تركت الكتاب عن عبد المؤمن بن علي الزعفراني إلا خوفا من أهل البلد أن يشنعوا علي بإتياني إياه»، ولم يرد في الصحيحين رواية لعبد السلام بن حرب، عن عبيد الله بن عمر، ولا لعبيد الله بن عمر، عن زيد بن أسلم»(946)
أما من جهة المتن: فما نُسب إلى عمر من قوله: «ما رأيت أحدًا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك»، زيادة منكرة، حيث إنها لم ترد في سائر الطرق التي رواها الثقات عن محمد بن بشر»(947) ، وإنما الثابت عن محمد بن بشر أنه روى الخبر عن عمر بهذا اللفظ: «والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك»، وشتان بين اللفظين، فاللفظ الثابت عن محمد بن بشر يخبر فيه عمر أن أحب الناس إليه محمد صلى الله عليه وسلم وبعده محمد ابنته فاطمة رضي الله عنها، وأما خبر عبد السلام بن حرب فيُخبِر فيه عمر رضي الله عنه أن أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي فاطمة.
والمتابعة الثانية: هي رواية أبي عمرو بن العلاء، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر(948) ، وهي متابعة موضوعة، في إسنادها مكي بن بندار شيخ الحاكم، لم يتفطن الحاكم لأمره فقال عنه: «ثقة مأمون»(949) ، أما الدارقطني فعرف حاله فقال عنه: «لا يشتغل به... يضع الأحاديث والأسانيد، ويُرَكِّب، وقد حدَّثت بأحاديث، فأخذها، وترك اسمي واسم شيخي، وحدث عن شيخ شيخي»(950) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الجهة الثانية: «أن هذا الإسناد بهذا السياق؛ أعني: محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر العمري عن زيد بن أسلم هكذا ليس بالمشهور، ولا المألوف عن أصحاب السنن وغيرهم... ليس بهذا السياق في الصحيحين، ولا في الكتب الستة شيء منها»(951) ، وهو «إسناد لا يجيء أصلًا»(952) ، وكل الروايات التي جاء فيها هذا الإسناد هي «أخبار غريبة منكرة ومعلولة، ولا يصح منها شيء»(953) .
وهناك علل أخرى لهذه الخبر لا نطيل بذكرها، لأن ما تقدم كاف في الحكم بعدم صحة هذا الإسناد(954) ، فالتحقيق هو عدم صحة إسناد هذا الخبر.
الوجه الثاني في الجواب عن هذا الخبر أن يقال: على فرض صحة الخبر، فلا دلالة فيه على دعوى وقوع كسر الضلع أصلًا، بل إن هذا الخبر مناقض لقصة كسر الضلع رأسا، فإن رواياتهم تزعم أن عمر رضي الله عنه ومن معه جاؤوا إلى بيت فاطمة فهددوا عليًا وأمروه بالخروج، فلما أبى هجموا على البيت وأُحرق الباب وضُربت فاطمة وكُسر ضلعها وأُسقط جنينها، ثم أخذوا عليًا وأجبروه على البيعة، أما هذه الرواية فليس فيها إلا أن عمر هدد من في البيت بالإحراق إن هم رجعوا واجتمعوا فيه، فانقاد من في البيت لأمر عمر ولم يجتمعوا فيه مرة أخرى، ثم بايعوا أبا بكر، فأين هذا من قصة كسر الضلع؟». ولهذا يقول الشيخ الإمامي أحمد الكاتب: «بغض النظر عن قيمة الرواية والكتاب العلمية، فإن هذه الرواية تتحدث عن التهديد بحرق البيت، مع إعراب عمر عن محبته للزهراء، وانصراف علي
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 325والزبير ومبايعتهما لأبي بكر»(955)
وإن أرادوا التشنيع على عمر رضي الله عنه لأنه هدد من في البيت بالإحراق، فالجواب عن هذا يقع في أمور:
الأول: أن هذا التهديد لم يقع، وما دام الأمر كذلك فما وجه التشنيع والاعتراض؟، ولذا أجاب أبو محمد اليمني وهو أحد علماء القرن السادس عن اعتراض المخالفين على عمر واستدلالهم بهذا الخبر قائلًا: «وأما الذي نقموا به على عمر بن الخطاب رضي الله عنه همه بإحراق بيت فاطمة رضي الله عنها فإنه قد كان ذلك منه على غير ما وهموا به»، ثم بعد أن ذكر الخبر قال: «فأي شيء على عمر من منقود في هذا لأنه همَّ ولم يفعل، ما أراد بذلك إلا الإصلاح»(956) .
الثاني: أن صدور التهديد من عمر رضي الله عنه كان لتقديره أن تأخر علي والزبير وما كان منهما من المشاورة والارتجاع في أمر البيعة قد يؤدي إلى الفرقة، فكما أن أبا بكر رضي الله عنه لما بلغه اجتماع الأنصار في السقيفة سارع ليعلمهم بعدم أحقيتهم بالخلافة وتمت البيعة فجأة من دون ترتيب خشية الفتنة، فكذلك صنع عمر مع علي والزبير، غير أن عمر رضي الله عنه لما عرف منه من الشدة والقوة في الحق رأى أن يصدر منه خطاب فيه تهديد وإخافة لعلي والزبير، لأن عدم اجتماع كلمة المسلمين مع ما كان يلوح من أخطار تحدق بالإسلام قد يؤدي إلى ضعفهم وذهاب ريحهم، فلأجل ذلك صدر منه ذلك التهديد، مع أنه لم يكن ينوي الإقدام على ذلك قطعًا، والعرب يقولون: إخلاف الوعيد كرم،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 326فلا يتصور من عمر أن يقدم على تحريق البيت على أهله، وإنما أراد أن ينتهوا عن الاجتماع فيه، فخاطبهم بهذا الكلام الذي فيه وعيد شديد، وهذا ما قرره جماعة من أهل العلم والباحثين، قال أبو بكر بن أبي عاصم: «في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يدل على أن الإمام إذا بلغه أن قومًا يجتمعون على أمر يخاف أن يحدث عن اجتماعهم ما يكون فيه فساد أن يتقدم إليهم ويوعدهم في ذلك وعيدًا يرهبون به، مع اعتراف عمر بحق فاطمة رضي الله عنها وأنها أحب الناس إليه بعد أبيها صلى الله عليه وسلم لم يمنعه ذلك من أن تقدم إليها وأخبرها بما هو عليه، ومعرفة فاطمة بحق عمر رضي الله عنهما وأنه يفي بموعده»(957)
قال أبو علي الجبائي المعتزلي: «أما ما ذكره من حديث عمر في باب الإحراق، فلو صح لم يكن طعنًا على عمر، لأن له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين، لكنه غير ثابت، لأن أمير المؤمنين قد بايع، وكذلك الزبير والمقداد والجماعة، وقد بينا القول في ذلك فيما تقدم، وأن التمسك بما تواتر به الخبر من بيعتهم أولى من هذه الروايات الشاذة(958) . ويقول محمد العمراني: «غاية ما في الخبر توجيه التخويف والتهديد من خلال مسلك تأديبي شرعي معروف إلى كل من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام على سبيل الدفع بالأخف كي يدركا خطورة المرحلة التي تمر بها دولة الإسلام»(959) .
ويقول طارق الطيار: «يقينًا لم تكن العقوبة من عمر بالحرق لو صح ، إنما هي تهديد مفاده الشدة والحزم والتخويف في هذه المسألة لخطورة الأمر»(960) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الثالث: أما «مشروعية التهديد بتحريق البيوت فتستفاد مما جاء في الصحيحين من طرق عن أبي هريرة مرفوعا: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»(961) ، وعلى الراجح من الأقوال أن هذا الحديث خرج مخرج الزجر لا الحقيقة، وإنما المراد المبالغة بدليل أنه لم يفعله - صلى الله عليه وسلم-، ولا دليل على أنهم انزجروا وتركوا التخلف، وكان يمكن له - صلى الله عليه وسلم- أن يحرق ما في بيوتهم بعد إخراج النساء والذرية منها»(962) ، فيستفاد من الحديث جواز تقديم التهديد والوعيد على العقوبة ...ويستفاد من الحديث أيضًا جواز إطلاق التهديد بتحريق البيت على أصحابه رغم وجود الأبرياء من باب المبالغة في التخويف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيد كلامه بأنه إنما سيحرق بيوت المتخلفين بعد إخراج النساء والذرية ممن لا تجب عليهم جماعة كما هو معلوم»(963) .
وقد وجدنا نظيرًا لهذا الصنيع من عمر رضي الله عنه مع ابن له، فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «بلغ عمر أن ابنًا له قد ستر حيطانه، فقال: «والله لئن كان كذلك، لأحرقن بيته»»(964) ، فدل هذا على أن التهديد بالتحريق قد يقع من عمر رضي الله عنه من باب الزجر والوعيد فقط، فالمقطوع به أنه لم يكن لينفذ وعيده.
الرابع: أما فيما يتعلق بفاطمة رضي
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 328الله عنها فلم يوجه لها عمر رضي الله عنه خطاب التهديد أصلًا، حيث لم يكن لها يد في أمر البيعة، غير أن عمر لما أراد أن يهدد من في البيت بمن فيهم زوجها علي رضي الله عنه، قدَّم بين يدي تهديده بكلام يبين فيه منزلة فاطمة عنده، بأن أخبرها بأنها أحب الناس إلى المسلمين لكونها بنت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك»، وإنما قال عمر لفاطمة ذلك، لدفع ما قد يُظن بأن تهديده بإحراق بيتها على زوجها، فيه استصغار لقدرها رضي الله عنها، أو جفاء لها، أو قصد لإيذائها، ففاطمة رضي الله عنها لم تكن مخاطبة بتهديد عمر، وإنما كان الخطاب لمن كان يجتمع في البيت، وألفاظ الخبر دالة على ذلك، ولذا قالت فاطمة لعلي والزبير ومن كان معهما: «إن عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وايم الله ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم ولا ترجعوا إلي»، فهي فهمت أن المقصودين بتهديد عمر، هم من كانوا يجتمعون في البيت وليس نفسها، وإلا فلو كانت داخلة في خطاب عمر لقالت: إن عمر هددني أو هددنا، ولما لم يرد ذلك في الخطاب دل ذلك على أنها غير مرادة به، فإذا تبين ذلك زال الاعتراض، والإشكال وبالله التوفيق.
الرواية الثانية: رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن
روى هشام بن عمار بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن خبرًا طويلًا في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبيعة الصديق رضي الله عنه، جاء فيه: «ودخل علي والزبير بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر فقال: «اخرجوا للبيعة، والله لتخرجن، أو لأحرقنه عليكم»، فخرج الزبير صلتًا بالسيف، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري من بياضة فدق به، وبدر السيف من يده منه، فأخذه زياد قال: لا، ولكن اضرب به الحجر»، قال محمد بن عمرو: فحدثني أبو عمرو بن حماس من
PDF 329الليثيين قال: أدركت ذلك الحجر الذي فيه ضرب السيف. فقال أبو بكر رضي الله عنه: «دعوهم فسيأتي الله بهم»، فخرجوا بعد ذلك فبايعوه، قالوا: «ما كان أحد أحق بها، ولا أولى بها منك، ولكنا قد عهدنا من عمر يبتزنا أمرنا»، فبايعه الناس يوم الإثنين»(965)
وهذا الخبر لا يصح سندًا ومتنًا وفيه علل عدة:
العلة الأولى: الإرسالُ، فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يدرك هذه الحادثة، قال الحافظ في التقريب: «كان مولده سنة بضع وعشرين»، والحادثة التي يرويها هنا وقعت سنة 11 هـ باتفاق(966) .
العلة الثانية: سوء حفظ محمد بن عمرو بن علقمة فإنه مع ثقته وكثرة حديثه شيخ ليس بالمتقن(967) .
العلة الثالثة: المخالفة، فإن ما جاء في هذه الرواية ورد مفرقًا في عدة أحاديث عن أبي سلمة «فعمد محمد بن عمرو إلى روايتها وصياغتها في سياقة واحدة من عنده، مع تصرفات في المتون بالإضافة إلى تفرده بذلك»(968) .
وأما الكلام عن متنه فالخبر كسابقه لم يرد فيه شيء عن قصة كسر الضلع، وإنما تضمن قصة التهديد التي فصلنا الجواب عنها في الرواية السابقة، أما ما ورد في هذه الروايات من زيادات فكلها لا يثبت ولا حاجة في التفصيل في ردها لعدم تعلقها بأصل البحث .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الرواية الثالثة: رواية زياد بن كليب
استدل جماعة من المخالفين(969) بما رواه الطبري بسنده عن عن زياد بن كليب، قال: «أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: «والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة»، فخرج عليه الزبير مصلتًا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه»(970) .
وهذه الرواية لا تصح أيضًا، ففيها عدة علل في الإسناد:
الأولى: محمد بن حميد الرازي وإن كان حافظًا إلا أنه كان يغلط غلطًا فاحشًا حتى صار يكذب من حيث يدري أو لا يدري!، له ترجمة طويلة في تهذيب التهذيب، وقد اختُلف فيه فأثنى عليه الإمام أحمد، والذهلي، ويحيى بن معين، وجعفر الطيالسي، وضعَّفه غيرهم من النقاد ومنهم البخاري، ويعقوب السدوسي، والجوزجاني، وكذبه أكثرهم بعدما سبروا حديثه فوجدوه يتعمد الكذب ويقلب الأسانيد ويسرق المتون ويحدث بما لم يسمع، كالأزهري، وصالح جزرة، والنسائي، وأبو زرعة الرازي، وابن خراش، وأبو حاتم الرازي(971) ، والصواب مع القائلين بجرحه وتضعيفه.
الثانية: الإعضال، فزياد بن كليب توفي سنة 120 هـ(972) وأعلى ما يرويه يكون عن صغار التابعين من الطبقة الوسطى، فأقل ما بينه وبين القصة واسطتان إن لم تكن ثلاثة، ومثل هذا الإسناد شديد الضعف وليس بحجة فلا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 331يلتفت إليه.
ولذا ضعفه كل من محمد العمراني(973) ، وعبد الفتاح سرور(974) .
أما متنها ففيه كلام طويل ليس هذا محله، لكن الرواية لا تثبت كسر الضلع ولا وقوع الهجوم على بيت فاطمة، غاية ما تثبته هو تهديد عمر لمن في البيت بالتحريق، وأخذُ سيف الزبير رضي الله عنه، وهذا لا علاقة له بموضوع كسر الضلع، وأما قضية التهديد بالحرق فقد مضى الكلام فيها في الرواية الأولى.
الرواية الرابعة: رواية ابن عون
تعلق المخالفون(975) بما رواه البلاذري بسنده عن سليمان التيمي وابن عون قال: «إن أبا بكر أرسل إلى علي رضي الله عنه، يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: «يا بن الخطاب» أتراك محرقًا عليَّ بابي؟»، قال: «نعم»، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!، وجاء علي، فبايع وقال: «كنت عزمت أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن»!(976) .
وقريب منه قول ابن عبد ربه في العقد الفريد: «الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: عليّ، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: «إن أبوا فقاتلهم». فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 332فقالت: «يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟» قال: «نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة»» فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: «أكرهت إمارتي»؟ فقال: «لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي».
وهذا الخبر مردود سندًا ومتنًا:
فأما رواية ابن عبد ربه فلا عبرة بها لأنه مروية بلا إسناد، وابن عبد ربه توفي سنة ( 328 هـ) وفيه زيادات لم ترد في رواية البلاذري، فلا يلتفت إليها.
أما البلاذري فيروي هذا الخبر عن المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون، وهذا الإسناد فيه علل عدة:
الأولى: مسلمة بن محارب الزيادي ترجم له البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا(977) ، فذكره ابن حبان في الثقات(978) على عادته المعروفة في توثيق المجاهيل(979) .
الثاني: انقطاع الخبر، وهذا الخبر وقع في سنده اختلاف، فقد وقع في الشافي للشريف المرتضى: «مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، عن أبي عون»(980) أما النسخ الخطية والمطبوع فجاء فيه: «مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 333وعن ابن عون»، فإما أن يكون مسلمة بن محارب قد قرن رواية الخبر عن سليمان التيمي وابن عون، وإما أن يكون راويه هو ابن عون وحده كما نحتمله، وعلى كلا الحالين فالخبر منقطع غير متصل، فكل من سليمان التيمي وابن عون لم يدركا الحادثة(981)
وأما متنه فليس فيه أي شاهد على دعوى وقوع الهجوم على البيت، فضلًا عن دعوى كسر الضلع وإسقاط الجنين، إذ إن غاية ما في هذا الخبر أن عمر أتى بقبس من نار ليهدد عليًا، فلما سمعه علي رضي الله عنه بايع واعتذر بأنه كان منشغلًا بجمع القرآن، وأين هذا من دعوى أن عمر رضي الله عنه هجم على البيت وأحرق الباب وضرب فاطمة !.
ومع ذلك فمتنه مردود غير مقبول لما فيه من نكارة ظاهرة، فإذا كنا قد أثبتنا عدم صحة رواية التهديد مع إن إسنادها أنظف من إسناد هذه الرواية، فمن باب أولى أن نمنع صحة
هذا الخبر الذي اشتمل على دعوى أن عمر رضي الله عنه قد أتى بفتيلة أو قبس(982) من نار، وما جاء من كلامه مع فاطمة رضي الله عنها من الألفاظ المنكرة التي تفردت بها هذه الرواية ولم يرد لها أي شاهد في بقية الروايات، والغالب على الظن أن من افتعل هذا الخبر، أخذ رواية التهديد وزاد عليها أنّ عمر أتى بقبس أو فتيلة.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الرواية الخامسة: خبر كتاب الإمامة والسياسة
احتج جماعة من المخالفين(983) برواية وردت في كتاب الإمامة والسياسة المنحول على ابن قتيبة الدينوري ( 276 هـ) جاء فيها: «إن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قومًا تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: «والذي نفسه عمر بيده، لتخرجن أو لأحرَّقنها على من فيها»، فقيل له: «يا أبا حفص، إن فيها فاطمة؟»، فقال: «وإن»، فخرجوا فبايعوا إلا عليًا، فإنه زعم أنه قال: «حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن»، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها، فقالت: «لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقًا». فأتى عمر أبا بكر، فقال له: «ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟»، فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: «اذهب فادع لي عليًا»، قال: فذهب إلى علي فقال له: «ما حاجتك»؟ فقال: «يدعوك خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال علي: «لسريع ما كذبتم على رسول الله». فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلًا»(984) .
ثم تذكر الرواية أن عمر أصر على بيعة علي وهدده بالقتل فأبى علي أن يبايع، وأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ذهبا إلى فاطمة ليسترضياها فأبت، ثم بعد أن توفيت بايع علي أبا بكر رضي الله عنهما.
وهذه هي الرواية الوحيدة التي اعتمد عليها محمد حسين فضل الله
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 335الذي يشكك في واقعة كسر الضلع(985) ولأجل ذلك رأينا أن نفصل الكلام عنها.
والجواب: أن هذا الخبر مفتعل موضوع لا أصل له، وعلامات الكذب والاختلاق ظاهرة عليه، والعجب ممن يستدل بمثل هذه الأخبار المنكرة التي لا حظ لها من الصحة، وتفصيل الكلام عن هذا الخبر من جهة إسناده يقع في وجهين:
الوجه الأول: أن كتاب الإمامة والسياسة منحول على ابن قتيبة كما قرره المحققون، والأدلة على ذلك واضحة وعديدة وهذا ملخص ما ذكروه(986) :
- عدم وجود إحالة من ابن قتيبة في كتبه الأخرى على كتاب الإمامة والسياسة، مع أن عادة ابن قتيبة في بقية كتبه هي الإحالة على مصنفاته.
- أن جميع من ترجم لابن قتيبة من أهل العلم لم يذكر هذا الكتاب في عداد كتبه، وهذا الدليل اعتبره الدكتور جبرائيل جبور من أقوى الأدلة على عدم صحة نسبة الكتاب لابن قتيبة(987) .
- لم نقف -مع التوسع في البحث- على أحد من أهل العلم قبل القرن السادس أشار إلى هذا الكتاب أو نقل نصًّا منه، وأول من أشار إليه هو ابن العربي المالكي ( 543 هـ) في العواصم من القواصم، لكنه لم يقطع بنسبة جميع ما فيه لابن قتيبة، وأول من وجدناه ينقل عنه هو ابن الشباط التونسي ( 681 هـ).
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذا دليل على عدم اطلاع أحد من المتقدمين على هذا الكتاب، خلافًا لبقية كتب ابن قتيبة التي تواتر النقل عنها.
ولا يقتصر الأمر على أهل السنة، بل حتى الإمامية، حيث إن القدماء الذين نقلوا عدة نصوص عن ابن قتيبة كالمفيد والمرتضى لم ينقلوا أي نص عن كتاب الإمامة والسياسة، بل إننا لم نقف مع بذل الجهد والتوسع في البحث عن أحد من علماء الإمامية قبل القرن العاشر نقل نصا عن كتاب الإمامة والسياسة، مع أن الكتاب من مصادر القدح في الصحابة التي يحرص الإمامية على الاستدلال بها.
وقد استدل المخالفون بأدلة واهية لإثبات صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة وهي لا ترجع إلى محصل، ولعل أهمها أن بعض أهل العلم وجماعة من الكُتَّاب المعاصرين نسبوا الكتاب إلى ابن قتيبة، والتحقيق أن من نسب الكتاب إلى ابن قتيبة من المُحْدَثين والمعاصرين، كلهم جانبوا الصواب، بل غالبهم ممن لا عناية له بتحقيق نسبة الكتب إلى أصحابها، خاصة أصحاب المطابع منهم ومن طبع الكتاب. ويقابلهم من نفى نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة وأغلبهم ممن له عناية بتراث ابن قتيبة أو حقق كتبه أو دَرَسَ كتاب الإمامة والسياسة دراسة فاحصة، ومن هؤلاء الدكتور إسحاق الحسيني في رسالته للدكتوراه عن ابن قتيبة، والدكتور محمود علي مكي في مقالة مصر والمصادر الأولى للتاريخ الإسلامي، والدكتور عبد الله الجبوري في مقالته «دراسة في كتب ابن قتيبة»، والأستاذ جبرئيل جبور في كتابه «كيف أفهم النقد»، والدكتور محمد يوسف نجم في مقالة «كتاب الإمامة والسياسة من هو مؤلفه»، والدكتور عبد الله عسيلان في رسالة «كتاب الإمامة والسياسة في ميزان التحقيق العلمي»،
PDF 337والدكتور علي بن نفيع العلياني في كتابه «عقيدة الإمام ابن قتيبة»، والدكتور علي الصلابي في مقالة له، والدكتور خالد علال في رسالة «نقد كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة» والدكتورة رانيا نظمي في بحث: «منهج ابن قتيبة في الرد على المعتزلة»، والشيخ حسن سلمان آل مشهور في كتابه «كتب حذر منها العلماء»، ونقل أن ممن أنكر نسبته لابن قتيبة: الدكتور عبد الحليم عويس، والدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف، والجندي، والدكتور فاروق حمادة، والدكتور شاكر مصطفى(988)
وممن حقق كتب ابن قتيبة: الشيخ محب الدين الخطيب في مقدمة تحقيقه لكتاب «الميسر والقداح»، والدكتور ثروت عكاشة في مقدمة تحقيقه لكتاب «المعارف»، والشيخ سليم بن عيد الهلالي في مقدمة «تأويل مختلف الحديث»، والسيد أحمد صقر في مقدمة «تأويل مشكل القرآن»، والأستاذ إبراهيم صالح في مقدمة «تحقيق تعبير الرؤيا».
ولعل أفضل ما كتب عن كتاب الإمامة والسياسة هو رسالة الباحث سعيد صالح خليل للماجستير والتي عنونها بـ «الإمامة والسياسة لمؤلف من القرن الثالث الهجري»، فهي الدراسة الوحيدة التي تشتمل على دراسة للنسخ الخطية لكتاب الإمامة والسياسة، لأن سائر طبعات الكتاب هي طبعات سقيمة لم تعتمد على نسخ خطية كثيرة، وقام الباحث سعيد صالح خليل بتحقيق الكتاب بناء على عشر نسخ خطية، و انتهى إلى أن «أن ابن قتيبة الدينوري بعيد عن كتاب «الإمامة والسياسة»، وهكذا يبقى مؤلف الإمامة والسياسة مجهولًا»(989) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهؤلاء الباحثون قدموا أدلة قاطعة على نفي صحة الكتاب لابن قتيبة، خلافًا للمثبتين الذين ليس معهم دليل سوى أنهم وجدوا الكتاب منسوبًا لابن قتيبة.
- ومن الأدلة التي تبطل نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة مخالفة أسلوب كاتب الإمامة والسياسة لأسلوب ابن قتيبة المعروف في كتبه، فمن المعهود في ابن قتيبة أنه يقدم بمقدمات طويلة لكتبه يذكر فيها سبب التأليف، وكتاب الإمامة والسياسة خال عن ذلك.
ومن ذلك أن عادة ابن قتيبة في نقل الأخبار التاريخية هي ذكر السند كاملًا، ولا يترك ذلك في الغالب، أما كتاب الإمامة والسياسة فليس فيه إلا أسانيد قليلة في أول الكتاب، وفي مواضع متفرقة منه، أما غالب الأخبار فجاءت مقطوعة الأوصال بلا أسانيد ولا زمام ولا خطام، بل ترى عبارات غريبة عن طريقة ابن قتيبة وهي قوله: «وأخبرني بعض المشيخة»، «وحدثنا بعض المشيخة»!!، «وذكروا عن محمد بن سليمان»، «عن مشايخ أهل مصر».
- ومن أدلة براءة ابن قتيبة من هذا الكتاب أن مشايخ ابن قتيبة المعروفين لم يرد لهم ذكر في الإمامة والسياسة.
- ومن الأمور التي تقطع ببطلان نسبة الإمامة والسياسة لابن قتيبة تصريح مؤلف الإمامة والسياسة بالسماع عن مشايخ لم يدركهم ابن قتيبة:
1 -فمن ذلك قول المؤلف: «وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى، وكانت من أهل الصدق والصلاح، أن موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله، وكان تلقاءه حصن آخر، قالت: فأقام لنا محاصرًا حينًا، ومعه أهله وولده، وكان لا يغزو
PDF 339إلا بهم»(990) و«المعروف أن فتح الأندلس كان سنة 92 هـ، أي قبل مولد ابن قتيبة بنحو مائة وعشرين عامًا»(991)
وعبد الله بن موسى هذا هو ابن موسى بن نصير، وقد توفي قريبًا من سنة 103 هـ(992) ، وابن قتيبة ولد سنة 213 هـ، فكيف يتصور أن يدرك ابن قتيبة مولاة عبد الله بن موسى بن نصير!
2 -يقول مؤلف الإمامة والسياسة: «حدثنا ابن أبي مريم، قال حدثنا أسد بن موسى»(993) .
والذي يظهر أن المراد بابن أبي مريم هذا، هو أحمد بن سعد بن الحكم بن أبي مريم
253 هـ)، لأنه من تلاميذ أسد بن موسى(994) وهو أول شيخ ذُكر في الكتاب، وقد ورد في بعض النسخ: «ابن أبي ليلى»(995) وهو تصحيف جزمًا لأن اسم ابن أبي مريم تكرر في موضعين آخرين، فضلًا عن أن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المتوفى سنة 148 هـ) لا يتصور أن يروي عن أسد بن موسى المولود سنة 132 هـ) لأن ابن أبي ليلى في طبقة مشايخ أسد بن موسى وليس في طبقة الرواة عنه، وابن أبي مريم هذا لم يرو عنه ابن قتيبة في أي من كتبه، فضلًا عن أن ابن قتيبة لم يزر قط مصر، كي يروي
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 340عن مشايخها.
- ومن الأدلة التي تشير إلى أن مؤلف الإمامة والسياسة هو شخص آخر غير ابن قتيبة أن مؤلف الكتاب يحدث عن مشايخ من مصر وتونس والمغرب وابن قتيبة لم يدخل تلك البلاد:
1 -يقول المؤلف: «وحدثنا بعض أهل أفريقية»، ويقول أيضًا: «حدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من مشايخ تونس»، ويقول: «وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب»(996) ، نقول: لم يدخل ابن قتيبة تونس أو إفريقية أو المغرب حتى يحدِّث عن مشايخها، واحتمال لقائه بهم في بغداد بعيد أيضًا، لأن سائر كتب ابن قتيبة خالية عن التحديث عن مشايخ المغرب أو مصر، فانفراد كتاب الإمامة والسياسة بهذا الأمر دليل على أنه ليس لابن قتيبة.
وهذه الأدلة بمجموعها تبطل نسبة الكتاب لابن قتيبة، فإذا ثبت ذلك، فلا ينبغي الاعتماد على ما جاء في هذا الكتاب ولا التشاغل بالأسانيد التي جاءت فيه، لأن مؤلفه مجهول.
الوجه الثاني: لو سلمنا جدلًا بأن الكتاب لابن قتيبة، فإن ذلك أيضًا لا يستلزم صحة الرواية، فالحق أن هذه الرواية باطلة سندًا ومتنًا، فضلًا عن عدم دلالتها على محل النزاع وهو قضية ضرب فاطمة وإسقاط جنينها.
أما من جهة السند:
فإن مؤلف الإمامة والسياسة قال في أول هذا الخبر: «وحدثنا(997) قال: حدثنا ابن عفير
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 341عن أبي عون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري رضي الله عنه»، ثم ذكر الخبر بطوله، وهذا الإسناد لا عبرة به، فقد وقع إبهام في أول الإسناد، ويحتمل أن قائل «وحدثنا» هو راوي كتاب الإمامة والسياسة عن مؤلفه، وبذلك يكون الاسم المبهم هو اسم مؤلف الكتاب، لأن مؤلف الإمامة والسياسة روى عن «ابن عفير» في موضعين آخرين(998) فيكون المراد «بابن عفير» هو «سعيد بن كثير بن عفير».
فإن قيل: قد روى المؤلف في إسناد سابق فقال «حدثنا سعيد بن كثير عن عفير»(999) ، فالجواب: يحتمل أن هذا تصحيف، وأن الصواب «حدثنا سعيد بن كثير بن عفير»، خاصة أن نسخ كتاب الإمامة والسياسة وقع فيها تحريفات وتصحيفات كثيرة في الأسانيد كما سيأتي.
فإن تقرر ذلك نقول: إن هذا الإسناد فيه عدة إشكالات ومعضلات، بسبب الاختلاف الفاحش والاضطراب الغريب الذي وقع في طريقة رواية مؤلف الإمامة والسياسة عن هؤلاء الرواة، و إليك بيان ذلك:
1 -سعيد بن كثير بن عفير 226 هـ) الذي روى عنه مؤلف الإمامة
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 342والسياسة، ثقة(1000) غير أن رواية ابن قتيبة عن سعيد بن كثير مستغربة ومستبعدة، حيث إن سعيد بن كثير شيخ مصري، وأكثر مروياته عن الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب المصريين(1001) وابن قتيبة بغدادي لم يدخل مصر، وليس له رواية عن شيوخها، ولم نقف في ترجمة ابن قتيبة عند المتقدمين والمتأخرين على ذكر «سعيد بن كثير» في شيوخه، فضلًا عن أن بقية كتب ابن قتيبة خالية عن الرواية عن «سعيد بن كثير»، مما يرجح أن هذا الإسناد مركب ومفتعل وهو ما سيتأكد من خلال بيان العلل الأخرى في هذا الإسناد.
2 -وأما «أبو عون» الذي يروي عنه «سعيد بن كثير بن عفير» فقد وقع اختلاف فاحش في ضبط اسمه في الأسانيد التي وردت في كتاب الإمامة والسياسة، ففي هذا الموضع ورد بعنوان «أبي عون»، وفي موضع ثان ورد بعنوان «ابن عون»(1002) ، وفي موضع ثالث ورد بعنوان «عون»(1003) ، وتحقيق الصواب في اسمه متعذر، لعدم وقوفنا على رواية سعيد بن كثير بن عفير عمن اسمه «عون»، أو عمن يكنى «بأبي عون»، أو عن «ابن عون».
ويحتمل أن المراد به عمرو بن عمرو بن عون بن تميم أبو عون الأنصاري، ذكره الذهبي وقال: «روى عنه سعيد بن عفير، مجهول»(1004) ، فإن ثبت ذلك فإن الإسناد ضعيف أيضًا.
3
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 343-وأما «عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري» الذي روى عنه «أبو عون» فهو اسم مشترك بين جماعة، ويحتمل فيه أمران:
الأول: أن يكون في طبقة الصحابة(1005) ، وبناء عليه لا بد أن يكون في الإسناد انقطاع وإعضال، فعلى القول بأن ابن قتيبة هو مؤلف «الإمامة والسياسة» فإن روايته عن صحابي بإسناد من راويين فقط من الأمور المستبعدة والتي لا تُتصور، إذ إن ابن قتيبة توفي سنة ( 276 هـ)، ومن في هذه الطبقة يروون عن الصحابة في العادة بأسانيد رباعية أو خماسية، وقد وجدنا ابن قتيبة يروي عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد خماسي(1006) ، وعن أبي ذر رضي الله عنه بإسناد خماسي(1007) ، وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بإسناد خماسي(1008) ، وعن ابن عباس رضي الله عنه بإسناد رباعي(1009) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد رباعي(1010) ، وهذه أمثلة يسيرة، فكيف يتصور أن يروي ابن قتيبة عن صحابي بواسطة راويين فقط؟!.
فعلى تقدير كون راوي الخبر من الصحابة، فالقول بانقطاع الإسناد هو المتحتم خاصة أن ابن عون الذي يروي عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري مجهول لا تعرف طبقته.
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الثاني: أن يكون المراد به أحد التابعين، وقد اشترك في اسم عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري جماعة من التابعين، منهم: عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت الأنصاري(1011) ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري(1012) ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري(1013) ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري(1014) ، وتعيين المراد من عبد الله بن عبد الرحمن في هذا الإسناد متعذر، فضلًا عن أن الإسناد سيكون منقطعًا أيضًا لأن هؤلاء المذكورين كلهم لم يشهدوا بيعة السقيفة التي وقعت في السنة الحادية عشرة.
وبذلك يتضح أن هذا السند ساقط فيه علل قادحة، والذي نميل إليه هو أن هذا الإسناد من التركيبات المتأخرة، إذ يبعد أن يكون مثل هذا الخبر متداولًا بين الرواة ولا يظهر إلا في كتاب مجهول المصنف بسند ساقط.
أما من جهة المتن:
فنقول: إن هذه الرواية كبقية الروايات التي وردت في هذا الباب لا تثبت وقوع حادثة كسر الضلع المتنازع عليها، بل غاية ما جاء فيها هو التهديد بالإحراق، غير أن هذه الرواية زادت على بقية الروايات أن فاطمة رضي الله عنها كانت مشمولة بهذا التهديد، وأن أبا بكر وعمر ترددا على بيت فاطمة أكثر من مرة لإجبار علي رضي الله عنه على البيعة، ولا شك في أن ذلك كذب لا ريب فيه، فهذه التفاصيل التي نقطع بأنها أمور مكذوبة لا صحة لها من واضع هذه الكتاب، فيحتمل أنه قد وقف على
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 345روايات التهديد فزاد عليها دعوى جمع الخطب، كما زاد في هذه الرواية التي تتحدث عن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبيعة الصديق أمورًا لا أصل لها، ولا ينبغي الاشتغال برد سائر منكراته لكننا، سنكتفي بالإشارة إلى بعضها:
-فمنها قول صاحب الكتاب: «خرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة»، فنحن ننزه عليًا رضي الله عنه من أن يتوسل بفاطمة ويدور بها على مجالس الأنصار حتى ينصروه، فليس هذا من شيم العرب أصلًا، فضلًا عن أن يصدُر هذا من علي رضي الله عنه.
-ومن الأمور المستبشعة التي نسبتها هذه الرواية إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما جاء فيها من أن عليًا حينما أُمر بالبيعة لحق «بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح ويبكي»(1015) ، فهذا الفعل لا يتصور أن يصدر من مثل علي المعروف بالشجاعة والبطولة، فهل يعقل أن يترك علي رضي الله عنه مواجهة الرجال ويلجأ إلى الصياح والبكاء؟، ونحن ننزه عليًا رضي الله عنه من هذه الأفعال التي هي أليق بالجبناء، والعجب من الذين يستدلون بأمثال هذه الروايات ليقدحوا في الصحابة رضي الله عنهم ويغفلون عن المطاعن التي تنسبها إلى علي رضي الله عنه.
-ومن الأمور المختلقة في هذه الرواية: قصة قدوم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلى فاطمة ليسترضياها فأبت وقالت: «إني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه»، فهذا لا أصل له ولم يرد إلا في روايات الإمامية.
وغيرها من الأكاذيب والغرائب التي حفلت بها هذه الرواية، والتي تجعلها في عداد الروايات المطرحة، ولذا وجدنا بعض كتاب الإمامية يرفضون هذه الرواية
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 346ووجهوا لها سهام النقد، فقد علق الدكتور الإمامي حسن العلوي على هذه الرواية قائلًا: «مرويات أخرى في مناهج القطيعة تأخذ بالزهراء مع الإمام علي إلى أقل من ذلك. وتستشهد كتب القطيعة وآخرها كتاب (المواجهة مع رسول الله) إذ يكرس رواية لصاحب كتاب (الإمامة والسياسة) أن عليًا حمل فاطمة على حمار، وسار بها ليلًا إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار، فكان الأنصار يقولون يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به...،وبهذه السهولة يُفترى على الإمام علي، وترسم عنه لوحة تقشعر لها الأبدان، وكلتا الروايتين لم تحدثا، فلا علي يسمح لنفسه طارقًا الأبواب في الليل على حمار، ومعه المفجوعة برحيل والدها»(1016)
وقال الشيخ الإمامي أحمد الكاتب عن رواية الإمامة والسياسة: «إذا ما انتقلنا إلى كتاب آخر صدر في نفس الفترة، وهو كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوري ( 213 – 276 هـ)، فإننا سوف نشاهد فيلمًا هنديًا مليئًا بالبكاء والدموع والخيال اللامحدود، بدل أن نقرأ رواية علمية يعتمد عليها»(1017) .
وبعد أن تبين عدم صحة هذه الرواية لكون المصدر الذي وجدت فيه مجهول المؤلف، فضلًا عن العلل الواقعة في سندها ومتنها، لا بد أن نشير إلى أن هذه الرواية اشتملت على ما يناقض دعوى المستدلين بها، ففضلًا عن خلوها عن أي شيء يدل على وقوع حادثة الضرب والاعتداء، فإنها تضمنت ما يشير إلى أن عليًا رضي الله عنه لم يكن يطلب الخلافة، فقد ورد فيها أن عليًا قال لأبي بكر بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها: «أما بعد يا أبا بكر، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارًا لفضيلتك، ولا نفاسة عليك، ولكنا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 347كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقًا، فاستبددت علينا»(1018) وجاء أيضًا في هذه الرواية أن عليًا لما أراد أن يبايع أبا بكر في المسجد أمام الناس «عظَّم حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى فبايعه»(1019) بل وأعظم من هذا ما ورد في نفس هذه الرواية من إصرار علي رضي الله عنه على تثبيت بيعة أبي بكر، وكونه أول من اعترض على إقالة أبي بكر نفسه من البيعة، فقد جاء في الرواية: «فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يُقيل الناس ويستقيلهم، يقول: «قد أقلتكم في بيعتي، هل من كاره؟ هل من مبغض؟» فيقوم علي في أول الناس فيقول: «والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدًا، قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوحيد ديننا، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا»»(1020)
فإذا تبين هذا فكيف يصح من المخالفين الاستدلال بهذه الرواية على دعواهم، ولذا وجدنا بعضهم يستدل بصدر هذه الرواية التي ورد فيها التهديد فقط، ويتغافل عن ذيلها الذي فيه ثناء علي رضي الله عنه على أبي بكر، وتصريحه بأنه لم يكن يرى نفسه أحق بالأمر من أبي بكر رضي الله عنه.
والمتحصل من كل هذا، أن سائر ما روي في أخبار تهديد عمر لعلي رضي الله عنهما ومن معه بالإحراق هي أخبار لا تثبت عند النقد، فأقوى ما روي في ذلك هي رواية أسلم مولى عمر، وهي رواية ضعيفة ولا تصح وفيها من العلل ما يمنع القول بصحتها، أما سائر ما روي في ذلك من الروايات فهي شديدة الضعف والنكارة، ولا تصلح للاستشهاد ولا للاعتضاد، فضلًا عن عدم دلالتها على دعوى وقوع حادثة كسر الضلع.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثانيا: رواية أمر أبي بكر لعمر رضي الله عنهما أن يأتيه بعلي رضي الله عنه بأعنف العنف
ومما تعلق به المخالفون(1021) ، ما رواه البلاذري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي حين قعد عن بيعته وقال: «ائتني به بأعنف العنف». فلما أتاه، جرى بينهما كلام، فقال: «احلب حلبًا لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدًا»، فقال علي: «وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر، ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقًا لا يجهلونه»((1022) ) ثم أتاه فبايعه»(1023) ، وقد استدل أنصار أسطورة كسر الضلع وغيرهم بهذه الرواية، وتواطؤوا على بتر قول علي رضي الله عنه في تتمة الرواية «وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقًا لا يجهلونه» ثم أتاه فبايعه!(1024) ، وسيأتي الكلام عن سبب بترهم لهذه العبارة.
والجواب: هذا خبر موضوع مفتعل مصنوع، ومردود سندًا ومتنًا:
فقد رواه البلاذي عن بكر بن الهيثم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه علل:
العلة الأولى: بكر بن الهيثم هو الأهوازي، شيخٌ أكثر عنه البلاذري في أنسابه، ولم نقف له على ترجمة، مع أنه يروي عن مشاهير المحدثين من
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 349أمثال عبد الرزاق بن همام الصنعاني، كما في هذا الخبر، وعن قبيصة بن عقبة(1025) وعبد الله بن صالح المصري(1026) وأبي الوليد الطيالسي(1027) ومحمد بن يوسف الفريابي(1028) وغيرهم، فمن يكون مكثرًا من الرواية عن الثقات ولا تجد له ترجمة مع أنه عاش في عصر بلغ فيه علم الجرح والتعديل والعناية بأحوال الرواة منتهاه هو من الأمور الغريبة، وعلى كل حال فالرجل مجهول لا يعرف.
العلة الثانية: الكلبي هنا هو محمد بن السائب، وهو آفة من الآفات، قال ليث بن أبي سليم: بالكوفة كذابان: الكلبي والسدي.
وقال قرة بن خالد: كانوا يرون أن الكلبي يزرف، يعني يكذب.
وقال يحيى بن معين: ليس بشيء.
وقال البخاري: تركه يحيى بن سعيد وابن مهدي.
وقال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه، لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه.
وقال علي بن الجنيد، والحاكم أبو أحمد، والدارقطني: متروك
وقال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبي صالح أحاديث موضوعة.
ولذا قال ابن حبان: وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه(1029) .
وكفى بهذا
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 350الإسناد سقوطًا أن يكون من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فهذا أوهى الأسانيد، لأن الكلبي متهم بأنه افتعل هذا الإسناد بعينه، وحدث به، فقد نقل عنه الثوري أنه قال: «كل شيء أحدث، عَن أبي صالح فهو كذب»(1030)
العلة الثالثة: التفرد والنكارة، فقد تفرد بكر بن الهيثم برواية الخبر بهذا الإسناد عن عبد الرزاق، و بعيد أن يروي عبد الرزاق مثل هذا الخبر الظاهر بطلانه، دون أن يرويه عنه مشاهير أصحابه، ولا نحتاج إلى التوسع في ذلك بعد أن تقرر أن الراوي للخبر عن عبد الرزاق لا يعرف حاله، فتفرده بهذا الخبر موجب لرده.
وأما متنه فلا دلالة فيه على وقوع الهجوم على بيت فاطمة رضي الله عنها ولا على قصة كسر الضلع أيضًا، بل إن الخبر مناقض لقصة كسر الضلع، إذ إن ما تتضمنه هو حصول جدال بين عمر وعلي رضي الله عنهما وانتهى ببيعة علي لأبي بكر واعترافه بأحقيته بالخلافة، وأما ما ورد فيه من قول
أبي بكر: «ائتني به بأعنف العنف»، فهو كلام مفترى على أبي بكر قطعًا، وهذه العبارة هي التي تعلق بها المخالفون للتشنيع على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما!، ولم يكلفوا أنفسهم النظر في إسناد الخبر، فضلًا عن أن ما في الخبر من قول علي رضي الله عنه: «ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدا» دليل على الافتراء والوضع، فالثابت في صحيح البخاري أن أبا بكر ما كان له طمع في الإمارة أصلًا، ولذا اقترح على الأنصار أن يبايعوا عمر أو أبا عبيدة رضي الله عنهما، وأما عمر رضي الله عنه فلو كان حريصًا على الإمارة لقبلها من أول الأمر
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 351حين عرضها عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه(1031) أذ لا يتصور فيمن يحرض على الإمارة ويتمناها أن يتركها عندما تعرض عليه، بل لو كان عمر رضي الله عنه طالبًا للإمارة كما يدعون، لتولاها بمجرد أن يجد سبيلًا لذلك.
ولا شك في كذب دعوى أن عمر رضي الله عنه إنما أراد تثبيت بيعة الصديق رضي الله عنه كي يصير الأمر إليه!، فإن لازم ذلك أن عمر رضي الله عنه كان يعلم أن الصديق سيسبقه إلى الوفاة، والحق أن هذه العبارة التي وردت في هذه الرواية دليل على أن الرواية اختلقت بعد زمن الخلافة الراشدة قطعًا .
ثم إن بقية الخبر يثبت أن عليًا كان يرى أن الصديق أولى بالخلافة منه وأن سبب تأخره عن البيعة هو أنه لم يُشرك في المشاورة فقط، فقد جاء في الرواية أن عليًا رضي الله عنه قال: «وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقًا لا يجهلونه»، وهذا ما لا يقبله المخالفون ولا يرضون به ولذا تواطؤوا على عدم نقل هذه العبارة أثناء الاستدلال بها على دعوى الهجوم، وما ذاك إلا لأنها تنقض أصل اعتراضهم.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثالثا: رواية تأسف أبي بكر رضي الله عنه على كشف بيت فاطمة رضي الله عنها
يستدل المخالفون برواية تذكر تأسف أبي بكر وندمه على كشف بيت فاطمة رضي الله عنها، ليزعموا أنه من الأدلة على وقوع الهجوم على بيت فاطمة(1032) ، وهذا الخبر مروي عن عبد الرحمن بن عوف عن أبي بكر رضي الله عنه في خبر طويل جاء فيه أن أبا بكر قال: «أمَا إني لا آسى على شيء، إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني لم أفعلهن، ... فأما الثلاث اللاتي وددت أني لم أفعلهن: فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته»(1033) .
والجواب: أن هذا الخبر كسائر الأخبار السابقة لا يدل على حدوث واقعة كسر الضلع، فلا دلالة في لفظه على ذلك أصلًا، وسنفصل الجواب عنه من جهة الإسناد والمتن:
أولًا: مناقشة إسناد الخبر:
إن إسناد هذا الخبر واه جدًا، إذ إن فيه عللًا عديدة، وقد تتبع الباحث محمد العمراني طرق هذا الخبر واستوفى تخريجه(1034) ، ثم حكم على القصة بأنها «واهية وموضوعة»(1035) ، وملخص كلامه أن إسناد الخبر مبلتى بعدة علل:
العلة الأولى: إن مدار سائر طرق هذا الخبر على علوان بن داود البجلي، ويقال علوان بن صالح(1036)
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 353وهو آفة هذا الخبر والمتهم به، قال عنه البخاري وابن يونس المصري: «منكر الحديث»(1037) ونقل ابن شاهين أن علوان متروك عند أحمد بن صالح المصري(1038) وأورده ابن الجوزي في الضعفاء(1039) وقال الذهبي: «منكر الحديث»(1040) وذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا(1041)
في مقابل هؤلاء، قال عنه ابن صدقة البغدادي: «علوان في نفسه لا بأس به»((1042) )، وذكره ابن حبان في ثقاته(1043) ، أما كلام ابن صدقة محمول على العدالة دون الضبط، فلا معارضة بينه وبين من جرحه، إذ إن سياق كلامه كان في بيان تدليس علوان لهذا الخبر كما سيأتي.
وأما ابن حبان، فتوثيقه للمجاهيل وخاصة من وقف عليهم في تاريخ البخاري وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم أمر معروف((1044) )، فلا ينبغي الاعتماد عليه.
ولو سلمنا بأن ابن صدقة وابن حبان وثقا علوان بن داون، فإن توثيقهما معارض بأقوال جماهير النقاد وعلماء الجرح والتعديل الذين اتهموه وضعفوه، فتضعيفهم مقدم على توثيقه من وثقه.
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
العلة الثانية: اضطرب علوان بن داود اضطرابا فاحشًا في إسناده فروى هذا الخبر على عدة أوجه متناقضة:
-فرواه تارة عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف بن أبيه، وهذه رواية الليث وابن بكير.
-ورواه تارة عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، وهذه رواية سعيد بن عفير.
-ورواه تارة عن أبي محمد المدني والماجشون عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، وهي رواية الوليد بن الزبير.
وهذا ماجاء في الطرق التي صحت إلى علوان، وهناك أوجه أخرى وردت في طرق أخرى ضعيفة إلى علوان.
«وهذا ليس اختلافًا من جهة أصحاب علوان الثقات بقدر ما هو من علوان نفسه»(1045) ، فهذا الاضطراب الفاحش موجب للحكم بسقوط الإسناد، ولذا قال العقيلي: «ولا يعرف علوان إلا بهذا مع اضطراب الإسناد، ولا يتابع عليه»!(1046) .
العلة الثالثة: قال أبو بكر بن صدقة: «روي هذا الحديث، عن علوان بن داود البجلي، من أهل قرقيسيا، وهو يحدث بهذه الأحاديث، عن ابن داب، ورأيت هذا الحديث من حديثه، عن داب، وعلوان في نفسه لا بأس به»(1047) «وبناء عليه فالخبر في الأصل إنما هو من خبر ابن داب، أسقط علوان ذكره من هذا الإسناد،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 355وابن داب اسمه عيسى بن يزيد بن داب وهو متروك متهم»(1048) قال خلف الأحمر: كان يضع الحديَث، وقال البُخاري، وَغيره: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال العقيلي: ما لا يتابع عليه من حديثه أكثر مما يتابع عليه(1049) وخالف ابن حبان فذكره في الثقات((1050) والصواب مع قول الجمهور.
ولذا حكم النقاد باطراح هذا الحديث، فقال الإمام أحمد عن هذا الخبر: «ليس صحيحا»(1051) ، وقال ابن رشدين: «سألت أحمد بن صالح عن حديث علوان بن داود، الذي يروي أصحابنا، فقال: «هذا حديث موضوع كذب لا ينبغي أن يكتب ولا يقرأ ولا يحدث به». وكأني رأيت علوان عنده متروكًا هو وحديثه. وقال: «هذا باطل موضوع»»(1052) ،
وقال العقيلي: «علوان بن داود البجلي ويقال علوان بن صالح ولا يتابع على حديثه» ثم ذكر هذا الخبر(1053) .
وقال الذهبي: «فيه علوان بن داود، وهو ضعيف»(1054) . وقال الهيتمي: «رواه الطبراني، وفيه علوان بن داود البجلي، وهو ضعيف، وهذا الأثر مما أنكر عليه»(1055) .
وقد روى خالد بن القاسم هذا الخبر فدلسه وأسقط منه علوان بن داود،
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 356فقد أخرج ابن عساكر هذا الخبر من طريق خالد بن القاسم عن الليث، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه(1056) «وقال ابن عساكر عقبه: كذا رواه خالد بن القاسم المدائني، عن الليث، وأسقط منه علوان بن داود»(1057) وخالد بن القاسم المدائني قال عنه الذهبي: «أحد المتَّهَمين بالكذب، وضع على الليث بن سَعْد أحاديث»(1058) والرجل هالك افتضح أمره حيث كان يعبث بالأسانيد فيزيد فيها وينقص!، ولذا اتفق جل النقاد على تضعيفه:
قال أحمد بن حنبل: لا أروي عن خالد المدائني شيئًا.
وقال البخاري: تركه علي والناس.
وقال ابن راهويه: كان كذابًا.
وقال الأزدي: أجمعوا على تركه.
وقال يعقوب بن شيبة: خالد المدائني صاحب حديث متقن، متروك الحديث، كل أصحابنا مجمع على تركه سوى ابن المديني فإنه كان حسن الرأي فيه.
قلت: نقل البخاري، عَن عَلِيّ أنه تركه أيضًا، فقال: تركه علي والناس.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن أبي عاصم: وخالد متروك الحديث.
قال أبو حاتم: متروك الحديث، صحب الليث من العراق إلى مكة وإلى مصر، فلما انصرف كان يحدث عن الليث بالكثير، فخرج رجل من أهل العراق يقال
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 357له: أحمد بن حماد بتلك الكتب إلى مصر، فعارض بكتب الليث فإذا قد زاد فيه الكثير، وَغيَّره.
وقال النَّسَائي: متروك الحديث.
وقال غيره: ليس بثقة، وَلا يكتب حديثه.
وقال الساجي: متروك الحديث، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه، كان يعمد إلى الحديث المنقطع فيسنده(1059) .
-وقد روي عن الهيثم بن عدي عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن عبد الرحمن بن عوف ولفظه: «وددت أني لم أفتش منزل فاطمة»، أخرجه البلاذي من طريق شيخه حفص بن عمر، عن الهيثم بن عدي(1060) .
وهذا الخبر لا يصح أيضًا، بل هو باطل بهذا الإسناد، فشيخ البلاذري حفص بن عمر لم نقف له على ترجمة، وجل روايته عن الهيثم بن عدي وهشام بن محمد الكلبي .
فإن سلم الخبر منه، فإن آفة هذا الخبر هو الهيثم بن عدي، فهو أحد أركان الكذب في الرواية:
قال أبو زرعة: ليس بشيء.
وقال ابن معين، وأبو داود: كذاب.
وقال النسائي، وغيره: متروك الحديث.
وقال البخاري: سكتوا عنه.
وقال العجلي: كذاب، وقد رأيته.
وقال
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 358السَّاجِي: سكن مكة وكان يكذب.
وقال الإمام أحمد: كان صاحب أخبار وتدليس.
وذكره ابن السكن، وَابن شاهين، وَابن الجارود والدارقطني في الضعفاء(1061) .
وأشهر أكاذيبه ما افتراه على هشام بن عروة أنه روى عن عروة بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ابنيه عبد العزى وعبد مناف، فقد قال النسائي عن هذا الخبر: «محال أن يصدر ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم»(1062) ، وقال ابن حجر: «هذا من افتراء الهيثم على هشام»(1063) ، قال محمد العمراني: «فهذا الكذب لو كان الهيثم رواه عن بعض المجاهيل الذين لا يعرفون إلا من جهته...لقلنا ربما كان هذا من جهتهم، ولو كان الهيثم أتى بصيغة غير صريحة في السماع، لقلنا ربما كان هذا من تدليسه، ولكن الرجل أتى بهذا الإفك بصيغة صريحة لا تحتمل التدليس عن إمام من أئمة المدينة هو هشام بن عروة له من الأصحاب ما يفوق الحصر...فلو كان هشام بن عروة حدث بهذا الخبر، لوُجد في حديث هؤلاء الأصحاب، فلما لم يعثر له على أثر جزم النقاد بأن الخبر من وضع الهيثم»(1064) .
والظاهر أن الهثيم بن عدي دلس هذا الخبر، فسرقه من علوان بن داود ورواه عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، فإن ثبت ذلك فلا عبرة بهذا الإسناد.
وهناك علل أخرى ذكرها العمراني، منها نكارة الإسناد، لتفرد الهيثم بن عدي بروايته بهذه الصورة، ومنها انقطاعه، إذ إن الزهري لم يدرك عبد الرحمن بن عوف(1065) ، وعليه فهذا الإسناد لا ينبغي الاشتغال به.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الرد على محاولة تصحيح رواية علوان بن داود
يحاول بعض المخالفين أن يزعم صحة خبر علوان بن داود، فمنهم من حاول دفع تضعيف النقاد لعلوان بأن ابن حبان قد ذكره في الثقات، وهذا قد أجبنا عنه آنفًا، ثم إن علة الخبر غير متوقفة على إثبات وثاقة علوان، فهذا الخبرمبتلىبعلل أخرى قادحة، مثل الاضطراب في الإسناد واتهام علوان بأنه دلس هذا الخبر وأسقط ابن داب.
وربما قد يتعلق بعضهم بأن الضياء المقدسي ( 643 هـ) قال عن هذا الخبر: «هذا حديث حسن عن أبي بكر»(1066) ،والجواب: إنكل من تكلم عن هذا الخبر من المتقدمين قد حكم برده، وعلى رأسهم أئمة هذه الصناعة وحُذاقها كالإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح المصري، والعقيلي، ومن المتأخرين العلامة الذهبي والهيتمي.
كما أن كل من درس طرق هذا الإسناد من المعاصرين حكم برد الخبر، مثل علوي بن عبد القادر السقاف(1067) ، والشيخ سعد بن عبد الله الحميد(1068) ، وإسماعيل سعيد رضوان(1069) وعليه فلا يعتمد على كلام الضياء المقدسي، لمخالفته لكلام المحققين من المحدثين وأهل الصنعة.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مناقشة دلالة المتن على حادثة كسر الضلع: إن هذا الخبر لا تعلّق له بأي وجه من الوجوه بأسطورة كسر الضلع ، بل لا يدل حتى على وقوع هجوم على بيت فاطمة رضي الله عنها، فإن لفظ الخبر مجمل غير مفصل، لأن عبارة «كشفت بيت فاطمة» لا يمكن أن تحمل على حرق بابها،
أو ضربها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، وقد روى الهيثم بن عدي هذا الخبر بلفظ: «وددت أني لم أفتش منزل فاطمة»، وذكر أبو الحسن المسعودي الإمامي هذا الخبر بلفظ: «فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة»(1070) فالمراد في هذه الرواية بالكشف هو التفتيش، وأين هذا من دعوى الخصوم أن الصحابة هجموا على البيت وأحرقوا الباب وضربوا فاطمة،ولذا قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: «أما الرواية الثانية فرواية ضعيفة لا يذهب إلى مثلها ذو دين، فلا وجه للاشتغال به، وقد بينا أنه لم يكن منه((1071) في بيت فاطمة ما يوجب أن يتمنى أن لم يكن كشفه، وبينا كل ما يتصل بذلك فلا وجه لإعادته»((1072) وقال شيخ الإسلام ابن تيميةردًّا على استدلال الحلي بهذا الخبر على واقعة الهجوم(1073) «وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى، فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين، وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين، ويصدقه حمقى العالمين، الذين يقولون: إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت، هذا كله دعوى مختلق،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 361وإفك مفترى، باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام»(1074) وهذا ما قرره الشيخ الإمامي أحمد الكاتب فقال معلقًا على هذه الرواية: «وإذا صحت هذه الرواية، فإنها لا تحمل في طياتها أكثر من كشف البيت أو تفتيشه، دون اعتراف باستعمال العنف، أو تهديد بإحراق البيت على فاطمة الزهراء عليها السلام»(1075)
وليس في سياق الرواية أي قرينة يمكن أن تحمل المعنى على قصة الهجوم، ولأجل ذلك فسر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الخبر بأمر آخر فقال: «غاية ما يقال: إنه كبس(1076) البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وأن يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز؛ فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء»(1077) ونحن وإن كنا لا نميل إلى كون المراد من الخبر هو أن كشف البيت كان للتفتيش عن مال الله، حيث إن لفظ الخبر ليس فيه أي قرينة على ذلك، لكن المقصود أن الرواية لا تدل على واقعة كسر الضلع، بدليل أن ابن تيمية لم يفهم منها ذلك. وقد أجاب جعفر مرتضى العاملي عن كلام ابن تيمية قائلًا: «إن هذا من ابن تيمية تكهن ورجم بالغيب، ليس له شاهد، ولا له عليه دليل»(1078) ونحن نقول: فكما أن كلام ابن تيمية لا شاهد عليه، فاستدلال جعفر مرتضى العاملي وغيره من المخالفين بهذا الخبر ليدَّعوا أنه يدل على واقعة كسر الضلع أو الهجوم على بيت فاطمة، ليس عليه شاهد
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 362ولا دليل.
الجواب عن استدلال المخالفين بكلام ابن تيمية عن رواية كشف البيت
تعلق بعض المخالفين بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه الرواية، وسلكوا في ذلك مسلكين:
المسلك الأول: من نسب إلى ابن تيمية أنه يثبت وقوع الهجوم على بيت فاطمة، وبتروا كلامه الذي ينفي فيه واقعة الهجوم مع ما في ذلك من خيانة علمية، وهذا ما فعله عبد الزهراء مهدي حين ذكر ابن تيمية ضمن المثبتين لوقوع الهجوم على البيت(1079) وعلي الميلاني حين قال: «لم ينكر ابن تيمية هجوم القوم على بيت الزهراء الطاهرة عليها السلام، واعتدائهم عليها وعلى أهل البيت»، ثم نقل عبارة ابن تيمية وحذف منها إنكاره للهجوم على بيت فاطمة(1080) وقال في موضع آخر: «أما ابن تيمية، فلا ينكر أصل القضية، ولا ينكر تمني أبي بكر، وإنما يبرر»(1081) فهؤلاء نقلوا جزءًا من كلام ابن تيمية الآنف، وحذفوا منه إنكاره للهجوم على بيت فاطمة، إذ إن ابن تيمية لا يقر لا بصحة الخبر ولا بدلالته على إيذاء أبي بكر لفاطمة، فقد صدّر جوابه عن استدلال ابن المطهر الحلي بهذا الخبر قائلًا: «والجواب: أن القدح لا يقبل حتى يثبت اللفظ بإسناد صحيح، ويكون دالًّا دلالة ظاهرة على القدح، فإذا انتفت إحداهما انتفى القدح، فكيف إذا انتفى كل منهما؟»((1082) وقال أيضًا: «وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى، فهذا ما وقع فيه
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 363قط باتفاق أهل العلم والدين، وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين، ويصدقه حمقى العالمين، الذين يقولون: إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت، هذا كله دعوى مختلق، وإفك مفترى، باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام»((1083) فتبين بذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يقر لا بصحة الخبر ولا بدلالته على مدعى المخالفين، فمن نسب إليه أن يثبت أصل القضية أو وقوع الهجوم على بيت فاطمة، فإنما يفتري على ابن تيمية ويرتكب جناية على الأمانة العلمية بالتدليس والبتر في النقل عنه.
المسلك الثاني: من نسب إلى ابن تيمية أنه يثبت وقوع الهجوم على البيت، لأنه استخدم كلمة «كبس» التي تدل على الهجوم(1084) ، قال جعفر مرتضى العاملي في تعقيبه على كلام شيخ الإسلام: «قال أهل اللغة: كبس القوم دار فلان: هجموا عليها فجأة واحتاطوها، أي: حتى لا يتمكن ساكنوها من التصرف الموجب لتضليل المهاجمين من مقصودهم»(1085) .
وقال علي الكوراني: «زعم أن أبا بكر وعمر هاجما بيت فاطمة (عليها السلام) يبحثان عن أموال رسول الله صلى الله عليه وسلم»(1086) .
والجواب: إن الاعتماد على هذه الكلمة وحدها لادعاء وقوع الهجوم دون النظر إلى بقية كلام ابن تيمية الذي ينفي فيه صدور أي أذى من أبي بكر لمن في البيت،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 364ليس من الإنصاف في شيء، إذ إن ابن تيمية يقول: «وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذًى، فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين».
والذي يظهر أن كلمة (كبس) مصحفة، وأن الصواب «غاية ما يقال: إنه كشف البيت»، وكلمة كشف هي التي تناسب بقية كلام ابن تيمية، فيصير المعنى إن أبا بكر كشف البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وهذا هو المناسب لسياق الكلام، لأمرين:
الأول: أن سائر المصادر التي وردت فيها هذه الرواية من كتب السنة، إنما جاء فيها لفظ (لم أكشف)، ولم يرد لفظ كبس في أي رواية مسندة، بل حتى علماء الإمامية الذين نقلوا هذا الخبر نقلوه بلفظ (كشف) مثل ابن بابويه القمي((1087) )، والشريف المرتضى((1088) ).
الثاني: أن ابن المطهر الحلي صاحب كتاب منهاج الكرامة، نقل هذه الرواية بلفظ (كشف)، ومعلوم أن كتاب منهاج السنة لابن تيمية إنما هو رد على ابن المطهر الحلي، وكان شيخ الإسلام ينقل كلامه ثم يرد عليه.
فينبغي حمل سائر ما وقع في النسخ الخطية على هذا الأمر، لأنه الموافق للروايات ولكلام الحلي، وهو المناسب لسياق كلام شيخ الإسلام أيضًا في نفيه لإقدام الصحابة على إيذاء من في البيت.
فإذا ثبت أن هذه الكلمة مصحفة سقط استدلال المخالفين بها رأسًا، مع
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 365العلم أن مضى من كلام شيخ الإسلام في نفي وقوع الهجوم رأسًا وفي الطعن في هذه الرواية كافٍ في الجواب، وبالله التوفيق. حيث إن ابن المطهر الحلي أورد في كتاب «منهاج الكرامة» وهو الكتاب الذي رد عليه ابن تيمية، رواية علوان بن داود بلفظ: «ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه»((1089) فإن ثبت أن هذا هو المراد بكلام ابن تيمية، فلا وجه للاستدلال بهذا النص، لأنه لا تعلق بفرية الهجوم على بيت الزهراء.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القسم الثاني: روايات الإمامية
إن دعوى وجود شواهد تثبت قصة كسر الضلع لا تقتصر على روايات أهل السنة، بل وجدنا أنصار هذه الأسطورة يسلكون هذا المسلك نفسه في روايات الإمامية، وقد مضى أن أكثر الروايات التي حشدها جعفر مرتضى العاملي في كتابه «مأساة الزهراء» لا تدل على دعوى وقوع حادثة كسر الضلع، وقد بلغ هذا الصنف من الروايات ( 21 ) من أصل ( 40 ) رواية عند جعفر مرتضى العاملي، وقد ضربنا أمثلة على هذا المنهج الغريب والمتكلف الذي سلكه جعفر مرتضى العاملي بما يُغْني عن تتبع سائر استدلالاته((1090) )، ومع ذلك ارتأينا أن نفرد بعض الروايات التي استدل بها بالدراسة والنقد، خاصة أننا نجد الكثير من المخالفين يتابعونه في الاستدلال بها.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الرواية الأولى: رواية وصف فاطمة بأنها صديقة شهيدة
يستدل أنصار أسطورة كسر الضلع برواية وردت في الكافي(1091) ، عن موسى بن جعفر الملقب بالكاظم أنه قال «إن فاطمة عليها السلام صديقة شهيدة، وإن بنات الأنبياء لا يطمثن»(1092) .
وهذه الرواية من أهم الروايات التي يستدل بها المخالفون، لكنها لا تدل على إثبات قصة كسر الضلع بأي وجه، فضلًا عن أننا نمنع صحة الرواية من جهة المتن، ونمنع دلالتها على محل النزاع، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن متن الرواية مشتمل على أمر لا يمكن التصديق به، حيث إن دعوى كون بنات الأنبياء بما فيهن فاطمة لا يطمثن- والطمث هو الحيض- دعوى غير معقولة وغير ثابتة، فسائر الروايات التي وردت في هذا المعنى في كتب الإمامية باسثتناء هذه الرواية هي روايات غير ثابتة من جهة الإسناد(1093)
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 368قال المرجع محمد آصف محسني عن الروايات التي ورد فيها نفي الحيض عن فاطمة رضي الله عنها: «ليست في الباب رواية معتبرة تثبت ذلك...سوى رواية واحدة، وفي رواية علي عن أخيه الكاظم بسند معتبر: «إن فاطمة صديقة شهيدة، وإن بنات الأنبياء لا يطمثن»، وسائر الروايات تؤكدها، ولكن مع ذلك أقول: والله العالم»(1094) وقال محمد الحسيني معلقًا على الروايات التي استدل بها جعفر مرتضى العاملي لنفي الحيض عن فاطمة رضي الله عنها: «ونلاحظ على هذه الروايات أنها من الضعيف والمرسل والمضطرب»(1095)
الوجه الثاني: إن هذه الرواية التي تنفي الحيض عن فاطمة رضي الله عنها معارضة بروايتين صحيحتين على موازين الإمامية تثبتان أن فاطمة رضي الله عنها تحيض مثل سائر النساء، فقد روى الكليني والطوسي بإسناد صحيح عندهم(1096) عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قضاء الحائض الصلاة ثم تقضي الصوم، قال: «ليس
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 369عليها أن تقضي الصلاة وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان»، ثم أقبل عليَّ، وقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك فاطمة (عليها السلام) وكانت تأمر بذلك المؤمنات»»(1097) وروى الكليني والطوسي بإسناد صحيح عندهم(1098) عن علي بن مهزيار قال: «كتبت إليه (عليه السلام): إمرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت و صامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين فهل يجوز صومها و صلاتها أم لا، فكتب (عليه السلام): «تقضي صومها ولا تقضي صلاتها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر فاطمة صلوات الله عليها والمؤمنات من نسائه بذلك»»(1099)
ولأن صريح هذه الرواية هو أن فاطمة رضي الله عنها تحيض مثل سائر النساء، فقد حاول علماء الإمامية التوفيق بين هذه الرواية وبين الروايات التي تنفي الحيض عن فاطمة بوجوه عديدة كلها مبنية على التكلف والتعسف، وليس هذا الموضع محل مناقشة أجوبتهم(1100) ، والمقصود أن الرواية التي يستدل بها المخالفون معارضَة في دعوى نفي الحيض عن فاطمة برواية تستوي معها في صحة الإسناد، فضلًا عن أنها أقرب إلى العقل والمنطق من الرواية التي تدعي أن بنات الأنبياء بما فيهن فاطمة رضي الله عنها لا يحضن.
الوجه
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 370الثالث: أننا لو غضضنا الطرف عما في الرواية من إشكالات، وسلمنا جدلا بصحتها عند الإمامية، فإننا نمنع دلالتها على محل النزاع بيننا وبينهم:
لأن وصف فاطمة بالشهيدة يمكن أن يراد به أمران:
1 - أن يكون المراد بالشهادة أن فاطمة ماتت شهيدة، وهذا بعيد، ولا يؤيده سياق الرواية، كما سيأتي بيانه، ولو سلمنا جدلًا بأن المراد أن فاطمة ماتت شهيدة، فما الدليل على أن سبب استشهاد فاطمة هو حادثة كسر الضلع؟!، فالرواية ساكتة عن ذلك، فادعاء أن سبب كون فاطمة شهيدة هو قصة كسر الضلع هو تعسف وتمحل لا دليل عليه.
2 أن يراد بذلك منزلة الشهادة، والمقصود بها الشهادة على الخلق، فيكون المقصود من الرواية تخصيص فاطمة رضي الله عنها بفضيلة الشهادة على الخلق يوم القيامة، والدليل على ذلك أن وصف فاطمة بالشهادة في هذه الرواية جاء مقرونًا بوصفها بالصديقة، فيكون المعنى أن لها منزلتين: منزلة الصديقين لأنها سيدة نساء العالمين، ومنزلة الشهادة على الخلق، وهذا الصواب في دلالة الرواية. ولهذا التفسير شاهد من القرآن الكريم، فقد قرن الله تعالى بين وصف الصديقين والشهداء في القرآن دون أن يكون المراد بالشهداء في الآية من استشهد في سبيل الله، بل أريد به المؤمنون الصالحون، وذلك في قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد: 19 وهذه المنزلة ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه رضي الله عنهم خاصة، ولأمته عامة، كما في
PDF 371قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[البقرة: 143 ولا ريب أن فاطمة رضي الله عنها شهيدة بهذا المعنى، وهذا ما مال إليه المرجع محمد حسين فضل الله وقرره(1101)
وقد ورد في روايات عديدة عن أئمة آل البيت في كتب الإمامية إطلاق الشهادة على من لم يمت شهيدًا، فمن ذلك ما رواه الكليني في الكافي بسند معتبر على موازين الإمامية(1102) عن جعفر الصادق قال: ««إن الميت منكم على هذا الأمر شهيد»، قال: قلت: و إن مات على فراشه؟، قال: «إي والله، وإن مات على فراشه حي عند ربه يرزق»»(1103) .
وروى البرقي عن منهال القصاب، قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: «ادع الله لي بالشهادة، فقال: «المؤمن لشهيد حيث مات، أو ما سمعت قول الله في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: 19(1104) ]»» .
و عن مالك الجهني، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ««يا مالك إن الميت منكم على هذا الأمر شهيد بمنزلة الضارب في سبيل الله». وقال أبو عبد الله عليه السلام: «ما يضر رجلًا من شيعتنا أية ميتة مات، أكله السبع، أو أحرق بالنار، أو غرق، أو قتل، هو والله شهيد»»(1105) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وليس هذا فقط، فقد جاء في روايات الإمامية إطلاق وصف الصديق الشهيد على من لم يستشهد في سبيل الله، فروى ابن بابويه القمي عن علي أنه قال: «الميت من شيعتنا صديق شهيد، صدق بأمرنا وأحب فينا وأبغض فينا يريد بذلك الله عز وجل، مؤمن بالله وبرسوله، قال الله عز وجل:﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾(1106) .
وروى عن علي أيضًا أنه قال: «المؤمن على أي الحالات مات في أي يوم وساعة قبض فهو صديق شهيد»(1107) .
وروى البرقي عن الحسين بن علي عليهما - السلام قال: ««ما من شيعتنا إلا صديق شهيد»، قال: قلت: «جعلت فداك أنى يكون ذلك وعامتهم يموتون على فراشهم؟» - فقال: «أما تتلو كتاب الله في الحديد ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: 19(1108) ]» »» .
فإذا تبين أن إطلاق اسم الشهيد في روايات الإمامية لا يقتصر على من مات شهيدًا، فالنتيجة أن هذه الرواية لا ينبغي الاستدلال بها على ثبوت قصة كسر الضلع، فلا حجية في هذه الرواية على موضوع النزاع بيننا وبين المخالفين.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الرواية الثانية: رواية لطم فاطمة رضي الله عنها خدها
استدل بعضهم(1109) بما رواه الصدوق في أماليه، قال: «حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثنا أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى العطار جميعًا، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، قال: حدثنا أبو عبد الله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سيف بن عميرة، عن محمد بن عتبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: «بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا التفت إلينا فبكى، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أبكي مما يصنع بكم بعدي. فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطمِ فاطمة خدَّها(1110) ......» .
وقد أورد هاشم الهاشمي هذه الرواية ضمن «المصادر التي صرحت بأن القوم ضربوا الزهراء عليها السلام سواء باليد أم بالسوط»(1111) .
والجواب عن هذه الرواية من جهة في المتن والسند:
أما من ناحية الإسناد: فإن الرواية ساقطة، لاشتمالها على جماعة من الضعفاء والمجاهيل، وإليك
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 374البيان:
-(أبو عبد الله الرازي): وهو محمد بن أحمد الجاموراني(1112) ، اتفق علماء الرجال على ضعفه،
قال المجلسي: «وأبو عبد الله هو الجاموراني المُضعّف»(1113) ، وقال حسين الساعدي: «ضعيف ضعفه ابن الوليد، وابن نوح، والصدوق، وابن الغضائري، وعدّه الضعفاء كل من: العلامة، وابن داود، والجزائري(1114) ، ومحمد طه نجف، وفي رواياته ضعف وتخليط، ويظهر من بعضها الوضع(1115) » .
وضعفه كل من الخوئي(1116) ، والمامقاني(1117) ، ومحمد بن الحسن الشهيد الثاني(1118) ، ونعمة الله الجزائري(1119) ، وجواد التبريزي(1120) ، وكاظم الحائري(1121) ، وقال محمد الشاهرودي: «لم يذكروه»(1122) ، والخلاصة أن علماء الإمامية اتفقوا على ضعفه، كما قال نص على ذلك التستري حين قرر «ضعفه اتّفاقيًّا»(1123) .
حواشي هذه الصفحة12 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
-(الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني): مطعون فيه، وقد مضى الكلام عنه(1124) .
وخالف محمد تقي المجلسي (الأول) في ذلك، فحكم في كتابه «روضة المتقين» بقوة سند ورَدَ فيه الجاموراني عن الحسن بن علي بن أبي حمزة(1125) .
فتعقبه الخواجوئي قائلًا: «والسند كما ترى في غاية الضعف»، ثم قال: «ومن الغريب أن الشارح المجلسي قدس سره عدّ هذا السند في شرحه على الفقيه قويًا، ولا يعرف له وجه، فإن القوي في اصطلاح القوم يطلق على الموثق لقوة الظن بجانبه، بسبب توثيق راويه وإن كان مخالفًا، وقد يطلق على مروي الإمامي الغير(1126) الممدوح ولا المذموم، كذا في الدراية وشرحها للشهيد الثاني. وقد عُلِم أن الحسن بن علي مع أنه واقف كذاب ملعون أضعف من أبيه، وقد ورد فيه ما فيه. ومثله أبو عبد الله الجاموراني ضعفه القمِّيُّون، حيث لم يعتبروا مروياته في كتاب نوادر الحكمة. فإذا كان هذا شأن الراوي، فكيف يعتمد على روايته ونقله في إثبات حكم شرعي، فلعله كان كاذبًا في روايته عن عبد الله بن وضاح الثقة»(1127) .
-(محمد بن عتبة): هو معدود في طبقة أصحاب الصادق، وذكر الخوئي أنه مشترك بين عدة مجاهيل وهم: محمد بن عتبة الفزاري(1128)
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 376ومحمد بن عتبة الزغبلي أو الزغيلي، و محمد بن عتبة السراج(1129) ولا يمكن أن يكون محمد بن عتبة أبو حذيفة بن ربيعة، لأنه من طبقة أقدم، حيث ذُكِرَ في أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه(1130)
- (محمد بن عبد الرحمن)، وهو يروي عن أبيه، ويحتمل أن يكون أحد اثنين(1131) :
الاحتمال الأول: أنه محمد بن عبد الرحمن بن عوف، وبذا يكون والده هو عبد الرحمن بن عوف وهو الأشبه بالصواب، وإليك حالهما عند علماء الإمامية:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
-محمد بن عبد الرحمن بن عوف (مجهول)(1132) .
-والده عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الصحابي الجليل عند أهل السنة، قد حكم جماعة من علماء الرجال الإمامية بضعفه: قال المامقاني: «من أضعف الضعفاء»(1133) ، وقال محمد الشاهرودي: «مذموم ملعون، من أصحاب الصحيفة الملعونة التي كتبوها وتعاهدوا على غصب الخلافة الإلهية...، وهو من الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة...، جملة من ذمومه في سفينة البحار»(1134) ، وقال علي الكركي: «من رؤوس المنافقين وأعلامهم وأساطينهم»(1135) .
الاحتمال الثاني: أنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي الأنصاري، وبذا يكون والده هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإليك رأي علماء الإمامية فيه وفي أبيه:
-أما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: فقد اختلف علماء الرجال فيه، فمدحه بعض علماء الإمامية(1136) وذهب جماعة إلى أنه مذموم وهو الصواب بمقتضى قواعدهم، لذا قال محمد بن إسماعيل المازندراني في رجاله ردًّا على من مدحه: «وكلّ ذلك عجيب غريب، فإنّ نصب الرجل أشهر من كفر إبليس،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 378وهو من مشاهير المنحرفين... ويجب ذكره في الضعفاء كما فعله الفاضل عبد النبي الجزائري»(1137) ووافقه في هذا الرأي الملا علي العلياري(1138) وذكر الخوئي أنّ الروايات متضافرة في ذمه، ثم قال ملخصًا القول فيه: «لا شك في أن الرجل من المنحرفين عن أهل البيت»(1139) وحكم بضعفه كل من محمد طه نجف(1140) والمامقاني(1141) إبراهيم الدنبلي(1142) وعبد النبي الجزائري(1143) وأنكر محسن الأعرجي على ابن داود مدحه وعدّه تجاوزا(1144) وأنكر الميرزا محمد الاسترابادي على ابن المطهر الحلي عدّه في القسم الأول قائلًا: «لاوجه لذكره هنا مع شهرة ما هو عليه»(1145) وضعفه إبراهيم الشبوط ورد على مدح ابن المطهر الحلي له(1146)
-أما عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، فقد قال المامقاني عنه: «مهمل»(1147) ، وعدَّه الخوئي: «مجهولًا»(1148) ، وذهب محسن الأمين إلى أنه لا حظ له في التوثيق(1149) .
حواشي هذه الصفحة13 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولذا حكم آصف محسني على الرواية بأنها غير معتبرة في كتابه مشرعة بحار الأنوار(1150) ، وقال محمد الحسيني عن هذه الرواية: «في سندها أبو عبد الله الرازي ضعيف، الحسن بن علي ضعيف، محمد بن عبد الرحمن مشترك بين المهمل والمجهول»(1151) .
أما من جهة المتن :
إن هذه الرواية لا دلالة فيها على تعرض فاطمة للطم أصلًا»، والاحتجاج بهذا الرواية على ذلك من غرائب الاستدلالات: فلفظ الرواية هو: «ولطمِ فاطمةَ خدَّها»، وهذا معناها أن فاطمة هي التي لطمتْ خدها، وهذا هو صريح لفظ الرواية، وأما سبب لطم فاطمة لخدها فغير مبين في الرواية، فإن كان المراد أنها فعلت ذلك يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فنحن ننزه فاطمة رضي الله عنها عن ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لطم الخدود وشق الجيوب، ولا نتصور في فاطمة رضي الله عنها إلا أن تكون من الصابرات المؤمنات، لا من اللواتي يلطمن وجوههن.
وأول من وقفنا عليه يستدل بهذه الرواية في إثبات حادثة كسر الضلع هو جعفر مرتضى العاملي، لأنه يسلك منهجًا قائمًا على المبالغة في حشد الروايات دون التأمل في مدلولاتها، فالظاهر أنه لما رأى عبارة «لطْمِ فاطمة خدَّها» توهم أن المراد بذلك قصة كسر الضلع، وهذا بعيد كما بينَّاه،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 380فإذا تبين ذلك فالعجب من المخالفين كيف خفي عليهم هذا وتابعوا جعفر مرتضى العاملي في الاستدلال بهذه الرواية، ولا ندري كيف حملوا هذه الرواية على غير دلالة ألفاظها الصريحة».
الرواية الثالثة: رواية دعاء علي بن موسى الرضا رحمه الله واتهامه للشيخين بقتل ابن النبي صلى الله عليه وسلم
يستدل بعضهم برواية مذكورة في كتاب مهج الدعوات لابن طاووس جاء فيها: «دعاء آخر لمولانا الرضا في سجدة الشكر: رويناه بإسنادنا إلى سعد بن عبد الله في كتاب فضل الدعاء: وقال أبو جعفر: عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا وبكير بن صالح، عن سليمان بن جعفر، عن الرضا قالا: دخلنا عليه وهو ساجد في سجدة الشكر فأطال في سجوده، ثم رفع رأسه فقلنا له: أطلت السجود، فقال: «من دعا في سجدة الشكر بهذا الدعاء كان كالرامي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر»، قالا: «قلنا فنكتبه»، قال: «اكتبا، إذا أنتما سجدتما سجدة الشكر فتقولا: اللهم العن اللذين بدّلا دينك، وغيّرا نعمتك، واتّهما رسولك صلى الله عليه وسلم، وخالفا ملّتك، وصدّا عن سبيلك، وكفرّا آلاءك، وردَّا عليك كلامك، واستهزءا برسولك، وقتلا ابن نبيك، وحرّفا كتابك، وجحدا آياتك، وسخرا بآياتك، واستكبرا عن عبادتك، وقتلا أولياءك(1152) ......» .
والجواب:
إن هذه الرواية لا تدل بأي وجه من الوجوه على حادثة كسر الضلع، فلم يرد فيها ما يشير إلى ذلك.
وأما من تعلق بهذه الرواية من المخالفين فقد زعم أن وجه الدلالة في الخبر هو عبارة «وقتلا ابن نبيك»، فحملوها على المحسن بن علي، والصواب أن المراد بابن النبي صلى الله عليه وسلم هنا هو الحسين رضي الله عنهبدليل ما جاء في هذه الرواية نفسها من قول الراوي:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 382«اللهم العن قتلة أمير المؤمنين، وقتلة الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم زدهما عذابًا فوق عذاب»((1153) فعبارة ابن نبيك الواردة في أول الرواية محمولة على الحسين رضي الله عنه بدليل ما جاء في ذيلها.أما من قال إن المقصود به المحسن، فقد غفل عن اللغة السائدة في الأدعية والزيارات التي ينقلها الإمامية عن أهل البيت والتي تكرر فيها إطلاق عبارة ابن نبيك صلى الله عليه وسلم» على الحسين رضي الله عنه، وأما إطلاق ذلك على المحسن فلم نجد له شاهدا، ولبيان ذلك سنمثل لهذا الأمر بعدة روايات:
-ورد في كامل الزيارات لابن قولويه ضمن رواية زيارة قبر الحسين رضي الله عنه: «يا رب هذا عبدك وقد وافى قبر ابن نبيك (صلى الله عليه وسلم)»(1154) .
-وجاء في مصباح المتهجد للطوسي في وداع من قتل مع الحسين رضي الله عنه في كربلاء : «وأشركني معهم في صالح ما أعطيتهم على نصرتهم ابن نبيك ...، ولا تجعلني أخْيبَ وفْدِك وزوار ابن نبيك...، قبل أن تنأى عن ابن نبيك داري»(1155) .
-وفي المصباح أيضًا في زيارة الحسين رضي الله عنه يوم عاشوراء: «وأهلكْ من جعل يوم قتل ابن نبيك وخيرتك عيدًا»(1156) .
وجاء في المزار للمشهدي في زيارة الحسين: «إذْ جعلتَ لي السبيل إلى زيارة ابن نبيك(1157) ...» .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وغيرها من الروايات الكثيرة التي تؤكد أن إطلاق لفظ (ابن نبيك) أو حتى (ابن بنت نبيك) إنما ينصرف للحسين رضي الله عنه في الغالب، إلا إن دلت قرينة على خلاف ذلك.
فإن قيل: إن القرينة في هذه الرواية على أن المراد هو المحسن وليس الحسين هي أن أبا بكر وعمر لم يدركا مقتل الحسين، فينصرف الكلام لقتلهما المحسن عندما أسقطاه جنينًا، وكسرا ضلع فاطمة رضي الله عنها.
فالجواب من وجوه:
أولًا: ورد في كتب الإمامية أن سبب قتل الحسين هو ما حصل في السقيفة فقد جاء في الكافي للكليني عن أبي عبد الله في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾[المجادلة: 7 ]، قال جعفر الصادق: «نزلت هذه الآية في فلان وفلان وأبي عبيدة الجراح و عبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة، حيث كتبوا الكتاب بينهم وتعاهدوا وتوافقوا: لئن مضى محمد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدًا ... قال أبو عبد الله (عليه السلام): لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (عليه السلام)، وهكذا كان في سابق علم الله عز وجل الذي أعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إذا كُتب الكتاب قُتل الحسين، وخرج الملك من بني هاشم فقد كان ذلك كله»(1158) .
وهذه الرواية صريحة في أن سبب قتل الحسين هو ما فعله أبو بكر وعمر في غصبهما الخلافة من آل البيت، وهو قول جعفر الصادق: «إذا كُتب الكتاب قُتل الحسين».
ويؤكد
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 384المجلسي في بحار الأنوار أن سبب قتل الحسين هو انقلاب أبي بكر وعمر وهما السبب الرئيس في قتل الحسين إذ يقول المجلسي: «ولنعم ما قيل: ما قُتل الحسين إلا في يوم السقيفة(1159)
قال الشيخ أبو الفضل سلطان محمّدي: «كان العلامة الوحيد البهبهاني يرى أنّ شهادة الإمام الحسين عليه السلام هي أثر من آثار غصب خلافة الأئمّة عليهم السلام، وينسب مضمون المقولة المذكورة في الأعلى إلى الأئمّة، فيقول: كان الأئمّة عليهم السلام يقولون دائمًا: «ما قتل الحسين إلّا يوم السَّقِيفة(1160) »» .
ثانيا: جاء عن الحسين رضي الله عنه في كتب الإمامية أنه اتهم أبا بكر وعمر بقتله، فقد جاء في بحار الأنوار أن الحسين كان يمسح الدم قبل موته ويقول: «هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول: يا رسول الله قتلني فلان وفلان»(1161) .
وعليه فالمقصود بقوله: «وقتلا ابن نبيك»، أي اتهام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بالتسبب بمقتل الحسين رضي الله عنه.
ولذا ذهب جماعة من علماء الإمامية إلى أن المراد من هذه الرواية هو الحسين رضي الله عنه، فعندما سُئل المرجع محمد صادق الروحاني: «ذكر السيد ابن طاووس طيب الله ثراه في كتابه مهج الدعوات رواية طويلة مما جاء فيها: اللهم العن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 385اللذين بدّلا دينك، وغيّرا نعمتك، واتّهما رسولك صلى الله عليه وسلم، وخالفا ملّتك، وصدّا عن سبيلك، وكفرّا آلاءك، وردَّا عليك كلامك، واستهزءا برسولك، وقتلا ابن نبيك، وحرّفا كتابك، وجحدا آياتك، وسخرا بآياتك، واستكبرا عن عبادتك، وقتلا أولياءك» ويظهر أن المراد بهما الأول والثاني لكن قتلهما ابن نبيك، هنا إشكال، كيف يُتهمان في مقتل الإمام الحسين سلام الله عليه وهما لم يدركا الحادثة؟ ما هو السر في ذلك؟ ودمتم سالمين».
أجاب قائلًا: «السبب الأصلي والأساس لقتل سيد الشهداء ما تحقق بعد رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم و ورود المصائب المهلكة على سيدة نساء العالمين سلام الله عليها».
وهذه صورة فتوى الروحاني:

وأجابت لجنة الإفتاء بمكتب المرجع محمد فاضل اللنكراني عن نفس السؤال بما يلي: «لم يكونا مباشرين في الحادثة، والمراد تسببهما في ما وقع من الأحداث ومنها وقعة عاشوراء، ولذا ورد عن زينب بنت علي عليهما السلام أنها قالت يوم عاشوراء رأت نهب الخيام، بأبي وأمي من صار خيامه يوم الاثنين نهبًا، والمراد بيوم الإثنين يوم السقيفة»(1162) .
وهذه صورة فتوى مكتب المرجع اللنكراني:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأجاب مكتب المرجع ناصر مكارم الشيرازي عن هذا السؤال بما يلي: «إن ما جرى يوم السقيفة كان سببًا لما جرى في كربلاء، لأنّ معاوية كان واليا من قبل الثاني على الشام، وبعد معاوية تصدى ابنه يزيد بخلافته هذا ولكن الرواية مرسلة»(1163)
وهذه صورة فتوى مكتب المرجع ناصر مكارم الشيرازي:

وأجاب
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 389الأستاذ في حوزة قم أحمد المددي عن نفس السؤال قائلًا: «بسمه تعالى: المراد هما الأساس لذلك»(1164)
فهذه أقوال كبار مراجع الإمامية وعلمائهم صريحة في أن المقصود في الرواية هو الحسين رضي الله عنه وهو ما يتفق مع ألفاظ الزيارات السالفة الذكر، وما رووه عن الحسين نفسه أن سبب قتله هما الخليفتين الأول والثاني، وهو ما يؤكد أن رواية ابن طاووس في مهج الدعوات غير داخلة فيما نحن فيه، ولا علاقة لها بقضية كسر ضلع فاطمة الزهراء والمحسن.
وقفة:
أوقع من يستدل بهذه الرواية نفسه بإشكال ومنزلق خطير، فإنه أراد الطعن في أبي بكر وعمر، فاستدل برواية ظاهرها بل صريحها يدل على القول بتحريف القرآن، فقد جاء في الرواية المنسوبة للإمام الرضا عن الشيخين وهو منها بريء: «وحرَّفا كتابك».
وقد استدل النوري الطبرسي في كتابه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» بهذه الرواية ليثبت مدعاه في تحريف القرآن والعياذ بالله، إذ قال: «الدليل الحادي عشر: الأخبار الكثيرة المعتبرة الصريحة في وقوع السقط، ودخول النقص في الموجود من القرآن، زيادة على ما مرّ متفرقًا ضمن الأدلة السابقة، وأنه أقل من تمام ما نزل إعجازًا على قلب سيد الإنس والجان من غير اختصاص بآية أو سورة، وهي متفرقة في الكتب المعتبرة التي عليها المعول وإليها المرجع عند الأصحاب، جمعت ما عثرت عليها في هذا الباب
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 390بعون الملك الوهاب»(1165)
ثم ساق النوري الطبرسي أدلته ومنها هذه الرواية(1166) ، لأنها تدل صراحة على تعرض القرآن للتحريف بزعمه(1167) .
حكم علماء الإمامية على الرواية
ونختم بأن محمد آصف محسني قد حكم على الرواية بعدم الاعتبار في مشرعة بحار الأنوار، ذلك أنه لم يذكرها ضمن الروايات المعتبرة(1168) ، وقد حكم المرجع مكارم الشيرازي على الرواية بالإرسال كما مر معنا(1169) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الرواية الرابعة: رواية عزم محمد بن علي الجواد رحمه الله إخراج أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من قبريهما وتحريقهما انتقاما لفاطمة رضي الله عنها
استدل بعض المخالفين برواية في دلائل الإمامة لإثبات حادثة كسر الضلع(1170) ، قال صاحب دلائل الإمامة: «أخبرني أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، قال: حدثني زكريا بن آدم، قال: إني لعند الرضا (عليه السلام) إذ جيء بأبي جعفر (عليه السلام)، وسنه أقل من أربع سنين، فضرب بيده إلى الأرض، ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا (عليه السلام): بنفسي أنت، لم طال فكرك؟ فقال عليه السلام: فيما صنع بأمي فاطمة (عليه السلام)، أما والله لأخرجنهما ثم لأحرقنهما، ثم لأذرينهما، ثم لأنسفنهما في اليم نسفًا. فاسْتدْنَاه، وقبَّل ما بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أنت لها، يعني الإمامة»(1171) .
ومع أن هذه الرواية ليست صريحة على موضع النزاع، لعدم تضمنها أي لفظ يشير إلى قضية الهجوم أو الاعتداء على الزهراء وكسر ضلعها(1172) ، غير أننا سنفصل الكلام عنها سندًا ومتنًا دفعا لاستدلال المخالفين بها:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أما من جهة السند: فقد مضى الكلام عن كتاب دلائل الإمامة بتفصيل، وبيَّنا أن مؤلفه مجهول وأن نسخته المتداولة لا يوثق بها، وأما الإسناد الذي روي به هذا الخبر ففيه عدة علل:
-محمد بن هارون بن موسى التلعكبري: (مجهول) على مباني الخوئي(1173) .
-محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي: ليست له ترجمة في كتب الإمامية بحسب بحثنا ومع بذل الجهد وهذا الاسم مثبت في مخطوطتي دلائل الإمامة(1174) وجميع طبعاته التي وقفنا عليها(1175) وكذا في النسخ الخطية لكتاب نوادر
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وسائر طبعاته(1177) ، ونقل الكثير من علماء الإمامية هذا الخبر عن الطبري بنفس الإسناد(1178) ، وعلى ما سبق فالرجل (مجهول).
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
استدراكات:
الاستدراك الأول:
نقل بعض علماء الإمامية رواية دلائل الإمامة التي نحن بصددها، لكنهم خالفوا ما هو موجود ومثبت في نسخ دلائل الإمامة وغيروا اسم (محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي)، إلى (أحمد بن أبي عبد الله البرقي) كالمجلسي(1179) ، وهادي النجفي الذي أشار إلى أنه ينقل من كتاب دلائل الإمامة طبعة مؤسسة البعثة، ثم حرّف الاسم ونقل منها خلاف ما هو موجود فيها(1180) »، وعبد الزهراء مهدي في كتابه الهجوم على بيت فاطمة صنع مثل ما صنع هادي النجفي(1181) ».
ولا شك أن هذا خطأ، وكان على من غيَّروا اسم الراوي أن يبينوا سبب هذا التغيير، لا أن يغيروا اسم الراوي، مع إحالتهم على كتاب دلائل الإمامة دون الإشارة إلى تغييرهم لاسم الراوي.
الاستدراك الثاني:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بعد أن تبين أن المجلسي وهادي النجفي وعبد الزهراء مهدي خالفوا ما هو ثابت في نسخ كتاب دلائل الإمامة، وأثبتوا اسم (أحمد بن أبي عبد الله البرقي) في الإسناد، نقول –حتى تنزلا معهم جدلا وسلمنا بأن تغييرهم لاسم الراوي جائز، فإن الإشكال في الإسناد قائم، لأن الخوئي يستبعد أن يروي محمد بن الحسن بن الوليد عن (أحمد بن أبي عبد الله البرقي) حيث يقول: «إن المذكور في كلام الشيخ رواية ابن الوليد، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، والمذكور في كلام النجاشي روايته، عن أحمد بن محمد بن أبي علي البرقي، وأبو علي البرقي هو الحسن بن خالد أخو محمد بن خالد، على ما مر في ترجمته، فأحمد هذا، هو حفيد الحسن عم أبي عبد الله البرقي، وغير بعيد أن يكون ما ذكره النجاشي هو الصحيح، إذ لم يعهد رواية ابن الوليد عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي، بل هو بعيد في نفسه. فإن أحمد بن أبي عبد الله توفي قبل أحمد بن محمد بن عيسى، المتوفى حدود سنة ( 280 )، على ما مر في ترجمته، وابن الوليد توفي في ( 343 )، فيبعد رواية ابن الوليد عنه بلا واسطة. ويؤيد ذلك أن أحمد بن أبي عبد الله له رواية كثيرة، وهو من مشاهير الرواة، وكذلك ابن الوليد، فلو أدرك ابن الوليد أحمد بن أبي عبد الله لشاعت روايته عنه وكثرت، مع أنا لم نجد له ولا رواية واحدة، بل إن روايات ابن الوليد عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، بواسطة سعد بن عبد الله، كما في طريق الصدوق إلى أحمد بن أبي عبد الله نفسه»(1182) ، ثم ساق الخوئي أمثلة كثيرة للوسائط بين ابن الوليد وأحمد بن أبي عبد الله البرقي.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ووافق الشيخ جواد القيومي الخوئي في هذا الرأي، لأنه استدل به في تعليقه على فهرست الطوسي(1183) .
وقال المحقق محمد تقي التستري: «طريق فهرست الشيخ الأوّل إليه: «ابن الوليد، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي»، الظاهر أنّ فيه سقطًا، وأنّ الأصل «ابن الوليد عن الصفّار عن أحمد»»(1184) .
الاستدراك الثالث:
بعد بيان خطأ من ذهب إلى أن الراوي هو (أحمد بن أبي عبد الله البرقي) وأن السند على هذا التقدير منقطع، نضيف تنزلًا رأي محمد باقر البهبودي الذي درس حال (أحمد بن أبي عبد الله البرقي) وما قيل فيه، فكانت نتيجة بحث البهبودي أن قال: «الخطب في أخذه بالوجادة والإجازة من دون مَيْز بين صحيح النسخ ومدسوسها. فبعدما نراه يروي ويحدث عن الغلاة والزنادقة جهارا من دون تحرُّج، كيف نثق به فيما كان يروي عن الثقات الأثبات بأنه لم يأخذ كتبهم إلا بعد التحرز التام عن مكائد الغلاة، وإني بعد ما تتبعت رواياته، وجدته يروي عن النسخ المجعولة الموضوعة على الثقات الأثبات كثيرًا»(1185) .
ذكرنا هذا من باب الفائدة والتنزل، وإلا فإن الصواب الذي لا مرية فيه وتدعمه الأدلة أن الراوي هو (محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي)، وليس (أحمد بن أبي عبد الله البرقي).
الاستدراك الرابع:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بعد ما سبق بيانه من جهالة (محمد بن هارون بن موسى التلعكبري)، وجهالة (محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي) وأن السند مع تغيير علماء الإمامية له إلى (أحمد بن أبي عبد الله البرقي) سيكون منقطعًا، سيتبين عدم صحة قول هاشم الهاشمي: «ورجال السند من أجلة ثقات أصحابنا، إلا أن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري لم يرد في حقه توثيق بالخصوص»، لأن البرقي مجهول كما بينا.
ثم حاول هاشم الهاشمي توثيق التلعكبري باعتباره من شيوخ النجاشي ثم ختم كلامه قائلًا: «وبناء على ذلك فمن المحتمل أن يكون محمد بن هارون ثقة وفقا لرأي الخوئي أيضًا بتوثيق مشايخ النجاشي، وإن لم يكن معتضدا بشواهد أخرى، حيث إن النجاشي لم ينقل عنه إلا في مورد واحد من كتابه»(1186) .
نقول:
أما قول هاشم الهاشمي: «ورجال السند من أجلة ثقات أصحابنا»، لا شك أنه غير صحيح، فليس في كتب الإمامية ترجمة ل (محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي)، فضلًا أن يكون موثَّقًا ومن أجلة أصحابهم، والهاشمي نفسه أثبت اسم (محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي) في سند الرواية.
وأما قوله: «فمن المحتمل أن يكون محمد بن هارون ثقة وفقًا لرأي الخوئي أيضًا بتوثيق مشايخ النجاشي»، فالجواب عنه: هذا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 399الاحتمال مستبعد، بل يناقض رأي الخوئي في عدم عد محمد بن هارون التلعكبري من مشايخ النجاشي أصلًا، فالرجل مجهول على مباني الخوئي، فقاعدة الخوئي في عد الرجل من مشايخ النجاشي متوقفة على تصريح النجاشي بالرواية عن مشايخه بلفظ (أخبرنا) أو (حدثنا)، وإن كان الهاشمي يرى أن هذا لا يشترط، فعليه ألا يقول: «فمن المحتمل أن يكون محمد بن هارون ثقة وفقًا لرأي الخوئي أيضًا بتوثيق مشايخ النجاشي»، لأن الخوئي لا يدخله في مشايخ النجاشي جزمًا، فقد عدّهم واحدًا واحدًا وفقا لشرطه وأوصلهم إلى 64 شيخًا، ولم يذكر منهم محمد بن هارون(1187) فتوثيق هاشم الهاشمي لهذا الراوي بناء على منهج الخوئي غير صحيح.
بل حتى قاعدة توثيق مشايخ النجاشي التي اعتمد عليها هاشم الهاشمي غير مسلمة، بها لأنها قاعدة رجالية ضعيفة لا تقوم على دليل معتبر، وقد فندها كبار محققي الرجال الإمامية، منهم علي أكبر المازندراني إذ يقول: «الحكم بوثاقة جميع مشايخ النجاشي مشكل لا دليل عليه»(1188) وقال محمد رضا السيستاني: «لا دليل على وثاقة جميع شيوخ النجاشي»(1189) وقد سبق أن زيّفنا جميع الوجوه التي استدل بها لتوثيق محمد بن هارون بن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أما من جهة متن الرواية فنقول:
إن الرواية لا دلالة فيها على كسر الضلع، وأول من وقفنا عليه يذكر هذه الرواية هو جعفر مرتضى العاملي، وقد صرح بأن الرواية لا تصرح بشيء عن هذا الموضوع فقال: «هذه الرواية وإن لم تكن صريحة في تفاصيل ما جرى، ولكنها أيضًا تعبر عن أنها عليها السلام - شخصيا - قد تعرضت لظلم فاحش»(1191) ، وعليه فلا وجه للاستدلال بها على محل النزاع.
ثم إن الرواية اشتملت على أمور أقرب للخرافة، فإن الرواية تزعم أن محمد بن علي الجواد تكلم بهذا الكلام وعمره أربع سنين، وأن أبا علي الرضا جعل هذا الكلام دليلًا على استحقاقه للإمامة، وهذا الأمر غير قابل للتصديق، وهذه الروايات جاءت على مجرى الروايات الخرافية التي تغالي في الأئمة وتنسب إليهم خوارق العادات، ولا أدري كيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الروايات لاتهام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالعظائم؟! والله المستعان.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
موقف علماء أهل السنة من أسطورة كسر الضلع
بعد أن استوفينا الكلام عن روايات أسطورة كسر الضلع سندًا ومتنًا، وبينا بطلانها من خلال نقد مضامينها وبيان تناقضات نصوصها، رأينا أن نتبع ذلك بكلام أهل العلم عن هذه الأسطورة، حيث إن جماعة منهم قد تعرضوا لنقضها، وعدوها ضمن الأكاذيب والمخاريق المفتعلة التي أريد بها الطعن في الصحابة وأهل البيت، وقد تبين لنا بعد البحث والتتبع اتفاق علماء أهل السنة والجماعة الذين تعرضوا لأسطورة كسر الضلع على نفي هذه القصة والحكم عليها بالكذب والاختلاق، وإليك أقوالهم:
أبو الحسين الملطي العسقلاني ( 377 هـ)
لقد عد أبو الحسن الملطي هذه القصة من الأباطيل والزور فقال وهو يعدد الأقوال المنكرة لهشام بن الحكم: «إن أبا بكر مر بفاطمة عليها السلام فرفس في بطنها فأسقطت وكان سبب علتها وموتها، وأنه غصبها فدك فذكر أشياء كثيرة مما كاد بها الإسلام من المخاريق والأباطيل والزور»(1192) .
أبو بكر الباقلاني ( 405 هـ)
يقول الباقلاني ردًّا على استدلال الغلاة ببعض الروايات المكذوبة: «إن هذه الرواية من جنس روايتكم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، وأن عمر رفس فاطمة(1193)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 402وأنها أسقطت، وأنهم أحضروا عليًا إلى البيعة في حبل أسود يسحبه عمر، في أمثال هذه الروايات، وليس يجب ترك الظاهر المعلوم من حال علي وسائر الصحابة لأجل هذه الرواية المردودة»(1194)
ووصف قولهم: إنّ عمر رضي الله عنه رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن(1195) بأنه «من الخرافات والوسواس»(1196) .
أبو الفتح الشهرستاني ( 548 هـ)
لقد صرح الشهرستاني بأن رواية ضرب عمر رضي الله عنه لفاطمة رضي الله عنها فرية، فقال وهو يعدد مثالب النَّظَّام المعتزلي: «وزاد في الفرية فقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين»(1197) .
أبو العباس ابن تيمية ( 728 هـ)
وجَّه شيخ الإسلام ابن تيمية نقدًا قويًا لروايات كسر الضلع، ومن اعتقد بها، واعتبر أن التصديق بأمثال هذه القصص من قلة العقل، فقال: «أما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى، فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين، وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين، ويصدقه حمقى العالمين، الذين يقولون: إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت، وهذا كله دعوى مختلق، وإفك مفترى، باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام»(1198) .
وقال أيضًا:
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 403«ومنهم من يقول: إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت، وهدموا سقف بيتها على من فيه، وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها كذب، فهم دائمًا يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها، وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها»(1199)
أبو عبد الله الذهبي ( 748 هـ)
يقول في اختصاره لكلام ابن تيمية في منهاج السنة: «والجهلة يقولون: إن الصحابة هدموا بيت فاطمة وضربوا بطنها حتى طرحت، أفيسوغ في عقل عاقل أن صفوة الأمة يفعلون هذا بابنة نبيهم؟»(1200) .
أبو المحاسن الواسطي (عاش في القرن التاسع)
يقول ردًّا على المثالب التي ينسبها الغلاة إلى عمر رضي الله عنه: «قولهم: إنه قاد عليًا بنبذ سيفه، وحصر فاطمة رضي الله عنها في باب فأسقطت ولدًا اسمه المحسن.
وردُّ ذلك بأن يقال: هذا كذب محض، ويؤيده وجوه:
الأول: أن ذلك فيه نسبة خساسة وعجز إلى علي رضي الله عنه وبني هاشم، لأن عليًا الشجاع الأعظم من الآل والصحب، ومعه عصبته القبيلة العظمى من قريش، وهم أبطال بني هاشم، قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم أهل الأنفة والنخوة ولم يصبروا على ضيم، ...فكيف يجوز أن يصبروا على إهانة مخدومهم وابنة مخدومهم، ثم لا عبرة به حيث لم ينقل غيره تحقق الكذب».
وذكرها وجوهًا أخرى ختمها بالحكم على الرواية بالكذب(1201) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أبو الخير فضل الله بن روزبهان الشيرازي
قال في كتابه إبطال نهج الباطل ما ملخصه: هذا الخبر كذب صريح، وافتراء بيّن، لا يكون أقبح منه، ولا أبعد من أطوار السلف، وذلك بوجوه:
الأول: أن بيت فاطمة كانت متصلًا ببيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومتصلا بالمسجد وقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهل كان عمر يحرق بيوت النبي والمسجد والقبر المكرم؟ نعوذ بالله من هذا الاعتقاد الفاسد، لأن بيوتهم كانت متصلة، معمولة من الكنين والسعف اليابس، فإذا أخذ الحريق في بيت كان يحترق جميع البيوت والمسجد والقبر الكريم، أكان عمر يقدم على إحراق جميع هذا ولا يخاف لومة لائم واعتراض معترض؟، من تأمل هذا علم أنه من المفتريات الصريحة.
الثاني: أن عيون بني هاشم وأشراف بني عبد مناف وصناديد قريش كانوا مع علي وهم كانوا في البيت، وعندهم السيوف اليمانية، وإذا بلغ أمرهم إلى أن يُحرقوا في البيت، أتراهم طرحوا الغيرة وتركوا الحمية رأسًا، ولم يخرجوا بالسيوف المسلة، فقتلوا من قصد إحراقهم بالنار؟
الثالث: دفع الصائل على النفس واجب، وترك الدفع إثم، وأي صولة على النفس أشد من صولة الإحراق، فكان يجب على علي أن يدفعه.
الرابع: لو صح هذا دل على كمال عجز علي -حاشاه عن ذلك-، فإن غاية عجز الرجل أن يُحرق هو وأهل بيته وامرأته في داره، وهو لا يقدر على الدفع، ومثل هذا العجز يقدح في صحة الإمامة.
الخامس: أن أمراء الأنصار وأكابر الصحابة كانوا مسلمين منقادين محبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أتراهم سكتوا ولم يكلموا أبا بكر في هذا، وأن إحراق أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز ولا يحسن؟.
السادس: لو كان هذا أمرًا واقعًا لكان أقبح وأشنع من قتل عثمان وقتل الحسين، ولكان ينبغي أن يكون منقولًا في جميع الأخبار، لتوفر العزائم على نقل أمثال هذا، وما رأينا أحدًا روى هذا، وفي أمثال هذا لا يكتفى برواية واحد لم يوافقه أحد، وأهل الحديث يحكمون بأن هذا منكر شاذ، لأن الوقائع العظيمة يتوفر الدواعي إلى نقلها وحكايتها، فإذا نقل مثل هذه الواقعة أحد من الناس أو جماعة من المجهولين المتعصبين، فهي غير مقبولة عند أهل الحديث(1202)
أحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي ( 974 هـ)
يقول ردًّا على افتراءات الغلاة على عمر رضي الله عنه: «قولهم: إن عمر رضي الله عنه قاد عليًا بحمائل سيفه وحصر فاطمة فهابت فأسقطت ولداً اسمه المحسن، فقصدوا بهذه الفرية القبيحة والغباوة التي أورثتهم العار والبوار والفضيحة، إيغار الصدور على عمر رضي الله عنه، ولم يبالوا بما يترتب على ذلك من نسبة علي رضي الله عنه إلى الذل والعجز والخَوَرِ، بل ونسبة جميع بني هاشم وهم أهل النخوة والنجدة والأَنَفَة إلى ذلك العار اللاحق بهم الذي لا أقبح منه عليهم، بل ونسبة جميع الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك، وكيف يسع من له أدنى ذوق أن ينسبهم إلى ذلك مع ما استفاض وتواتر عنهم من غيرتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم وشدة غضبهم عند
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 406انتهاك حرماته؟ حتى قاتلوا وقتلوا الآباء والأبناء في طلب مرضاته، ولا يتوهم إلحاق أدنى نقص أو سكوت على باطل بهؤلاء العصابة الكمَّل الذين طهرهم الله من كل رجس ودنس ونقص على لسان نبيه في الكتاب والسنة»(1203)
نصير الدين المشهور بخواجة نصر الله (عاش في القرن الثاني عشر)
يقول في كتابه الصواقع المحرقة: «يقولون إن عمر بن الخطاب حرق بيتا فيه سيدة النساء والحسن والحسين وسادات بني هاشم، ورضي بذلك أبو بكر والصحابة، وأنه ضرب بمقدم سيفه بطن الزهراء حتى أسقطت ولدًا كان في بطنها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، وكل ذلك من كذباتهم ومفترياتهم»(1204) .
شاه عبد العزيز الدهلوي ( 1239 هـ)
نقل الألوسي كلام الدهلوي في اختصاره للتحفة الاثني عشرية، فقال: «ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء، وضربها على جنبها الشريف بقبضة سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك والجواب أن هذه القصة محض هذيان وزور من القول وبهتان»(1205) .
محمود شكري الألوسي ( 1346 هـ)
نقل الألوسي كلام خواجة نصر الله الآنف في اختصاره للصواقع، وزاد عليه قائلًا: «وهذا أيضًا من أقبح مفترياتهم وكذبهم، بل فيه طعن بأهل البيت
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 407ورميهم بالجبن، إذ أقل العرب تأبى غيرته ذلك، فكيف بأبي الحسنين كرم الله تعالى وجهه وصناديد بني هاشم يسكتون عن مثل ذلك»(1206)
وقال في شرح القصيدة العينية بعد أن ذكر أن قصة إسقاط المحسن لا أصل لها: «وعلي كرم الله تعالى وجهه أجل من أن يقيم على ضيم وهو أسد الله تعالى الغالب، وكون لزومه الأرض(1207) لعهد عهده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقولون، لا أصل له(1208) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
موقف علماء المعتزلة
رأينا أن نبين موقف جمهور علماء المعتزلة من أسطورة كسر الضلع، لأن أنصار هذه الأسطورة يحتجون بكلام نسب إلى النَّظَّام المعتزلي في هذه المسألة، فكان لا بد من بيان موقف أغلبية المعتزلة حتى يتبين للقارئ أن النَّظَّام لو ثبت عنه ما نسب إليه، فقوله شاذ في مقابل جماهير علماء المعتزلة الذين اعتبروا قصة كسر الضلع من الموضوعات والأكاذيب وفيهم جماعة من رؤساء المعتزلة وكبار علمائهم.
ضرار بن عمرو (عاش في القرن الثاني)
أول من وقفنا عليه ينكر قصة كسر الضلع من المعتزلة هو ضرار بن عمرو المعتزلي، حيث جعل هذه القصة من الأحاديث المفتعلة فذكر أن من قول الغلاة: «إنّ أبا بكر وعمر ظَلَما وضربا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ألقت جنينًا»، ثم وصف هذا الخبر بقوله: «في نحو هذا من الحديث الضال المضل المفتعل»(1209) .
أبو علي الجبائي ( 303 هـ)
نقل القاضي عبد الجبار المعتزلي عن أبي علي الجبائي أنه قال: «وهذا الذي رووه عن جعفر بن محمد من ضرب عمر لا أصل له، بل المروي عن جعفر بن محمد أنه كان يتولى(1210) أبا بكر وعمر ويأتي القبر فيسلم عليهما مع تسليمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى ذلك عباد بن صهيب، وشعبة(1211) بن الحجاج،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 409وفهد بن هلال، والدراوردي، وغيرهم، ويُروى عن أبيه، وعن علي بن الحسين مثل ذلك، فكيف يصح ما ادعوه؟ وهل هذه الرواية إلا كروايتهم عن جعفر في أخبار لهم أن علي بن أبي طالب هو إسرافيل، وأن الحسن ميكائيل، وأن الحسين جبريل، وفاطمة ملك الموت، وآمنة أم النبي ليلة القدر»، قال: «فإن صدقوا بذلك، قيل لهم: فعمر بن الخطاب كيف يقوى على ضرب ملك الموت؟(1212) فإن قال: لا أصدق ذلك، فقد جوَّز رد هذه الأخبار، وصح أنه لا يجوز التعويل على هذا الجنس»(1213)
القاضي عبد الجبار ( 415 هـ)
يقول في كتاب الإمامة من «المغني في أبواب العدل والتوحيد»: «وادعوا برواية رووها عن جعفر بن محمد عليه السلام وغيره أن عمر ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط، وضرب الزبير بالسيف، وذكروا أن عمر قصد منزلها وعلي والزبير والمقداد وجماعة ممن تخلف عن بيعة أبي بكر مجتمعون هناك، فقال لها: «ما أحد بعد أبيك أحب إلينا منك، وايم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم»، فمنعت القوم من الاجتماع، ولم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر، إلى غير ذلك من الروايات البعيدة.
الجواب: أنا لا نصدق بذلك، ولا يجوز عليها، عليها السلام»(1214) .
وقال في موضع آخر: «وكالذي رووه عن عمر في إقدامه على بيت فاطمة، وتوعده بإحراقه إلى غير ذلك... وهذا الجنس مما لا يحل الاشتغال
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 410به؛ لأن الأمر فيه معلوم»((1215)
وقال في كتاب «تثبيت دلائل النبوة»: «والذي عرفنا بالخبر أن يزيد بن معاوية قتل الحسين وأشخص ذريته إلى الشام، هو الذي عرفنا بعقولنا أن أبا بكر ما ضرب فاطمة ولا قتل المحسن»(1216) .
وقال أيضًا: «إذا كان أبو بكر قد ضرب فاطمة وقتل المحسن فقد كان ينبغي أن يحصل العلم بذلك عند كل من سمع الأخبار، وأن يكون العلم بذلك مثل العلم بقتل يزيد الحسين، ومثل قتل معاوية حجر بن عدي، وعبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل، بل كان ينبغي أن يكون العلم بما ادعيتم أقوى من العلم بهؤلاء القتلى، لأن هذه الحادثة التي ادعيتموها على أبي بكر كانت بالمدينة، وقد شهدها العباس وولده، وعليّ بن أبي طالب وولده، وعقيل وولده، وجميع بن هاشم ومواليهم ونسائهم، وجميع المهاجرين والأنصار وأولادهم ونسائهم؛ وقد كان بالمدينة حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ألف إنسان، فكان يكون العلم بهذا أقوى مما كان بكربلاء»(1217) .
كما أنه جعل الاعتقاد بقصة ضرب عمر رضي الله عنه لفاطمة رضي الله عنها متعارضة مع تزويج علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم الكبرى ابنة فاطمة لعمر، فقال: «حتى ينقل عليّ بن أبي طالب إلى عمر أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجه ويفترشها ويولدها، وهذا الذي زعمتم أنه ضربها وقتل جنينها في بطنها»(1218) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أبو الحسين البصري ( 436 هـ)
قال في كتابه «شرح الأصول»: «فأما ما روي من أن عمر أحرق باب فاطمة، وأنه رفسها حين(1219) أسقطت بمحسن، فليس مما يذكر في السير الصحيحة، ولا تظاهر به الخبر، وهو مع شذوذه بما ظهر قديمًا وحديثًا من عمر، مع تحققه بالدين والزهد في الدنيا والتشدد في أمر الآخرة وبث الإسلام في الآفاق، ولا يليق السكوت على مثل هذا الفعل وترك النكير له لأهل ذلك العصر مع علمنا بشدة إعظامهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكيف لا ينكرون مثل هذا الفعل مع قرب عهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟، وكيف لا يظهر النكير؟، وكيف يجوز لنا أن نصدق بذلك، والله يصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟، ولو كانوا قد تركوا المبالغة للنكير لهذا الصنيع، لكانوا شر أمة أخرجت للناس، وكانوا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وليس يعجز أحد أن يدعي ما لم يكن ويرويه.
وإنما ندفع هذه الرواية الكاذبة بمثل هذا النظر الذي ذكرنا وأشباهه، وهذا هو الذي ادعيناه أن مخالفينا يتركون الروايات الظاهرة، ويعدلون إلى الروايات الشاذة التي يشهد الحال ببطلانها، ولو كانت هذه صحيحة لما ذهب عنها الزيدية بأجمعها...وقد روي عن زيد بن علي عليهما السلام أنه قيل له: هل بلغك أن فاطمة صلوات الله عليها عوملت بسوء؟ فقال: إنها كانت لأعز على قومها من ذلك، إنها كانت تأوي إلى ركن شديد»(1220) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ابن الملاحمي الخوارزمي ( 536 هـ)
اعتبر ابن الملاحمي سائر ما تفرد به الغلاة من المطاعن في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما غير موثوق به ثم قال: «مثل روايتهم أن عمر أضرم النار على باب أمير المؤمنين لاجتماع شيعته عندهم، ومثل روايتهم أن عمر ضرب فاطمة حتى ألقت جنينًا ميتًا اسمه محسن، وذكر أهل التاريخ أن محسنًا هذا ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي، إلى أشباه هذا مما يبهتون به على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم»(1221) .
ابن أبي الحديد ( 656 هـ)
إن ابن أبي الحديد يعد من متأخري المعتزلة الذين جمعوا بين الاعتزال والغلو في آل البيت، ومع ذلك فقد أنكر صحة أسطورة كسر الضلع، حيث يقول في «شرح نهج البلاغة» ما نصه: «فأما حديث التحريق وما جرى مجراه من الأمور الفظيعة، وقول من قال إنهم أخذوا عليًا عليه السلام يقاد بعمامته والناس حوله؛ فأمر بعيد ... على أن جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه، وسنذكر ذلك»(1222) ، وبعد أن ذكر الروايات الواردة في قصة البيعة قال: «فأما الأمور الشنيعة المستهجنة ... من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة، وإنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج، وبقي أثره إلى أن ماتت، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: يا أبتاه يا رسول الله وألقت جنينًا ميتًا، وجُعل في عنق علي حبلٌ يقاد به وهو يعتل، وفاطمة خلفه تصرخ ونادى بالويل والثبور...، فكله لا أصل له عند أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث، ولا يعرفونه»(1223) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
موقف علماء الزيدية
قد يعترض معترض على ما ذكرناه من مواقف علماء أهل السنة ونظرائهم من المعتزلة بأن رأيهم مطعون فيه، لأنهم بزعمه لا يرجعون إلى تراث آل البيت، ويوالون غيرهم،ومع عدم التسليم بهذه الدعوى، ونحن وإن كنا لا نسلم بهذه الدعوى، لأن من مضى نقل كلامهم من أهل العلم هم من أشد الناس تعظيمًا لآل البيت، بل ما صدر منهم تكذيب هذه القصة إلا دفاعًا عن آل البيت وتنزيهًا لهم مما ينسب لهم من الروايات الموضوعة والمفتراة، غير أننا لو تنزلنا جدلًا بصحة كلام هذا المعترض،فإنه لن يورد مثل هذا الاعتراض عندما نحاججه بكلام علماء الزيدية الذين يعدون أنفسهم من الموالين لآل البيت، فلا يمكن للمخالف أن يتهم الزيدية بالنصب ومعاداة أهل البيت أو موالاة خصومهم، ولأجل ذلك رأينا أن نبين موقفهم من أسطورة كسر الضلع.
قد مضى كلام أبي الحسين البصري الذي نزه الزيدية بأجمعهم عن الاعتقاد بقصة كسر الضلع، فقال: «لو كانت هذه صحيحة لما ذهب عنها الزيدية بأجمعها».
وهذا ما قرره المحقق الزيدي المعاصر قاسم حسن السراجي، حين قال: «رواية أن عمر ضرب فاطمة، وإسقاطها للمحسن، لم أجد له أصلًا في كتب الزيدية»(1224) وهذا يدل على أن هذه الأسطورة لا أصل لها في تراث الزيدية ومروياتهم المنقولة عن آل البيت، مع العلم أن جملة من علماء الزيدية يعتقدون بأن بيعة علي لأبي بكر رضي الله عنهما كانت بالإكراه، ومنهم من يرى أن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 414البيعة تمت بعد واقعة التهديد بالتحريق(1225) ومع ذلك فقد خلت كتبهم من رواية كسر الضلع(1226) وقد نَسبوا إلى إمامهم زيد بن علي إنكار هذه القصة، فرووا عن سلمة بن كهيل أنه قال لزيد بن علي: «إن الناس يزعمون أن فاطمة لُطمت»، فأجاب زيد بن علي: «كانت أكرم على أهلها من ذلك يا أبا يحيى»(1227) وقال يحيى بن القاسم الزيدي بعد أن ذكر هذه الرواية: «فترى زيدا أنكر صحة الرواية لذلك وهو إمام الزيدية»(1228) ولذلك فإن أغلب علماء الزيدية ينكرون واقعة كسر الضلع، وهذا ما وقفنا عليه من أقوالهم:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أبو القاسم البستي (عاش في القرن الخامس)
ذكر أبو القاسم البستي استدلال المخالفين بقصة ضرب عمر رضي الله عنه لفاطمة وإسقاط المحسن، وخبر زيد بن أسلم في التهديد بالتحريق وخبر تأسف أبي بكر على كشف بيت فاطمة وأخبارا أخرى موضوعة، ثم أجاب عنها قائلًا: «الأصل أن هذه الأخبار رُويت من طرق ضعيفة ورجال طُعن فيهم ونُسبوا إلى وضع الحديث وطُعن في أديانهم»، وقال منتقدًا متنه: «مثل هذا لا يجوز أن يظهر [إلا](1229) ظهورًا يوقع العلم، لأنه أعظم شيء يتصور لو كان صحيحًا حدث في الصدر الأول، فيستدل بفقده(1230) على كونه كذبًا وأنه لم يكن، ويستدل بما روي من رجوعهم إلى أمير المؤمنين في المسائل واستمدادهم من جهة الرأي والمشورة فيما كان يحدث من الحوادث، وبحضوره الصلاة إذا ما صلوا، وبمواصلته(1231) لعمر وبثنائه على أبي بكر وعمر على ما بينا في كتاب الإمامة أن هذه الأخبار لا أصل لها»(1232) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يحيى بن حمزة ( 749 هـ)
عد يحيى بن حمزة «ما يروى أنه(1233) ضرب فاطمة حتى ألقت جنينًا يسمى المحسن» من خرافات الغلاة وتزويرهم(1234) .
وسرد في كتابه «التحقيق في تقرير أدلة الإكفار والتفسيق» الروايات التي ورد فيها ضربُ فاطمة والتهديد بالإحراق وغيرها من الأدلة التي يستدل بها المخالفون على الاعتداء على علي وفاطمة ثم قال: «هذه الروايات رويت من طرق ضعيفة وحكايات موهومة عن رجال لا يوثق بدينهم، وينسبون إلى وضع الأحاديث واختلاقها، فما هذا حاله لا يمكن قبوله ولا يصغى إليه، بل تكون مردودة على ناقلها وراويها»، إلى أن يقول: «فيقال: إن هذه الأخبار موضوعة كما وضعت تلك، والقصد بوضعها الطعن في الصحابة وإسقاط منازلهم في الدين...، وأما ثانيا: فلما عُلم من حال الصحابة رضي الله عنهم من تعظيم أمير المؤمنين ورفع منزلته واستمدادهم من جهته للرأي والمشورة واعتمادهم على فتواه في مسائل الاجتهاد، ولحضوره للصلوات إذا صلوا، وبمواصلته لهم وثباته عليهم، وكل ما ذكرناه يبطل ما تقدم من هذه الروايات المكذوبة(1235) .
يحيى بن الحسن القرشي الصعْدي ( 780 هـ)
-قال معلقًا على المطاعن التي ينسبها الغلاة إلى أبي بكر رضي الله عنه: «ومنها ما روي أن عمر لما بويع لأبي بكر أتى منزل فاطمة وفيه بنو هاشم وغيرهم فأحرق الباب،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 417وأخرج عليًا كارهًا يقاد إلى البيعة، وكسر سيف الزبير، وضرب فاطمة حتى ألقت جنينًا في بطنها، وأن أبا بكر قال لعلي حين وصل إليه: لئن لم تبايع لأضربن الذي فيه عيناك، قالوا: وهذا كله يدل على فسقه وفسق عمر ومن والاهما».
ثم أجاب عن ذلك بأن المعتزلة اتهموا الغلاة بافتعال هذه الروايات ثم قال: «وكيف يُظن بالصحابة هذا على علو مكانتهم في الدين، ومعرفتهم بقدر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وقع شيء من ذلك لأنف أكثر المسلمين لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما صبر بنو هاشم على هذه الذلة.
وبعد، فلو وقع ذلك لكان نقله ظاهرًا متواترًا لعظمه وغرابته، قال المعتزلة: والمروي خلاف هذا كله، هو أن عليًا رضي الله عنه حضر المسجد طائعًا وبايع ورضي البيعة وإن كان المعلوم من قصده أنه كان أولى بها»(1236) .
وقال معلقًا على مطاعنهم على عمر رضي الله عنه: «ومنها ما رووا أن عليًا لما تخلف عن البيعة والزبير جاء إلى باب فاطمة فأحرقه وفعل وفعل، وأن فاطمة ماتت بسبب ضرب بطنها...
الجواب: ما تقدم عن المعتزلة من أنه لا يظن العاقل بالصحابة مثل هذا لا سيما مع شرف بني هاشم وعزة نفوسهم، وقد كانت العرب كلها تقوم معهم في مثل هذا»(1237) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عبد الله بن محمد النجري ( 877 هـ)
قال في شرح القلائد في تصحيح العقائد: أما ما يرويه الإمامية أن أبا بكر رد فدكا لفاطمة، وكتب لها بذلك كتابا ودفعه إليها، فاستقبلها عمر وأخذ منها الكتاب وحرقه، ودفعها حتى انكسرت أحد أضلاعها وغير ذلك فمن الأكاذيب التي لا يلتفت إليها(1238)
عز الدين بن الحسن بن المؤيد ( 900 هـ)
قال ابن المؤيد في شرحه لكلام يحيى بن الحسن القرشي الصعدي الآنف عند رده على المطاعن التي تُنسب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «لا شك أنها لم تبلغ حد التواتر وإيمان القوم معلوم مشهور وفضلهم معروف غير منكور وتلك الأمور المنسوبة إليهم لا تليق بحالهم وفضلهم ولا يصدر مثلها إلا عن الجبابرة المفرطين في الظلم والعدوان كما كان من خلفاء الجور الأمويين والعباسيين وأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخواصه ومن سمحوا بديارهم وأموالهم وآبائهم وأبنائهم في محبته ونصرته وحفظ أديانهم فمن البعيد أن يصدر منهم ما فيه إحباط لأعمالهم الصالحة وجرأة على الله وهتك لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وينبغي اجتناب الظن السَّيء فيهم فهو من البعض الذي هو إثم»(1239) .
وقال عند رده على مطاعن الإمامية في عمر: «قوله: «جاء إلى باب فاطمة فأحرقه وفعل وفعل». المذكور أن عمر قام على الباب وقال: «لئن لم يخرج ابن أبي طالب لأحرقن عليه البيت بمن فيه إ»، وأخرج عليًا والزبير وكسر سيفه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قوله: «وإن فاطمة ماتت بسبب ضربة على بطنها»: الذي رووه أنه لما دخل عمر عليهم البيت اعتمد على الباب واعتمدت فاطمة عليه فضرب الباب على بطنها فألقت صبيًا اسمه محسن وبقيت عليلة إلى أن ماتت.
قوله: «من أنه لا يظن العاقل بالصحابة مثل هذا»، قال الإمام يحيى: «وهذه الروايات رويت من طرق ضعيفة وحكايات موهومة، عن رجال لا يوثق بدينهم، يُنسبون إلى وضع الأحاديث، و تُنزَّل هذه الأخبار في الرد والتهمة منزلة أخبار الجبر والتشبيه، والقصدُ بوضعها:الطعنُ في الصحابة وإسقاط منازلهم في الدين».
قال: «ولا معنى لتأويل هذه القصص، فإنها لو صحت لكانت من الكبائر المبطلة للأعمال الموجبة لاستحقاق النار».
قال: «وخلافها معلوم من حال الصحابة».
يعني: فقد علم منهم تعظيم أمير المؤمنين ورفع منزلته واستمدادهم من جهته للرأي والمشورة واعتمادهم على فتواه في مسائل الإجتهاد»(1240) .
يحيى بن الحسين بن القاسم ( 1100 هـ)
قال في كتابه «الإيضاح لما خفا من الاتفاق على تعظيم صحابة المصطفى»: «ما يروى من أن عمر أحرق بيت علي بن أبي طالب، وأن فاطمة لُطمت، فهو كذب ومثله: ذكر النجري في شرح القلائد وهو من كبار علماء الهادوية، وقال: موضوع، وروي عن سلمة بن كهيل وغيره بإسناده إلى يحيى بن سلمة،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 420قال: أخبرني أبي، عن زيد بن علي، قال: قلت له: يزعمون أن فاطمة لُطمت، قال زيد: كانت أكرم على أهلها من ذلك يا أبا يحيى»، انتهى فترى زيدًا أنكر صحة الرواية لذلك وهو إمام الزيدية»(1241)
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
موقف علماء الإمامية وكُتَّابهم
إذا كان بعض الغلاة على مر التاريخ قد اعتقدوا بقصة كسر الضلع، فقد أنكر هذه الأسطورة عدد غير يسير من علماء الإمامية وكتَّابهم، وقد حاول أنصار هذه الأسطورة
-وخاصة تيار التضليل الذي كان جعفر مرتضى العاملي رأس الحربة فيه- أن يصوروا للناس أن المرجع محمد حسين فضل الله قد تفرد بإنكارها وأن قصة كسر الضلع قضية مشهورة ومجمع عليها، غير أن الحقيقة غير ذلك، حيث إن محمد حسين فضل الله لم يتفرد بإنكار هذه الأسطورة والتشكيك بها بل كان مسبوقًا في ذلك، فضلًا عن أن كثيرًا من المحققين من علماء الإمامية الذين عرف عنهم اتباع منهج التثبت والتحقق من الروايات قد تابعوا المرجع محمد حسين فضل الله على إنكار هذه الأسطورة والحكم بضعفها، وهذه أسماء من وقفنا عليه من علماء الإمامية الذين أنكروا صحة قصة كسر الضلع، وفيهم جمع من كبار علمائهم منهم:
النسابة أبو الحسن العمري (القرن الخامس)
وهو أول من وقفنا عليه من علماء الإمامية ينكر وقوع أسطورة الاعتداء على فاطمة رضي الله عنها وإسقاط جنينها، حيث يقول وهو يعدد أولاد علي رضي الله عنه: «ولم يحتسبوا بمحسن؛ لأنه ولد ميّتًا، وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة، ووجدت بعض كتب أهل النسب يحتوي على ذكر المحسن، ولم يذكر الرفسة من جهة أعوّل عليها»(1242) والمقصود بالرفسة هو ما جاء في روايات أسطورة كسر الضلع من أن عمر رضي الله عنه رفس فاطمة رضي الله عنها
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 422فأسقطت محسنًا، فأبو الحسن العمري يصرح بأن هذا الخبر لم يثبت عنده، ومن العجب أننا بعد بحث طويل، لم نجد من نبه على أن أبا الحسن العمري أول من نفى قصة إسقاط المحسن من علماء الإمامية ولا ندري سبب غفلة النافين لقصة إسقاط المحسن عن ذلك، في المقابل، فإننا وجدنا أنصار هذه الأسطورة يحشرون أبا الحسن العمري ضمن المثبتين لقصة كسر الضلع»، وأولهم جعفر مرتضى العاملي(1243) وتبعه وفيق سعد العاملي(1244) ثم تبعه محمد مهدي الخرسان الذي ذكر أبا الحسن العمري ضمن «أسماء أولئك الذين صرّحوا بأنّ المحسن مات سقطًا»(1245) وإذا كان هؤلاء قد أراحوا أنفسهم من مناقشة كلام العمري واكتفوا بنقله ضمن المثبتين لقصة إسقاط المحسن مع تجاهل كونه ينفي قصة إسقاط المحسن وهذا نهايةُ التدليس والتلبيس، فإن عبد الزهراء مهدي قد سلك مسلكًا آخر، فقد أراح نفسه من هذا الإشكال بأن ساق من كلام أبي الحسن العمري ما يناسبه، فنقل كلامه إلى قوله: «وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة»، وبتر بقية كلامه الذي ينقض مراده والذي جاء فيه «ولم يذكر الرفسة من جهة أعوّل عليها»!(1246) وهكذا فلتكن الأمانة العلمية.
محمد حسين كاشف الغطاء ( 1373 هـ)
يعد محمد حسين كاشف الغطاء من أوائل من شكك في بعض جزئيات قصة كسر الضلع في العصر الحديث، فيقول بعد أن ذكر استفاضة روايات
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 423ضرب فاطمة وكسر ضلعها في كتب الإمامية: «ولكن قضية ضرب الزهراء ولطم خدها مما لا يكاد يقبله وجداني ويتقبّله عقلي، ويقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرّجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركّزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدًا وتأكيدًا تمنع بشدة أن تضرب المرأة أو تمد إليها يد سوء، حتى أنّ في بعض كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) ما معناه: أن الرجل كان في الجاهلية اذا ضرب المرأة يبقى ذلك عارًا في أعقابه ونسله»(1247)
وقد عدَّ المرجع محمد حسين فضل الله كلام كاشف الغطاء إنكارًا منه لقصة ضرب فاطمة رضي الله عنها، فقال: «لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث، كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) بالنسبة لضربها، ولطم خدها»(1248) بينما ذهب خصوم فضل الله إلى أن كاشف الغطاء لم ينكر كسر الضلع وإسقاط الجنين، وأن مراد كاشف الغطاء هو «استبعاد أن تصل يد أثيمة من أجنبي إلى بدن الصديقة الطاهرة ووجهها عليها السلام بالضرب واللطم وأما الضرب من وراء الثياب والرداء فلا استبعاد في ذلك في نظره(1249) لأن كاشف الغطاء بعد أن استبعد وقوع ضرب الزهراء قال: «لا أمنع من أنه ضربها(1250) بسوطه من وراء الرداء وإنما الذي أستبعده أو أمنعه هو لطمة الوجه وقنفذ ليس ممن يخشى العار لو ضربها من وراء الثياب أو على عضدها»(1251)
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 424والذي يبدو لنا أن كاشف الغطاء ينكر أن تكون فاطمة رضي الله عنها ضُربت ولطمت في وجهها من طرف أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما، لكنه لا يرى مانعًا من أن يكون قنفذ هو من ضربها بسوط أو من وراء الثياب، حيث إن كاشف الغطاء قد أشكل على الحادثة بأنها لو كانت من تدبير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لذكرت فاطمة رضي الله عنها ذلك في خطبها التي تعدد فيها مظالمها، فيقول: «ويزيدك يقينًا بما أقول أنها -ولها المجد والشرف ما ذكرت ولا أشارت إلى ذلك في شيء من خطبها ومقالاتها المتضمنة لتظلمها من القوم وسوء صنيعهم معها، مثل خطبتها الباهرة الطويلة التي ألقتها في المسجد على المهاجرين والأنصار، وكلماتها مع أمير المؤمنين بعد رجوعها من المسجد»(1252) ومع أن كاشف الغطاء لم يصل درجة النفي الكامل لقصة كسر الضلع وإسقاط الجنين، إلا أن كلامه مخالف لمسلك الذين يرون تعرض فاطمة للضرب المباشر من عمر ومن كان معه في زعمهم، ولأجل هذا ذهب بعضهم إلى التشكيك في صدور هذا الكلام من كاشف الغطاء رأسًا(1253)
هاشم معروف الحسني ( 1404 هـ)
وقد ذكر عددًا من الروايات التي ذكرت قصة الهجوم على بيت فاطمة، ومنها رواية كسر الضلع(1254) ، وحكم بعدم ثبوت هذه الروايات قائلًا: «إلى كثير من المرويات التي لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي»(1255) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المرجع محمد حسين فضل الله ( 1431 هـ)
يعدُّ من أشهر من أنكر قضية كسر الضلع وإسقاط المحسن، مع أنه كان يعتقد بها في السابق(1256) ثم يبدو أنه بعد أن درس الروايات الواردة في ذلك تراجع عن تقرير هذه القصة وتحول موقفه إلى التشكيك فيها، وقد ذكرنا في بداية هذه الدراسة قصة الضجة التي أُثيرت حوله بسبب تشكيكه في هذه القضية، حيث قال في مسجد الرضا في قم: «أنا لا أتفاعل مع كثير من الأحاديث التي تقول إن القوم كسروا ضلعها أو ضربوها على وجهها أو ما إلى ذلك... إنني أتحفظ في كثير من هذه الروايات»(1257) وعندما وقعت مراسلات بينه وبين أنصار قصة كسر الضلع كجعفر مرتضى العاملي وجواد التبريزي، ناقشهم فضل الله في صحة روايات كسر الضلع من جهة السند والمتن، لكنه في أول أمره لم يبلغ درجة إنكار القصة برمتها، فقد كان يكتفي بالتشكيك في ثبوتها وإثارة التساؤلات والإشكالات حولها، ولذا يقول: «أنا لا أنفي قضية كسر الضلع، ولكنني أقول: إنني غير مقتنع بذلك، وكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، كذلك النفي يحتاج إلى دليل»(1258) ولذلك كان يصف من ينسب له إنكار كسر الضلع
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 426بالكذب، حيث يقول: «أنا من الأساس لم أقل إنه لم يكسر ضلع الزهراء، وكل ما(1259) ينسب إلي ذلك فهو كاذب، أنا استبعدت الموضوع استبعادًا، رسمت علامة استفهام على أساس التحليل التاريخي. قلت: أنا لا أتفاعل مع هذا لأن محبة المسلمين للزهراء كانت أكثر من محبتهم لعلي، وأكثر من محبتهم للحسن والحسين، وفوقها محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت إنه من المستبعد أن يقدم أحد على فعل ذلك»(1260)
لكن الظاهر من كلماته هو الميل إلى النفي، ويبدو ذلك من خلال قوله: «هناك بعض الحوادث التي تعرضت لها مما لم تتأكد لنا بشكل قاطع وجازم، كما في مسألة حرق الدار فعلًا، وكسر الضلع، وإسقاط الجنين، ولطم خدها، وضربها.. ونحو ذلك مما نقل إلينا من خلال روايات يمكن طرح بعض علامات الاستفهام حولها، إما من ناحية المتن، وإما من ناحية السند. وشأنها شأن الكثير من الروايات التاريخية. ولذا فقد أثرنا بعض علامات الاستفهام كما أثارها بعض علمائنا السابقين رضوان الله عليهم، كالشيخ المفيد الذي يظهر منه التشكيك في مسألة إسقاط الجنين، بل في أصل وجوده، وإن كنا لا نوافقه على الثاني، ولكننا لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث، كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) بالنسبة لضربها، ولطم خدها، لأن النفي يحتاج إلى دليل، كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل»(1261) كما أن فضل الله يعتبر قضية كسر الضلع مسألة خلافية حيث يقول: «والمسألة محل خلاف من جهة الروايات التاريخية وفي بعض الأمور المتعلقة بالتحليل النقدي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 427للمتن»(1262) والقضية بالنسبة له ليست ذات أهمية حيث يقول: «ليست القضية من المهمات التي تهمني سواء قال القائلون إن ضلعها كسر أو لم يقل القائلون ذلك، هذا لا يمثل بالنسبة لي أية سلبية أو إيجابية»(1263)
ويبدو أن فضل الله كان يعتقد بعدم وقوع الحادثة، فكل الأقوال التي صدرت عنه، مثل القول بضعف بعض أسانيد القصة، والارتباك في الوقائع، والاختلاف في الروايات، والإشكالات المرتبة على إثبات هذه الحادثة من نسبة الجبن إلى علي رضي الله عنه، واستبعاد اعتداء الصحابة على فاطمة رضي الله عنها لحبهم لها، وغيرها من سهام النقد التي وجهها فضل الله لهذه القصة، كلها تؤيد ميله إلى نفيها، غير أن الأجواء التي كانت تحيط بفضل الله والهجمة الشرسة التي شُنت ضده هي ما جعله لا يذكر رأيه الصريح في المسألة، ويكفي أن فضل الله منذ أن صدر منه التشكيك في قصة كسر الضلع لم يصرح بعد ذلك بثبوتها ولو لمرة واحدة، كما أنه استشهد بكلام من أنكر هذه القصة ولم ينقل كلام من أثبتها من علماء الإمامية، ولعل ما يؤيد ما ذهبنا إليه أننا وقفنا على كلام له في خطبة ألقاها في آواخر حياته، حيث قال فيها: «إن المشكلة عند الكثيرين من الناس أنهم يذكرون الزهراء بالجانب المأساوي فقط، ولهذا شُغل الناس عن شخصية الزهراء(ع) بمسألة أنه كُسر ضلعها، وهذا أمر لا نتعقّله»(1264) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
محمد الحسيني
محمد الحسيني هو أحد تلاميذ محمد حسين فضل الله(1265) ، وهو من الذين تصدوا للدفاع عنه ضد هجمة جعفر مرتضى العاملي، فقد ألف محمد الحسيني كتاب «هوامش نقدية، دراسة في كتاب مأساة الزهراء»، وهو كتاب ينتقد كتاب «مأساة الزهراء» لجعفر مرتضى العاملي الذي حاول فيه إثبات أسطورة كسر الضلع، وقد تصدى محمد الحسيني لكشف كثير من الأخطاء والتناقضات في كتابات جعفر مرتضى العاملي المتعلقة بكسر الضلع، وناقش منهجيته في إثبات الواقعة والتي تنطلق من الحشد الأعمى للروايات دون الانتباه إلى الاختلاف الواقع بينها(1266) ، ونقض دعوى تواتر روايات كسر الضلع(1267) ، والذي يظهر من ثنايا الكتاب أن المؤلف يتبنى رأي فضل الله في قضية كسر الضلع(1268) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
نجيب نور الدين(1269)
ألف نجيب نور الدين كتابه «مأساة كتاب المأساة» ردًّا على كتاب «مأساة الزهراء» لجعفر مرتضى العاملي، وقد وجه نجيب نور الدين نقدًا واسعًا لمنهجية جعفر مرتضى واستدلالاته، كما أنه انتقد بعض تفاصيل روايات كسر الضلع، حيث يقول مثلًا: «لا يعقل بحالٍ من الأحوال أن يكون تكليف الإمام عليّ (عليه السلام) الشرعي هو السكوت على أذيّة زوجته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يترك من يريد هتك حرمتها يفعل ما يريد وهو جالسٌ في مكانه يسمع ويرى ولا يُحرِّك ساكنًا إنَّ الإمام عليًا (عليه السلام) أجلُّ ممّا يحاول أن يصفه به المؤلّف وأعلى شأنًا من أيِّ إنسان يملك حميّة الدفاع عن الضعفاء ومهضومي الحقوق أو المعتدى عليهم، فكيف إذا كان هذا المظلوم هو أشرف خلق الله وأعزّهم عليه وعلى نبيّه؛ فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟» نحن نستغرب كيف يكون تكليف رجل كالإمام صلوات الله وسلامه عليه هو أن يسكت عن فعل أولئك المعتدين؟»»(1270) ويقول أيضًا: «كيف يمكن أن يكون تكليف الزهراء (عليها السلام) الشرعي هو أن تُظلَم وتُضرَب في بيتها وأن تستسلم لهذا الظلم بملء إرادتها، وأن يكون تكليف الإمام عليّ (عليه السلام) أن يتركها عرضة للظلم؟ أيُّ منطق هذا الذي يحاول المؤلّف أن يقنعنا به؟ ونحن نتساءل: لأيِّ أمرٍ يكون تكليف هؤلاء الشرفاء أن يُظلَموا، وإذا كان ذلك لتبيان حقّ الإمام في الخلافة، فإنَّنا لا نوافق على ذلك لسببٍ مهمّ جدًا، وهو أنَّنا نعتبر حجّة الإمام بالغة إلى
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 430درجة اليقين، وأنَّ الطريق للوصول إلى هذا الحقّ لا يكون بهذه الطريقة التي تحرج الإمام والزهراء (عليها السلام) معًا، وأكثر من ذلك نقول: هل عُدم الإمام والزهراء (عليهما السلام) وسيلة لإظهار الحقّ حتّى يلجأوا إلى هذه الطريقة من التعاطي مع الظالمين؟؟» إنَّنا نشكّ في ذلك، وليس هكذا يأخذ أئمّتنا حقوقهم!(1271) كما أنه انتقد جعفر مرتضى العاملي حين صور أن كتاب سليم بن قيس متفق على صحته، واعترض عليه بكلام الخوئي الذي حكم بضعف أسانيد كتاب سليم بن قيس(1272) والكاتب وإن لم يصرح برأيه في المسألة لكن قارئ كتابه يستنتج أنه يوافق رأي فضل الله في الموضوع.
جعفر الشاخوري البحراني
لقد تعرض جعفر الشاخوري البحراني لنقد بعض تفاصيل روايات كسر الضلع، وقد مضى نقل شيء من كلامه في ذلك في مناقشة متون روايات تلك الأسطورة، وقد خصص جعفر الشاخوري في كتابه «مرجعية المرحلة وغبار التغيير» ملحقًا خاصًا لنقد متون روايات كسر الضلع، حيث قارن بينها وبين بقية الروايات وأوضح وجه التناقض فيها، واعتبر روايات كسر الضلع ضعيفة السند ومختلفة في المضمون(1273) ، وهو يتبنى رأي فضل الله في الموضوع كسابقيه.
حسن العلوي
يعد حسن العلوي(1274) أحد مفكري الإمامية المعاصرين الذين تجردوا من العصبية،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 431وقد شكك في واقعة كسر الضلع، ووجه للروايات الواردة فيها سهام النقد حيث يقول: «لم أستسلم بعد إلى زج فاطمة الزهراء في تلك الحادثة، وليس معقولًا ولا لائقًا أن تتحدث الرواية عن إسراعها إلى الباب في تلك اللحظة. إن المهابة والمكانة والمناسبة اعتبارات تمنع وحيدة النبي أن تقترب من الباب بين أفواج من رجال قريش، ومن وضع الرواية تجاهل حزن الزهراء، على فقد أبيها ووفاتها كمدًا عليه في روايات أبعدها زمنًا ستة شهور، وتجاهل مهابتها فجعلها واحدة من المتخاصمات في يوم الحزن وأحال إسقاط الجنين إلى مصرع الباب بدلًا من أن يكون بسبب مصرع والدها النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا.
إن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند فاطمة الزهراء، كان سيجهضها دون سجال. ولطالما أجهضت نساء لوفاة ابن أو زوج أو أب، فكيف والسيدة هي فاطمة. وكيف والفقيد نبي الله الخاتم، فلماذا يقلل من شأن رحيل النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الإجهاض سوى أن يكون عمر هو المتهم؟.
لم يكن من عادات العرب ردّ المرأة على طارق الباب، وفي البيت رجالٌ آخرون، ... فهل يعقل أن تترك فاطمة حزنها المقيم وفجيعتها المرّة لكي تفتح الباب أو تخرج إليه؟، ربما لاحظت الرواية هذا الجانب فاستعانت بالزهراء لتصد مع الرجال هجوم عمر...، وإذا ما سمحت مناهج الدفاع عن أهل البيت بالإساءة إليهم، إذا تعلق الأمر بالإساءة إلى عمر بن الخطاب، وضعت فاطمة الزهراء على باب الخصومة وأجهضتها وراء الباب»(1275) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أحمد الكاتب
عرف عن عبد الرسول لاري – المشهور بأحمد الكاتب- تحرره من قيود التراث الروائي، وابتعاده عن التعصب، وكتاباته شاهدة على كونه ملمًا بالمطالب الحوزوية في الأصول والفروع، ولذا رأينا من الفائدة إيراد نقده لروايات كسر الضلع.
يصرح أحمد الكاتب بأن قصة كسر الضلع أسطورة، فيقول تحت عنوان: «أسطورة الهجوم على بيت فاطمة الزهراء»: «وربما كانت قصة كبس بيت الإمام علي من قبل عمر من أجل إجباره على بيعة أبي بكر، وما رافق ذلك من تهديد بحرق بيت فاطمة على من فيه، أو قيامه بحرق باب البيت وضرب الزهراء وعصرها وراء الباب، وإسقاط جنينها (محسن) والتسبب في وفاتها، من أهم القصص الأسطورية الخطيرة التي لعبت عبر التاريخ وتلعب اليوم دورًا كبيرًا في تأجيج الخلافات...(1276) ثم بعد أن عرض تاريخ قصة البيعة، شرع بنقض هذه القصة قائلًا: «الميزان العام لمعادلة القوى، والجو العام لتطور الأحداث يستبعد الرواية السابقة التي تتحدث عن ممارسة العنف في أخذ البيعة لأبي بكر، فإذا كان أبو بكر قد ترك سعد بن عبادة ولم يجبره على البيعة، فقد كان أضعف من أن يجبر الإمام علي على البيعة، وأبعد من أن يأمر باقتحام داره وجلبه بالقوة، أو يسمح لأي أحد بتهديده بإحراق بيته عليه، وهو ما تقوله الأسطورة التي نشأت في القرون التالية، وحملت بين طياتها تفاصيل أسطورية أخرى أبعد ما تكون عن الحقيقة،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 433مثل ضرب عمر للزهراء وحرق باب بيتها فعلًا، والتسبب في إسقاط جنينها (محسن) أثناء الهجوم على بيتها، والعياذ بالله»(1277)
ويرى أحمد الكاتب أن أسطورة كسر الضلع نشأت في القرن الثالث، وأن الذين تبنوها هم أنصار نظرية ولادة ابنٍ للحسن العسكري، وهم الذين صاروا فيما بعد يسمون الاثني عشرية، فيقول إن: «أنصار النظرية ظلوا يتحمسون لتأييد نظريتهم ونقد نظرية الشورى والاختيار، ويحاولون قراءة التاريخ بشكل مغاير لسلوك أهل البيت والإمام علي، وكتابته من جديد. ومن أجل ذلك تشبثوا بحكاية تهديد عمر بحرق بيت فاطمة الزهراء، وحولوا التهديد المفترض الى واقع تاريخي ثابت، وأضافوا على الحادث كثيرًا من الرتوش الأخرى مثل ضرب الزهراء وعصرها وراء الباب وكسر ضلعها وإسقاط جنينها «محسن» ووفاتها على إثر ذلك»(1278) .
محمد حسن ترحيني العاملي
إن من النادر في هذا العصر أن تجد أحد علماء الإمامية ينفي قصة كسر الضلع صراحة، فإذا كان فضل الله وأنصاره قد اكتفوا بالتشكيك فيها وبيان مواضع الخلل في تفاصيلها دون الجرأة على نفيها بكلمات صريحة وواضحة، فإن محمد حسين ترحيني العاملي قد تجاوز التشكيك إلى نفي القصة رأسا حيث يقول في كتابه «عقائد الإمامية بين الأصيل والدخيل»: «لو كان عمر فعلًا ضرب بالباب على صدر فاطمة وكسر أضلاعها، كيف يقدم علي عليه السلام
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 434على تزويج ابنة
فاطمة إلى قاتل أمها؟»، وكيف كانت أم كلثوم ترضى بأن تكون زوجة لقاتل أمها، وهل كان الإمام الحسن والحسين وهما شابان غيوران يرضيان بمثل هذا(1279) .
ياسر عودة
إن ياسر عودة من تلاميذ وأنصار فضل الله القلائل الذين كانت عندهم الشجاعة لنفي أسطورة كسر الضلع وإنكارها، فخلافًا لمحمد الحسيني ونجيب نور الدين وجعفر الشاخوري، الذين اكتفوا بتأييد رأي فضل الله بالتشكيك في قصة كسر الضلع ونقد متونها وجعلها ضمن دائرة الثبوت أو عدمه، فإن ياسر عودة هو التلميذ الوحيد لمحمد حسين فضل الله الذي وجدناه ينفي أسطورة كسر الضلع بصراحة، فيقول في كتابه «قضايا أثارت جدلا»: «أما كسر ضلع فاطمة عليها السلام، فقد ذهب المشهور إلى ذلك، ولم يبحثه أحد من العلماء الذين يراعون القواعد العلمية للحديث في بحثه سندًا ومتنًا إلا وتحفظ على تلك الحادثة التاريخية» إلى أن يقول: «نصل لسيدنا الأستاذ الكبير آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله الذي هذب ما أُفسد من الإسلام وحارب الغلو والخرافة ووقف سدًا منيعًا في وجه الموضوع والمكذوب، فأحاديث كسر الضلع لم تثبت عنده سندًا، ولن نتكلم فيه بل ننقل الكلام إلى المتن، ثم ذكر إشكالات القول بصحة روايات كسر الضلع من لزوم نسبة الجبن إلى علي رضي الله عنه وحاشاه من ذلك-، وغيرها من نقاط الضعف في الروايات، وبعد أن اعتبر أن مسألة كسر الضلع مسألة تاريخية وليست عقدية، وجه نقدًا لمن يسكت عن بيان حقيقة أمثال هذه الخرافات فقال: «لأنها مسألة تاريخية بحتة، فالإيمان
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 435بها وعدمه سيان، وإن كانت على شهرة جعلت الكثير من العلماء لا يواجهونها لعدم جرأتهم في المقام، ومما يؤسف له أن عدم جرأة العلماء الكبار على مواجهة الكثير مما أدخل في الدين، وأُخِذَ أَخْذَ المسلمات وألبس ثوب المقدسات، أدى إلى ما نحن فيه من الخلافات وتجرأت الناس على المقامات واستخراج الفتاوى المضللات، إن استقالة كثير من العلماء الكبار وخصوصًا من تقدم ومن بقي ممن لا جرأة له، جعل من الجهلة علماء ومحققين ليبثوا على منابر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخرافة والجهل والتخلف ما لا يحصى، حتى أصبح اللادين دينًا والدين غريبًا، ومن يواجه هذه الترهات يوصف بالضلال والخروج عن المذهب»(1280)
ولعل صراحة ياسر عودة مقارنة مع بقية أنصار فضل الله ترجع إلى أن ياسر عودة ألف كتابه هذا بعد وفاة فضل الله، أما البقية، فقد ألفوا كتبهم في حياة فضل الله فيظهر أنهم لم يكونوا يريدون تجاوز الموقف الرسمي لمحمد حسين فضل الله، خلافا لياسر عودة الذي كان متحررًا من هذه القيود، ومع ذلك فإن الذي نأمله أن يتشجع المنصفون منهم، ويكتبوا دراسةً خاصةً تنتقد هذه الأسطورة بصراحة وبشجاعة.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
خاتمة
بعدما تقدم، تبين لكل منصف وطالب للحقيقة، أن ما يروى عن قصة كسر ضلع فاطمة الزهراء رضي الله عنها «حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعُف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه حب(1281) القول به، والحب يعمي ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته»(1282) ، ويصح أن يقال فيه ما قيل في نظائره من الأخبار المكذوبة «فهذا خبر منكر موضوع، وأثر مختلق مصنوع، لا يصح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض»(1283) ، وقد مضى تفصيل الكلام عن أصل هذا الخبر، وأحوال رواته، وعلل أسانيده ومتونه، وملخص ما انتهينا إليه من نتائج هي كالتالي:
1 -إن خبر الاعتداء على فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، خبر لم يكن له وجود إلى القرن الثاني، ولذا فالباحث لا يقف لهذا الخبر على أثر في كتب التواريخ ودواوين الحديث، ولم ينقله حتى المتَّهمون من الأخباريين، من نظراء الواقدي وأبي مخنف والكلبي وأضرابهم، وإنما كان يتداول على ألسنة بعض الغلاة مثل هشام بن الحكم.
2 -ثم تحول هذا الخبر من حكاية تذكر على الألسن، إلى رواية تنقل بالأسانيد في بعض الكتب الروائية عند الإمامية، بداية من أواسط القرن الرابع،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 437وفي هذه الفترة بدأت هذه الأسطورة تتسرب إلى كتب العقائد والمساجلات الكلامية، وتُوظف للطعن في الصحابة رضي الله عنه، وإنكار صحة بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وادعاء وقوع الظلم على أهل البيت رضي الله عنه، ثم ما لبثت هذه الحكاية تذكر في كتب الأدعية والزيارات، إلى أن صارت فيما بعد من الحكايات التي تُقصُّ في المجالس وتتلى على المنابر.
3 -إن سائر الأخبار التي رويت بها أسطورة كسر الضلع هي أخبار واهية، وأسانيدها ساقطها، ومتونها متناقضة مضطربة، وقد تفرد بروايتها جماعة من الرواة الذين وصفهم علماء الرجال الإمامية بأنهم مجاهيل وغلاة وكذابون ووضاعون، ولم نقف عليها مسندة برواية الثقات، وهو ما يثير الاستغراب، فلا يصح شيء من هذه الأخبار بحسب موازين علم الرجال الإمامي.
4 -إن أغلب روايات حكاية كسر الضلع منقولة من كتاب سليم بن قيس الهلالي، وهو الكتاب الذي روى أخبار هذه الواقعة بتفصيل لم نجده عند غيره، وبعد دراسة مفصلة لهذا الكتاب تبين أنه كتاب ملفق موضوع مختلق، وأن سليم بن قيس الذي يروى عنه هذا الكتاب وينسب إليه، شخصية غير حقيقية، فضلًا عما اعترى هذا الكتاب من التحريف والدس والتدليس والزيادة والنقصان على مر التاريخ، إضافة إلى أمارات الكذب والاختلاق الظاهرة على متون رواياته، بل إن مرويات سليم بن قيس عن قصة كسر الضلع لم تنقل في كتب المتقدمين، وإنما ظهر نقل هذه الحكاية عن سليم في القرن السادس فما بعده».
أما النسخة المتداولة من هذا الكتاب فلا وثوق بها، للاختلاف الفاحش الذي وقع في النسخ الخطية الواصلة إلينا منه، ولو تجاوزنا عن كل هذه الآفات التي ابتلي بها الكتاب، فيكفي أن تعلم أن سائر الأسانيد التي يُنقل بها كتاب سليم مدارها على رجل واحد على التحقيق، وهو أبان بن أبي عياش الذي ضعَّفه عامَّة علماء الرجال الإمامية.
5 -أن أهم إسناد تعلق به القائلون بثبوت قصة كسر الضلع، هو الخبر الذي ينسب إلى جعفر الصادق رحمه الله في كتاب دلائل الإمامة المنسوب لمحمد بن جرير الطبري، وهو كتاب ساقط من الناحية العلمية، فالتحقيق أن مؤلفه مجهول، فضلا عن أن الإسناد لا يصح لوجود عدة علل قادحة فيه.
6 -لجأ أنصار هذه الأسطورة إلى محاولة إثبات صحتها، بادعاء تحقق الشهرة فيها تارةً، وبادعاء تواترها تارة أخرى، والتحقيق خلاف ذلك قطعًا، فأخبار كسر ضلع الزهراء رضي الله عنها أخبار قليلة تفرد بها بعض غلاة الإمامية، وهي مروية عن أنفارٍ معدودين، فعامّتها يرجع إلى مصنفات معدودة على الأصابع، فما يتوهمه بعضهم من كثرة روايات هذه الأسطورة، لا حظ له من الصحة، ويلحق بذلك ما يُتوهم من شهرة هذه الأخبار، فالتحقيق أنها لا تبلغ مرتبة الشهرة، لكون مدارها على رواة قليلين، فضلا عن عدم صحة شيء من أسانيدها، لأن الشهرة لا يترتب عليها صحة الخبر كما قرره الخوئي وغيره، فإذا تقرر ذلك فمن باب أولى ألَّا تكون هذه الأخبار قد بلغت درجة التواتر.
7 -إن دعوى تحقق الإجماع على واقعة كسر الضلع دعوى مردودة، لوجود المخالف في هذه المسألة قديما وحديثا، فقد صرح النسابة الإمامي
PDF 439أبو الحسن العمري عاش في القرن الخامس) بعدم ثبوت قصة إسقاط المحسن عنده، وأما في عصرنا اليوم، فقد أنكر هذه القصة جماعة من علماء الإمامية على رأسهم المرجع محمد حسين فضل الله، وبذلك يظهر أن دعوى الإجماع لا حقيقة لها.
8 -إن بطلان روايات كسر الضلع لا يقتصر على العلل الواقعة في أسانيدها، بل إن متونها تشهد على هذه القصة بالكذب والاختلاق، لتضمنها لكثير من المبالغات والمجازفات الغريبة، فضلا عما وقع في تفاصيلها من التناقض والتعارض والاختلاف الفاحش.
9 -لقد أنكر حكاية كسر الضلع جماعة كبيرة من أهل العلم قديما وحديثا، ومن سائر الاتجاهات والمذاهب، فحكموا على هذه القصة بأنها من الأكاذيب والخرافات، وهذا أبين دليل على أن كل منصف إذا بحث هذه المسألة بتجرد ،قطع ببطلان هذه القصة وبأنها من الافتراءات.
وفي الختام نحمد الله تعالى على توفيقه لإتمام هذه الدراسة، ولا شك أن هذا البحث لن يخلوا من قصور وخطأ، لأن تلك هي طبيعة البشر، ولذا فمن وقف على تقصير منا في هذا البحث فلا يبخل علينا بإرسال ملاحظاته، وعلى كل حال فما كان من صواب في هذا البحث فهو من توفيق الله وتسديده، وما كان في من زلل فهو منا ومن الشيطان ونحن نستغفر الله ونتوب إليه، ونسأل الله دوام التوفيق والسداد.
المصادر والمراجع
ابن أعثم الكوفي: ومنهجه التاريخي في كتاب الفتوح- محمد جبر أبو سعدة مطبعة الجبالوي، القاهرة، مصر- 1408 هـ- 1987 م أبواب الأئمة المعصومين سبيل العارفين-أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي -تحقيق مصطفى صبحي الحمصي- دار القارئ -لبنان-الطبعة الأولى- 1432 هـ إثبات الوصية -أبو الحسن المسعودي الهذلي- دار الأضواء لبنان- 1988 م الاحتجاج-أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي-تعليقات وملاحظات السيد محمد باقر الخرسان-مطابع النعمان -النجف الأشرف- 1386 هـ الاختصاص -محمد بن النعمان المفيد-تحقيق علي أكبر الغفاري السيد محمود الزرندي-دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان-الطبعة الثانية- 1414 هـ- 1993 م إختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي-محمد بن الحسن الطوسي-صحيح وتعليق مير داماد الأسترابادي- تحقيق مهدي الرجائي- مؤسسة آل البيت لإحياء التراث- بعثت قم- 1404 هـ الإرشاد محمد بن النعمان المفيد تحقيق مؤسسة آل البيت -المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان- الطبعة الثانية 1414 هـ- 1993 م استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار -محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني- تحقيق مؤسسة آل البيت –مؤسسة آل البيت لإحياء التراث-ستاره
قم- الطبعة الأولى- 1419 هـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق-تقريرا لبحث مسلم الداوري-محمد علي صالح المعلم-نمونه-الطبعة الأولى- 1416 هـ
إضاءات في الفكر والدين والاجتماع-حيدر حب الله-مؤسسة البحوث المعاصرة- الطبعة الأولى- 1434 هـ- 1437 هـ
الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرة في السنة-علي بن موسى بن جعفر بن طاووس-تحقيق جواد القيومي الأصفهاني- مكتب الإعلام الإسلامي-الطبعة الأولى- 1414 هـ
الأمالي- أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي-تحقيق قسم الدراسات الاسلامية - مؤسسة البعثة - قم-الطبعة الأولى 1417 هـ
أنساب الأشراف-أحمد بن يحيى البلاذري –تحقيق محمد باقر المحمودي -مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت – لبنان -الطبعة الأولى - 1394 هـ
الإمامة والسياسة – منسوب إلى عبد الله بن مسلم بن قتيبة-اعتنى به محمد محمود الرافعي-مطبعة النيل- 1432 هـ
أين الإنصاف؟-وفيق سعد العاملي-الطبعة الأولى-دار السيرة - بيروت- 1422 هـ
بحار الأنوار –محمد باقر المجلسي- تحقيق محمد باقر البهبودي و آخرين- مؤسسة الوفاء- بيروت- لبنان -الطبعة الثانية- 1403 هـ
تاريخ الطبري - محمد بن جرير الطبري -تحقيق نخبة من العلماء- مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت – لبنان الطبعة الرابعة 1403 هـ
تاريخ النبي والأئمة ومعجزاتهم المسمى بالهداية الكبرى- أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي -تحقيق مصطفى صبحي الخضر الحمصي -بيروت مؤسسة الأعلمي للمطبوعات-الطبعة الأولى- 1432 هـ
تاريخ اليعقوبي- أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر الكاتب العباسي -دار صادر - بيروت – لبنان- مؤسسة نشر فرهنگ أهل بيت عليهم السلام - قم – إيران
التحقيق في خبر التهديد بالتحريق-محمد العمراني حلحول الحسني -مركز غرناطة للبحوث والدراسات الحديثية-مطبعة الخليج العربي-تطوان المغرب-الطبعة الأولى 1435 هـ
تعليقات آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله على الأسئلة التي وجهت لآية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي-إعداد المكتب الإعلامي قم-إيران-الطبعة الأولى - 1421 هـ
تفسير العياشي-محمد بن مسعود العياشي-تحقيق قسم الدراسات الإسلامية-مؤسسة البعثة – طهران -الطبعة الأولى- 1421 هـ
تهذيب التهذيب- أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -مطبعة دائرة المعارف النظامية- الهند- الطبعة الأولى- 1326 هـ
الجامع في الرجال-موسى العباسي الونجاني-تحقيق
الونجاني-تحقيق محمد الحسين القزويني-مؤسسة ولي العصر للدراسات الإسلامية-قم-الطبعة الأولى 1436 هـ
جنة المأوى-محمد حسين آل كاشف الغطاء-جمعه ورتبه وعلق عليه محمد علي القاضي الطباطبائي-مطبعة شركت جاب-تبريز-الطبعة الأولى
جنة المأوى-حمد حسين آل كاشف الغطاء-دار الأضواء-بيروت لبنان-الطبعة الثانية - 1408 هـ
جنة المأوى-محمد حسين آل كاشف الغطاء-تحقيق محمد علي القاضي الطباطبائي-ترتيب مهدي الأنصاري القمي-مؤسسة الشهيد الأنصاري القمي لإحياء التراث-قم- 1420 هـ
حاوي الأقوال في معرفة الرجال-عبد النبي الجزائري -تحقيق مؤسسة الهداية لإحياء التراث – نشر رياض ناصري- الطبعة الأولى- 1418 هـ
حتى لا تكون فتنة كتاب مرجعية المرحلة وغبار التغيير تحت المجهر-نبيل مروة-أمجاد للطباعة والنشر والتوزيع-بيروت-الطبعة الأولى- 1419 هـ
حوار مع فضل الله حول الزهراء-هاشم الهاشمي- دار الهدى-قم-الطبعة الثانية- 1422 هـ
الحوزة العلمية تدين الانحراف-محمد علي الهاشمي المشهدي-دار الصديقة الشهيدة –الطبعة الرابعة- 1431 هـ / 2010 م
خلاصة الأقوال في معرفة الرجال الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي -تحقيق جواد القيومي مؤسسة نشر الفقهاهة الطبعة الثانية- 1422
هـ
خلفيات كتاب مأساة الزهراء-جعفر مرتضى العاملي-دار السيرة - بيروت - لبنان-الطبعة الخامسة- 1422 هـ
دلائل الإمامة-محمد بن جرير بن رستم الطبري -منشورات المطبعة الحيدرية في النجف - 1393 هـ
دلائل الإمامة-محمد بن جرير بن رستم الطبري-مؤسسة الأعلمي للمطبوعات-بيروت لبنان-الطبعة الثانية- 1408 هـ
دلائل الإمامة-محمد بن جرير بن رستم الطبري الصغير-تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة - قم-الطبعة الأولى- 1413 هـ
الرجال لابن الغضائري - أحمد بن الحسين بن الغضائري – تحقيق محمد الجلالي –دار الحديث-قم –الطبعة الأولى- 1422 هـ
رجال الطوسي- محمد بن الحسن الطوسي-تحقيق جواد القيومي -طبعة مؤسسة النشر الإسلامي – الطبعة الثالثة- 1427 هـ
زبدة المقال من معجم الرجال -بسام مرتضى -دار المحجة البيضاء -لبنان – الطبعة الأولى- 1426 هـ
الزهراء القدوة -محمد حسين فضل الله-إعداد حسين أحمد الخشن-دار الملاك-بيروت لبنان-الطبعة الثانية - 1422 هـ
شرح أصول الكافي-محمد صالح المازندراني-تعليق : الميرزا أبو الحسن الشعراني - ضبط وتصحيح علي عاشور- دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان-الطبعة الأولى - 1421 هـ/ 2000 م
العقد النضيد والدر الفريد-محمد بن الحسن القمي-تحقيق علي أوسط الناطقي-دار الحديث للطباعة والنشر-الطبعة الأولى- 1423 هـ
فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم سيرتها، فضائلها، مسندها رضي الله عنها-إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن المديهش-دار الآل والصحب الوقفية- الرياض - المملكة العربية السعودية -الطبعة الأولى- ١٤٤٠ هـ
فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين - إبراهيم بن محمد الجويني الخراساني-تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي- مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر- بيروت لبنان-الطبعة الأولى- 1400 هـ/ 1980 م
الفضيحة، محاكمة كتاب هوامش نقدية في رده على كتاب مأساة الزهراء - محمد مرتضى-دار السيرة-بيروت لبنان-الطبعة الأولى- 1418 هـ
فهرست أسماء مصنفي الشيعة- النجاشي مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة- الطبعة
الخامسة- 1416 هـ
ضعفاء الرواة –إبراهيم الشبوط - دار المحجة البيضاء- بيروت – الطبعة الأولى - 1431 هـ
طرف من الأنباء والمناقب في شرف سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعترته الأطائب-أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس –تحقيق قيس العطار-مؤسسة عاشوراء للتحقيقات والبحوث الإسلامية-مشهد-الطبعة الأولى- 1420 هـ
ظلامات فاطمة الزهراء عليها السلام في السنة والآراء-عبد الكريم العقيلي-منشورات مؤسسة بضعة المصطفى صلى الله عليه وسلم -دار الغدير-الطبعة الرابعة- 1429 هـ
كتاب سليم بن قيس-أبو صادق سليم بن قيس العامري -تحقيق محمد باقر الأنصاري –منشورات دليل ما-قم-الطبعة الخامسة- 1428 هـ
الكافي –محمد بن يعقوب الكليني- تحقيق علي أكبر الغفاري-دار الكتب الإسلامية -طهران -الطبعة الخامسة.
كامل الزيارات-جعفر بن محمد بن قولويه-تحقيق جواد القيومي - مؤسسة النشر الإسلامي-الطبعة الأولى - 1417 هـ
كنز الفوائد (طبعة حجرية)- أبوالفتح محمد بن علي الكراجكي- مكتبة المصطفوي - قم-الطبعة الثانية
كنز الفوائد -أبوالفتح محمد بن علي الكراجكي-تحقيق عبد الله نعمة-دار الأضواء –بيروت- 1405 هـ
لماذا كتاب مأساة الزهراء -جعفر مرتضى العاملي-دار السيرة لبنان-الطبعة الأولى- 1418 هـ/ 1997 م
مأساة الزهراء شبهات وردود-جعفر مرتضى العاملي- دار السيرة بيروت لبنان- الطبعة الثانية-
1418 هـ- 1997 م
مأساة كتاب المأساة- نجيب نور الدين-دار المحجة البيضاء ، دار الرسول الأكرم – بيروت – لبنان-الطبعة الأولى - 1418 هـ
المجدي في أنساب الطالبين-علي بن محمد العلوي العمري-تحقيق أحمد الدامغاني - المرعشي النجفي العامة - قم المقدسة -الطبعة الأولى - 1422 هـ
مجموع الأعياد -منشور ضمن سلسلة التراث العلوي ( 3 )-أبو سعيد ميمون الطبراني-تحقيق أبو موسى والشيخ موسى-دار لأجل المعرفة-ديار عقل لبنان-الطبعة الأولى- 2006 م
مجموعة نفيسة في تاريخ الأئمة من آثار القدماء من علماء الإمامية الثقات-دار القارئ-بيروت لبنان-الطبعة الأولى- 1422 هـ
المحسن السبط مولود أم سقط- محمد مهدي الخرسان-نقارش-الطبعة الأولى- 1427 هـ
المحسن السبط مولود أم سقط- محمد مهدي الخرسان-مركز الأبحاث العقائدية-الطبعة الثانية- 1430 هـ
مختصر مفيد-جعفر مرتضى العاملي- المركز الإسلامي للدراسات-الطبعة الأولى- 1423 / 2002 م
المختصر من أخبار فاطمة بنت سيد البشر صلى الله عليه وسلم- إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن المديهش-دار الآل والصحب الوقفية - المملكة العربية السعودية -الطبعة الأولى- ١٤٤1 هـ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول-محمد باقر المجلسي-تصحيح السيد هاشم الرّسولي-دار الكتب الإسلامية-الطبعة الثانية- 1404 هـ
مرجعية المرحلة وغبار التغيير -جعفر الشاخوري البحراني-دار الأمير-بيروت لبنان-الطبعة الثانية- 1419 هـ
مستدركات علم رجال الحديث –علي
النمازي الشاهرودي- شفيق- طهران– الطبعة الأولى 1412 هـ
مستدركات علم رجال الحديث –علي النمازي الشاهرودي- مؤسسة النشر الإسلامي- قم – الطبعة الأولى - 1426 هـ
مشرعة بحار الأنوار-محمد آصف محسني-مؤسسة العارف للمطبوعات – بيروت – لبنان- الطبعة الثانية- 1426 هـ - 2005 م
المصباح في الأدعية والصلوات والزيارات والأحراز والعوذات- إبراهيم بن علي الكفعمي-الطبعة الأولى المصححة-مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت- 1414 هـ- 1994 م
المصنف في الأحاديث والآثار –أبو بكر بن أبي شيبة- تحقيق كمال يوسف الحوت- مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى- 1409 هـ
معجم الأحاديث المعتبرة-دار النشر الأديان – طهران-الطبعة الأولى- 1434 هـ
معجم رجال الحديث – أبو القاسم الخوئي- الطبعة الخامسة - 1413 هـ
معرفة الحديث وتاريخ نشره وتدرونه وثقافته عند الشيعة الإمامية -محمد باقر البهبودي– دار الهادي- لبنان – الطبعة الأولى- 1427 هـ
المفيد من معجم رجال الحديث – محمد الجواهري -منشورات مكتبة المحلاتي- قم – الطبعة الثانية- 1424 هـ
منهاج السنة النبوية- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية -تحقيق محمد رشاد سالم-جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية-الطبعة الأولى- 1406 هـ- 1986 م
منهاج الصلاح في اختصار المصباح- الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي-تحقيق السيد عبد الحميد الميردامادي-مكتبة العلامة المجلسي-قم-الطبعة الأولى - 1430 هـ
مهج الدعوات ومنهج العبادات-علي
العبادات-علي بن موسى بن جعفر بن طاووس-كتابخانه سنائى
نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة- محمد بن جرير بن رستم الطبري-تحقيق مؤسسة الإمام المهدي-مؤسسة الإمام المهدي- قم-الطبعة الأولى- 1410 هـ
نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة- محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي الصغير-تحقيق باسم محمد الأسدي-مكتبة العلامة المجلسي-الطبعة الأولى - 1427 هـ
نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة- محمد بن جرير بن رستم الطبري-منشورات كمال الملك-الطبعة الأولى- 1427 هـ
الهجوم على بيت فاطمة-عبد الزهراء العلوي- الطبعة الأولى- 1421 هـ
الهداية الكبرى - الحسين بن حمدان الخصيبي-مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان-الطبعة الرابعة- 1411 هـ- 1991 م
هوامش نقدية: دراسة في كتاب مأساة الزهراء عليها السلام-محمد الحسيني-مؤسسة العارف للمطبوعات – بيروت – لبنان-الطبعة الرابعة- 1419 هـ/ 1998 م
المخطوطات
الإمامة
والسياسة-منسوب لعبد الله بن مسلم ابن قتيبة
مكتبة الفاتح بإسطنبول -تركيا- رقم ( 4207 )
المكتبة الوطنية في باريس-فرنسا- رقم ( 1566 )
المكتبة الوطنية بطهران-إيران- رقم ( 645 )
مكتبة مجلس الشورى بطهران -إيران -رقم ( 863 ط)
دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة-مصر- رقم ( 480 تاريخ)
تمهيد الأوائل -أبو بكر الباقلاني
آيا صوفيا بإسطنبول-تركيا-رقم ( 2201 )
عاطف أفندي بإسطنبول -تركيا-برقم ( 1223 )
المكتبة الوطنية بباريس-فرنسا-رقم ( 6090 )
دلائل الإمامة -منسوب لمحمد بن جرير بن رستم الطبري
مكتبة المرعشي النجفي بقم-إيران-رقم ( 2974 )
كنز الفوائد -محمد بن علي الكراجكي
المكتبة الرضوية بمشهد-إيران- رقم ( 224 )
نوادر المعجزات-منسوب لمحمد بن جرير بن رستم الطبري
المكتبة الرضوية بمشهد-إيران - نسختين رقم ( 33321 ) ورقم ( 1923 )
مكتبة چهل ستون بطهران-إيران- رقم ( 96 )
الهداية الكبرى-الحسين بن حمدان الخصيبي
مكتبة مجلس الشورى بطهران-إيران- رقم ( 7053 )
المكتبة الرضوية بمشهد-إيران- رقم ( 224 )
مكتبة الشيخية بكرمان –إيران
الفهارس العلمية
فهرس الروايات
| الصفحة | مصدرها | الرواية |
|---|---|---|
| 373 | الأمالي البن بابويه القمي | أبكي مما يصنع بكم بعدي. فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدَّها |
| 206 | منهاج الصالح في اختصار المصباح | ألا أخبرك بما يجري عليهم بعدك؟ فقلت: بلى يا أخي يا جبرئيل، فقال: أما ابنتك فهي أول أهلك لحاقًا بك بعد أن تظلم ويؤخذ حقها وتمنع إرثها ويظلم بعلها ويكسر ضلعها |
| 352 | المعجم الكبير | أما إني لا آسى على شيء، إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني لم أفعلهن، ... فأما الثلاث اللاتي وددت أني لم أفعلهن: فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته |
| 119 | كتاب سليم بن قيس | أمر أناسًا حوله أن يحملوا الحطب فحملوا الحطب وحمل معهم عمر، فجعلوه حول منزل علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام... ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله، فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت: يا أبتاه، فرفع السوط فضرب به ذراعها... فقال أبو بكر لقنفذ: ارجع، فإن خرج وإلا فاقتحم عليه بيته، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار. |
| 119 | كتاب سليم بن قيس |
| فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار علي عليه السلام إلى سيفه، فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه فألقوا في عنقه حبلًا، وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته... وقد كان قنفذ لعنه الله ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط - حين حالت بينه وبين زوجها وأرسل إليه عمر: إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها - فألجأها قنفذ لعنه الله إلى عضادة باب بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها، فألقت جنينًا من بطنها. فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدةً | ||
| 331 | أنساب الأشراف | إن أبا بكر أرسل إلى علي رضي الله عنه، يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب، أتراك محرقًا عليَّ بابي؟، قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك |
| 334 | الإمامة والسياسة | إن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قومًا تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفسه عمر بيده، لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة؟، فقال: وإن |
| 367 | الكافي | إن فاطمة عليها السلام صديقة شهيدة، وإن بنات الأنبياء لا يطمثن |
| 138 | بحار الأنوار نقلا عن دلائل الإمامة |
| إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها نارًا على أهل هذا البيت، وأُحرق من فيه، أو يقاد علي إلى البيعة، وأخذت سوط قنفذ فضربت، وقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا هلموا في جمع الحطب، فقلت: إني مضرمها. فقالت: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين، فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه فرمته فتصعب علي، فضربتُ كفيها بالسوط فألمها، فسمعت لها زفيرًا وبكاء، فكدت أن ألين وأنقلب عن الباب، فذكرتُ أحقاد علي وولوغه في دماء صناديد العرب، وكيد محمد وسحره، فركلت الباب وقد ألصقت أحشاءها بالباب تترسه، وسمعتها وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه! يا رسول الله!، هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك، آه يا فضة!، إليك فخذيني فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض وهي مستندة إلى الجدار، فدفعتُ الباب ودخلتُ، فأقبلتْ إلي بوجه أغشى بصري، فصفقتُ صفقة على خديها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض | ||
| 87 | كتاب سليم بن قيس | إنك أول من يلحقني من أهل بيتي، وأنت سيدة نساء أهل الجنة، وسترين بعدي ظلمًا وغيظًا حتى تُضربي ويُكسر ضلع من أضلاعك |
| 391 | دلائل الإمامة | إني لعند الرضا (عليه السلام) إذ جيء بأبي جعفر (عليه السلام)، وسنه أقل من أربع سنين، فضرب بيده إلى الأرض، ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا (عليه السلام): بنفسي أنت، لم طال فكرك؟ فقال عليه السلام: فيما صنع بأمي فاطمة (عليه السلام) |
| 348 | أنساب الأشراف | بعث أبو بكر |
| عمر بن الخطاب إلى علي رضي الله عنه حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف | ||
| 224 | زوائد الفوائد مصباح الأنوار العقد النضيد المحتضر | تنازعنا في ابن الخطاب واشتبه علينا أمره، فقصدنا جميعًا أحمد بن إسحاق القمي صاحب أبي الحسن العسكري عليه السلام بمدينة قم... أحرق بيت الوحي ....، وكذَّب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واغتصب فدك منها ...وأسخط قرة عين المصطفى ولم يرضها،... ولطم وجه الزكية عليها السلام |
| 320 | مصنف ابن أبي شيبة المذكر والتذكير | حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما من الخلق أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وايم الله، ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت. قال: فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني، وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وايم الله، ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم، ولا ترجعوا إلي، فانصرفوا عنها، فلم يرجعوا إليها، حتى بايعوا لأبي بكر |
| 328 | حديث هشام بن عمار | دخل علي والزبير بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر فقال: اخرجوا للبيعة، والله لتخرجن، أو لأحرقنه عليكم |
| 213 | الهداية الكبرى |
| فأخذ عمر السوط من قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي فالتوى السوط من قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي، فالتوى السوط على يدي حتى صار كالدملج، وركل الباب برجله فرده علي وأنا حامل فسقطت لوجهي والنار تسعر، وصفق وجهي بيده حتى انتثر قرطي من أذني، وجاءني المخاض فأسقطت بغير جرم | ||
| 220 | الاختصاص | فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع، فقال علي: لا أخرج حتى أجمع القرآن، فأرسل إليه مرة أخرى، فقال: لا أخرج حتى أفرغ، فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها تحول بينه وبين علي عليه السلام فضربها، فانطلق قنفذ وليس معه علي عليه السلام، فخشي أن يجمع علي الناس، فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على علي بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما رأى علي ذلك خرج فبايع كارهًا غير طائع |
| 218 | تفسير العياشي | فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها تحول بينه وبين علي عليه السلام فضربها، فانطلق قنفذ وليس معه علي عليه السلام، فخشي أن يجمع علي الناس، فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على علي بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما رأى علي ذلك خرج فبايع كارهًا غير طائع |
| 117 | كتاب سليم بن قيس | لقيت عليًّا عليه السلام فسألته عما صنع عمر، فقال: هل تدري لم كف عن قنفذ ولم يغرمه شيئًا؟ قلت: لا. قال: لأنه هو الذي ضرب فاطمة عليها السلام بالسوط حين جاءت لتحول بيني وبينهم، فماتت صلوات الله عليها وإن أثر السوط لفي عضدها مثل الدملج |
| 381 | مهج الدعوات | اللهم العن اللذين بدّلا دينك، وغيّرا نعمتك، واتّهما رسولك صلى الله عليه وسلم، وخالفا ملّتك، وصدّا عن سبيلك، وكفرا آلاءك، وردّا عليك كلامك، واستهزءا برسولك، وقتلا ابن نبيك، |
| 209 | المصباح للكفعمي | اللهم صل على محمد وآل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها وابنتيهما... وعهد نقضوه، وحلال حرموه، وحرام أحلّوه، وبطن فتقوه، وجنين أسقطوه، وضلع دقّوه، وصكّ مزقوه، وشمل بدّدوه |
| 118 | كتاب سليم بن قيس | ما ترى عمر منعه من أن يغرم قنفذًا كما أغرم جميع عماله؟، فنظر علي عليه السلام إلى من حوله ثم اغرورقت عيناه بالدموع، ثم قال: شكر له ضربة ضربها فاطمة عليها السلام بالسوط، فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج |
| 188 | كنز الفوائد | ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة ابنتي ويغصبها حقها ويقتلها |
| 150 | الهداية الكبرى |
| وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وسم الحسن، وضرب الصديقة فاطمة بسوط قنفذ ورفسه في بطنها وإسقاطها محسنًا...وسب عمر لها، وجمع الحطب الجزل على النار لإحراق أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب ورقية وأم كلثوم وفضة، وإضرامهم النار على الباب...وأخذ النار في خشب الباب وأدخل قنفذ لعنه الله يده يروم فتح الباب، وضرب عمر لها بسوط أبي بكر على عضدها حتى صار كالدملج الأسود المحترق، وأنينها من ذلك وبكاها، وركْل عمر الباب برجله حتى أصاب بطنها وهي حاملة بمحسن لستة اشهر وإسقاطها، وصرختها عند رجوع الباب وهجوم عمر وقنفذ وخالد، وصفقة عمر على خدها حتى أبرى قرطها تحت خمارها، فانتثر وهي تجهر بالبكاء، تقول: يا أبتاه يا رسول الله، ابنتك فاطمة تضرب ويقتل جنين في بطنها،...وقد جاءها المخاض من الرفسة وردة الباب فسقطت محسنًا عليه قتيلًا | ||
| 114 | كامل الزيارات | وأما ابنتك فتُظلم وتُحرم ويُؤخذ حقها غصبًا الذي تجعله لها، وتُضرب وهي حامل، ويُدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن، ثم يمسها هوان وذل، ثم لا تجد مانعًا، وتطرح ما في بطنها من الضرب، وتموت من ذلك الضرب... وأول من يحكم فيهم محسن بن علي (عليه السلام) وفي قاتله، ثم في قنفذ، فيؤتيان هو وصاحبه، فيضربان بسياط من نار |
| 214 | الاحتجاج على أهل اللجاج |
| وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالًا منك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة منك لأمره، وانتهاكًا لحرمته | ||
| 103 | الأمالي البن بابويه القمي | وإني لما رأيتها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمداه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث... فتقدم عليَّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وأذل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها |
| 124 | دلائل الإمامة | وحملت بمحسن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرى ما جرى في يوم دخول القوم عليها دارها، وإخراج ابن عمها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما لحقها من الرجل أسقطت به ولدًا تمامًا، وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها صلوات الله عليها |
| 233 | إقبال الأعمال نقلا عن الدعاء والزيارة للطرازي | وصلِّ على البتول الطاهرة، الصديقة المعصومة، التقية النقية، الرضية (المرضية)، الزكية الرشيدة، المظلومة المقهورة، المغصوبة حقها، الممنوعة إرثها، المكسور ضلعها، المظلوم بعلها، المقتول ولدها |
| 167 | كامل الزيارات | وقاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقاتل فاطمة ومحسن |
| 171 | دلائل الإمامة |
| وكان سبب وفاتها أن قنفذًا مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسنًا ومرضت من ذلك مرضًا شديدًا | ||
| 199 | طرف من الأنباء والمناقب | يا علي، ويل لمن ظلمها، وويل لمن ابتزّها حقها، وويل لمن انتهك حرمتها، وويل لمن أحرق بابها، وويل لمن آذى جنينها، وشج جنبيها وويل لمن شاقّها وبارزها |
فهرس الرواة
| الصفحة | الراوي |
|---|---|
| 92/99 | أبان بن أبي عياش |
| 137 | إبراهيم بن أحمد الطبري |
| 342 | ابن عون أو أبو عون |
| 201 | أبو يوسف الوحاظي |
| 201 | أزهر بن بسطام بن رستم |
| 348 | بكر بن الهيثم |
| 146 | جعفر بن علي الحوار |
| 137 | جعفر بن محمد بن عمارة الكندي |
| 145 | جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي |
| 230 | الحسن بن الحسين السامري |
| 105 | الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني |
| 228 | الحسن بن محمد القمي |
| 146 | الحسن بن مسكان |
| 201 | الحسن بن يعقوب |
| 153 | الحسين بن حمدان الخصيبي |
| 105 | الحسين بن يزيد النوفلي |
| 357 | حفص بن عمر |
| 356 |
| خالد بن القاسم المدائني | |
| 147 | سعيد بن المسيب |
| 341 | سعيد بن كثير بن عفير |
| 88 | سليم بن قيس |
| 378 | عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري |
| 175 | عبد الرحمن بن أبي نجران |
| 174 | عبد الرحمن بن بحر |
| 146 | عبد الرحمن بن سنان الصيرفي |
| 377 | عبد الرحمن بن عوف |
| 169 | عبد الله بن بكير أو بكر الأرجاني |
| 115 | عبد الله بن عبد الرحمان الأصم |
| 343 | عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري |
| 202 | عبيد الله بن الفضل |
| 352 | علوان بن داود البجلي |
| 106 | علي بن أبي حمزة البطائني |
| 104 | علي بن أحمد بن موسى الدقاق |
| 161 | علي بن عبد الله الحسني |
| 137 | علي بن عمر بن الحسن بن علي بن مالك السياري |
| 114 | علي بن محمد بن سالم |
| 162 | عمر بن الفرات |
| 203 |
| عيسى بن المستفاد | |
| 374 | محمد بن أحمد الجاموراني أبو عبد الله الرازي |
| 392 | محمد بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي |
| 158 | محمد بن إسماعيل الحسني |
| 349 | محمد بن السائب الكلبي |
| 230 | محمد بن العلاء الواسطي |
| 162 | محمد بن المفضل |
| 322 | محمد بن بشر |
| 125 | محمد بن جرير الطبري (مؤلف دلائل الإمامة ) |
| 330 | محمد بن حميد الرازي |
| 376 | محمد بن عبد الرحمن / محمد بن عبد الرحمن بن عوف |
| 377 | محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى |
| 375 | محمد بن عتبة |
| 233 | محمد بن علي الطرازي |
| 137 | محمد بن عمار بن ياسر |
| 137 | محمد بن عمارة الكندي |
| 331 | محمد بن عمرو بن علقمة |
| 161 | محمد بن نصير النميري |
| 140 |
| محمد بن هارون بن موسى التلعكبري | |
| 147 | المفضل بن عمر |
| 323 | مكي بن بندار |
| 104 | موسى بن عمران النخعي |
| 228 | هاشم بن محمد |
| 357 | الهيثم بن عدي |
| 202 | يحيى بن محمد القصباني أو الغضباني |
| 230 | يحيى بن محمد بن جريح أو حويج |
| 195 | يونس بن ظبيان |
فهرس الكتب المنتقدة
| الصفحة | الكتاب |
|---|---|
| 214 | الاحتجاج |
| 220 | الاختصاص المنسوب للمفيد |
| 335 | الإمامة والسياسة |
| 46 | بحر الأنساب المنسوب ألبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي |
| 414 | تثبيت الإمامة المنسوب للهادي يحيى بن الحسين |
| 218 | تفسير العياشي |
| 125 | دلائل الإمامة |
| 228 | العقد النضيد والدر الفريد |
| 233 | كتاب الدعاء والزيارة للطرازي |
| 92 | كتاب سليم بن قيس |
| 228 | مصباح الأنوار في فضائل إمام الأبرار |
| 57 | مؤتمر علماء بغداد المنسوب لمقاتل بن عطية البكري |
| 155 | الهداية الكبرى |
| 49 | الوصية المنسوب لعلي بن الحسين المسعودي |
| 199 | الوصية لعيسى بن المستفاد |
فهرس الفوائد
| الصفحة | الفائدة |
|---|---|
| 44 | هشام بن الحكام أقدم من ذكر أسطورة كسر الضلع |
| 48 | لم ينقل الكليني في الكافي شيئا من روايات أسطورة كسر الضلع |
| 49 | النسابة الإمامي أبو الحسن العمري أنكر إسقاط المحسّن والرفسة |
| 57 | تفرد كتاب مؤتمر علماء بغداد برواية دخول مسمار الباب في صدر فاطمة رضي الله عنها |
| 81 | نقد منهج جعفر مرتضى العاملي في حشد الروايات مع عدم دلالتها على موضع النزاع |
| 82 | تحريف جعفر مرتضى العاملي لرواية لا علاقة لها بكسر الضلع |
| 91 | مدار سائر أسانيد كتاب سليم بن قيس على أبان بن أبي عياش |
| 102 | القدماء لم ينقلوا اي رواية من روايات كسر الضلع عن كتاب سليم |
| 109 | رواية فرائد السمطين منقولة عن الأمالي البن بابويه القمي الملقب بالصدوق |
| 141 | عدم اعتماد الخوئي على توثيقات المتأخرين |
| 141 | مصطلح فاضل عند الخوئي ال يدل على المدح فضال عن التوثيق |
| 142 | بطلان قاعدة وثاقة مشايخ النجاشي التي اخترعها بعض المتأخرين |
| 143 | محمد بن هارون بن موسى التلعكبري ال يعد من مشايخ النجاشي |
| 144 | ترحم النجاشي على راو ما ال يدل على وثاقته عنده |
| 159 | وهم الشاهرودي في تعيين محمد بن إسماعيل الحسني |
| 160 | وهم موسى الزنجاني في تعيين محمد بن إسماعيل الحسني |
| 172 | إشكال عدم رواية ابن همام عن البرقي بصيغة تفيد السماع |
| 175 | خطأ وتناقض محققي مؤسسة في البعثة في تغيير عبد الرحمن بن بحر إلى عبد الرحمن بن أبي نجران |
| 179 | خطأ ورود اسم عبد الله بن سنان في رواية دلائل الإمامة وأن الصواب محمد بن سنان |
| 186 (هامش 5 ) | خطأ فاحش في الكافي في رواية ابن مسكان وأبي بصير لوفاة موسى بن جعفر الكاظم وهما قد توفيا قبله |
| 190 | عدم ثبوت سماع الصفار من ابن أبي عمير |
| 192 | عدم ثبوت رواية المفضل بن عمر عن يونس بن يعقوب |
| 214 | طعن علماء الإمامية في روايات كتاب الاحتجاج للطبرسي |
| 230 | أصل رواية فرحة الزهراء من التراث النصيري |
| 233 | دعوى وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تاسع ربيع الأول خطأ بإجماع أهل التاريخ |
| 235 | عدد روايات كسر الضلع المسندة هو 12 رواية |
| 235 | عدد روايات كسر الضلع الخالية عن الإسناد هو 9 روايات |
| 237 |
| روايات كسر الضلع المسندة مرجعها إلى ستة مصادر | |
| 238 | نصف المصادر التي نقلت من روايات كسر الضلع مطعون فيها |
| 239 | محمد آصف محسني ضعف جميع روايات كسر الضلع في بحار الأنوار |
| 313 | قول النبي صلى الله عليه وسلم إنك أول أهل بيتي لحوقًا بي يعارض كون المحسن بن علي أول من مات من أهل البيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم |
| 324 | رواية مصنف ابن أبي شيبة في التهديد بالتحريق تناقض روايات كسر الضلع |
| 327 | التهديد بالتحريق كان يقع من عمر من باب الزجر والوعيد كما صنع مع ابنه |
| 354 | اضطراب علوان بن داود في رواية خبر كشف بيت فاطمة |
| 362 | شيخ الإسلام ابن تيمية أنكر صحة رواية كشف بيت فاطمة ودلالتها على وقوع أذى على أهل البيت، ومن نسب إليه غير ذلك إما أنه دلس عليه أو بتر كلامه |
| 367 | كل ما روي في نفي الحيض عن فاطمة رضي الله عنها لا يصح من جهة السند سوى رواية الكافي، وهي مُعلَّلة من جهة المتن لمخالفتها للروايات الصحيحة التي تثبت حيض فاطمة رضي الله عنها |
| 371 | معنى الشهادة في رواية الكافي إن فاطمة صديقة شهيدة ليس المراد به الاستشهاد بل منزلة الشهادة على الخلق |
| 379 | رواية لطم فاطمة خدها لا علاقة لها بقصة كسر الضلع |
| 381 - 389 |
| عبارة وقتلا ابن نبيك في لسان روايات الزيارات يراد بها الحسين رضي الله عنه وليس المحسن وهو ما صرح به كبار مراجع الإمامية | |
| 427 | محمد حسين فضل الله أنكر صحة قصة كسر الضلع في آخر حياته |