الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحابالقراءة المتصلة
صفحة 1
حجم النص28
⌕ بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 1

الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب

صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

عبد العزيز سعود العويد، د. أحمد سيد أحمد علي

الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب - ط 1.

الكويت : مبرة الآل والأصحاب، 2011.

ص ؛ 24 سم . -

ردمك :

رقم الإيداع :

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

الطبعة الأولى

1432هـ / 2011م

مبرة الآل والأصحاب

هاتف: 22560203 - 22553240 فاكس: 22560346

ص. ب : 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

الفهرس

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المقدمة5
محبة الآل والأصحاب للرسول صلى الله عليه وسلم12
عبادة الآل والأصحاب28
صوم الآل والأصحاب36
ورع الآل والأصحاب45
كرم الآل والأصحاب52
حياء الآل والأصحاب66
حرص الآل والأصحاب على العلم72
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الآل والأصحاب85
دعوة الآل والأصحاب إلى الله تعالى95
جهاد الآل والأصحاب107
تواضع الآل والأصحاب141
الأخوة عند الآل والأصحاب149
بكاء الآل والأصحاب157
شباب الآل والأصحاب171
شعر الآل والأصحاب188
مزاح الآل والأصحاب208
نساء الآل والأصحاب215
الخاتمة243
المراجع244

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الحمد لله وكفى ، والصلاة على النبي المصطفى ، وعلى آله ، وصحبه ، ومن سار على نهجه واقتفى أما بعد :

فإن لآل بيت النبي- صلى الله عليه وسلم - مكانة عظيمة, ومنزلة سامقة رفيعة، وشرفا عاليا, وقدرا كبيرا . لقد حباهم الله هذه المكانة البالغة الشرف , فجعل الصلاة عليهم مقرونة بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في التشهد , وأوجب لهم حقا في الخمس والفيء , وحرم عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس, فلا تصلح لأمثالهم .

وهم أشراف الأمة الذين ينتسبون لخير نفس سكنت البسيطة وامتطت رحب الأرض, وكان الدين يجري في مكامنها جريان الدم في العروق ألا وهي نفس الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكما أن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحيح هم بنو هاشم من آل علي وآل عقيل وآل العباس وآل جعفر وبنو المطلب على قول فكذلك أزواجه من أهل بيته أيضاً أخذاً من قول الله تعالى ﴿وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأولىٰ وَأَقِمنَ الصَّلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسولَهُ إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ

وَيُطَهِّرَكُم تَطهيرًا﴾ ففي هذه الآية أمر الله أهل البيت بما يوجب طهارتهم(1) وذهاب الرجس عنهم وهذه الإرادة المذكورة هي إرادته الشرعية التي يحبها الله ويرضاها لهم

حينها.. يكون حرياً بالمؤمن أن يدور مع إرادة الله الشرعية التي يحبها الله, فيحب ما أحب الله, ويبغض ما كرهه الله ولم يرضه لنا..

وقد جاءت السنة منوهة بفضل آل بيت رسول - صلى الله عليه وسلم - , بل ومؤكدة على الوصية بهم ، فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء ، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً(2) "

وروى مسلم من حديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي(3) ".

أي اعرفوا حقهم ولا تظلموهم ولا تعتدوا عليهم وهذا من باب التأكيد على حقهم وإلا فكل مؤمن له حق على أخيه المسلم فلا يحق له أن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يظلمه ولا يعتدي عليه لكن لآل النبي صلى الله عليه وسلم حق زائد على حقوق غيرهم من المسلمين.

ودخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال : " والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي(4) " .

فهذه وصية رسول الله في أهل بيته ، وإنها لدالة دلالة واضحة على وجوب محبتهم وتوقيرهم وحفظ مكانتهم لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي دالة على أن محبتهم إيمان وعقيدة وإحسان, وبغضهم نفاق وخسار وخذلان - والعياذ بالله- .

وعند البخاري في " صحيحه " عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك ، واستخلف عليا ، فقال : أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ قال : ( ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه ليس نبي بعدي(5) ) .

وغير ذلك من الأخبار الدالة على فضل آل البيت – رضوان الله عليهم على العموم أو الخصوص .

وأما الصحابة رضي الله عنهم فهم أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه. كما قاله ابن مسعود رضي الله عنه

وهم صفوة خلق الله تعالى بعد النبيين - عليهم الصلاة والسلام - فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قول الله - عز وجل - : ﴿قُلِ الحَمدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلىٰ عِبادِهِ الَّذينَ اصطَفىٰ﴾ [النمل: 59 ] قال : أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه- " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابهِ خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وزراءَ نبيهِ يُقاتِلون على دينه ، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ(6) " .

وقد ورد في فضلهم آيات وأحاديث كثيرة منها : قوله تعالى : ﴿وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ۚ ذٰلِكَ الفَوزُ العَظيمُ﴾ [ التوبة: 100 ] .

وقال تعالى ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنينَ إِذ يُبايِعونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلوبِهِم فَأَنزَلَ السَّكينَةَ عَلَيهِم وَأَثابَهُم فَتحًا قَريبًا﴾ الفتح 18

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه(7)

وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة ، وضيق الحال بخلاف غيرهم ، ولأن إنفاقهم كان في نصرته - صلى الله عليه وسلم - ، وحمايته ، وذلك معدوم بعده ، وكذا جهادهم وسائر طاعتهم . ومما جاء في فضلهم -رضي الله عنهم- حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم(8) ".

وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون ؛ لأنهم آمنوا به حين كفر الناس ، وصدقوه حين كذبه الناس ، وعزروه ، ونصروه ، وآووه ، وواسوه بأموالهم وأنفسهم ، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام.

لقد عرف السلف الصالح فضل الصحابة الكرام وبيَّنوا ذلك وردوا على كل

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من أراد انتقاصهم -رضي الله عنهم- قال ابن عمر -رضي الله عنهما- لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عُمره

جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك وسأله أمعاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز فقال " لتراب في منخري معاوية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز .

وجاء رجل إلى الإمام أبي زرعة الرازي - رحمه الله - فقال : يا أبا زرعة أنا أبغض معاوية . قال : لِمَ ؟ قال : لأنه قاتَل علياً . فقال أبو زرعة : إن ربَّ معاوية ربٌّ رحيم وخصمَ معاوية خصمٌ كريم فما دخولك أنت بينهما ؟ !

وقال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- . إذا رأيت رجلاً يذكر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوء فاتهمه على الإسلام .

وقد جمعت في هذه الأوراق مواقف متنوعة ، وقصصا مشرقة للآل والأصحاب – رضي الله عنهم - ، ورتبتها على أبواب مختلفة ، وتركتها قفلا من غير تعليق لأنها ناطقة بما فيها ، واعتمدت في جمع هذه المواقف على مراجع متنوعة ، وقد أنقل – أحيانا – جزءاً كبيراً من كتاب واحد لحصول المقصود به ، ككتاب " سير أعلام النبلاء " للذهبي – رحمه الله - ، و" حياة الصحابة " للكاندهلوي – رحمه الله - ،

و " صلاح الأمة في علو الهمة " لسيد عفاني – وفقه الله - .

وما يذكر هو بعض ما هو موجود في كتب التراجم والسير ، وإنما أردت الإشارة لفضل آل البيت والصحابة ، وحرصهم على الخير ، ورغبتهم فيه ، واستقصاء المواقف أمر غير ممكن .

أسأل الله أن يبارك في هذا الجمع ، وأن ينفع به ، وأن يجمعنا مع النبيين والمرسلين ، والآل والأصحاب في مقعد صدق عند مليك مقتدر . اللهم آمين ، والحمد لله رب العالمين .

محبة الآل والأصحاب للرسول صلى الله عليه وسلم

بعث الله – سبحانه – رسوله – صلى الله عليه وسلم – بين ظهراني قوم لا يعرفون للإسلام اسما ، ولا يعرفون للتوحيد رسماً، أمة مبعثرة تصب فضول الخمر على رأس الصنم .

جباه معفرة لللات والعزى ، وأنوف مرغمة لمناة الثالثة الأخرى . عبدوا الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والكواكب ، والشجر ، والحجر ، بل عبدوا التمر ، فإذا جاعوا أكلوه .

مرَّ أعرابي على صنم يعبده من دون الله،وإذا ثعلب قد بال على رأس هذا الصنم ، فأنشد :

أرب يبول الثعلبان برأسهلقد ضل من بالت عليه الثعالب

فلما أراد الله بالبشرية خيراً ، أرسل لهم النبأ العظيم ، والخطب الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم - ، فكان أعظم منة على العرب ، والبشرية جمعاء .

﴿لَقَد مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنينَ إِذ بَعَثَ فيهِم رَسولًا مِن أَنفُسِهِم يَتلو عَلَيهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ﴾ ( آل عمران : 164 ) .

فأخرج الله به الناس من دياجير الكفر إلى نور الإسلام وانتشلهم من

دركات الجهل والعمى إلى حياة القلوب والأبدان

ومما زادني شرفاً وفخراًوكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عباديوأن صيرت أحمد لي نبيا

لقد أدب ربنا – سبحانه – رسوله – صلى الله عليه وسلم – فأحسن تأديبه فكان قرآنا يمشي على الأرض كما قالت أمنا عائشة – رضي الله عنها - ، فزكاه الله في خلقه فقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظيمٍ﴾ ( القلم :4 ) .

وزكاه في عقله فقال : ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُم وَما غَوىٰ﴾ (النجم :2 ) . وفي صدقه فقال : ﴿وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوىٰ إِن هُوَ إِلّا وَحيٌ يوحىٰ﴾ (النجم :3-4 ) . وفي بصره فقال : ﴿ما زاغَ البَصَرُ وَما طَغىٰ﴾ (النجم :17) .

ينتقل من حطام هذه الدنيا ، وحقيرها ، ويرقى إلى الملك الأعلى في حضرة الله – تعالى - ، فيرى من تهاويل السماء العليا ، وعجائب سدرة المنتهى ، وعظمة الرب – جل في علاه - ، ومع ذلك لا يلتفت يمنة ، ولا يسرة ، فلا يزيغ بصره ، ولا يطفى نظره ، بل يقف وقفة ذل وخشوع ، وانكسار وخضوع ، فيثني عليه ربه بقوله : ﴿ما زاغَ البَصَرُ وَما طَغىٰ﴾ (النجم :17) .

لذا فالنبي صلى الله عليه وسلم أشرف الناس حسبا ونسبا وأعظمهم صدراً ومورداً

وأبهاهم صورة ومنظراً وأجملهم ظاهراً وباطنا وأروعهم أدباً وخلقاً

أثني على من أدري من أبجله ؟أما علمت بمن أهديته كلمي ؟
في أشجع الناس مكباً غير منتقموأصدق الناس طراً غير متهم
أبهى من البدر في ليلة التماموقل : أسخى من البحر أرسى من العلم
أعز تشرق من عينيه ملحمةمن الضياء لتجلو الظلْم والظُلَم
كم همة عصفت في البدر واتقدتكم مزقت من أبي جهل ومن صنم
أتى اليتيم أبو الأيام في قدرأنهى لأمته ما كان من يتم
من نحن قبلك إلا نطفة غرقتفي اليم أو دمعة خرساء في القدم
أهديتنا منبر الدنيا وغار حراوليلة القدر والإسراء ذا القمم
والحوض والكوثر الرقراق جئت بهأنت المزمل في ثوب الهدى فقم

اللهم صل على محمد ، وعلى آله وأصحابه .

إن من أعظم الصور الخالدة للآل والأصحاب – رضوان الله عليهم – هو محبة النبي –صلى الله عليه وسلم - ، وتنوع صور تلك المحبة ، واختلاف أشكالها .

وكم نحن بحاجة إلى الاقتداء بهم في تعبير صادق عن حبنا له – صلى الله عليه وسلم – حباً ممزوجا ً بالاتباع ، والاقتداء ، وفدائه بكل ما نملك .

إن من يزعم حبه للنبي – صلى الله عليه وسلم - ، ثم يأتي بكل ما يخالف أمره ، فإنما مثله كمثل التي نقضت غزلها أنكاثا من بعد قوة .

تعصي الحبيب وأنت تظهر حبههذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتهإن المحب لمن يحب مطيع

فلنعمر قلوبنا بحب الله – تعالى - ، وحب النبي – صلى الله عليه وسلم- ، ولندم النظر في قراءة سيرته ، وشمائله ، ولنجعل سنته منهاجاً نسير عليه في كل مناحي حياتنا ، ليكرمنا ربنا – سبحانه – بالحشر معه ، والشرب من حوضه المورود ، حيث لا يظمأ بعد شربها شارب أبداً.

رزقنا الله وإياكم ذلك . اللهم آمين .

* أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - :

عن أنس – رضي الله عنه – قال : توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأصبح أبو بكر – رضي الله عنه – يرى الناس يترامسون , فأمر غلامه يستمع ثم يخبره . فقال : سمعتهم يقولون : مات محمد , فأشتد أبو بكر وهو يقول : و انقطاع ظهري , فما بلغ المسجد حتى ظنوا أنه لم يبلغ(9) .

ومن أعظم الدلائل على محبة الصديق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما حدث يوم الهجرة، فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده إلى محمد بن سيرين قال:

محمد بن سرين قال ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما قال فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال و الله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر و ليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم لينطلق إلى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الغار و معه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه و ساعة خلفه حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي و ساعة خلفي فقال يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني قال نعم و الذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمة إلا أن تكون بي دونك فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار فدخل و استبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة فقال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجرة فدخل واستبرئ ثم قال انزل يا رسول الله فنزل فقال عمر والذي نفسي لتلك الليلة خير من آل عمر.(10)

* عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :

عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب فضل المهاجرين الأولين وأعطى أبناءهم دون ذلك وفضل أسامة بن زيد على عبد الله بن عمر فقال عبد الله ابن عمر فقال لي رجل فضل عليك أمير المؤمنين من ليس بأقدم منك سنا ولا أفضل منك هجرة ولا شهد من المشاهد ما لم تشهد قال عبد الله وكلمته فقلت يا أمير المؤمنين فضلت علي من ليس هو بأقدم مني سنا ولا أفضل مني هجرة ولا شهد من المشاهد ما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لم أشهد قال ومن هو قلت: أسامة بن زيد قال صدقت لعمر الله فعلت ذلك لأن زيد بن حارثة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمر وأسامة بن زيد كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمر وأسامة بن زيد كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن عمر فلذلك فعلت(11)

ومن علامات محبة الفاروق للنبي يوم أن جاء زيد بن سعنة يريد أن يختبر علامات النبوة في النبي وتحديدا أنه يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ وَلا تَزِيدُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلا حِلْمًا، فأعطى النبي ثَمَانِينَ مِثْقَالا مِنْ ذَهَبٍ فِي تَمْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا ليتألف بها قلوب قوم أسلموا... يقول زَيْدُ بن سَعْنَةَ : فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحَلِّ الأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَلا تَقْضِيَنِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي ؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُمْ بني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمَطْلٌ ، وَلَقَدْ كَانَ لِي بِمُخَالَطَتِكُمْ عَلِمٌ ، وَنَظَرْتُ إِلَى عُمَرَ ، وَإِذَا عَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ ، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ ، فَقَالَ : يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَسْمَعُ ، وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَوْلا مَا أُحَاذِرُ فَوْتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وتُؤَدَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : يَا عُمَرُ ، أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ ، وتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ وأَعْطِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رَوَّعْتَهُ ، قَالَ زَيْدٌ : فَذَهَبَ بِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، فَأَعْطَانِي حَقِّي ، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ يَا عُمَرُ ؟ فَقَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَزِيدَكَ مَكَانَ مَا رَوَّعْتُكَ ، قُلْتُ : وتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : لا ، مَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : أَنَا زَيْدُ بن سَعْنَةَ ، قَالَ : الْحَبْرُ ، قُلْتُ : الْحَبْرُ ، قَالَ : فَمَا دَعَاكَ أَنْ فَعَلْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَعَلْتَ وَقُلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ ؟ قُلْتُ : يَا عُمَرُ ، لَمْ تَكُنْ مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ ، يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ ، وَلا يَزِيدُهُ الْجَهْلُ عَلَيْهِ إِلا حِلْمًا ، فَقَدْ أُخْبِرْتُهُمَا ، فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ، وَأُشْهِدُكَ أَنَّ شَطْرَ مَالِي وَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالا صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ . فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ ، فَإِنَّكَ لا تَسَعُهُمْ . قُلْتُ : أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ ، فَرَجَعَ عُمَرُ وَزَيْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ زَيْدٌ : أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَبَايَعَهُ وَشَهِدَ مَعَهُ مَشَاهِدَ كَثِيرَةً ، ثُمَّ تُوُفِّي زَيْدٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مُقْبِلا غَيْرَ مُدْبِرٍ ، رَحِمَ اللَّهُ زَيْدًا(12) .

* علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - :

ذكر ابن كثير اجتماع شياطين قريش في دار الندوة في يوم الزحمة وحكى ما كان بينهم وبين إبليس الذي تبدَّى لهم في صورة الشيخ النجدي واستقرَّ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رأيهم على ما قاله أبو جهل بن هشام

أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً(13) نسيباً وسيطاً فينا , ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما , ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد , فيقتلوه فنستريح منه , فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا , فرضوا منا بالعقل – الدية – فعقلناه لهم .

فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له . فأتى جبرائيل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال له : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه .

قال : فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه , فلما رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مكانهم قال لعلي بن أبي طالب : " نم على فراشي , وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر , فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم " . وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينام في برده ذلك إذ ينام

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآيات ﴿يس وَالقُرآنِ الحَكيمِ﴾ إلى قوله ﴿وَجَعَلنا مِن بَينِ أَيديهِم سَدًّا وَمِن خَلفِهِم سَدًّا فَأَغشَيناهُم فَهُم لا يُبصِرونَ﴾ (سورة يس: 1 9 ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون هاهنا قالوا محمداً قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رأسه تراباً وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم قال فوضع كل رجل منهم يدا على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يتطلعون فيرون علياً على الفراش متسجياً ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائماً على برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش فقالوا والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا(14)

* العباس بن عبد المطلب :

قيل للعباس: " أيكما أكبر , أنت أو النبي – صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله . تأدبا واحتراما لرسول الله – صلى الله عليه وسلم(15) - .

* زيد بن حارثة – رضي الله عنه - :

زارت أمه سعدى بنت ثعلبة قومها وزيد معها , فأغارت خيل لبني القين في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن فاحتملوا زيداً وهو يومئذ غلام يفعة , فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم , فلما تزوجها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهبته له وكان أبوه حارثة حين فقده قال :

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بكيت على زيد ولم أدر ما فعلأحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإني لسائلأغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فياليت شعري هل لك اليوم رجعةفحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعهاوتعرض ذكراه إذا غربها أفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكرهفيا طول ما حزني عليه وما وجل
سأعمل نص العيس(16) 16 في الأرض جاهداولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتيفكل امرئ فان وإن غره الأمل
وأوصى به قيسا وعمرا كليهماوأوصى يزيدا ثم من بعده جبل

يعني جبلة بن حارثة أخا زيد , ويزيد أخو زيد لأمه .

فحج ناس من كعب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه , فقال : أبلغوا أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي , وقال :

ألكني إلى قومي وإن كنت نائيافإني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكمولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرةكرام معد كابراً بعد كابر

فانطلقوا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فأعلموا أباه فخرج حارثة وكعب بن شراحيل بفدائه فقدما مكة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل هو في المسجد فدخلا عليه فقالا يا ابن هاشم يا بن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنا سنرفع لك في الفداء قال ما هو قالوا زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا غير ذلك قالوا ما هو قال ادعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً

قالوا : قد زدتنا على النصف وأحسنت .

فدعاه فقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم , هذا أبي وهذا عمي . قال : فأنا من قد علمت , ورأيت محبتي لك فاخترني أو اخترهما . فقال زيد : ما أنا بالذي اختار عليك أحداً ، أنت مني بمنزلة الأب والعم . فقالا : ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك , وأهل بيتك ؟ قال : نعم .

إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي اختار عليه أحدا أبدا . فلما رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذلك أخرجه إلى الحجر فقال : يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه .

فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا .

فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش فلما طلقها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم المنافقون

في ذلك وقالوا تزوج امرأة ابنه فنزل ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِن رِجالِكُم﴾(17) الآية. وقال ﴿ادعوهُم لِآبائِهِم﴾(18) فدعي يومئذ زيد بن حارثة

قال أهل السير : وشهد زيد بدراً , وأحداً , والخندق , والحديبية , وخيبر , واستخلفه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المدينة حين خرج إلى المريسيع وخرج أميراً في سبع سرايا ولم يسم أحد من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في القرآن باسمه غيره(19) .

* الزبير بن العوام – رضي الله عنه - :

في يوم من الأيام سرت إشاعة بين الناس أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قتل فما كان من الزبير إلا أن أخذ سيفه وخرج على الناس كالإعصار المدمر الذي يريد أن يتثبت من الخبر فلقيه الحبيب - صلى الله عليه وسلم – فقال : مالك يا زبير ؟ قال : أخبرت أنك أخذت – قتلت – فصلى عليه ودعا له ولسيفه .

وفي رواية : فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -ما لك ؟ قال : أخبرت أنك أخذت , قال : فكنت صانعاً ماذا ؟ قال : كنت أضرب به من أخذك . فدعا له ولسيفه(20) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

*عمران بن حصين – رضي الله عنه - :

يقول عمران بن حصين – رضي الله عنه - : " ما مسست ذكرى بيميني منذ بايعت بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم(21) – " .

وفي هذا دلالة على حبه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإجلاله له وتعظيمه إياه.

* محمد بن مسلمة – رضي الله عنه - :

كان محمد بن مسلمة يقال له حارس نبي الله – صلى الله عليه وسلم – فلما كسر سيفه اتخذ سيفا من خشب , وصيره في الجفن في داره , وقال : علقته أهيب به ذاعراً .

وعن جابر بن عبد الله أنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " من لكعب بن الأشرف ؟ فإنه قد آذى الله ورسوله " فقام محمد بن مسلمة فقال : يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟

قال نعم قال فأذن لي أن أقول شيئاً يعني لخداع كعب بن الأشرف قال قل فأتاه محمد بن مسلمة فقال إن هذا الرجل قد سألنا صدقة يقصد النبي صلى الله عليه وسلم وإنه قد عنانا أتعبنا وإني قد أتيتك استسلفك اقترض منك قال وأيضا والله لتملن قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين فقال نعم ارهنوني قالوا أي شيء تريد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال ارهنوني نساءكم قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنوني أبناءكم قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة –يعني السلاح

فواعده أن يأتيه فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة - وهو أخو كعب من الرضاعة - فدعاهم إلي الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته : أين تخرج هذه الساعة ؟ فقال : إنما هو محمد بن مسلمه وأخي أبو نائلة - وفي رواية - قالت : أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم . قال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة ، إن الكريم لو دعي إلي طعنة بليل لأجاب قال : ويُدخل محمد بن مسلمة معه رجلين ... فقال : إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ، وقال مرة: ثم أُشمكم ، فنزل إليهم متوشحاً وهو ينفح منه ريح الطيب ، فقال : ما رأيت كاليوم ريحاً – أي أطيب – ... فقال : أتأذن لي أن أشم رأسك ؟ قال : نعم، فشمه ثم أشمَّ أصحابه، ثم قال : أتأذن لي ؟ قال : نعم . فلما استمكن منه قال : دونكم فاقتلوه . ثم أتوا النبي – صلي الله عليه وسلم – فأخبروه.(22)

* بيت من الأنصار – رضي الله عنهم - :

عن أبي برزة الأسلمى أن جليبيبا كان من الأنصار وكان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم النبي صلى الله عليه و سلم فيها حاجة أم لا فقال رسول الله صلى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عليه و سلم ذات يوم لرجل من الأنصار زوجني ابنتك فقال: نعم ونعمة عين، فقال له: إنى لست لنفسي أريدها، قال: فلمن؟ قال: لجليبيب، قال: حتى استأمر أمها، فأتاها فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك قالت: نعم ونعمة عين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنه ليس يريدها لنفسه، قالت: فلمن قال: لجليبيب قالت: حلقي أجليبيب إنيه مرتين لا لعمر الله لا أزوج جليبيباً قال: فلما قام أبوها ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم قالت الفتاة لأمها من خدرها: من خطبني إليكما؟ قالت: النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فتردون على النبي صلى الله عليه وسلم أمره ادفعوني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يضيعنى، فأتى أبوها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شأنك بها فزوجها جليبيباً، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم في مغزى له وأفاء الله تبارك وتعالى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تفقدون من أحدٍ؟ قالوا: نفقد فلاناً ونفقد فلاناً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكني افقد جليبيباً، فانظروه في القتلى، فنظروه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، قال: فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قتل سبعة ثم قتلوه هذا منى وأنا منه، ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه ما له سرير غير ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حفر له ثم وضعه في لحده وما ذكر غسلا.(23)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال ابن الأثير : جليبيب بضم الجيم على وزن قنيديل , وهو أنصاري له ذكر في حديث أبي برزة الأسلمي , في إنكاح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ابنة رجل من الأنصار , وكان قصيراً دميماً , فكان الأنصاري أبا الجارية وامرأته كرها ذلك فسمعت الجارية بما أراد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتلت قول الله : ﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم﴾ , وقالت : رضيت وسلمت لما يرضى به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , فدعا لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال : " اللهم اصبب عليها الخير صبا ولا تجعل عيشها كداً " , فكانت من أكثر الأنصار نفقة ومالاً(24) .

* خبيب بن عدي – رضي الله عنه - :

روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عيناً وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كان بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفرٍ بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر فمكث عندهم أسيراً حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته قالت: فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني وفي يديه الموسى فقال أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك أن شاء الله وكانت تقول ما رأيت أسيرا قط خيراً من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزق رزقه الله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو ثم قال: اللهم احصهم عددا ثم قال :

ولست أبالي حين أقتل مسلماعلى أي شق كإن الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأيبارك على أوصال شلو ممزع

ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله...(25)

وقال ابن الأثير: ولما أرادوا قتله قال له أبو سفيان حين قدم ليقتل : نشدتك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك فنضرب عنقه وانك في أهلك فقال : والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي فقال أبو سفيان : ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا.(26)

* عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد :

قال ابن سعد في ترجمة عمر بن الخطاب إن عمر بن الخطاب فرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم , فقال محمد عبد الله بن جحش : لم تفضل عمر علينا وقد هاجر آباؤنا وشهدوا ؟ فقال عمر : أفضله لمكانه من النبي- صلى الله عليه وسلم - , فليأت الذي يستعيب بأم مثل أم سلمة أعتبه(27) .

هذا التفاوت ، والتنوع في حب النبي – صلى الله عليه وسلم – دليل أن كل واحد منا يستطيع أن يقدم للإسلام ما هو مطلوب منه فيما يقدره ، لا فيما يقدر غيره .

فالآل والأصحاب عبروا عن حبهم للنبي – صلى الله عليه وسلم – بالبذل بالمال ، والبذل بالنفس ، والدفاع عن عرضه ، وإجلاله ، وتوقيره ، وغير ذلك .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد اجتمعوا في كل ما عبّروا به على أن هذه الأعمال تنطلق من شعور واحد : هو حب ، وإجلال لمقام النبي – صلى الله عليه وسلم – وهذه التعبيرات المختلفة رسالة لنا جميعاً لنعبّر عن حبنا للنبي – صلى الله عليه وسلم – بفعل الذي يحبه ، ويرضاه لو كان حياً ، وتباين ميادين الخير ، وكثرة سبله رحمة من الله – سبحانه – بنا لإمكان أن يعمل كل واحد ما يستطيق .

عبادة الآل والأصحاب

أشرف لقب يلقب به المسلم : عبد الله ، وأجمل حال يكون عليها هي العبودية لله وحده لا أحد سواه .

ولما كانت صفة العبودية أكرم ما اتصف به العبد ، وصف الله بها رسوله محمدا – صلى الله عليه وسلم - . قال تعالى : ﴿تَبارَكَ الَّذي نَزَّلَ الفُرقانَ عَلىٰ عَبدِهِ لِيَكونَ لِلعالَمينَ نَذيرًا﴾ [ الفرقان : 1 ] .

والعبادة بوصفها العام تشمل كل عمل صالح يتقرب به إلى الله – تعالى - ، والعبد مأمور بفعل كل ما يرضي الله على سبيل الوجوب ، أو على سبيل الاستحباب .

ومن أجّل تلك العبادات ما يتعلق بمفهومها الخاص من الصلاة والصيام ، والذكر ، وقراءة القرآن ، وهذه العبادات تعتبر كالزاد الذي لا يمكن للعبد أن ينفك عنه ، ولا أن يتساهل به ، إذ إن العبد يعرض له من مشاغل هذه الدنيا وفتنها ما قد يقسي قلبه ، ويضعف علاقته بربه ، فإذا حرص على مثل هذا القوت استقام أمره ، وصلحت حاله .

فقوت الروح أرواح المعانيوليس بأن طعمت ولا شربت

قال ابن تيمية – رحمه الله - : من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية(28) .

ولا يخفى أن العبادة روح ، ولب ، وعلاقة تواصل بين العبد وربه سبحانه ، فإذا اقتصرت العبادة على الحركات، وتخلف عنها لبها وجوهرها من الخشوع والخضوع لله والذل والانكسار بين يديه ، كان العبد مؤديا لصورة العبادة لا لحقيقتها، فشرود القلب وغفلته في أدائه للعبادة من أعظم الآفات التي تؤدي لعدم قبول العمل، ولتجاوز هذا ذكر العلماء أسبابا لبعث الروح في عباداتنا منها:

1 - تحديث القلب وتذكيره بالتعبد لله سبحانه، وأن سعادته في إحسان عبادته لربه والقيام لله بحقه.

2 - التهيؤ للعبادة والاستعداد لها، ويكون التهيؤ لكل عبادة بحسبه، فالتهيؤ للصلاة بالوضوء والحضور إلى المسجد مبكراً، قال سعيد بن المسيب رحمه الله: " ما دخل علي وقت صلاة إلا وقد أخذت أهبتها(29) " ، وقال ربيعة بن يزيد رحمه الله: " ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد، إلا أن أكون مريضا أو مسافرا(30) ".

3 الابتعاد عما يشوش القلب أثناء العبادة كالأصوات والزخارف ونحوها، فقد أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته خميصة ثوبا له أعلام قائلا:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ألهتني آنفا عن صلاتي(31)

4 - الإقبال على العبادة بقلب فارغ من مشاغل الدنيا وملهياتها، ففي البخاري تعليقا عن أبي الدرداء رضي الله عنه : " من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ(32) ".

كل هذا من أجل أن ينخلع القلب من علائق الدنيا وينجذب إلى حقيقة العبادة، ويجتمع في قلب العبد وفكره ووجدانه الاتجاه إلى الله تعالى.

5 - التنويع في أداء العبادة على جميع صفاتها الواردة حتى لا تتحول العبادة إلى حركات اعتيادية روتينية يفعلها العبد دون شعور بالفرق بين عبادة الأمس وعبادة اليوم، ولعل ذلك من حكم التنويع في صفات العبادات، فمن قرأ دعاء الاستفتاح في صلاة بصيغة فليقرأه في صلاة أخرى بصيغة أخرى من الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والتنويع في صفات العبادة بما يوافق السنة الصحيحة له أثر في طرد ما قد يطرأ على العبادة من صفة العادة والرتابة التي تضعف تأثير العبادة على القلب.

وكان لآل البيت والصحابة رضوان الله عليهم حظ كبير من العبادة فقضوا أعمارهم لا يأسون إلا بالله فضربوا أروع الأمثلة في التقرب إلى الله سبحانه بصالح القول والعمل فرحم الله تلك العظام وحشرنا معهم في

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الجنة دار السلام

* أبي بن كعب – رضي الله عنه - :

عن أنس بن مالك قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأبي بن كعب " إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن(33) " .

وفي رواية : أو ذكرت فيما هنالك ؟ قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " نعم " .

قال : فبكى أبي(34)

هذا والله السؤدد , وهذا والله الشرف .

عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم - :

" أنزلت على سورة وأردت أن أقرئكها " قلت : أسميت لك ؟ قال : " نعم " . فقلت لأبي : أفرحت بذلك يا أبا المنذر ؟ قال : وما يمنعني , والله تعالى يقول : ﴿قُل بِفَضلِ اللَّهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذٰلِكَ فَليَفرَحوا﴾ يونس/ 60(35) .

وصح من طرق عن أنس بن مالك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " أرحم أمتي أبو بكر ... وأقرؤهم لكتاب الله أبي(36) ... "

* عثمان بن عفان – رضي الله عنه -

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

" قال عبد الرحمن التيمي : لأغلبن الليلة على المقام , قال فلما صليت العتمة تخلصت إلى المقام حتى قمت فيه , فبينا أنا قائم إذا رجل وضع يده بين كتفي , فإذا هو عثمان بن عفان فبدأ بأم القرآن , فقرأ حتى ختم القرآن فركع وسجد , ثم أخذ نعليه , فلا أدري أصلى قبل ذلك شيئاً أم لا(37) " .

" كان - رضي الله عنه - يحيى الليل كله فيقرأ القرآن في كل ركعة(38) " .

وعن ابن سيرين قال : قالت امرأة عثمان حين أطافوا به يريدون قتله : "إن تقتلوه أو تتركوه فإنه كان يحيى الليل كله في ركعة يجمع فيها القرآن"(39)

قال الحافظ ابن كثير : " وقد روي من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود , أيام الحج , وقد كان هذا من دأبه – رضي الله عنه - , ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى : ﴿أَمَّن هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحذَرُ الآخِرَةَ وَيَرجو رَحمَةَ رَبِّهِ﴾ قال : هو عثمان بن عفان(40) " .

وقال فيه حسان بن ثابت :

ضحوا بأشمط عنوان السجود بهيقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال النووي في " التبيان " : " فمن الذين كانوا يختمون الختمة في اليوم والليلة : عثمان بن عفان – رضي الله عنه - , وتميم الداري , وسعيد ابن جبير , ومجاهد , والشافعي , وآخرون(41) " .

* عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - :

قال عروة بن الزبير : " أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عبد الله بن مسعود(42) " .

روى البخاري عن عبد الله بن مسعود : والله الذي لا إله غيره , ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت , ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت . ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه(43) .

قال عبد الله : " والذي لا إله غيره , لقد قرأت من في رسول الله – صلى الله علي وسلم – بضعاً وسبعين سورة , ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته(44) " .

وعن أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – قالا : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل , فليقرأ على قراءة ابن أم عبدٍ(45) " .

* أبو الدرداء – رضي الله عنه - :

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن ابن حلبس : قيل لأبي الدرداء , وكان لا يفتر من الذكر : كم تسبِّح في كل يوم ؟ قال : مائة ألف , إلا أن تخطيء الأصابع(46) .

* تميم الداري – رضي الله عنه - :

عن أبي المهلب : كان تميم يختم القرآن في سبع .

وعن ابن سيرين , أن تميماً الداري كان يقرأ القرآن في ركعة .

عن مسروق : قال لي رجل من أهل مكة : هذا مقام أخيك تميم الداري , صلى ليلة حتى أصبح , أو كاد , يقرأ آية يرددها ويبكي ﴿أَم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾(47) الجاثية/ 21 .

* أبو هريرة – رضي الله عنه - :

عن عكرمة , أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة , يقول : أُسبِّح بقدر ديتي(48) .

إن ما سبق من أمثلة وشواهد يدل دلالة صادثة على تجرد الآل والأصحاب في تحقيق العبودية لله تعالى- وبذل للنفس في سبيل الله استشعار لذة مناجاته جل وعلا وانطراح بين يدي المولى الرحيم لتحقيق معنى ﴿إِيّاكَ نَعبُدُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَإِيّاكَ نَستَعينُ﴾

لقد أدرك الآل والأصحاب أن وجل القلب ، وتعظيمه الله – سبحانه – يفضي إلى لهج اللسان بالذكر ، وظهور أثر الحب ، والخوف على جوارح الإنسان ، وأعضائه .

لقد كانوا يلقون بأرواحهم قبل أجسادهم بين يدي ربهم ، وقد انخلعوا من علائق الدنيا ، وسموا بأرواحهم إلى العرش عن الحش ، جمالاً وجلالاً .

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمتهأتطلب الربح فيما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلهافأنت بالروح لا بالجسم إنسان

إن فقه العبادة لا يعني قصره على ما يصلحها ، ويفسدها فقط ، وإنما يتعدى ذلك لفقه القلوب ، فالصلاة ليس حركات ، وسكنات مجردة من انكسار ، وذل ، وخضوع ، ولذة سؤال .

إننا محتاجون أن نبذل وسعنا لتحقيق اللذة ، والخشوع في كل عبادة ، وبهذا يحصل المراد ، وهو القرب من الله – سبحانه – بلغنا الله وإياكم ذلك .

صوم الآل والأصحاب

من المعلوم أن العبادات شرعت لأغراض وأهداف ومقاصد معينة وهو مابينه القرآن في شأن كثير من العبادات وبخاصة الأركان منها و إدراك هذه المقاصد له أهمية كبيرة خاصة في أداء العبادة حيث يعرف المرء مستوى العبادة التي يقوم بها .

ومن ذلك الصوم الذي شرعه الله لتحقيق التقوى . قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقونَ﴾ [ البقرة : 183 ].

وهذا المقصد الكبير من الصيام تندرج تحته مقاصد تفصيلية لازمة له أي إذا اجتمعت وتحققت فإنها توصل صاحبها الى التقوى وإن تعطلت لم تتحقق التقوى .

ومن هذه المقاصد :

- تجديد التوبة :

فالصوم جاء ليكسب العبد هذه الصفة العظيمة التي يحتاجها في مسيرة حياته المملوءة بالأخطاء والتعثرات

فالصوم ليس فقط ليتوب فيه المرء وإنما ليتدرب فيه المرء على اكتساب صفة التواب

فمن المعاني التي من أجلها سمي شهر رمضان أنه شهر تر تمض فيه الذنوب أي تحترق فرمضان مصدر رمض أي احترق ومنه الرمضاء أي بقايا الحريق قال القرطبي :قيل أنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة.

وإذا كانت التوبة المطلوب منها مغفرة الذنوب كما صرح القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا توبوا إِلَى اللَّهِ تَوبَةً نَصوحًا عَسىٰ رَبُّكُم أَن يُكَفِّرَ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾ [التحريم : 8 ]

فإن رمضان جعل لهذا الغرض بالذات كما يتبين من خلال مجموعة من النصوص :" "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".(49)

من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".(50) من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه(51) فربط هذه الأعمال الكثيرة والمتكررة خلال الشهر بكامله بالمغفرة من الذنوب القصد منه أن يشعر المرء بأنه مذنب وأن يحتاج الى مغفرة أي توبة مستمرة وهذا التكرار اليومي من شأنه أن يربي المرء على صفة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإنابة المتجددة والتوية المستمرة حتى إذا خرج شهر رمضان كانت ملازمة له ليكون من التوابين تقوية الإرادة

من المقاصد الأساسية للصيام أنه شرع ليربي الإرادة في الإنسان وذلك من خلال ثلاثة أمور: أولها :كفه عن الشهوات والملذات وعن المعاصي طيلة شهر بكامله .

ثانيها : حثه على الاجتهاد في الطاعات وفعل الخيرات.

ثالثها :توافر الأجواء الإيمانية والنفحات الربانية التي تميز الصيام عن غيره من العبادات الأخرى بحيث يجد المرء نفسه ذو إرادة قوية وهمة عالية ..

- التسلح بالصبر :

من الصفات الهامة التي يحققها الصيام صفة الصبر ، وهي صفة ضرورية لأداء العبادات ، وضرورية لاجتناب المنكرات، وضرورية عند نزول المصائب والنكبات ، والدين كله إما صبر على الطاعة أو صبر عن المعصية (الصبر على البلاء) وصفة من هذا القبيل تتطلب من كل مسلم أن يتربى عليها وأن يحرص كل الحرص على اكتسابها وشهر رمضان فرصة كبيرة لتحقيق هذا الغرض لأنه يتمثل فيه الصبران : صبر الطاعة وصبر المعصية . ولهذا سماه الرسول شهر الصبر حيث يصبر فيه المسلم على الاجتهاد في الطاعات من صيام وصلاة وقيام وذكر وتلاوة ودعاء ويصبر كذلك على الشهوات وعلى ترك المنكرات .

ولما كان رمضان يحقق الصبر اشتركا معا في الأجر والثواب المفتوح :

فقال تعالى عن الصيام كما في الحديث القدسي الذي يرويه النبي –صلى الله عليه وسلم – عن ربه – عز وجل - : " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، فرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك(52) ".

وقال سبحانه عن الصبر : ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ﴾ [ الزمر : 10 ]

- تقويم الأخلاق :

لما كان الإسلام ديناً يعتني بالأخلاق اعتناء بالغاً كما يتجلى من قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(53) " جعل الصيام فرصة لتربية النفس على الأخلاق الفاضلة وتجنيبها الأخلاق الفاسدة . ومن نظر في سير الآل والأصحاب وجد أنهم كانوا من أكثر الناس حرصاً على صوم النفل بأشكاله المختلفة ، حتى سرد بعضهم الصوم ، ورضوا بالقليل من الطعام والشراب ، طمعاً في الجنة ، وما فيها – رضي الله عنهم وأرضاهم - .

* عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :

عن ابن عمر رضي الله عنه قال ما مات

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عمر حتى سرد الصوم(54)

ومعنى سرد الصوم هنا: أنه كان كثير الصيام، ولا يفهم منه أنه كان يصوم أبداً فهذا منهي عنه.

* عثمان بن عفان – رضي الله عنه -:

قال أبو نعيم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : «حظه من النهار الجود والصيام ، ومن الليل السجود والقيام ، مبشر بالبلوى ، منعم بالنجوى»(55) وعن الزبير بن عبد الله ، عن جدة له يقال لها : رهيمة ، وقيل : زهيمة ، قالت : «كان عثمان يصوم الدهر ، ويقوم الليل إلا هجعة من أوله رضي الله عنه»(56) .

وذكر ابن كثير في البداية والنهاية : «أن عثمان صلى صلاة الصبح ذات يوم ، فلما فرغ أقبل على الناس فقال : إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة ، فقالا لي : صم يا عثمان ، فإنك تفطر عندنا ، وإني أشهدكم أني قد أصبحت صائماً ، وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالماً مسلوماً منه .... ثم أمر بباب الدار ففتح ودعا بالمصحف فأكب عليه رضي الله عنه»(57) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

* أبو طلحة الأنصاري – رضي الله عنه - :

عن أنس- رضي الله عنه – قال : كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أجل الغزو , فلمّا قُبض النبي – صلى الله عليه وسلم – لم أره يفطر إلاَّ يوم أضحى أو يوم فطرٍ(58) .

وقال الذهبي: " كان قد سرد الصوم بعد النبي – صلى الله عليه وسلم(59) – "

* عائشة - رضي الله عنها - :

عن عبد الرحمن بن القاسم : أن عائشة كانت تصوم الدهر . وأخرجه ابن سعد عن القاسم بلفظ : أن عائشة كانت تسرد الدهر . عن عروة : أن عائشة رضي الله عنها كانت تسرد الصوم . وعن القاسم أنها كانت تصوم الدهر, ولا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.(60)

وروى الحاكم بسنده عن هشام بن عروة قال : " بعث بمعاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم , فقسمتها ؛ لم تترك منها شيئاً , فقالت بريرة : أنت صائمة , فهلا ابتعت لنا منها بدرهمٍ لحماً ؟ قالت : لو ذكرتني لفعلت(61) "

* حفصة – رضي الله عنها - :

عن قيس بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم طلَّق حفصة بنت عمر فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان بن مظعون ابنا مظعون فبكت وقالت والله ما طلّقني عن شِبَع وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فَتَجَلْبَبت قال فقال لي جبريل عليه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

السلام راجِعْ حفصة فإنها صوَّامةٌ قَّوامةُ وإنها زوجتك في الجنة(62)

* عبد الله بن عمر – رضي الله عنه - :

قال عنه نافع: " كان ابن عمر لا يصوم في السفر, ولا يكاد يُفطر في الحضر(63) " .

عن سعيد بن جبير قال : لما احْتُضِر ابن عمر , قال : ما آسى على شيء من الدنيا إلا ثلاث : ظَمَأ الهواجر , ومُكابدة الليل , وأني لم أُقاتل الفئة الباغية التي نزلتْ بنا ؛ يعني الحجَّاج(64) .

* أبو أُمامة الباهِلِّي – رضي الله عنه - :

عن رجاء بن حيوة , عن أبي أُمامة : أنشأ رسول الله – صلى الله عليه وسلم جيشاً فأتيته , فقلت : يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , ادعُ الله لي بالشهادة . قال : " اللهم سلَّمّهم وغنَّمهم " . فغزونا, فسلمنا وغنمنا, وقلت : يا رسول الله مرني بعملٍ أدخل به الجنة, فقال: " عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له ". قال : فكان أبو أمامة ، وامرأته ، وخادمه لا يلفون إلا صياما(65) " .

* عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه - :

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن ابن أبي مُليكة قال : " كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام , ويصبح في اليوم السابع وهو ألْيَثنا - أشدنا(66) - "

وقال ابن عمر وقد رآه مصلوباً : " السلام عليك أبا خبيب , السلام عليك أبا خبيب , السلام عليك أبا خبيب , أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا , أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا , أما والله إنْ كنت ما علمتُ صوّاماً قوّاماً وَصُولاً للرَّحِم , أما والله لأمة أنت أشُّرها لأمةُ خيرٍ(67) "

*حمزة بن عمرو الأسلمي – رضي الله عنه - :

عن عائشة - رضي الله عنها – أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله , إني رجل أسرد الصوم , فأصوم في السفر ؟ قال : " صم إن شئت , وأفطر إن شئت(68) "

لما كان بالصوم تحقيق لمعاني العبودية لله – سبحانه - ، ومؤاساة الفقراء ، والمساكين ، والابتعاد عن البطنة التي قد تصرف العبد عن ربه ، تنافس الآل والأصحاب في صوم التطوع .

فمنهم من كان يصوم أياماً وردت النصوص في فضلها ، ومنهم من كان يواصل أياماً متتابعة ، ومنهم من كان يسرد الصوم ، فيصوم الدهر إلا أياماً جاء المنع فيها .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لست هنا في مقام تحرير مسألة سرد الصوم ، أو مسالة الوصال ، ففي كل المسألتين كلام مشهور للعلماء ، ومدون في كتب الصيام .

والذي يعنينا من ذلك الرغبة العظيمة عند الآل والأصحاب في الحرص على الصوم ، وإدراك ما فيه من الأجر العظيم ، والثواب الكريم ، وما يحصل فيه من مقاصد عظيمة لا يمكن بلوغها إلا بمثل الصوم .

ولما كان الصوم علامة على الخير ، وصلاح صاحبه راجع النبي – صلى الله عليه وسلم – حفصة – رضي الله عنها - . ففلاح العبد في علاقته مع ربه ، يقيه مصارع السوء .

ورع الآل والأصحاب

الورع صفة جامعة لكل خصال الكمال ، وعلامة على صلاح العبد ، وحسن دينه ، وخوفه من ربه ، ومراقبته له في السر والعلن .

ولأهمية الورع، ورفعة منزلته، وعلو شأنه، وعظيم أثره، أشار إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة ، منها :

عن عطية بن عروة السعدي الصحابي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين ، حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس".(69)

وعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع(70) "

و عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان: خلق يعيش به في الناس وورع يحجزه عن محارم الله، وحِلم يردُّ به جهل الجاهل(71)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم كخْ كخْ، ارمِ بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة، أو أنَّا لا تحل لنا الصدقة(72)

دخل الحسن البصري رحمه الله مكة فرأى غلاماً من أولاد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس ، فوقف عليه الحسن وقال: ما ملاك الدين ؟ فقال: الورع، قال: فما آفة الدين ؟ قال: الطمع. فتعجب الحسن منه، وقال: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة. قال ابن عطاء الله السكندري - رحمه الله تعالى - : ليس يدل على فهم العبد كثرةُ علمه، ولا مداومتُه على ورده، وإنما يدل على نوره وفهمه غناه بربه وانحياشه إليه بقلبه، والتحرر من رق الطمع، والتحلي بحلية الورع . وليس أدلَّ على منزلة الورع، وأنه من أعظم أنواع العبادة من وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة - رضي الله عنه - حيث قال: " يا أبا هريرة كن ورعاً تكن أعبدَ الناس"(73) .

ولهذا كان الورع سبيلاً لنيل المنح الإلهية الكبرى كما قال يحيى بن معاذ رضي الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عنه: من لم ينظر في الدقيق من الورع، لم يصل إلى الجليل من العطاء

الورع : هو ترك الشبهات حتى لا يتردى في حمأة المخالفات، اتباعاً لإرشاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه...".(74) الورع : ترك ما يكدر القلب ويجعله في قلق وظلمة. فأهل القلوب يتورعون عما يهجس في قلوبهم من الخواطر، وما يَحيك في صدورهم من الوساوس ؛ وقلوبهم الصافية أعظم منبه لهم حين يترددون في أمر أو يشكُّون في حكم ؛ كما أشار إلى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بقوله : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ، وبقوله: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس".(75)

وفي هذا يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: ما رأيت أسهل من الورع ما حاك

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في نفسك فاتركه(76)

وأورع الناس بعد الأنبياء والرسل – عليهم الصلاة والسلام – هم الآل والأصحاب ، فقد كانوا أحسن الناس ورعا ، وأعظمهم خشية ، وأكثرهم مهابة ، وأقربهم للحلال ، ولما يرضي الله ، وأبعدهم عن الحرام ، وعما يسخط الله ، فسادوا الدنيا بدينهم ، وأخلاقهم – جمعنا الله بهم في جنانه - .

* أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - :

قال محمد بن سيرين : لم أعلم أحداً استقاء من طعام أكله غير أبي بكر -رضي الله عنه - فانه أتي بطعام فأكله , ثم قيل له: جاء به ابن النعمان ,قال: فأطعمتموني كهانه ابن النعمان ,ثم استقاء(77) .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال كان لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- مملوك يغل عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة فقال له المملوك ما لك كنت تسألني كل ليلة وما تسألني الليلة قال حملني على ذلك الجوع من أين جئت بهذا قال مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني فلما إن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس فأعطوني قال إن كدت أن تهلكني فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ وجعلت لا تخرج فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها ,فقيل له يرحمك الله كل هذا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من أجل هذه اللقمة قال لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة(78)

* عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - :

قال زيد بن أسلم : شرب عمر - رضي الله عنه - لبناً , فأعجبه فسأل الذي سقاه : من أين لك هذا

اللبن ؟ فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نعم من نعم الصدقة , وهم يسقون , فحلبوا لنا من ألبانها , فجعلته سقائي هذا , فأدخل عمر أصبعه واستقاءه(79) .

عن المسور ابن مخرمة - رضي الله عنه - قال : كنا نلزم عمر ابن الخطاب , تنعلم منه الورع(80) .

*علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – :

وأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال : خرج علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - يوماً بالكوفة , فوقف على باب فاستقى ماء , فخرجت إليه جارية بإبريق ومنديل , فقال لها : يا جارية , لمن هذه الدار ؟ قالت : لفلان القسطال , فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا تشرب من بئر قسطال ولا تستظلن في ظل عشار(81) " .

* معاذ بن جبل – رضي الله عنه - :

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأخرج أبو نعيم عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - كانت له امرأتان , فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ من بيت الأخرى , ثم توفيتا في السقم الذي أصابهما في الشام , والناس في شغل , فدفنتا في حفرة , فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر . وعنده أيضاً من طريق مالك عن يحيى قال : كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان ,فإذا كان عند إحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء(82) .

* ابن عباس - رضي الله عنهما - :

عن طاوس قال : أشهد لسمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول : أشهد لسمعت عمر (رضي الله عنه ) يهل , فإنا لواقفون في الموقف , فقال له رجل : أرأيت حين دفع ؟ فقال ابن عباس : لا أدري , فعجب الناس من ورع ابن عباس(83) .

والإهلال : رفع الصوت بالتلبية .

ليس الورع عند الآل والأصحاب بإصلاح الظاهر ، وإفساد الباطن ، وإنما كانت بالباطن أولاً ، لأن به ملاك الأمر ، ودون إغفال الظاهر لأنه علامة على ما في الباطن .

وهذه المواقف القليلة هي بعض ما جاء عنهم في الإشارة إلى خوفهم من الله – سبحانه - ، ومراقبتهم له في كل ما يصنعون ، وصيانتهم دينهم عما يدنسه ، ويفسده .

ورع في المال ، والكسب ، والعلم ، والعبادة ، وكل شئون حياتهم .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكثير من الناس اليوم أحوج ما يكون إلى استحضار مثل هذه الآثار ، وهم يتمضحون بأوضار الشبهات ، بل والحرام أحياناً ، فيطعمون أنفسهم ، وأهليهم مما حرم الله – سبحانه - ، دون تفكر في عواقب هذا الفعل ، وشؤمه في الدنيا والآخرة .

كرم الآل والأصحاب

الكرم يطلق على كل ما يحمد من أنواع الخير والشرف والجود والعطاء والإنفاق.

وفي " صحيح البخاري " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أكرم الناس؟ قال: " أتقاهم لله" . قالوا : ليس عن هذا نسألك. قال: " فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال ( فعن معادن العرب تسألونني ) . قالوا نعم قال فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا(84) ) " .

فالرسول - صلى الله عليه وسلم - وصف يوسف - عليه السلام - بالكرم لأنه اجتمع له شرف النبوة ، والعلم ، والجمال ، والعفة ، وكرم الأخلاق ، والعدل ، ورياسة الدنيا ، والدين .ومن صفات الله -سبحانه- أنه الكريم، وهو الكثير الخير، الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه . قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " إن الله جواد يحب الجود(85) " .

وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان أكرم الناس شرفًا ونسبًا، وأجودهم في العطاء والإنفاق، فقد أتاه رجل يطلب منه مالا، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين، فأخذها كلها، ورجع إلى قومه، وقال لهم: أسلموا، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.(86)

هو البحر من أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحله
تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولم لو يكن في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله

وفي مسند أحمد أن عائشة -رضي الله عنها- ذكرت أنهم ذبحوا شاة، ثم وزعوها على الفقراء؛ فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عائشة: ما بقي منها فقالت: ما بقي إلا كتفها؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بقي كلها غير كتفها(87) والكرم يطلَق على ما يحمد من الأفعال؛ فإن له أنواعًا كثيرة منها: الكرم مع الله: المسلم يكون كريمًا مع الله بالإحسان في العبادة والطاعة، ومعرفة الله حق المعرفة، وفعل كل ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه. الكرم مع النبي صلى الله عليه وسلم: ويكون بالاقتداء بسنته، والسير على منهجه، واتباع هديه، وتوقيره. الكرم مع النفس: فلا يهين الإنسان نفسه، أو يذلها أو يعرضها لقول السوء أو اللغو، وقد وصف الله عباد الرحمن بأنهم: ﴿وَإِذا مَرّوا بِاللَّغوِ مَرّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: 72

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكرم مع الأهل والأقارب: المسلم يكرم زوجه وأولاده وأقاربه، وذلك بمعاملتهم معاملة حسنة، والإنفاق عليهم، فخير الإكرام والإنفاق أن يبدأ المسلم بأهله وزوجته. وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك(88) فالصدقة على القريب لها أجر مضاعف؛ لأن المسلم يأخذ بها ثواب الصدقة وثواب صلة الرحم

روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة(89) إكرام الضيف: قال النبي صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت(90) الكرم مع الناس: وطرق الكرم مع الناس كثيرة فالتبسم في وجوههم صدقة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقي أخاك بوجه طلق(91)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وثواب الجود والإنفاق عظيم وقد رغَّبنا الله فيه في أكثر من موضع من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذينَ يُنفِقونَ أَموالَهُم في سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ﴾ [البقرة: 261 وقال تعالى: ﴿وَما تُنفِقوا مِن خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ﴾ [البقرة: 272 وقال تعالى: ﴿الَّذينَ يُنفِقونَ أَموالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم وَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾ [البقرة: 274 ولأن الكرم من أجمل خصال الإنسان فقد كان كرم الآل والأصحاب رضوان الله عليهم غاية في الحسن والبهاء والروعة والعطاء

يعطون من يسر ، ومن عسر ، ويشركون كل أحد فيما عندهم ، ويراعون ما أوجب الله من إخراج المال فيما أمرهم الله به ، فكانوا مشاعل نور من كرم ، وسحائب جود تجل الغيث والنعم .

فهل من مشمرٍ للإبحار في بحر جودهم ؟

ومن طالبٍ لمجاورة منازلهم ؟

فحي على جنات عدن فإنهامنازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترىنعود إلى أوطاننا ونسلم

* أبو بكر الصديق – رضي الله عنه :

عن

أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله(92)

عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال - : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- : " من أنفق زوجاً أو قال زوجين من ماله أراه قال في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا مسلم هذا خير هلم إليه فقال أبو بكر هذا رجل لا تودى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نفعني مال قط إلا مال أبي بكر قال فبكى أبو بكر وقال: وهل نفعني الله إلا بك وهل نفعني الله إلا بك وهل نفعني الله إلا بك‏.‏(93)

* عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :

قال الأعمش : كنت يوماً عنده , فأتي باثنين وعشرين درهماً , فلم يقم من مجلسه حتى يفرقها , وكان إذا أعجبه شيءٌ تصدّق به , وكان كثيراً ما يتصدّق بالسُّر , فقيل له في ذلك فقال : إني أُحِبّه , وقد قال تعالى : ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ حَتّىٰ تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ [ آل عمران : 92(94) ] .

* عثمان بن عفان - رضي الله عنه - :

عن أبي عبد الرحمن عبد الرحمن أن عثمان - رضي الله عنه - حيث حوصر ، أشرف عليهم ، وقال : أنشدكم بالله ، ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من حفر رومة فله الجنة ) . فحفرتها ، ألستم تعلمون أنه قال : من جهز جيش العسرة فله الجنة . فجهزته ، قال : فصدقوه بما قال(95) .

عن عبد الله قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان يوم جيش العُسرة جائياً وذاهباً فقال اللهم اغْفِرْ لعثمان ما أقبل وما أدبر وما أخفى وما

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أعلن وما أسرَّ وما أجْهرَ(96)

عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه - :

قال عبدالله بن جعفر الزهري حدثتنا أم بكر بنت المسور أن عبد الرحمن باع أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار فقسمه في فقراء بني زهرة ، وفي المهاجرين ، وأمهات المؤمنين . قال المسور : فأتيت عائشة – رضي الله عنها – بنصيبها , فقالت : من أرسل بهذا ؟ فقلت عبد الرحمن . فقالت : أما إني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول " لا يَحْنُو عليكُنَّ بَعْدِي إلاَّ الصّابرون " سقى اللهُ ابن عوفٍ من سلسبيل الجنة(97) .

* الزُّبير بن العَوَّام – رضي الله عنه - :

قال مغيث بن سُمَيًّ : كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدّون إليه الخراج , فلا يُدخل بيته من خراجهم شيئاً(98) .

* طلحة بن عبيد الله – رضي الله عنه - :

عن سُعدي بنت عوف المريّ قالت دخل عليَّ ذات يوم وهو خَاثِرُ ثقيل النفس فقلتُ مالي أراك كالح الوجه ما شأنك أرابك مني فأعتبك قال لا ولنعم حليلة المرء المسلم أنت فما شأنك قال المال الذي عندي قد كثُر وأكْرَبنِي قالت فقسمَّه حتى ما بقي منه درهم قالت سُعدى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فسألت خازن طلحة كم كان المال قال أربعمائة ألف(99)

* جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه - :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " ما احْتَذَى النَّعال, ولا رَكِب المطايا بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أفضل من جعفر بن أبي طالب(100) "

يعني في الجود والكرم.وعن أبي هريرة قال : كُنَّا نسمَّي حعفراً أبا المساكين . كان يذهب بنا إلى بيته فإذا لم يجد لنا شيئاً, أخرج إلينا عُكَّة أثَرُها عسل, فنشُقّها ونَلْعَقها.(101)

والعكة : ظرف العسل .

* عبد الله بن عباس – رضي الله عنه - :

عن حبيب بن أبي ثابت قال : قدم أبو أيوب الأنصاري البصرة ونزل على ابن عباس ففرَّغ له بيتهُ الذي كان فيه , وقال لأصْنَعَنَّ بك كما صنعت برسول الله – صلى الله عليه وسلم - . وقال : كم عليك من الدين ؟ قال : عشرون ألفاً فأعطاه أربعين ألفاً , وعشرين مملوكاً وقال : لك ما في البيت كلّه(102) .

* عبد الله بن عمر – رضي الله عنه - :

عاصم بن محمد العمري عن أبيه قال أعطى عبد الله بن جعفر

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عبد الله بن عمر بنافع عشرة آلاف درهم أو ألف دينار فدخل عبد الله على صفية امرأته فقال إنه أعطاني ابن جعفر بنافع عشرة آلاف درهم أو ألف دينار فقلت يا أبا عبد الرحمن فما تنتظر أن تبيع قال فهلا ما هو من ذلك هو حر لوجه الله قال فكان يخيل إلي أن ابن عمر كان ينوي قول الله عز وجل ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ حَتّىٰ تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ آل عمران 92(103)

* قيس بن سعد بن عبادة – رضي الله عنه - :

قال الذهبي في السير وَجودُ قيسٍ يُضرب به المثل قال الواقدي حدثنا ود بن قيس ومالك وطائفة قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والأنصار وهم ثلاثمائة إلى ساحل البحر إلى حّي من جُهَيْنة فأصابهم جوعٌ شديد فأمر أبو عبيدة بالزاد فجمع حتى كانوا يقتسمون التمرة فقال قيس بن سعد من يشتري مني تمراً بجزر يوفيني الجزر ها هنا, وأوفيه التمر بالمدينة, فجعل عمر يقول: يا عجباً لهذا الغلام, يدين في مال غيره فوجد رجلاً من جُهَيْنة فساومه فقال ما أعرفك قال أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم فقال ما أعَرَفني بنسبك أما إن بيني وبينك سعد خلة سيد أهل يثرب فابتاع منه خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر وأشهد له نفراً فقال عمر لا أشهد هذا يدين ولا مال له إنما المال لأبيه فقال الجهني والله ما كان سعد لُيخْني بابنه في شِقَّةٍ من تمرٍ وأرى وجهاً حسناً فنحرها لهم في ثلاث

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مواطن, فلما كان في اليوم الرابع نهاه أميره, وقال: تريد أن تخرب ذمتك ولا مال لك قال فحدثني محمد بن يحيى بن سهل عن أبيه عن رافع بن خديج قال بلغ سعداً ما أصاب القوم من المجاعة فقال إن يكُ قيس كما أعرف فسوف ينحر للقوم فلما قدم قصَّ على أبيه وكيف منعوه آخر شيءٍ من النحر فكتب له أربع حوائط أدنى حائط منها يُجَدُّ خمسين وسقاً فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ له قال: أما إنه في بيت جُودٍ(104)

* الحسن بن علي – رضي الله عنه - :

قيل له من الجواد ؟ قال الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك حقوقاً.(105)

كان - رضي الله عنه – يعطي الرجل الواحد مائة ألفٍ.(106)

عن علي – رضي الله عنه – أنه خطب , وقال: إن الحسن قد جمع مالاً, وهو يريد أن يقسمه بينكم, فحضر الناس, فقام الحسن, فقال: إنما جمعته للفقراء, فقام نصف الناس.(107)

قال أبو هارون انطلقنا حجّاجاً فدخلنا المدينة فدخلنا على الحسن فحدثنا بمسيرنا وحالنا فلما خرجنا بعث إلى كل رجل منا بأربعمائة

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فرجعنا فأخبرنا بيسارنا فقال لا تردوا علَّي معروفي فلو كنتُ على غير هذه الحال كان هذا لكم يسيراً أما إني مزودكم إن الله يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة(108)

* الحسين بن علي – رضي الله عنه - :

قال سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة : حدثني ظِئْر كان لنا قال قدمت بأباعر لي – عشرين أو ثلاثين بعيراً – ذا المروة , أريد الميرة من التمر , فقيل لي : إن عمرو بن عثمان في ماله , والحسين بن علي في ماله . قال : فجئت عمرو بن عثمان فأمر لي ببعيرين أن يُحمَل لي عليهما , فقال لي قائل : ويلك , ايتِ الحسين بن علي . فقال:ولم أكن أعرفه, فإذا رجل جالس بالأرض حوله عبيده, بين يديه جفنه عظيمة فيها خبز غليظ ولحم, وهو يأكل وهم يأكلون معه, فسلمت, فقلت: والله, ما أرى أن يعطيني هذا شيئاً. فقال : هَلُمَّ فكلْ , فأكلت معه , ثم قام إلى ربيع الماء – مجراه – فجعل يشرب بيديه ثم غسلهما وقال : ما حاجتك ؟ فقلت : أمتع الله بك , قدمت بأبَاعر أُريد المِيرة من هذه القرية , فذُكِرْتَ لي فأتيتك لتعطيني مما أعطاك الله . قال : اذهب فأتني بأباعرك . فجئت بها , فقال : دونك هذا المربد فأوقرها من هذا التمر , فأوقرتها والله ما حملتْ . ثم انطلقت فقلت : بأبي وأمي , هذا والله الكرم(109) .

عبيد

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم

إنه أول من فطر جيرانه , وأول من وضع الموائد على الطرق , وأول من حيَّا على طعامه , وأول من أنهبه . ومن جوده: انه أتاه رجل ٌ وهو بفناء داره, فقام بين يديه فقال: يا ابن العباس, إنّ لي عندك يداً وقد احتجت إليها. فصعَّد في بصره وصوَبه, فلم يعرفه, ثم قال له: ما يدُك عندنا ؟ قال: رأيتك واقفاً بزمزم وغلامك يمتحُ لك من مائها , والشمس قد صهرتك , فظللتك بطرف كسائي حتى شربت . قال : إني لأذكر ذلك , وإنه يتردد بين خاطري وفكري , ثم قال لقيّمهِ : ما عندك ؟ قال : مائتا دينار وعشرة آلاف درهم , قال فادفعها إليه , وما أُراها تفي بحق يده عندنا , فقال له الرجل : والله لو لم يكن لإسماعيل ولدٌ غيرك لكان فيه ما كفاه , فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمداً – صلى الله عليه وسلم - , ثم شفعه بك وبأبيك(110) .

* عبد الله بن جعفر – رضي الله عنه - :

قال عنه الذهبي في السير كان كبير الشأن جواداً يصلح للإمامة عن ابن سيرين رحمه الله قال جلب من التجار سكراً إلى المدينة فكسد عليه فبلغ عبد الله بن جعفر فأمر قَهْرمانه إن يشتريه وان ينهبه الناس قال: الحميدي سمعت القداح يذكر أنْ رجلاً عرض لعبد الله

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد خرج من باب بني شيبة فقال يا ابن الطيار في الجنة صلني بنفقةٍ أتبلغ بها إلى أهلي كرّم الله وجهك قال فرمى إليه برمانة من ذهبٍ كانت في يديه فوزنها الرجل فإذا فيها ثلاثمائة مثقال وعن الشعبي قال كان لعبد الله بن جعفر على رجلٍ من أهل المدينة خمسون ألفاً فاستعان عليه بعبيد الله بن عباس في ذلك فقال قد حططتُ عن شطرها وأخرته بالشطر الآخر إلى ميسوره قال فجزاه عُبيد الله خيراً وانصرف, فأتْبعه ابن جعفر رسولاً: إني قد طيّبت له النصف الآخر. ومن جوده أيضاً أنه أعطى امرأةً مالاً عظيماً فقيل له إنهما لا تعرفك وكان يُرضيها اليسير قال إن كان يُرضيها اليسير فإني لا أرضى إلاَّ بالكثير وإنْ كانت لا تعرفني فإني أعرف نفسي(111)

* عدي بن حاتم – رضي الله عنه - :

قال ابن عبد ربه : دخل عليه ابن دارة فقال : إني مدحتك , قال : أمسك حتى آتيك بمالي ثم امدحني على حسن , فإني أكره ألاَّ أعطيك ثمن ما تقول ؛ لي ألف شاه , وألف درهم , وثلاثة أعبد , وثلاث إماء , وفرسي هذا حَبْس في سبيل الله فامدحني على حسب ما أخبرتك . فقال :

تحن قلوصي في مَعَدّ وإنماتلاقي الربيعَ في ديارِ بني ثُمَلْ
وأبقى الليالي من عديّ بن حاتمٍحساماً كَنَصْلِ السيف سُلّ من الحللْ
أبوك جَوادٌ لا يُشَقّ غبارُهوأنت جوادٌ ما تَعَذّرُ بالعِللْ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فإنْ تتقوا شرَّا فمثلكمُ اتّقىوإنْ تفعلوا خيراً فمثلكمُ فعلْ(112) 112

* علي بن الحسين – رحمهما الله - :

وعن سفيان : كان علي بن الحسين يحمل معه جراب الخبز على ظهره , فيتصدّق به ويقول : إن الصدقة تُطفئ غضب الَّربَّ عز وجل(113) . وكان يقول : ما يسرّني بنصيبي من الذُّلّ حُمْر النَّعم(114) .

* أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين – رحمه الله - :

قال الوصّافي : كنا عند أبي جعفر محمد بن علي يوما فقال لنا : يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو قال : في كيسه يأخذ حاجته قال : قلنا : لا قال : ما أنتم بإخوان(115)

* موسى الكاظم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين – رحمه الله - :

كان رحمه الله إذا بلغه عن الرجل ما يكره – يعني من الحاجة – بعث إليه بُصرَّة من الدنانير , وكانت صِرارُه ما بين الثلاثمائة إلى المائتئ دينار فكانت صراره مثلاً بالمدينة(116) .

صور مشرقة للآل والأصحاب رضوان الله عليهم تبين مدى

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جمعهم بين خصلة الكرم كخلق متأصل في نفس العربي وبين البر والإحسان والإنفاق في سبيل الله تعالى

فالعرب أمة سخاء وكرم ، لكنه في كثير من أحيانه يعد طبعاً وخلقاً ، فلما جاء الإسلام رتب عليه الأجر العظيم ، فجعله باباً من أبواب الجنة .

وعند النظر في هذه المواقف يزداد الإجلال ، والحب لأولئك العظماء الذين كانوا يتسابقون ببذل كل ما يستطيعون أحياناً وكثير من أحياناً أخرى .

إن بعضهم لا يغمض له جفن إن كثر ماله ، وليس لذهن مشغول بالسعي في جمع المال ، وكنزه دون مراعاة لحق الله – تعالى – فيه ، وإنما لقلب مليء إيماناً ، ويقيناً ، فهو يفكر كيف يخرجه في سبيل الله – عز وجل - .

وليس هذا بغريب من قوم يرون أنهم ، وأموالهم ملك لله – تعالى - ، وأن حبسه عما أمر الله – تعالى - ، موجب لمحقه ، وذهاب بركته ، وسرعة نفاده ، فياليت كثيراً من الأغنياء يعلمون !

حياء الآل والأصحاب

الحياء خلق يبعث على ترك القبائح ، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق ، وعلى حسب حياة القلب ، يكون خلق الحياء .

ومن عظيم صفات ربنا سبحانه الموصوف بأوصاف الجمال ، والمنعوت بنعوت الجلال أنه حيي كريم .

روى البهقي في السنن الكبرى: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله حيي كريم ، يستحي أن يرفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين(117) )).

وفي " سنن أبي داود " من حديث يعلى بن أمية – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر(118) )) .

قال ابن القيم – رحمه الله - : (( وأما حياء الرب تعالى من عبده ، فذاك نوع آخر ، لا تدركه الأفهام ، ولا تكيفه العقول ، فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال ، فإنه – تبارك وتعالى – حيي كريم ، يستحي من عبده أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام )) أ.هـ(119)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فالله - سبحانه - مع كمال غناه عن خلقه ، من كرمه يستحي من هتك العاصي ، وفضيحته ، وإحلال العقوبة به ، فيقيض له أسباب الستر ، ويعفو عنه ، ويغفر له ، ويتحبب إليه بالنعم ، ويستحيي ممن مد إليه يديه سائلاً ، متذللاً أن يردهما خائبتين .

يا خجلة العبد من إحسان سيدهيا حسرة القلب من ألطاف معناه
فكم أسأت وبالإحسان قابلنيوأخجلني وا حيائي حين ألقاه
يا نفس كم بخفي اللطف عاملنيوقد رآني على ما ليس يرضاه
يا نفس كم زلة زلت بها قدميوما أقال عثاري ثم إلا هو
يا نفس توبي إلى مولاك واجتهديوصابري فيه إيقانا برؤياه

ومن استحيا من الناس أن يروه بقبيح دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربه أشد ، فلا يضيع فريضة ، ولا يرتكب خطيئة ، لعلمه بأن الله يرى ، وأنه لابد أن يقرره يوم القيامة على ما عمله ، فيخجل ويستحي من ربه .

روى أحمد في " المسند " عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : (( استحيوا من الله حق الحياء )) قالوا : فإنا نستحيي يا رسول الله . قال : (( ليس ذاكم ، ولكن من استحي من الله حق الحياء ، فليحفظ الرأس وما وعى ، وليحفظ البطن وما حوى ، وليتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك قد استحيا من الله حق الحياء(120) )) .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آية في الحياء فقد روى البخاري ومسلم عن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا كرهه عرفناه في وجهه(121)

وانظر إلى حيائه – صلى الله عليه وسلم – مع ربه ، ففي " صحيح البخاري " عن مالك بن صعصعة – رضي الله عنه – في خبر فريضة الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج ، وتردد النبي – صلى الله عليه وسلم – بين ربه ، وموسى – عليه السلام - ، ليسأل ربه التخفيف في الصلاة حتى جعلها الله خمساً ، فقال له موسى – عليه السلام - : (( ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك )) قال : (( سألت ربي حتى استحييت ، ولكن أرضى وأسلم(122) )) .

قال أبو دهبل الجمحي يمدح رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :

إن البيوت معادن فنجارهذهب وكل بيوته ضخم
عقم النساء فلم يلدن شبيههإن النساء بمثله عقم
متهلل بـ ط نعم " ، بـ "لا" متباعدسيان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخالهسقما وليس بجسمه سقم(123) 123

ولقد أدب الرسول – صلى الله عليه وسلم – آله وأصحابه – رضوان الله عليهم – خير أدب ، فكانوا أعظم الناس حياءً بعد الأنبياء والرسل – عليهم السلام - .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كانوا يستحيون من الله حق الحياء ، فكفوا عن الحرام ، وحفظوا سرائرهم كحفظهم علانيتهم .

وكانوا يستحيون من الرسول – صلى الله عليه وسلم – فكانوا لا يرمونه بأبصارهم ، ولا يديمون النظر له في وجهه إجلالاً له .

وكانوا يستحيون فيما بينهم حتى ضربوا أروع الأمثلة في جمال الأدب وبهاء الأخلاق وسلامة الظاهر ونقاء السرائر.

إن الحياء من الإيمان جاء بهلفظ النبي وخير كله فيه
فليتصف كل من يرى مشاهدهوليس يعرف هذا غير منتبه
مستيقظ غير نوام ولا كسلمراقب قلبه لدى تقلبه
إن الحييّ من أسماء الله وقدجاء التخلق من بالأسماء فاخطبه

عثمان بن عفان – رضي الله عنه - :

عن عائشة – رضي الله عنها - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيتي ، كاشفا عن فخذيه . أو ساقيه . فاستأذن أبو بكر فأذن له . وهو على تلك الحال . فتحدث . ثم استأذن عمر فأذن له . وهو كذلك . فتحدث . ثم استأذن عثمان . فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسوى ثيابه - قال محمد : ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث . فلما خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهتش له . ولم تباله . ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله . ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك ! فقال " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"(124)

عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - :

أتى عثمان بن مظعون رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أحب أن ترى امرأتي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال محمد بن يزيد عريتي" وقال يعلى بن عبيد" عورتي" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم؟ قال: أستحيى من ذلك وأكرهه قال إن الله جعلها لك لباساً وجعلك لها لباساً وأهلي يرون عورتي وأنا أرى ذلك منهم قال أنت تفعل ذلك يا رسول الله قال "نعم قال: فمن بعدك فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وٍسلم إن ابن مظعون لحييُ ستيرُ(125)

أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - :

قال أبو موسى - رضي الله عنه - : إني لأغتسل في البيت المظلم , فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي ؛ حياء من ربيّ عزّ وجل(126) ّ .

الأشج بن عبد قيس - رضي الله عنه - :

وأخرج ابن أبي شيبة عن أشج عبد القيس - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله علبه وسلم - :

" إن فيك لَخُلُقَيْنِ يحبهما الله " , قلت : ما هما ؟ قال: "الحلم والحياء ", قلت: قديماً كانا أو حديثاً ؟ قال : " لا بل قديماً , قلت : الحمد لله الذي جبلني على خُلقين يحبهما الله(127) .

بمثل هذه الروائع ومثلها جملت أخلاق الآل والأصحاب فإن الحياء من أحسن ما تزين به العبد من حلة ولذا كان محبوباً عند العرب في رجالهم ونسائهم فإذا رأوا انتهاكاً له وعبثاً به وبغيره ذموا صاحبه لأنهما ستار

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

واق من الانغماس في الرذيلة والشين

ولم يكن حياء هؤلاء النبلاء في علاقتهم مع الخلق فحسب ، بل تعدى ذلك إلى حيائهم من خالقهم ، وسيدهم ، ومولاهم – جل في علاه - .

وهل يجمل الحياء إلاّ من الله ؟!

إنهم وهم في خلواتهم يحققون معنى الحياء من الله – تعالى - ، فمن كان هذا حياؤه من ربه ، فكيف حياؤه من البشر ؟!

أليس كثيراً من أبناء هذا الزمان بحاجة إلى الاتصاف بهذه الصفة ، والاقتداء بهؤلاء السلف في زمن غاب عند البعض مفهوم الحياء ، ومعنى المروءة ، وشاع الاتصاف برذائل الأخلاق ، والانشغال بسفاسف الأمور .

نسأل الله الصلاح ، والتوفيق لنا ولهم . اللهم آمين .

حرص الآل والأصحاب على العلم

مراتب السعادة والفلاح لكل عبد إنما تكون بهمة ترقّيه ، وترغب في الوصول إلى المراتب العليا ، أو بعلم يبصره ، ويهديه ، ويجنبه مضلات الفتن ، ومزالق المحن .

وحري بالسائر إلى الله – تعالى – أن تعلو همته ، ويسمو قصده ، ليكون في منأى عن حضيض الطبع ، والخلق .

وفي الجهل قبل الموت موت لأهلهوأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهموليس لهم حتى النشور نشور

وقد عظم الله – سبحانه – شأن العلم ، ورغب فيه ، ورفع من قدر أهله . قال تعالى : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلـٰهَ إِلّا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُو العِلمِ قائِمًا بِالقِسطِ ۚ لا إِلـٰهَ إِلّا هُوَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾( آل عمران : 18 ) .

وقال سبحانه : ﴿بَل هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدورِ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ ۚ وَما يَجحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظّالِمونَ﴾

( العنكبوت : 49 ).

ولم يأمر الله – جل وعلا- رسوله – صلى الله عليه وسلم – أن يسأله المزيد في شيء كما سأله المزيد في العلم ، فقال سبحانه : ﴿وَقُل رَبِّ زِدني عِلمًا﴾ ( طه : 114 ) .

وفي فضل العلم ، وأهله يقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله وملائكته ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير )) رواه الطبراني عن أبي أمامة – رضي الله عنه – وروى الترمذي في السنن عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( فضل العالم كفضلي على أدناكم(128) )) .

وروى أبو داود عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( من سلك طريقاً يبتغي به علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن العالم لستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر(129) .

وقال الإمام أحمد – رحمه الله - : الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين ، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس(130) .

قال سابق البربري :

والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبهكما يجلى سواد الظلمة القمر
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلهاولا البصير كالأعمى ماله بصر

وقال ابن القيم – رحمه الله - : لا ينال العلم إلا بهجر اللذات ، وتطليق الراحة . قال ابراهيم الحربي : أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعم ، ومن آثر الراحة فاتته الراحة ، فما لصاحب اللذات ؟! وما لدرجة الأنبياء ؟!

فدع عنك الكتابة لست منهاولو لطخت وجهك بالمداد

فإن العلم صناعة القلب وشغله ، فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها ، ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجة العلم أبداً . أ. هـ(131)

ولعظيم شأن العلم فإن كثيراً من السلف كانوا يبذلون فيه النفس ، والنفيس ، ويتحملون فيه كل المشاق ، فالمكارم موطنة بالمكاره ، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة ، فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد .

قال يحي بن أبي كثير : لا ينال العلم براحة الجسد(132) .

ومن نظر في سير آل البيت ، والصحابة – رضوان الله عليهم – وجد أنهم من أحرص الناس على العلم ، وأكثرهم اجتهاداً في نيله ، وقضاء إربهم منه .

وقد تنوعت مواقفهم المعبرة عن حب العلم والتعلق فيه فهذا يعظم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العلم ويجل أهله ويقف عنده فلا يتجاوزه وثان يلازم خطام ناقة آخر إكراماً لسابق فضله وعلمه وثالث يبيت عند باب غيره ليستفيد منه ورابع يرحل من أجل حديث واحد مئات الكيلومترات

إنه العشق الذي يقصر دونه كل عشق ، والهمة التي لا يذوق حلاوتها إلا الكبار .

وإذا كانت النفوس كباراًتعبت من مرادها الأجسام

فدونك – حفظك الله – هذه المواقف الرائقة ، والقصص الفائقة في حب العلم ، والسعي في الحصول عليه من تراث آل البيت والصحابة.

* عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :

روى البخاري في " صحيحه " عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : " كنت أنا وجار لي من الأنصار , في بني أمية بن زيد , وهي من عوالي المدينة , وكنا نتناوب النزول على رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , ينزل يوماً وأنزل يوماً , فإذا نزل جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره , وإذا نزل فعل مثل ذلك(133) " .

* معاذ بن جبل – رضي الله عنه - :

قال – صلى الله عليه وسلم - : " معاذ بن جبل , أمام العلماء يوم القيامة برتوة(134) " .

وقال عمر بن الخطاب لو استخلفت معاذ بن جبل رضي الله عنه فسألني عنه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ربي عز وجل ما حملك على ذلك لقلت سمعت نبيك صلى الله عليه وسلم يقول إن العلماء إذا حضروا ربهم(135) الحديث

وروي عن معاذ لما حضرته الوفاة أنه قال : اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار , ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل , ولظمأ الهواجر في الحر الشديد , ولمزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر(136) " .

وإن أردت أن تعرف علو همة معاذ مقدام العلماء في تحصيل العلم , فانظر كم سنه يوم إسلامه , وكم سنه يوم وفاته , ومكانته في العلم !!

قال الذهبي – رحمه الله: " قال عطاء : أسلم معاذ وله ثمان عشرة سنة(137) " .

* عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - :

عن ابن مسعود قال كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال يا غلام هل من لبن قلت نعم ولكني مؤتمن قال فهل من شاة لم ينز عليها الفحل فأتيته بشاه فمسح ضرعها فنزل لبن فحلب في إناء فشرب وسقى أبا بكر ثم قال للضرع اقلص فقلص زاد أحمد قال ثم أتيته بعد هذا ثم اتفقنا فقلت يا رسول الله علمني من هذا القول فمسح رأسي وقال

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يرحمك الله إنك غليم معلم

وفيه زيادة , منها : " فلقد أخذت من فيه – صلى الله عليه وسلم – سبعين سورة , ما نازعني فيها بشر(138) " .

وروى البخاري عن شقيق بن سلمة قال : خطبنا عبد الله بن مسعود , فقال : والله لقد أخذت من في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بضعاً وسبعين سورة , والله لقد علم أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – أني من أعلمهم لكتاب الله , وما أنا بخيرهم .

قال شقيق : فجلست في الحلق أسمع ما يقولون , فما سمعت راداً يقول غير ذلك(139) .

* أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه - :

عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : " لما بلغ أبا ذر مبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – بمكة , قال لأخيه – أنيس - : اركب إلى هذا الوادي , فاعلم لي علم هذا الرجل , الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء , فاسمع من قوله وائتني .

فانطلق – أنيس – حتى قدم مكة وسمع من قوله , ثم رجع إلى أبي ذر , فقال : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق , وسمعته يقول كلاماً ما هو بالشعر , فقال أبو ذر : ما شفيتني فيما أردت !

فتزود أبو ذر وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكره

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن يسال عنه حتى أدركه الليل فاضطجع فرآه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعرف أنه غريب ودعاه إلى منزله وتبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال ما آن للرجل أن يعلم منزله فأقامه فذهب به معه ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه علي معه ثم قال له ألا تحدثني ما الذي أقدمك قال إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني فعلت ففعل فأخبره فقال فإنه حق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصبحت فاتبعني فإن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أرق الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه(140)

* أبو الدرداء – رضي الله عنه - :

روى البخاري عن أنس – رضي الله عنه – قال : " مات النبي صلى الله عليه وسلم - , ولم يجمع القرآن إلا أربعة : أبو الدرداء , ومعاذ , وزيد بن ثابت , وأبو زيد(141) " .

ولا يفهم أحد من هذا أنه ما جمع القرآن غير هؤلاء الكرام، قال ابن عبد البر: إنما أراد انس بهذا الحديث الأنصار، ولقد جمع القرآن من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المهاجرين جماعة منهم: علي وعثمان وابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسالم مولى أبي حذيفة.(142)

وقال ابن إسحاق : كان الصحابة يقولون : أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء .

وروى ابن عساكر عن يزيد بن عميرة قال : " لما حضرت معاذاً الوفاة , قالوا : أوصنا , فقال: العلم والإيمان مكانهما , من ابتغاهما وجدهما – قالها ثلاثاً – فالتمسوا العلم عند أربعة : عند عويمر أبي الدرداء , وسلمان , وابن مسعود , وعبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم(143) " .

* أبو هريرة – رضي الله عنه - :

قال أبو هريرة : " إنكم تقولون : إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم ، وتقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثله ؟ وإن إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وكان إخواني من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرأً من مساكين الصفة ، ألزم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ملء بطني ، فأحضر حين يغيبون ، وأعي حين ينسون(144) " .

فقال ابن عمر : كنت ألزمنا لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - , وأعلمنا بحديثه(145) " .

قال الذهبي : " كان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة(146) " .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك ؟ قلت : أسألك أن تعلمني مما علمك الله , فنزع نمرة كانت على ظهري , فبسطها بيني وبينه , حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها , فحدثني , حتى إذا استوعبت حديثه , قال : اجمعها فصرها إليك , فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني(147) " .

* عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما :

وعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما قال : كنت في بيت خالتي ميمونة , فوضعت للنبي – صلى الله عليه وسلم – وضوءاً, فقال : " من وضع هذا ؟ " فقالت ميمونة: وضعه عبد الله , فقال : " اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين(148) " .

وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رجل(149) وكان يقول نعم ترجمان القرآن ابن عباس(150)

وقال ابن عمر : وهو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد – صلى الله عليه وسلم - .

وعن أبي وائل : قرأ ابن عباس سورة النور , ثم جعل يفسرها , فقال رجل : " لو سمعت هذا الديلم لأسلمت " .

وصح عن علي أنه قال فيه " ويح ابن أم الفضل , إنه لغواص على الهنات(151) " .

قال ابن عباس قال: لما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثير، قال فقال: واعجبا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من فيهم؟ قال: فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الحديث فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني فيقول لي: يا بن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك! فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني!(152)

* جابر بن عبد الله الأنصاري – رضي الله عنه - :

قال جابر بن عبد الله بلغني عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيراً ثم شددت رحلي فسرت إليه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شهراً حتى قدمت الشام فإذا هو عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له جابر على الباب فقال ابن عبد الله قلت نعم فخرج عبد الله بن أنيس فاعتقني فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلاً بهما قلنا ما بهما قال ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بظلمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة قال قلنا كيف هو وإنما نأتي الله تعالى عراة غرلاً بهما قال بالحسنات والسيئات(153)

* أبو أيوب الأنصاري – رضي الله عنه - :

قال عطاء بن أبي رباح خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر فأخبر به فعجل فخرج إليه فعانقه وقال ما جاء بك يا أبا أيوب قال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغير عقبة فابعث من يدلني على منزله قال فبعث معه من يدله على منزل عقبة فأخبر عقبة به فعجل فخرج إليه فعانقه وقال ما جاء بك يا أبا أيوب فقال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقول من ستر مؤمناً في الدنيا على خربة ستره الله يوم القيامة فقال له أبو أيوب صدقت ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر(154)

هذا غيض من فيض مما جاء عن الآل والأصحاب في حب العلم ، والحرص عليه .

لقد عاشوا في كنف النبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم معلم عرفته البشرية ، فكانوا ينشغلون أحياناً عن مصالحهم حباً فيما يخرج من فمه الطاهر – صلى الله عليه وسلم – من نور الوحي والرسالة .

إنهم يرمقون بأبصارهم ، ويتبعون حركات شفتيه ، ويجمعون قلوبهم ، ينتظرون قوتاً تحيى به قلوبهم ، وزاداً يطعمون به أرواحهم .

فقوت الروح أرواح المعانيوليس بأن طعمت وشربت

ما معنى أن يبيت أحدهم عند باب دار الآخر ليحدثه بحديث سمعه ؟!

ما معنى أن يرحل أحدهم من أجل حديث واحد فقط ؟!

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ما معنى أن يأخذ القرشي بخطام من دونه لما عنده من علم ؟!

ما معنى أن يبيت أحدهم طاوياً ، فلا يفكر بطعام بل في العلم ؟!

كرر علي حديثهم يا حاديفحديثهم يجلو الفؤاد الصادي

وهم مع هذا كله جمعوا من العلم عملاً يمتثلون به كل ما ونوروا قلوبهم به من العلم .

فما فائدة العلم إذا لم يقتض عملاً يصلح به العبد علاقته مع ربه ؟

نسأل الله لنا جميعاً علماً نافعاً ، وعملاً صالحاً .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الآل والأصحاب

من أهم المهمات وأفضل القربات التناصح والتوجيه إلى الخير والتواصي بالحق والصبر عليه، والتحذير مما يخالفه ويغضب الله عز وجل، ويباعد من رحمته .

ولذا فقد شرع الله – عز وجل – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعله من آكد الواجبات في الدين ، وقد دلت الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة على وجب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ومنها :

قوله تعالى : ﴿وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ۚ وَأُولـٰئِكَ هُمُ المُفلِحونَ﴾ [ آل عمران : 104 ]

وقوله تعالى : ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ [ آل عمران : 113 ]

وفي " الصحيحين " عن أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: " يؤتي بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه - أي أمعاؤه - فيدور في النار كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار ، فيقولون : مالك يا فلان ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال : فيقول لهم : بلى ولكني كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه(155) " .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذه حال من خالف قوله فعله - نعوذ بالله - تسعّر به النار، ويُفضح على رؤوس الأشهاد، يشاهده أهل النار، ويتعجبون كيف يلقى في النار. هذا ويدور في النار كما يدور الحمار بالرحى، وتندلق أقتاب بطنه، يسحبها، لماذا ؟

لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه .

فعلم بذلك أن المقصود الأمر بالمعروف مع فعله ، والنهي عن المنكر مع تركه. وهذا هو الواجب على كل مسلم، وهذا الواجب العظيم أوضح الله شأنه في كتابه الكريم، ورغب فيه، وحذر من تركه ، ولعن من تركه .

فالواجب على أهل الإسلام أن يعظموه، وأن يبادروا إليه، وأن يلتزموا به طاعة لربهم عز وجل، وامتثالاً لأمره، وحذراً من عقابه سبحانه وتعالى .

وفي " صحيح مسلم " قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " من رأى منكراً فليغيره بيده ، فمن لم يستطع فبلسانه ، فمن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان(156) "

فبين - صلى الله عليه وسلم - مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الثلاث :

المرتبة الأولى:

الإنكار باليد مع القدرة، وذلك بإراقة أواني الخمر، وكسر آلات اللهو،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومنع مَن أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده إن استطاع ذلك كالسلطان ونحوه من أهل القدرة

وهكذا المؤمن مع أهله وولده، يلزمهم بأمر الله ويمنعهم مما حرم الله باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام .

وهكذا من له ولاية من أمر أو محتسب، أو شيخ قبيلة أو غيرهم ممن له ولاية من جهة ولي الأمر، أو من جهة جماعته، حيث ولوه عليهم، عند فقد الولاية العامة يقوم بهذا الواجب حسب طاقته، فإن عجز انتقل إلى:

المرتبة الثانية :

وهي اللسان ، يأمرهم باللسان وينهاهم ، ويعاملهم بالأسلوب الحسن ، مع الرفق. يقول - عليه الصلاة والسلام - : " إن الله يحب الرفق في الأمر كله"(157)

ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه "

فإن عجز انتقل إلى :

المرحلة الثالثة :

إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان انتهي إلى القلب ، يكره المنكر بقلبه، ويبغضه ولا يكون جليساً لأهله.

وروي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال له بعض الناس: هلكت إن لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فقال له رضي الله عنه: هلكت إن لم يعرف قلبك

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المعروف وينكر المنكر

وهذه بعض مواقف الآل والأصحاب – رضي الله عنهم – في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

* عبادة بن الصامت الخزرجي – رضي الله عنه - :

عن قبيصة بن ذؤيب , أن عبادة أنكر على معاوية شيئاً , فقال : لا أسكنك بأرض , فرحل إلى المدينة , قال له عمر : ما أقدمك ؟ فأخبره بفعل معاوية , فقال له : ارحل إلى مكانك , فقبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك , فلا إمرة له عليك(158) .

وعن عبيدة بن رفاعة : أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر , فقال : ما هذه , أزيت ؟ قيل : لا , بل خمر يباع لفلان . فأخذ شفرة من السوق , فقام إليها , فلم يذره فيها راوية إلا بقرها .. وأبو هريرة إذ ذاك بالشام – فأرسل فلان إلى أبي هريرة , فقال : ألا تمسك عنا أخاك عبادة , أما بالغدوات , فيغدوا إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم , وأما بالعشي , فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا ! قال : فأتاه أبو هريرة , فقال : يا عبادة , ما لك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل . فقال : لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وألا يأخذنا في الله لومة لائم . فسكت أبو هريرة , وكتب فلان إلى عثمان : إن عبادة قد أفسد علي الشام(159) .

* أبو أيوب الأنصاري – رضي الله عنه - :

عن محمد بن كعب قال : كان أبو أيوب يخالف مروان , فقال : ما يحملك على هذا ؟ قال : إني رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصلي الصلوات , فإن وافقته , وافقناك , وإن خالفته خالفناك . " أخرجه الطبراني(160) " .

وعن سالم بن عبد الله بن عمر قال أعرست فدعا أبي الناس فيهم أبو أيوب وقد ستروا بيتي بجنادي أخضر فجاء أبو أيوب فطأطأ رأسه فنظر فإذا البيت مستر فقال يا عبد الله تسترون الجدر فقال أبي واستحيا غلبنا النساء يا أبا أيوب فقال من خشيت أن تغلبه النساء

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فلم أخش أن يغلبنك لا أدخل لكم بيتاً ولا أكل لكم طعاماً(161)

* أبو هريرة – رضي الله عنه - :

" قام أبو هريرة – رضي الله عنه – إلى مروان بن الحكم وقد أبطأ بالجمعة , فقال له : أتظل عند ابنة فلان تروحك بالمرواح وتسقيك الماء البارد , وأبناء المهاجرين والأنصار يصهرون من الحر ! لقد هممت أن أفعل وأفعل . ثم قال : اسمعوا من أميركم(162) " .

* أبو ذر – رضي الله عنه - :

عن الأوزاعي : حدثني أبو كثير , عن أبيه , فقال : أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى , وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه , فأتاه رجل , فوقف عليه , فقال : ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا ؟ فرفع رأسه , ثم قال : أرقيب أنت علي ! لو وضعتم الصمصامة(163) على هذه – وأشار بيده إلى قفاه – ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها(164) .

* صحابي يقتل من سبت النبي – صلى الله عليه وسلم - :

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر قال فلما كانت ذات ليلة جعلت

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخذ المغول حديدة فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم فلما أصبح ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا اشهدوا أن دمها هدر(165)

* ابن عباس – رضي الله عنهما - :

أثناء الحرب التي دارت بين علي ومعاوية , خرج فريق كفر عليا ومعاوية, وجاءوا بأمور لم تكن معروفة من قبل , وذهب ابن عباس إليهم ليوضح الحق , ويكشف الشبهة .

قال ابن عباس دخلت عليهم وهم قائلون فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر قد أثر

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

السجود في جباههم كأن أيديهم ثفن الإبل, عليهم قمص مرحضة المرحضة المغسولة فقالوا ما جاء بك يا ابن عباس وما هذه الحلة التي عليك قال قلت ما تعيبون من ذلك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية قال ثم قرأت هذه الآية ﴿قُل مَن حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ﴾ فقالوا ما جاء بك قال جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم فقال بعضهم لا تخاصموا قريشاً فإن الله يقول ﴿بَل هُم قَومٌ خَصِمونَ﴾ فقال بعضهم بلى فلنكلمه قال فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة قال قلت ماذا نقمتم عليه قالوا ثلاثاً فقلت ما هن قالوا حكم الرجال في أمر الله وقال الله تعالى إن الحكم إلا لله قال هذه واحدة وماذا أيضا قالوا فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين ما حلّ قتالهم ولئن كانوا كافرين لقد حلّ قتالهم وسبيهم. قال قلت وماذا أيضاً قالوا ومحا نفسه من إمرة المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين قال قلت أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله بما ينقض قولكم هذا أترجعون قالوا وما لنا لا نرجع قال قلت أما قولكم حكم

الرجال في أمر الله فإن الله قال في كتابه ﴿أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَقتُلُوا الصَّيدَ وَأَنتُم حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحكُمُ بِهِ ذَوا عَدلٍ مِنكُم﴾ وقال في المرأة وزوجها ﴿وَإِن خِفتُم شِقاقَ بَينِهِما فَابعَثوا حَكَمًا مِن أَهلِهِ وَحَكَمًا مِن أَهلِها﴾ فصير الله ذلك إلى حكم الرجال فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في دم أرنب ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة قالوا بلى هذا أفضل قال أخرجتم من هذه قالوا نعم قال وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم عائشة فإن قلتم نسبيها فنستحل ما نستحل من غيرها فقد كفرتم وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم فأنتم ترددون بين ضلالتين أخرجتم من هذه قالوا بلى قال وأما قولكم محا نفسه من إمرة المسلمين فأنا آتيكم بمن ترضون إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال أبو سفيان وسهيل ابن عمرو ما نعلم أنك رسول الله ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنك تعلم أني رسولك يا علي اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو(166)

* أبو بكرة – رضي الله عنه - :

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

" قال عبد العزيز بن أبي بكرة أن أباه تزوج امرأة فماتت , فحال إخوتها بينه وبين الصلاة عليها , فقال : أنا أحق بالصلاة عليها . قالوا : صدق صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - . ثم إنه دخل القبر فدفعوه بعنف , فغشي عليه , فحمل إلى أهله , فصرخ عليه عشرون من ابن وبنت , وأنا أصغرهم , فأفاق , فقال : لا تصرخوا , فو الله ما من نفس تخرج أحب إلي من نفسي . ففزع القوم , وقالوا : لم يا أبانا ؟ قال : إني أخشى أن أدرك زماناً لا أستطيع أن آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر , وما خير يومئذ(167) .

من أعظم صفات العالم الرباني أن ينشر ما علمه من علم ، ويبثه بين الناس ، ويقيم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وكان الآل والأصحاب يعرفون مدى أهمية هذه الفريضة التي يستقيم بها حال البلاد والعباد .

وعند النظر في هذه المواقف نجد أن ما اتصفوا به من علم شرعي ، وحكمة ، وعقل أهلهم للقيام بهذه العبادة .

فلا يمكن أن يتحقق المقصود من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر دون اتصاف بعلم ، وحكمة ، وإلا فإن الأمر سيفسد ، ولا يصلح ، ويقبح ، ولا يحسن .

وكثير من هذه المواقف تبين لنا حرص الآل والأصحاب على ذكر الدليل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مع قوة الحجة وحسن الإيراد فلا يتركون لذي مقال مقالاً

فما أحوجنا اليوم لدراسة فقه الآل والأصحاب في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر لئلا نحجب الناس عن الطريق الحق ، والهدى المستقيم ، والله المستعان .

دعوة الآل والأصحاب إلى الله تعالى

الدعوة إلى الله – تعالى – أحسن كلمة تقال على الأرض ، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة .

قال تعالى : ﴿وَمَن أَحسَنُ قَولًا مِمَّن دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّني مِنَ المُسلِمينَ﴾ [ فصلت : 33 ] .

والدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والرسل – عليهم الصلاة والسلام - ، فما من نبي إلا ودعا إلى الله – تعالى - : ﴿وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ إِلّا نوحي إِلَيهِ أَنَّهُ لا إِلـٰهَ إِلّا أَنا فَاعبُدونِ﴾ [ الأنبياء : 25 ] .

قال ابن القيم – رحمه الله - : مقام الدعوة إلى الله أشرف مقامات التعبد(168) .

وقد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالتبليغ عنه ولو بآية ، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثاً ، وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو .

روى البخاري ومسلم لعلي – رضي الله عنه - : " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم(169) " .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي " صحيح مسلم " قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً(170) .

قال ابن تيمية – رحمه الله - : الدعوة إلى الله واجبة على من اتبع النبي – صلى الله عليه وسلم - ، وهم أمته يدعون إلى الله كما دعا إلى الله ، وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة ...... ، وهو الذي يسميه العلماء فرض كفاية ، وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما لا يقدر عليه إذا لم يقم به غيره ، فما قام به غيره سقط عنه ، وما عجز ، لم يطالب به .

وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه ، فعليه أن يقوم به ، ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك(171) .

كل وسيلة أمر بها الله سبحانه وتعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم أو وفق الله إليها المسلمون في أي عصر من عصورهم فهي وسيلة مشروعة ما لم يأت في الشرع ما يحرمها، فالأصل في هذه الوسائل الإباحة، وقد تجب الوسيلة إذا كانت مما لا يقوم الواجب إلا به كما هو مقرر في أصول الفقه (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فإذا وجب قتال الكفار ودفعهم ولم يمكن ذلك إلا بسلاح يمكن المسلمين من دفعهم وجب تحصيل هذا السلاح واستعماله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهكذا الأمر في رد الشبهات، وإنكار المنكرات و إبلاغ دين الله إلى العالمين، فكل وسيلة لم يأت الشرع بتحريمها بعينها فهي مشروعة من أجل القيام بهذه الواجبات

وأعظم وسيلة للدعوة إلى الله هي تعلم القرآن وتعليمه ونشره، فهو الكتاب المعجز الذي لا يمحوه الماء وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة(172) فكثرة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما مرده إلى هذا القرآن الذي يقطع العذر، ويدمغ الباطل، ينفذ إلى القلوب ويدمع العين ويحيي موات القلوب، وينير البصائر. قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَوحَينا إِلَيكَ روحًا مِن أَمرِنا ما كُنتَ تَدري مَا الكِتابُ وَلَا الإيمانُ وَلـٰكِن جَعَلناهُ نورًا نَهدي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهدي إِلىٰ صِراطٍ مُستَقيمٍ صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: 52 فالعناية بكتاب الله حفظاً وفقهاً وتعليماً، ونشراً وترجمة لمعانيه من أكبر أسباب الهداية ونشر الإسلام في العالمين.. وقد أمرنا الله أن نجاهد به الكفار فقال تعالى ﴿وَلَو شِئنا لَبَعَثنا في كُلِّ قَريَةٍ نَذيرًا فَلا تُطِعِ الكافِرينَ وَجاهِدهُم بِهِ جِهادًا كَبيرًا﴾ الفرقان: 51 52 إعلاء منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمة، ونشر كتب السنة. الوسيلة الثانية من الوسائل العظمى في الدعوة إلى الله هي إعلاء منزلة رسول الله

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صلى الله عليه وسلم في الأمة ونشر كتب السنة، ورفعه ليكون هو الأسوة والقدوة لكل مسلم. فلا يجوز أن يخلو بيت مسلم من أصل من الأصول الصحيحة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخاصة صحيحي البخاري ومسلم اللذين هما أصح كتابين بعد كتاب الله سبحانه وتعالى.. فالعناية بنشر صحيح السنة وتعليمها، والتفقه فيها، وتدريس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله ماثلاً في العيان أمام كل مسلم ليأتسي به في حركاته وسكناته في إيمانه ويقينه وصبره، وجهاده، وعبادته بل في سمته، وهديه ومخرجه ومدخله هذه العناية بالسنة علماً ونشراً هي من أبلغ وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

وفقنا الله وإياكم لخدمة دينه .

* أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - :

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً, ألحّ أبو بكر الصديق على رسول الله- صلى الله عليه وسلم -في الظهور, فقال: يا أبا بكر, إنا قليل فلم يزل أبو بكر الصديق يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفر المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله والى رسول الله صلى الله عليه وسلم وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً

وَوُطئ أبو بكرٍ ,وضُرِب ضرباً شديداً ,ودنا منه الفاسق عُتبه بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرفهما لوجهه ونزا على بطن أبي بكر وحملتْ بنو تيم أبا بكرٍِ في ثوبٍ حتى ادخلوه منزله ولا يشكُّون في موته حتى رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتُلنَّ عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبو بكر فجعل أبو قحافة وبنو تميم يكلَّمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم أخر النهار فقال ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لأُمّه أُمَّ الخير انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه فلما خلت به ألحّت عليه وجعل يقول ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله ما لي عِلمٌ بصاحبك فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله, وان كنت تحبّين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت نعم فمضتْ معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً مريضاً فدنت أُمُّ جميل وأعلنت بالصّياح وقالت والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهْلُ فسق وكُفر وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم قال فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت هذه أُمك تسمع. قال فلا شيء عليك منها قلت سالمُ صالحُ .قال أين هو قالت في دار الأرقم قال: فإن لله عليّ أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً, أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمهلتا حتى إذا هدأتِ الرَّجْل وسكن الناسُ خرجتا به يتّكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأكبَّ عليه رسول الله فقَّبله وأكبَّ عليه

المسلمون ورقّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّةً شديدة فقال أبو بكر بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأسُ إلا ما نال الفاسق من وجهي وهذه أُمّي بَرةُ بولدها وأنت مبارَكُ فادْعها إلى الله عسى أن يستنقذها بك من النار قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمتْ, أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهراً, وهم تسعة وثلاثون رجلاً.(173)

* عبد الله ابن مسعود – رضي الله عنه - :

عن عروة بن الزبير قال : أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن مسعود فللّه دّره(174) .

* علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - :

عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام قال البراء فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن يُقفِل خالداً إلا رجلاً كان ممن مع خالدٍ فأحب أن يعقب مع علَّي فليعقب معه قال البراء فكنت فيمن عقب مع علي فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ثم تقدم فصلّى بنا عليُّ ثم صفَّنا صفَّاً واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعاً فكتب علَّي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بإسلامهم فلمّا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال السلام على همدان السلام على همدان(175)

* عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه - :

أخرج الدار قطني عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : دعا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – فقال : " تجهَّزْ فإني باعثك في سرية " . فذكر الحديث , وفيه : فخرج عبدالرحمن بن عوف حتى لحق بأصحابه , فسار حتى قدم دومة الجندل , فلما دخلها دعاهم إلى الإسلام ثلاثة أيام , فلما كان اليوم الثالث أسلم الآصبغ بن عمرو الكلبي – رضي الله عنه – وكان نصرانياً وكان على رأسهم . فكتب عبد الرحمن بن عوف مع رجل من جُهينه – يقال له رافع بن مكيث – إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) , أنْ تزّوج ابنة الأصبغ , فتزوّجها , وهي تماضر التي ولدت له بعد ذلك أبا سلمة ابن عبد الرحمن(176) .

* مصعب بن عمير- رضي الله عنه - :

قال البراء بن عازب : " أوَّل من قدم علينا مصعب بن عمير , وابن أُمّ مكتوم , وكانوا يقرئان الناس(177) " .

سبحان الله ! ما منع العمى ابن أُمّ مكتوم عن الدعوة إلى الله والخروج من مكة إلى المدينة لتعلم الناس.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار المدينة ؛ ليعلمهم كتاب الله , فنزل بني غنم , على أسعد بن زرارة يحدثهم ويقص عليهم القرآن , فلم يزل مصعب بن عمير عن سعد بن معاذ , يدعو ويهدي الله على يديه , حتى قلّ دارُ بن مصعب من دور الأنصار إلاّ أسلم فيها ناسُ لا محالة , وأسلم أشرافهم , أسلم عمرو بن الجموح , وكسرت أصنامُهم , ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكان يُدعى المقرئ(178) .

* عروة بن مسعود – رضي الله عنه -:

عروة بن الزبير رضي الله عنه قال : لما أنشأ الناس الحج سنة تسعٍ , قدم عروة بن مسعود – رضي الله عنه – على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى قومه , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني أخاف أن يقتلوك " . قال : لو وجدوني نائماً ما أيقظوني . فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فرجع إلى قومه مسلماً , فرجع عشاءً فجاء ثقيف يحيونه , فدعاهم إلى الإسلام فاتهموه وأغضبوه وأسمعوه فقتلوه . فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مثل عروة مثل صاحب ياسين , دعا قومه إلى الله تعالى فقتلوه(179) "

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

* ضمام بن ثعلبة – رضي الله عنه - :

وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم علينا فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس مع أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب فقال الرسول الله- صلى عليه وسلم فقال رسول الله عليه وسلم أنا ابن عبد المطلب .قال: محمد قال "نعم قال يا محمد إني سائلك ومغلظُ عليك في المسألة فلا تجدن علَّي في نفسك فإني لا أجد في نفسي قال عما بدا لك قال أنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئاً وأن نخلع هذه الأوثان والأنداد التي كان آباؤنا يعبدون فقال اللهم نعم ثم جعل يذكر فرائض الإسلام كلها ينشده عند كل فريضةٍ كما أنشده في التي كان قبلها حتى إذا فرغ قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله وسأُؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف راجعاً إالى بعيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة وكان ضمام رجلاً جلد أشعر ذا غديرتين ثم أتى بعيره فأطلق عقاله حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به وهو يسب اللات والعزى فقالوا مه يا ضمام اتق البرص والجذام والجنون قال ويلكم إنهما والله ما

يضران ولا ينفعان إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه وإني اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وإني قد جئتُكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه فو الله ما أمسى ذلك اليوم من حاضرته رجلُ ولا امرأةُ إلا مسلماً قال ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة(180)

* عدي ابن حاتم الطائي- رضي الله عنه -:

لما ارتد بنو طيئ وانضموا إلى جيش المتنبئ طليحة بن خويلد الأسدي , دعاهم عدي بن حاتم - رضي الله عنه – إلى الإسلام بأمر من الصديق – رضي الله عنه - , وذلك قبل بدء القتال معهم , فعادوا بفضل الله مع عدي – رضي الله عنه – إلى خالد رضي الله عنه مسلمين , وكانوا خمسمائة مقاتل .كما دعا عدي بن حاتم – رضي الله عنه – بني جديلة , الذين كانوا قد انضمّوا أيضاً إلى المتنبئ طليحة الأسدي , فاستجابوا لعديًّ – رضي الله عنه - , ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب(181) .

* أبو عبيدة عامر بن الجراح – رضي الله عنه - :

قام أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه رضي الله عنه بدعوة الروميين إلى الإسلام قبل البدء القتال معهم ففد ذهب بنفسه ومعه يزيد بن أبي سفيان وضرار ابن الأوز والحارث بن هشام وأبو جندل بن سهيل رضي الله عنهم وكان ذلك قبل معركة اليرموك كما دعا أبو عبيدة رضي الله عنه الرسول الرومي الذي وفد إليه من قبل ماهان وزير

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ملك الروم طالباً منه إرسال خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى ماهان كي يتفاهم معه وشرح الله صدره للإسلام فاستجاب لدعوة أبي عبيدة رضي الله عنه وصاح اشهدوا عليَّ بأجمعكم أني من المسلمين ففرح المسلمون بإسلامه وصافحوه ودعوا له بخير وقالوا له ما أعزَّك علينا وأرغبنا فيك وأكرمك علينا وما أنت عند كل امرئ إلا بمنزلة أخيه لأمه وأبيه قال الرومي: فإنكم نعم ما رأيت(182)

حمل الآل والأصحاب – رضوان الله عليهم – هم دين الله – عز وجل - ، فلم يكتفوا بالعلم ، وأداء العمل المقصور خيره عليهم ، كالصلاة ، والصيام ، والحج ، بل تعدى ذلك إلى ما كان نفعه متعدياً كالدعوة إلى الله – تعالى - .

إن هذه المواقف تحكي لنا قدر الدين في قلوب الآل والأصحاب، فقد جهروا بالإسلام منذ فجر الدعوة ، ثم امتثلوا أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الهجرة لتبليغ دين الله – عز وجل - .

لقد شهد الوداع مع الرسول – صلى الله عليه وسلم – أكثر من مائة وعشرين ألف رجل وامرأة ، ودفن في البقيع أقل من ذلك بكثير ، والباقي قد ضمتهم أراضي مشارق الأرض ومغاربها .

فمنهم من خرج مجاهداً ، ومنهم من خرج داعياً ، ومبلغاً دين الله – سبحانه -.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد رأينا أن كثيراً منهم أدى زكاة إسلامه ، فرحل إلى أهله سريعاً يدعو قومه إلى الإسلام .

فلنكن على مثل ما كانوا عليه ، ندرك ما أدركوا من الخير .

جهاد الآل والأصحاب

الجهاد في سبيل الله من أفضل القربات و الطاعات، بل هو أفضل ما تقرب به المتقربون، وتنافس فيه المتنافسون بعد الفرائض، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين، وقمع الكافرين والمنافقين، وتسهيل انتشار الدعوة الإسلامية بين العالمين، وإخراج العباد من الظلمات إلى النور، ونشر محاسن الإسلام وأحكامه العادلة بين الخلق أجمعين، وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة للمسلمين .

وقد ورد في فضله وفضل المجاهدين من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يحفز الهمم العالية ، ويحرك كوامن النفوس إلى المشاركة في هذا السبيل، والصدق في جهاد أعداء رب العالمين، وهو فرض كفاية على المسلمين إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وقد يكون في بعض الأحيان من الفرائض العينية التي لا يجوز للمسلم التخلف عنها إلا بعذر شرعي، كما لو استنفره الإمام أو حصر بلده العدو أو كان حاضراً بين الصفين . والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة معلومة، ومما ورد في فضل الجهاد والمجاهدين من الكتاب المبين ومن ذلك قوله تعالى : ﴿أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا هَل أَدُلُّكُم عَلىٰ تِجارَةٍ تُنجيكُم مِن عَذابٍ أَليمٍ تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَرَسولِهِ وَتُجاهِدونَ في سَبيلِ اللَّهِ بِأَموالِكُم وَأَنفُسِكُم ۚ ذٰلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمونَ يَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم وَيُدخِلكُم جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدنٍ ۚ ذٰلِكَ الفَوزُ العَظيمُ﴾ [ الصف : 10 - 13 ]

وفي هذه الآيات الكريمات الدلالة من ربنا عز وجل على أن الإيمان بالله ورسوله ، والجهاد في سبيله هما التجارة العظيمة المنجية من العذاب الأليم يوم القيامة.

ففي ذلك أعظم ترغيب ، وأكمل تشويق إلى الإيمان والجهاد، ومن المعلوم أن الإيمان بالله ورسوله يتضمن توحيد الله ، وإخلاص العبادة له سبحانه ، كما يتضمن أداء الفرائض وترك المحارم ، ويدخل في ذلك الجهاد في سبيل الله؛ لكونه من أعظم الشعائر الإسلامية ومن أهم الفرائض؛ ولكونه سبحانه خصه بالذكر لعظم شأنه، وللترغيب فيه؛ لما يترتب عليه من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي سبق بيان الكثير منها، ثم ذكر سبحانه ما وعد الله به المؤمنين المجاهدين من المغفرة والمساكن الطيبة في دار الكرامة؛ ليعظم شوقهم إلى الجهاد وتشتد رغبتهم فيه، وليسابقوا إليه ويسارعوا في مشاركة القائمين به . وفيما ذكر سبحانه في القرآن من الآيات ما يكفي ويشفي ويحفز الهمم ويحرك النفوس إلى تلك المطالب العالية، والمنازل الرفيعة، والفوائد الجليلة، والعواقب الحميدة، والله المستعان.

وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها(183)

وعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم(184) .

وفي " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل ؟ فقال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور(185) . "

والأحاديث في فضل الجهاد والمجاهدين وبيان ما أعد الله للمجاهدين الصادقين من المنازل العالية، والثواب الجزيل، وفي الترهيب من ترك الجهاد والإعراض عنه كثيرة جداً، وفي الحديثين الآخرين وما جاء في معناهما الدلالة على أن الإعراض عن الجهاد وعدم تحديث النفس به من شعب النفاق، وأن التشاغل عنه بالتجارة والزراعة والمعاملة الربوية من أسباب ذل المسلمين، وتسليط الأعداء عليهم كما هو الواقع، وأن ذلك الذل لا ينزع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم بالاستقامة على أمره والجهاد في سبيله، فنسأل الله أن يمن على المسلمين جميعاً بالرجوع إلى دينه، وأن يصلح قادتهم ويصلح لهم البطانة ويجمع كلمتهم على الحق ويوفقهم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جميعاً للفقه في الدين والجهاد في سبيل رب العالمين حتى يعزهم الله ويرفع عنهم الذل ويكتب لهم النصر على أعدائه وأعدائهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآل البيت والصحابة – رضوان الله عليهم – أحرص الناس بعد الأنبياء والرسل عليهم السلام – على إعلاء كلمة الله – تعالى - ، ولذا رفعوا راية الجهاد في مشارق الأرض ومغاربها ، وكانوا أشجع الناس ، وأجلدهم ، وأصبرهم في ساحات الوغى .

فدونك – حفظك الله – شيء من أهازيجهم ، وترنيماتهم ، وروائعهم في الذب عن حياض الدين .

* أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - :

عن عروة بن الزبير قال : سألت ابن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي – صلى الله عليه وسلم - . قال : بينا النبي – صلى الله عليه وسلم – يصلي في حجر الكعبة , إذ أقبل عقبة بن أبي معيط , فوضع ثوبه في عنقه , فخنقه خنقاً شديداً , فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه , ودفعه عن النبي – صلى الله عليه وسلم - , قال : ﴿أَتَقتُلونَ رَجُلًا أَن يَقولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾(186) .

وفي بدرٍ أيضاً لازم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان معه في عريشه حتى لا يخلص إليه سوء .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ففي يوم بدر جعل الصحابة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – عريشاً , وقالوا : من يكون مع النبي – صلى الله عليه وسلم - , لئلا يصل إليه المشركون ؟ فو الله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر , شاهراً السيف على رأس رسول الله – صلى الله عليه وسلم(187) -

وثبات قلبه يوم أحد , وقد صرخ الشيطان بأن محمداً – صلى الله عليه وسلم – قد قتل , ولم يبق أحد , وثبات قلبه يوم الخندق , ويوم صلح الحديبية , ويوم حنين حين فرَّ الناس ولم يفر .

ولو لم يكن من شجاعته إلا ثبات قلبه , وتثبيته المسلمين عند الخطب الأعظم والأمر الأفخم بموت نبينا – صلى الله عليه وسلم - , إذ زاغت قلوب كثير من الناس , وزلزلوا بموته زلزالاً شديداً , وأقعد بعضهم , وشك آخرون , لكفانا ذلك دليلاً على عظيم شجاعته وقوة قلبه , إذ كان قلبه في تلك النازلة العظمى التي اهتزت لها الدنيا بأجمعها , لو وزن بقلوب الأمة لرجحها .

وكان عزمه في قتال من ارتد , ولو فرق على قلوب الجبناء من أهل الأرض لشجعهم إلى أن قام بمهمة قناة الإسلام بعد اعوجاجها , وجرت الملة الشهباء على سننها ومنهاجها , وأذن مؤذن الإيمان ( ألا إن حزب الله الغالبون ) وتولى حزب الشيطان وهو خاسرون , فتلك – لعمر الله – الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم , والهمة التي تنازلت لها أعالي الهمم , فرضوان الله عليهم أبداً ما شهر بارق , وقهر مارق , وعلى بقية الصحابة أجمعين.(188)

* عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :

قال رسول

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله صلى الله عليه وسلم إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك غير فجك(189)

وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر(190) " .

وعن ابن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك , بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب " قال : وكان أحبهما إليه عمر(191) .

وروى البخاري , عن عبد الله بن مسعود قال : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر(192) .

وعن ابن مسعود : أن عمر صارع جنياً ثلاث مرات فصرعه(193) .

وعن ابن عمر قال لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم تعلم قريش بإسلامه فقال أي أهل مكة أفشى للحديث قالوا جميل بن معمر الجمحي فخرج إليه وأنا أتبع أثره أعقل ما أرى وأسمع فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت قال فو الله ما رد عليه كلمة حتى قام عامداً إلى المسجد فنادى أندية قريش فقال يا معشر قريش إن ابن الخطاب قد صبأ فقال عمر كذب ولكني أسلمت وأمنت بالله وصدقت

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رسوله فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رؤوسهم حتى فتر عمر وجلس فقال افعلوا ما بدا لكم فو الله لو كنا ثلاث مائة رجل لقد تركتموها أو تركناهم لكم فبينا هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حلة حرير وقميص موشى فقال ما لكم فقالوا إن ابن الخطاب قد صبأ قال فمه امرؤ اختار ديناً لنفسه أفتظنون أن بني عدي تسلم إليكم صاحبهم قال فكأنما كانوا ثوباً انكشف عنه فقلت له بعد بالمدينة يا أبه من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ قال يا بني ذاك العاص بن وائل(194)

ولا يزال التاريخ يذكر لرستم قائد قوات الفرس مقولته الشهيرة : " أكل عمر كبدي , أحرق الله كبده . وإنما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل , علم هؤلاء . حتى علموا(195) " .

* طلحة بن عبيد الله – رضي الله عنه - :

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال يوم أحد : " أوجب طلحة " . وفي رواية : " أوجب طلحة حين صنع برسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما صنع(196) " .

وعن جابر قال : لما كان يوم أحد , وولى الناس , كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ناحية في اثني عشر رجلاً , منهم طلحة فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم من للقوم ؟ فقال طلحة : أنا . قال : " كما أنت " .

فقال رجل أنا قال أنت فقاتل حتى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قتل ثم التفت فإذا المشركون فقال من لهم قال طلحة أنا قال كما أنت

فقال رجل من الأنصار : أنا . قال : " أنت " . فقاتل حتى قتل , فلم يزل كذلك حتى بقى مع نبي الله طلحة , فقال : " من للقوم ؟ " قال طلحة : أنا .

فقاتل طلحة قتال الأحد عشر , حتى قطعت أصابعه , فقال : " حس " .

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " لو قلت : " باسم الله " لرفعتك الملائكة , والناس ينظرون " ثم رد الله المشركين(197) .

* الزبير بن العوام – رضي الله عنه - :

عن عروة بن الزبير قال : كانت على الزبير – يوم بدر – عمامة صفراء , فنزل جبريل على سيماء الزبير(198) .

يقول عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير :

جدي ابن عمة أحمد ووزيرهعند البلاء وفارس الشقراء
وغداة بدر كان أول فارسشهد الوغى في اللامة الصفراء
نزلت بسيماه الملائك نصرةبالحوض يوم تألب الأعداء

قال الثوري : نجدة الصحابة : حمزة , وعلي , والزبير .

عن جابر , قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الخندق : " من يأتينا بخبر بني قريظة ؟ " فقال الزبير : أنا . فذهب على فرس , فجاء بخبرهم . ثم قال الثانية , فقال الزبير : أنا . فذهب , ثم الثالثة , فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " لكل نبي حواري , وحواريي الزبير(199) " .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن ابن الزبير أنه قال له : يا أبه , قد رأيتك تحمل على فرسك الأشقر يوم الخندق . قال : يا بني , رأيتني ؟

قال : نعم . قال : فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يومئذ ليجمع لأبيك أبوية , يقول : " ارم , فداك أبي وأمي(200) " .

وعن ابن أبي الزناد قال : ضرب الزبير يوم الخندق عثمان بن عبد الله ابن المغيرة بالسيف على مغفره , فقطعه إلى القربوس , فقالوا : ما أجود سيفك ! فغضب الزبير , يريد أن العمل ليده لا للسيف .

وعن علي بن زيد : أخبرني من رأى الزبير , وفي صدره أمثال العيون من الطعن والرمي .

وعن عروة قال : كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف : إحداهن في عاتقه , إن كنت لأدخل أصابعي فيها , ضرب ثنتين يوم بدر , وواحدة يوم اليرموك .

قال عروة : قال عبد الملك بن مروان , حين قتل ابن الزبير : يا عروة , هل تعرف سيف الزبير ؟ قلت : نعم . قال : فما فيه ؟ قلت : فلة فلها يوم بدر . فاستله فرآها فيه , فقال : بهن فلول من قراع الكتائب .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال علي بن طالب : أشجع الناس : الزبير , ولا يعرف قدر الرجال إلا الرجال .

وروى البخاري بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزبير : لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات . قال هشام فأخبرت أن الزبير قال لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعها وقد انثى طرفاها . قال عروة فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاه فلما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه فلما قبض أبو بكر سألها إياه عمر فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها الزبير فكانت عنده حتى قتل.(201)

" قتل الزبير في هذه المعركة عبيدة بن سعيد بن العاص , وقتل عمه نوفل بن خويلد بن أسد " .

لله ما أصدق الزبير مع الله ورسوله حين يقتل عمه .

وعن عروة أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قالوا للزبير : ألا تشد فنشد معك ؟ قال : إني إن شددت كذبتم . فقالوا : لا نفعل فحمل عليهم حتى شق صفوفهم , فجاوزهم وما معه أحد , ثم رجع مقبلاً , فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين , ضربة على عاتقه , بينهما ضربة ضربها يوم بدر .

قال عروة : فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات , ألعب وأنا صغير .

قال وكان معه عبد الله بن الزبير وهو ابن عشر سنين فحمله على فرس ووكل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

به رجلاً(202)

قال الذهبي في السير معلقاً : " هذه الوقعة هي يوم اليمامة إن شاء الله , فإن عبد الله كان إذ ذاك ابن عشر سنين(203) " .

قال ابن كثير : " وقد كان فيمن شهد اليرموك : الزبير بن العوام , وهو أفضل من هناك من الصحابة , وكان من فرسان الناس وشجعانهم , فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ , فقالوا : ألا تحمل فنحمل معك ؟ فقال : إنكم لا تثبتون . فقالوا : بلى . فحمل وحملوا , فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو , فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر , وعاد إلى أصحابه . ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى , وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه , وفي رواية : جرح(204) " .

" ورأى النبي يوم " أحد " رجلاً يقتل المسلمين قتلاً عنيفاً , فقال " قم إليه يا زبير " فرقي إليه الزبير , حتى إذا علا فوقه اقتحم عليه فاعتنقه , فأقبلا ينحدران حتى وقعا إلى الأرض , فوقع الزبير على صدره وقتله " .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الزبير – رضي الله عنه - : " جمع لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبويه مرتين : في أحد , وفي قريظة(205) " .

* حمزة بن عبد المطلب – رضي الله عنه :

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب , ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله(206) " .

قال ابن إسحاق : لما أسلم حمزة , علمت قريش أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد امتنع , وأن حمزة سيمنعه , فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه .

وكان حمزة – رض الله عنه – أول قاتل لأول قتيل من المشركين يوم بدر , فلما " تواجه الفئتان , وتقابل الفريقان , وحضر الخصمان بين يدي الرحمن , واستغاث بربه سيد الأنبياء , وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء , سامع الدعاء وكاشف البلاء , فكان أول من قتل من المشركين : الأسود بن عبد الأسد المخزومي .

قال ابن إسحاق وكان رجلاً شرساً سيء الخلق فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن تبر يمينه وأتبعه حمزة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فضربه حتى قتله في الحوض(207)

عن سعد بن أبي وقاص : " كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسيفين ويقول : أنا أسد الله(208) " .

وعن جابر بن عبد الله قال : فقد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم أحد حمزة حين فاء الناس من القتال , قال : فقال رجل : رأيته عند تلك الشجرة وهو يقول : " أنا أسد الله وأسد رسوله(209) " .

قال الضرغام – قولاً صدق به ومضى عليه - : " والذي أنزل عليهم الكتاب لنجالدنهم " . فيقتل حمزة يوم أحد أرطأة بن عبد شر حبيل بن هاشم بن عبد مناف وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء , وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة كبش قريش , وحامل لوائها , والقائل :

إن على أهل اللواء حقاًأن يخضبوا الصعدة أو تندقاً

فحمل عليه حمزة فقتله .

كحمزة لما وفى صادقاًبذي هبة صارم سلجج
فلاقاه عبد بني نوفليبربر كالجمل الأدعج
فأوجره حربة كالشهابتلهب في اللهب الموهج .

وعند البخاري من قوله وحشي : " خرج سباع فقال : هل من مبارز ؟ قال : فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال : يا سباع , يا ابن أم نمار مقطعة البظور , أتحاد الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : ثم شد عليه , فكان كأمس الذاهب(210) " .

وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : نظروا , فإذا حمزة قد بُقر بطنه , وأخذت هند كبده , فلاكتها , فلم تستطع هند أن تأكلها , فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " أكلت منها شيئاً ؟ " قالوا : لا . قال : " ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار(211) ".

وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع(212) " .

* البراء بن مالك بن النضر – رضي الله عنه - :

قال صلى الله عليه وسلم كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لأبره منهم البراء بن مالك(213)

كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الجيش : لا تستعملوا البراء على جيش , فإنه مهلكة من المهالك , يقدم بهم .

قال الذهبي : " بلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس على أسنة رماحهم ويلقوه في الحديقة , فاقتحم إليهم وشد عليهم , وقاتل حتى افتتح باب الحديقة , فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحاً , ولذلك قام خالد بن الوليد عليه شهراً يداوي جراحه(214) " .

لك الله يا براء , تجادل صناديد الشرك بمفردك في حديقة الموت , حتى تفتح بابها , والله ما عقمت أمه أنجبتك .

" وقد اشتهر أن البراء قتل في حروبه مائة نفس من الشجعان مبارزة . وعن ابن سيرين قال : قال الأشعري – يعني في حصار " تستر " – للبراء ابن مالك : إن قد دللنا على سرب يخرج إلى وسط المدينة , فانظر نفراً نفراً يدخلون معك فيه . فقال البراء لمجزأة بن ثور : انظر رجلاً من قومك طريفاً جلداً فسمه لي . قال : ولم ؟ قال : لحاجة . قال : فإني أنا ذلك الرجل . قال : دللنا على سرب , وأردنا أن ندخله . قال : فأنا معك .

فدخل مجزأة أول من دخل فلما خرج من السرب شدخوه بصخرة ثم خرج الناس من السرب

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فخرج البراء فقاتلهم في جوف المدينة وقتل رضي الله عنه(215)

* جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه - :

أول من عقر في الإسلام .

قال رجل من بني مرة بن عوف : لكأني أنظر إلى جعفر يوم " مؤتة " حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها , ثم قاتل حتى قتل .

قال جعفر بعدما عقر جواده :

يا حبذا الجنة واقترابهاطيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابهاعلي أن لاقيتها ضرابها

عن محمد بن عمر بن علي قال : " ضربه رومي فقطعه نصفين , فوجد في نصفه بضعة وثلاثون جرحاً .

وروى البخاري عن ابن عمر قال : أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في غزوة مؤتة زيد بن حارثة , فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " إن قتل زيد جعفر , وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة " . قال عبد الله : كنت فيهم في تلك الغزوة , فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى , ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين , من طعنه ورمية(216) .

وعن ابن عمر قال جمعت جعفراً على صدري يوم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مؤتة فوجدت في مقدم جسده بضعاً وأربعين من بين ضربة وطعنة(217)

وفي البخاري عن ابن عمر : أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل , فعددت به خمسين , بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره , يعني ظهره(218) .

قال – صلى الله عليه وسلم - : " رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً في الجنة مضرجة قوادمه بالدماء , يطير في الجنة(219) "

* عبد الله بن رواحة بن ثعلبة – رضي الله عنه - :

لما جهز النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى مؤتة الأمراء الثلاثة , فقال : " الأمير : زيد , فإن أصيب فجعفر , فإن أصيب فابن رواحة(220) " .

قال عروة بن الزبير : لما تجهز الناس وتهيئوا للخروج إلى مؤتة , قال للمسلمين : صحبكم الله , ودفع عنكم . قال عبد الله بن رواحة :

لكنني أسأل الرحمن مغفرةوضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزةبحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولون إذا مروا على جدثيأرشدك الله من غاز وقد رشدا

قال ثم مضوا حتى نزلوا بأرض الشام فبلغهم أن هرقل قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهرا وبلي وفي مائة ألف فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا قال فشجع عبد الله بن رواحة الناس ثم قال والله يا قوم إن الذي تكرهون للذي

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خرجتم له تطلبون الشهادة وما نقاتل العدو بعدة ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة قال فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس(221)

وفي رواية لوليد بن مسلم : استشار زيد أصحابه , فقالوا : قد وطئت البلاد وأخفت أهلها فانصرف , وابن رواحة ساكت , فسأله , فقال : إنا لم نسير لغنائم ولكنا خرجنا للقاء , ولسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة , والرأي : المسير إليهم .

وعن زيد بن أرقم قال : كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره , فخرج في سفرته تلك مردفي على حقيبة راحلته , فوالله إنا لنسير ليلة , إذ سمعته يتمثل بأبياته هذه :

إذا أدنيتني وحملت رحليمسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمولا أرجع إلى أهلي ورائي
وآب المسلمون وغادرونيبأرض الشام مستنهى الثواء
وردك كل ذي نسب قريبإلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعلولا نخل أسافلها رواء

فلما سمعتهن بكيت قال فخفقتني بالدرة وقال صاحبيه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فجعل يستنزل نفسه ويتردد بها بعض التردد فقال عند ذلك

أقسمت بالله لتنزلنهطائعة أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنةما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنةهل أنت إلا نطفة في شنه

وقال أيضاً :

يا نفس إن تقتلني تموتيهذا حمام الموت قد لقيت
وما تمنيت فقد أعطيتإن تفعلي فعلهما هديت

وإن تأخرت فقد شقيت

ونزل فلما نزل , أتاه ابن عم له بعظم من لحم , فقال : شد بهذا صلبك , فإنك قد لاقيت من أيامك هذه ما قد لقيت . فأخذه من يده , ثم انتهش , ثم سمع الحطمة في ناحية الناس , فقال : وأنت في الدنيا ! ثم ألقاه من يده , ثم أخذ سيفه , فقاتل حتى قتل - رضي الله عنه(222) - .

* أبو دجانة الأنصاري – رضي الله عنه - :

ثبت أبو دجانة يوم أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه على الموت وهو ممن شارك في قتل مسيلمة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكذاب ثم استشهد يومئذ

عن أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخذ سيفاً يوم أحد فقال : " من يأخذ مني هذا ؟ " فبسطوا أيديهم , كل إنسان منهم يقول : أنا , أنا . قال : " فمن يأخذه بحقه ؟ " فأحجم القوم , فقال سماك بن خرشة أبو دجانة : أنا آخذه بحقه . قال : فأخذه , ففلق به هام المشركين(223) .

" قال ابن إسحاق : قاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس . قال ابن هشام : حدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال : وجدت في نفسي حين سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة , وقلت : أنا ابن صفية عمته ومن قريش , وقد قمت إليه وسألته إياه قبله , فأعطاه أبا دجانة وتركني , والله لأنظرن ما يصنع , فاتبعته , فأخرج عصابة له حمراء , فعصب بها رأسه , فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت , وهكذا كانت تقول له إذا تعصب , فخرج وهو يقول :

أنا الذي عاهدني خليليونحن بالسفح لى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيولأضرب بسيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله وكان في المشركين رجل لا يدع جريحاً إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله(224)

* ثابت بن قيس شماس الخزرجي – رضي الله عنه - :

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس(225) " .

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مررت يوم اليمامة بثابت بن قيس بن شماس وهو يتحنط فقلت: يا عم أما ترى ما يلقى المسلمون أي وأنت ههنا قال: فتبسم ثم قال: الآن يا ابن أخي، فلبس سلاحه وركب فرسه حتى أتى الصف، فقال: أف لهؤلاء ولما يصنعون، وقال للعدو: أف لهؤلاء ولما يعبدون، خلوا عن سبيله أو قال: سننه، يعني فرسه، حتى أصلي بحرها فحمل فقاتل حتى قتل(226)

* نعيم بن مالك بن ثعلبة – رضي الله عنه - :

قال في يوم أحد للنبي – صلى الله عليه وسلم - : يا نبي الله , لا تحرمنا الجنة , فو الذي نفسي بيده لأدخلنا . فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " بم ؟ " قال : بأني أحب الله ورسوله , ولا أفر يوم الزحف . فقال له رسول الله – صلى الله عليه سلم - : " صدقت " . واستشهد يومئذ(227) .

* عبد الله بن عمرو بن حرام – رضي الله عنه - :

رأى عبد الله بن حرام

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مبشر بن عبد المنذر وكان ممن استشهد ببدر يقول له أنت قادم علينا في هذه الأيام فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذه الشهادة

وعن جابر أن أباه قال له : إني معرض نفسي للقتل(228) .

وروى البخاري عن جابر قال : لما حضر أحد دعاني من الليل فقال : ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - , وإني لا أترك بعدي أعز علي منك , غير نفس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وإن علي ديناً فاقض , واستوص بأخواتك خيراً , فأصبحنا فكان أول قتيل .

قال جابر : لما قتل أبي يوم أحد , جعلت أكشف عن وجهه , وأبكي , وجعل أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينهوني وهو لا ينهاني , وجعلت عمتي تبكيه , فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه(229) "

وعن جابر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك أن الله كلم أباك كفاحاً فقال يا عبدي سلني أعطك قال أسألك أن تردني إلى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الدنيا فأقتل فيك ثانياً فقال إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون

قال : يا رب , فأبلغ من ورائي . فأنزل الله ﴿وَلا تَحسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللَّهِ أَمواتًا ۚ بَل أَحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقونَ﴾(230) .

* سعد بن الربيع – رضي الله عنه - :

" لما كان يوم أحد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ " فقال رجل من الأنصار : أنا . فخرج يطوف في القتلى , حتى وجد سعداً جريحاً مثبتاً بآخر رمق , فقال : يا سعد , إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمرني أن أنظر : أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟! قال : فإني في الأموات , فأبلغ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – السلام , وقل : وإن سعداً يقول : جزاك الله عني خير ما جزى نبياً عن أمته , وأبلغ قومك مني السلام , وقل لهم : إن سعداً يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطوف(231) " .

وفي الطبقات: عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أنه قال: لما كان يوم أحد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من يأتيني بخبر سعد بن الربيع؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله. فذهب الرجل يطوف بين القتلى فقال له سعد بن الربيع: ما شأنك؟ قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لآتيه بخبرك، قال: فاذهب إليه فأقرئه مني السلام وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة وأن قد أنفذت مقاتلي،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأخبر قومك أنه لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله وأحد منهم حي(232)

* المقداد بن عمرو , فارس بدر – رضي الله عنه - :

روى البخاري عن عبد الله بن مسعود – قال : شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً , لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به , أتى به , أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يدعو على المشركين فقال : لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى : ﴿فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدونَ﴾ , ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك , وبين يديك وخلفك . فرأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – أشرق وجهه وسر(233) .

" وعند ابن إسحاق : أن المقداد قال : يا رسول الله , امض لما أراك الله , فنحن معك لا نقول لك كما قال قوم موسى : ﴿فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا , إنا معكما مقاتلون , فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى " برك الغماد " , لجالدنا معك من دونه . حتى تبلغه . فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خيراً ودعا له(234) " .

* أبو طلحة الأنصاري – رضي الله عنه - :

قال فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل(235) " .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :

" لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة(236) " .

عن أنس : أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أحد والنبي صلى الله عليه و سلم خلفه يتترس به وكان رامياً، وكان إذا رمي رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه ويرفع أبو طلحة صدره ويقول: هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يصيبك سهم نحري دون نحرك، وكان أبو طلحة يسوق نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إني جلد يا رسول الله فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت.(237)

وروى البخاري عن أنس – رضي الله عنه – قال : لما كان يوم أحد , انهزم الناس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , وأبو طلحة بين يديه مجوباً عليه بحجفه , وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع , كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة . وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول – صلى الله عليه وسلم - : " انثرها لأبي طلحة " . قال ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى القوم فيقول أبو طلحة : بأبي أنت وأمي , لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم , نحري دون نحرك(238) .

" وعن أنس – رضي الله عنه - , أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال يوم حنين : " من قتل قتيلاً فله سلبه " . فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً , وأخذ أسلابهم(239) "

* عمرو بن الجموح بن زيد الخزرجي – رضي الله عنه - :

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن جابر – رضي الله عنه- , أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " يا بني سلمة , من

سيدكم ؟ " . قالوا : الجد بن قيس , وإنا لنبخله . قال : " وأي داء أدوى من البخل ؟ ! بل سيدكم : الجعد الأبيض عمرو بن الجموح(240) " .

وأخرج أحمد من حديث أبي قتادة قال : أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله , أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل , أأمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة ؟ - وكانت رجله عرجاء – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " نعم " . فقتلوا يوم أحد : هو , وابن أخيه , ومولى له . فمرّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : " كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة " . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم – بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد..(241)

* عكرمة بن أبي جهل – رضي الله عنه - :

لما كان يوم اليرموك تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو أن ينشئا القتال فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز وتنازل الأبطال وتجاولوا وحمي الحرب وقامت على ساق فنادى عكرمة قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن في كل موطن وأفر منكم اليوم من يبايع على الموت فبايعه أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم فبايعه عمه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحارث بن هشام وضرار بن الأزور فاستبسلوا وقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً وأتي خالد بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجهيهما ويقطر الماء في حلقيهما(242)

فرضي الله عن شهيد اليرموك عكرمة , والذي قال فيه ابن كثير : يقال : إنه لا يعرف له ذنب بعد ما أسلم(243)

* أبو أيوب الأنصاري – رضي الله عنه - :

كانت آخر غزواته حين جهز معاوية جيشاً بقيادة ابنه " يزيد " لفتح القسطنطينية , وكان أبو أيوب آنذاك شيخاً طاعناً في السن يحبو نحو الثمانين من عمره , فلم يمنعه ذلك من لقاء العدو , ولكنه لم يمض غير قليل على منازلة العدو , حتى مرض أبو أيوب مرضاً أقعده , فأتاه يزيد يعوده , فقال : حاجتك ؟ قال : نعم , إذا أنا مت فاركب بي , ثم تبلغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغاً , فإذا لم تجد , فادفني ثم ارجع , فلما مات ركب به , ثم سار به , ثم دفنه . وكان يقول : قال الله : ﴿انفِروا خِفافًا وَثِقالًا﴾ , لا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعند ابن سعد : عن أبي ظبيان , قال : أغزى أبو أيوب فمرض , فقال : إذا مت فاحملوني , فإذا صاففتم العدو , فارموني تحت أقدامكم .

أما إني سأحدثكم بحديث سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , سمعته يقول : " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة(244) " .

* عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه - :

عن عثمان بن طلحة قال : كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة : شجاعة , ولا عبادة , ولا بلاغة(245) . "

شهد عبد الله معركة اليرموك الحاسمة مع أبيه , فلما انهزم الروم يوم اليرموك , جعل يجهز على جرحاهم(246) .

قاتل يوم الدار دفاعاً عن عثمان , فجرح بضعة عشر جرحاً غائرة , يقول : وإني لأضع اليوم يدي على بعض تلك الجراحات , فأرجو أن تكون خير أعمالي .

يقول رجل من أهل حمص , يصف يوم ابن الزبير الأخير , قال : " رأيته يوم الثلاثاء , وإنا لنطلع عليه , أهل حمص خمسمائة خمسمائة , من باب ندخله لا يدخله غيرنا , فيخرج إلينا وحده في أثرنا , ونحن منهزمون منه , ولقد رأيته يقف بالأبطح , ما يدنو منه أحد , حتى ظننا أنه لا يقتل " ..

" وكان رضي الله عنه يقول :

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
جلسنا على الأعقاب تدمي كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما

ولما قتل وقف عليه الحجاج وطارق بن عمرو , فقال طارق : ما ولدت النساء أذكر من هذا . فقال الحجاج : تمدح من يخالف أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم , هو أعذر لنا , ولولا هذا ما كان لنا عذر , إنا محاصروه , وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر , ينتصف منا , بل يفضل علينا في كل ما التقينا نحن وهو . فبلغ كلامها عبد الملك , فصوب طارقاً(247) " .

* عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب – رضي الله عنه - :

الهاشمي , ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , ومن مسلمة الفتح .

لما توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان لهذا نحو من ثلاثين سنة .

قال أبو الحويرث : أول من قتل يوم أجنادين بطريق برز يدعو إلى البراز , فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب , فاختلفا ضربات , ثم قتله عبد الله , ثم برز آخر , فضربه عبد الله على عاتقه , وقال : خذها وأنا ابن عبد المطلب . فأثبته وقطع سيف الدرع , وأشرع في منكبه , ثم ولى الرومي منهزماً .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

" وعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز , فقال : لا أصبر . فلما اختلطت السيوف , وجد في ربضة من الروم عشرة مقتولاً , وهم حوله , وقائم السيف في يده في غري , وإن في وجهه لثلاثين ضربة .

قال الواقدي : فحدثت بهذا الزبير بن سعيد النوفلي , فقال : سمعت شيوخنا يقولون : لما انهزمت الروم يومئذ , انطلق الفضل بن عباس في مائة نحواً من ميل , فيجد عبد الله مقتولاً في عشرة من الروم قد قتلهم , فقبروه(248) " .

* علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - :

قال علي بن أبي طالب : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة(249) .

وقال قيس بن عباد : وفيهم أنزلت ﴿هـٰذانِ خَصمانِ اختَصَموا في رَبِّهِم﴾ . قال : " هم الذين تبارزوا يوم بدر : حمزة , وعلي , وعبيدة – أو أبو عبيدة – بن الحارث , وشيبة بن ربيعة وعتبة , والوليد بن عتبة .

وعن علي قال تقدم يعني عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز فانتدب له شباب من الأنصار فقال من أنتم فأخبروه فقال

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث فأقبل حمزة إلى عتبة وأقبلت إلى شيبة واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه ثم ملنا على الوليد فقلنا واحتملنا عبيدة(250)

عن ابن إسحاق : قال : كان عمرو بن عبد ود ثالث قريش و كان قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة و لم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده فلما وقف هو و خيله قال له علي : يا عمرو قد كنت تعاهد الله لقريش أن لا يدعو رجل إلى خلتين إلا قبلت منه أحدهما فقال عمرو : أجل فقال له علي رضي الله عنه : فإني أدعوك إلى الله عز و جل و إلى رسوله صلى الله عليه و سلم و الإسلام فقال : لا حاجة لي في ذلك قال : فإني أدعوك إلى البراز قال : يا ابن أخي لم فو الله ما أحب أن أقتلك فقال علي : لكني أحب أقتلك فحمي عمرو فاقتحم عن فرسه فعقره ثم أقبل فجاء إلى علي و قال : من يبارز فقام علي و هو مقنع في الحديد فقال : أنا له يا بني الله فقال : إنه عمرو بن عبد ود إجلس فنادى عمرو ألا رجل فأذن له رسول الله صلى الله عليه و سلم فمشى إليه علي رضي الله عنه و هو يقول :

( لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز )

( ذو نبهة و بصيرة و الصدق منجا كل فائز )

( إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز )

( من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز ) - أي الحرب والشدة -

فقال له عمرو من أنت قال أنا علي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال ابن من قال ابن عبد مناف أنا علي بن أبي طالب فقال عندك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فانصرف فإني أكره أن أهريق دمك فقال علي لكني و الله ما أكره أن أهريق دمك فغضب فنزل فسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبا و استقبله علي بدرقته فضربه عمرو في الدرقة فقدها و أثبت فيها السيف و أصاب رأسه فشجه و ضربه علي رضي الله عنه على حبل العاتق فسقط و ثار العجاج فسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم التكبير فعرف أن عليا قتله فثم يقول علي رضي الله تعالى عنه

( أعلي يقتحم الفوارس هكذا عني و عنهم أخروا أصحابي )

( اليوم يمنعني الفرار حفيظتي و مصمم في الرأس ليس بنابي )

( إلا ابن عبد حين شد إليه و حلفت فاستمعوا من الكتاب )

( إني لأصدق من يهلل بالتقى رجلان يضربان كل ضراب )

( فصدرت حين تركته متجدلا كالجذع بين دكادك و روابي )

( و عففت عن أثوابه و لو أنني كنت المقطر يزن أثوابي )

( عبد الحجارة من سفاهة عقله و عبدت رب محمد بصواب )

ثم أقبل علي رضي الله عنه نحو رسول الله صلى الله عليه و سلم و وجهه يتهلل فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هلا أسلبته درعه فليس للعرب درعا خيرا منها فقال : ضربته فاتقاني بسوءته و استحييت ابن عمي أن استلبه و خرجت خيله منهزمة حتى أقحمت من الخندق.(251)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي حديث سلمة بن الأكوع : " ثم أرسلني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى علي وهو أرمد , فقال : " لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله , أو يحبه الله ورسوله " . قال : فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد , حتى أتيت به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , فبصق في عينيه فبرأ , وأعطاه الراية , وخرج " مرحب " فقال :

قد علمت خيبر أني مرحبشاكي السلاح بطل مرجب

إذا الحروب أقبلت تلهب

فقال علي :

أنا الذي سمتني أمي حيدرةكليث غابات كريه المنظرة

أوفيهم بالصاع كيل السندرة

قال : فضرب رأس : " مرحب " فقتله , وكان الفتح على يديه .

مرحب هذا : فارس فرسان اليهود , وكان مكتوباً على سيفه بالعبرية :

هذا سيف مرحبمن يذقه يعطب

فضربه علي فقد الحجر والمغفر ورأسه , ووقع السيف في الأضراس(252) .

* محمد بن الحنفية – رضي الله عنه - :

بعث ملك الروم إلى معاوية بن أبي سفيان برجلين في جيشه يزعم حدهما أقوى الروم والآخر أطول الروم فانظر في قومك من يفوقهما في قوة هذا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وطول هذا فإن كان من قومك من يفوقهما بعثت لك من الأسارى كذا وكذا ومن التحف كذا وكذا وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين فلما حضرا عند معاوية قال من لهذا القوي فقالوا ماله إلا أحد رجلين إما محمد بن الحنفية أو عبد الله بن الزبير فجيء بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية أتعلم فيم أرسلت إليك قال لا فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه فقال للرومي إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي فأينا قدر على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه وإلا فقد غلب فقال له ماذا تريد تجلس أو أجلس فقال له الرومي بل اجلس أنت فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك ولا وجد إليه سبيلاً فغُلب الرومي عند ذلك وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غُلب ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي اجلس لي فجلس وأعطى يده فما أمهله أن أقامه سريعاً ورفعه في الهواء ثم ألقاه في الأرض فسر بذلك معاوية سروراً عظيماً(253)

أي شجاعة أعظم من هذه الشجاعة ؟!

أي بذل للروح أعظم من هذا البذل ؟!

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أي رغبة فيما عند الله أكبر من هذه الرغبة ؟!

لا تأتين بذكر من ذكرواليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

لقد ضرب الآل والأصحاب – رضوان الله عليهم – مثالاً رائعا في الدفاع عن بيضة الإسلام ، والتسابق إلى نيل الشهادة في سبيل الله - تعالى - .

إنهم ينطلقون في تخوم الأرض يريدون إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديا إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى عدل الآخرة .

إنهم يفتحون القلوب قبل فتح البلاد .

إنهم يزيدون الأرض جمالاً ، وجلالاً ، ولا يفسدون ما فيها من الحسن ، والبهاء .

إن هذه المواقف العظيمة تنسي من كان قبلها ، وتتعب من جاء بعدها ، لأن شجاعتهم ليست بطشاً ، وجبروتاً ، وغطرسة ، إنما هي رحمة في القلب ، وسلامة في الصدر ، وحسن في الرأي ، وقوة في الساعد .

أولئك آبائي فجئني بمثلهمإذا جمعتنا يا جرير المجامع

تواضع الآل والأصحاب

الكبر والعجب داءان مهلكان ، والمتكبر والمعجب مريضان ، وهما عند الله ممقوتان .

وقد أمر الله – سبحانه – رسوله – صلى الله عليه وسلم – بالتواضع لمن آمن به من المؤمنين ، فقال – عز وجل - : ﴿وَاخفِض جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ﴾ ( الشعراء :215) .

وفي سنن الترمذي من حديث أنس – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول : ((اللهم أحيني مسكيناً ، وأمتني مسكيناً ، واحشرني مع زمرة المساكين(254) )) .

قال ابن تيمية – رحمه الله - : (( فالمسكين المحمود هو المتواضع الخاشع لله ، ليس المراد بالمسكنة عدم السؤال ، بل قد يكون الرجل فقيراً من المال وهو جبار ...، فالمسكنة خلق في النفس ، وهو التواضع والخشوع ، واللين ضد الكبر ، كما قال عيسى – عليه السلام - : ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتي وَلَم يَجعَلني جَبّارًا شَقِيًّا﴾(255) ( مريم : 32 )

ومدح الله عباده المؤمنين ، وجعل أول صفاتهم التواضع ، فقال – سبحانه- : ﴿وَعِبادُ الرَّحمـٰنِ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الجاهِلونَ قالوا سَلامًا﴾ (الفرقان : 13 ) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - : (( ذكر أن صفاتهم أكمل الصفات ، ونعوتهم أفضل النعوت ، فوصفهم بأنهم (( يمشون على الأرض هوناً )) أي ساكنين متواضعين لله وللخلق ، فهذا وصف لهم بالوقار والسكينة ، والتواضع لله ، ولعباده )) أ.هـ

والتواضع علامة حب الله – سبحانه – للعبد – قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دينِهِ فَسَوفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافِرينَ﴾ ( المائدة : 54 ) .

والرسول – صلى الله عليه وسلم – قد أوصى بالتواضع في أحاديث كثيرة .

روى مسلم في " صحيحه " عن عياض بن حمار – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : إن الله أوحى إلي : أن تواضعوا لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد(256) )) .

وروى البيهقي في " شعب الإيمان " عن أبي هريرة– رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ((ما من آدمي إلا في رأسه حكمة ، الحكمة بيد الملك ، فإن تواضع قيل للملك : ارفع حكمته ، وإن ارتفع قيل للملك : ضع حكمته))(257) .

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاد الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله(258)

وإمام المتواضعين – صلى الله عليه وسلم – كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم ، وكانت الأمة تأخذه بيده ، فتنطلق به حيث شاءت ، ويأتي ضعفاء المسلمين ، ويزورهم ، ويعود مرضاهم ، ويشهد جنائزهم ، وكان – صلى الله عليه وسلم – يردف خلفه ، ويضع طعامه على الأرض ، ويجيب دعوة المملوك ، ويركب الحمار .

وكان – صلى الله عليه وسلم – متواضعاً مع أهل بيته ، فقد روى البخاري عن الأسود بن يزيد أن عائشة – رضي الله عنها – سئلت : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله ؟ قالت : كان في مهنة أهله ، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة(259) .

لذا سار على هديه آله وصحبه – رضوان الله عليهم - ، فضربوا أروع الأمثلة في النفوس المتواضعة ، والقلوب المطمئنة ، وهذه بعض أخبارهم .

* أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - :

قال الصديق – رضي الله عنه - : وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن(260) .

* عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :

عن حزام بن هشام عن أبيه قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ على امرأة وهي تعصد عصيدة(261) لها فقال ليس هكذا يعصد ثم أخذ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المسوط(262) فقال هكذا فأراها(263)

عن أسلم , قال : " قدم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الشام على بعير , فجعلوا يحدثون بينهم , فقال عمر : تطمح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق له(264) !! " .

يعيب عليهم أمنيتهم مراكب المتكبرين .

وعن محمد بن عمر المخزومي , عن أبيه قال : نادى عمر بن الخطاب : الصلاة جامعة . فلما اجتمع الناس وكثروا صعد المنبر , فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله , وصلى على نبيه – صلى الله عليه وسلم – ثم قال : أيها الناس , لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم , فيقبضن لي القبضة من التمر والزبيب فأظل يومي وأي يوم . ثم نزل , فقال عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين : ما زلت على أن قمئت نفسك ؟ ! فقال : ويحك يا ابن عوف !! إني خلوت فحدثني نفسي , فقالت : أنت أمير المؤمنين , فمن ذا أفضل منك ؟ ! فأردت أن أعرفها نفسها(265) .

* عثمان بن عفان – رضي الله عنه - :

عن ميمون بن مهران قال أخبرني الهمداني أنه رأى عثمان بن عفان رضي الله

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عنه على بغلة وخلفه عليها غلامة نائل وهو خليفة(266)

* علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - :

عن عمرو بن قيس : أن عليا – رضي الله عنه – رئي عليه إزار مرقوع , فعوتب في لبوسة , فقال : يقتدي به المؤمن , ويخشع له القلب(267) .

* عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه - :

عن سعد بن الحسن التميمي , قال : كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده . يعني : من التواضع في الزي(268) .

* أبو هريرة – رضي الله عنه - :

عن يزيد بن زياد القرظي قثال حدثني ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال : أقبل ابو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب ، وهو يومئذ خليفة لمروان ، فقال : أوسع الطريق للأمير(269) .

* زيد بن ثابت – رضي الله عنه - :

وركب زيد بن ثابت مرة فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال مه يا ابن عم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رسول الله فقال هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا(270)

* الحسن بن علي – رضي الله عنه - :

مرَّ الحسن على صبيان معهم كسر خبز , فاستضافوه فنزل , فأكل معهم ثم حملهم إلى منزله , فأطعمهم وكساهم , وقال : اليد لهم . لأنهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني , ونحن نجد أكثر منه(271) .

* أبو ذر – رضي الله عنه - :

يذكر أن أبا ذر – رضي الله عنه – عير بلالاً – رضي الله عنه بسواده , ثم ندم , فألقى بنفسه , فحلف : لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه . فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال(272) .

* سلمان الفارسي – رضي الله عنه - :

عن فضيل بن عياض قال : رئي على سلمان جبة من صوف , فقيل له : لو لبست ألين من هذا ؟ قال : إنما أنا عبد , ألبس كما يلبس العبد , فإذا عتقت لبست ثياباً لا تبلى حواشيها(273) .

وعن سلامة العجلي قال جاء ابن أخت لي من البادية يقال له قدامة فقال لي أحب أن ألقي سلمان الفارسي رضي الله عنه فأسلم عليه فخرجنا إليه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فوجدناه بالمدائن وهو يومئذ على عشرين ألفاً ووجدناه على سرير يسف خوصاً فسلمنا عليه قلت يا أبا عبد الله هذا ابن أخت لي قدم علي من البادية فأحب أن يسلم عليك قال وعليه السلام ورحمة الله قلت يزعم أنه يحبك، قال أحبه الله(274)

* عبد الله بن سلام – رضي الله عنه - :

زعم عبد الله بن حنظلة أن عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – مر في السوق وعليه حزمة من حطب , فقيل له : أليس أغناك الله ؟ قال : بلى ، ولكن أردت أن أقمع الكبر , سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر(275) " .

* عمار بن ياسر – رضي الله عنه - :

قال عبد الله بن أبي الهذيل : رأيت عماراً اشترى قتاً بدرهم , وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة .

- القت : الفصفصة , وهي الرطبة من علف الدواب(276) .

* حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه - :

عن ابن سيرين أن عمر كتب في عهد حذيفة على المدائن اسمعوا له وأطيعوا وأعطوه ما سألكم فخرج من عند عمر على حمار موكف تحته

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زاده فلما قدم استقبله الدهاقين وبيده رغيف وعرق من لحم(277)

ليس التواضع عند الآل والأصحاب – رضي الله عنهم – في لبس الوسخ ، وأكل اليابس ، والتماوت في المشي ، وإنما هو صلاح القلب ، يظهر نوره على وجه الإنسان ، وجوارحه .

إن هذه الأخبار تجلي لنا أن الآل والأصحاب مع ما جمعوه من شرف في الصحبة ، وسعة في المال ، وبسطة في الخير ، إلا أنهم كانوا لا يحسنون إلا لباس التواضع ، ولين الجانب ، وخفض الجناح لكل مسكين ، مدفوع بالأبواب ، فضلاً عن غيرهم .

إن الذين يملكون ما لا يملك الناس من المال ، والمنصب ، والجاه إن لم يستشعروا أنها نعم زائلة ، يسهل تحولها ، فسيمحق الله خيرها ، وسيذهب أثرها ، وسيرجع صاحبها معدماً فقيراً ، وذليلاً كسيراً .

وكلما كان الإنسان أكثر تواضعاً كان أكثر إيماناً ، وأرجح عقلاً ، ولا يتكبر إلا من لم يعرف حقيقته البشرية ، وطبيعته الطينية ، فكيف يتكبر من يجري في مجرى البول مرتين ؟!!

الأخوة عند الآل والأصحاب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أرشد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى أهمية التآخي بينهم فقال عليه الصلاة والسلام : " وكونوا عباد الله إخواناً(278) " ، ولم يكتف - عليه الصلاة والسلام - بالدعوة إلى الأخوة بل امتثلها في حياته ، ويكفي في بيان ذلك ما كان بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين صاحبه أبي بكر - رضي الله عنه - من مودة وتآخي، صورها - عليه الصلاة والسلام – بقوله : " لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً،ولكن أخوةُ الإسلام ومودته(279) " وفي رواية " ولكن أخوة الإسلام أفضل(280) " ..

عباد الله عندما وطئت أقدام محمد عليه الصلاة والسلام أرض طيبة الطاهرة عني عناية خاصةً بإقامة رابطة الأخوة الإيمانية بين أبناء مجتمعه الأول فكانت على رأس سُلم أولوياته عليه الصلاة والسلام أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قدم علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع وكان كثير المال فقال سعد قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا سأقسم مالي بيني وبينك شطرين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتها فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئا من سمن وأقط فلم يلبث

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلا يسيراً حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه وضر(281) من صفرة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيم قال تزوجت امرأة من الأنصار فقال ما سقت إليها قال وزن نواة من ذهب أو نواة من ذهب فقال أولم ولو بشاة(282)

والأخوة قوام الحياة ، بل هي ماء العيش كما قال سفيان - رحمه الله - : لا بد من أخ تبثه شكواك ، ويعينك على بلواك، ومن وجد له أخاً تهواه نفسه ، وتعجبه فعاله ، ويرضى الله عن خصاله ، فليتمسك به ، فإن أعجز الناس من فرط في طلب الأخوان الأوفياء ، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم .

ويقول عمر - رضي الله عنه - : لقاء الأخوان جلاء الأحزان .

وما المرء إلا بإخوانهكما يقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة***** ولا خير في الساعد الأجذم

إن ثمرة الأخوة لا تقتصر على الدنيا فقط بل يمتد أثرها ونفعها إلى الدارة الآخرة وهي الدار التي أحوج ما يكون فيها المرء إلى إخوانه وإحسانهم وهل هناك أعز وأغلى من أخ لك لم تلده أمك يكون سبباً في الشفاعة لك وإنقاذك من النار قال بعض السلف استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة .وشاهد ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون(283)

والأخوة والألفة بين المؤمنين لتبقى معهم في دنياهم وفي برزخهم أيضاً ، وأما إذا أنعم الله على الأخوين بدخول الجنة فإخوتهم هناك تختلف عن أخوة الدنيا ، فهي أخوة صافية خالصةٌ جاءت بعد نزع الأحقاد والضغائن التي بقيت من آثار الدنيا : ﴿وَنَزَعنا ما في صُدورِهِم مِن غِلٍّ إِخوانًا عَلىٰ سُرُرٍ مُتَقابِلينَ﴾ [ الحجر : 47 ] .

عباد الله : إن الأخوة في الله لا تؤتي أكلها وتجنى ثمارها ما لم تكن في الله ولله ، فهي قرينة الإيمان لا تنفك عنه ، ولذا جمع الله بينهما في قوله سبحانه : ﴿إِنَّمَا المُؤمِنونَ إِخوَةٌ﴾ [ الحجرات : 10 ]

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله وهذا عقد عقده الله بين المؤمنين أنه إذا وجد من أي شخص كان في مشرق الأرض ومغربها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فإنه أخ للمؤمنين أخوةٌ توجب أن يحب له المؤمنون ما يحبونه لأنفسهم ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم أ هـ إن من الأمثلة التي تصور أصالة الأخوة وارتباطها بالدين والإيمان موقف

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مصعب بن عمير رضي الله عنه مع أخيه أبا عزيز الذي قدم مع معسكر المشركين يوم بدر فتحركت في نفس مصعب رضي الله عنه أواصر الأخوة الإسلامية حينما تعارضت مع أخوة النسب يقول أبو عزيز مرَّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني فقال مصعب لأخيه في الإسلام من الأنصار شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك فقال له أخوه في النسب أبو عزيز يا أخي أهذه وصاتك بي فقال مصعب رضي الله عنه: إنه أخي دونك

كم من أخٍ لك لم يلده أبوكوأخ أبوه أبوكا قد يجفوك

كم نحن بحاجة إلى أن نجرد أخوتنا فلا تكون إلا لله ، وأن نترك ما سواها إذا كانت تتعارض مع أخوة الدين كأخوة النسب ، أو الوطن ، فهذه صور للأخوة ، والروابط لا تأبها الشريعة ، لكن شريطة أن لا تتعارض مع أخوة الدين ، والإيمان .

وهذه المسلك هو الذي سلكه الآل والأصحاب – رضوان الله عليهم في مواقف يصعب حصرها اقتصرت على بعضها اختصارا .

* كان موسى الكاظم يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصّرة ألف دينار(284) .

قال أبو الدرداء – رضي الله عنه - : إني لأدعو لسبعين رجلاً من إخواني في صلاتي اسميهم بأسمائهم وأسماء آبائهم(285) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال أبو الدرداء : معاتبة الأخ أهون من فقده ، ومن لك بأخيك كله ، فأعط أخاك وهب له ، ولا تطع فيه كاشحًا فتكون مثله(286) .

مجاهد : صحبت ابن عمر رضي الله عنهما وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني أكثر(287) .

كان عمر رضي الله عنه يذكر الأخ من إخوانه في بعض الليل فيقول : يا طولها من ليلة فإذا صلى المكتوبة غدا إليه واعتنقه(288)

كان بين عاصم بن عمر بن الخطاب وبين الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب منازعة في أرض فلما تبين عاصم من الحسن الغضب قال هي لك فقال له بل هي لك فلما تركاها ولم يتعرضا لها ولا أحد من ذريتهما حتى أخذها الناس من كل جانب(289) قال عمر رضي الله عنه لا يعجبنكم طنطنة الرجل ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس هو الرجل(290) قال ميمون بن مهران: سمعت ابن عباس يقول ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل إن كان فوقي عرفت له قدره وإن

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كان نظري تفظلت عليه وإن كان دوني لم أحفل به هذه سرتي في نفسي فمن رغب عنها فإن أرض الله واسعة.(291) عاتب عثمان عليًا رضي الله عنهما فقال عثمان ما لك لا تقول فقال إن قلت لم أقل إلا ما تكره وليس لك عندي إلا ما تحب(292) قال الأعمش كان ابن مسعود إذا جاءه أصحابه قال أنتم جلاء قلبي(293) قال معاذ بن جبل إذا كان لك أخ في الله فلا تُمارِهِ ولا تَسمعْ فيه من أحدٍ فربما قال لك ما ليس فيه فحال بينك وبينه(294) قال الحسن بن علي رضي الله عنهما لو أن رجلًا شتمني في أذني هذه واعتذر في أذني الأخرى لقبلت عذره(295) قال ابن عباس أعز الناس عليّ جليسي الذي يتخطى الناسَ إليَّ أما والله إن الذباب يقع عليه فيشق علي(296) روى الطبراني بإسناده في مكارم الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ثلاثة لا أقدر على مكافأتهم فرجل أوسع لي في مجلسه ورجل سقاني

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على ظمأ ورجل اغبرت قدماه في الاختلاف إلى بابي وأما الرابع الذي لا يكافئه عني إلا الله عز وجل فرجل عُرضت له حاجة فظل ساهرًا متفكرًا بمن ينزل حاجته وأصبح فرآني موضعًا لحاجته فهذا لا يكافئه عني إلا الله عز وجل وإني لأستحي من الرجل أن يطأ بساطي ثلاثًا لا يُرى عليه أثرٌ من أثري(297) قال علي إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرًا للقدرة عليه(298) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه شرط الصحبة إقالة العثرة ومسامحة العشرة والمواساة في العسرة(299)

مواقف يعجز القلم عن تسطير وصف لها ، ومشاعر مقرونة بأفعال تظهر فيها عظمة العظماء ، وروعة الفضلاء .

تعمدت الاكتفاء ببعض ما جاء عن الآل والأصحاب – رضي الله عنهم- في تفسيرهم لمعنى الأخوة ، لنتخذ منها ميزاناً نزن به بعض أخلاقنا ، ونبين حقيقة نظرتنا لأخوة في الله – تعالى - ، وممارساتنا الخاطئة مع بعضنا البعض – إلا من رحم الله تعالى - .

إن القلوب لا يمكن أن يجمعها إلا الأخوة في الله تتضاءل إلى جانبها

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأحقاد التاريخية والثارات القبلية والأطماع الشخصية والآفات العنصرية

وإخوان حسبتموها دروعاًفكانوا ولكن للأعادي
وخلتموها سهاماً رامياتفكانوا ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوبلقد صدقوا ولكن عن ودادي

إنني آمل أن نعرض سلوكنا الذي يعبر عن حقيقة فهمنا لمعنى الأخوة على هذه الآثار ، والأخبار ، ونسعى جاهدين لتغيير ما يعكر جمال الأخوة ، ويفسد حلاوتها .

إن الأخوة في الله يذوب عندها كل تعصب لمذهب ، أو طائفة ، أو عرف ، أو تراب ، ويكون الولاء كله لله ، وفي الله . نسأل الله عوناً على تحقيق الأخوة الصادقة .

بكاء الآل والأصحاب

البكاء فطرة بشرية كما ذكر أهل التفسير ، فقد قال القرطبي في تفسير قول الله تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضحَكَ وَأَبكىٰ﴾ [النجم 43 ] أي، قضى أسباب الضحك والبكاء ، وقال عطاء بن أبي مسلم يعني ، أفرح وأحزن ؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء(300) .

وبما أن البكاء فعل غريزي لا يملك الإنسان دفعه غالباً فإنه مباح بشرط ألا يصاحبه ما يدل على التسخط من قضاء الله وقدره ، لما جاء في " الصحيحين " عن النبي – صلى الله عليه وسلم – " إن اللهَ لا يعذب بدمعِ العينِ ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم(301) " .

وفي أنواع البكاء وأشكاله ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله عشرة أنواع بكاء الخوف والخشية وبكاء الرحمة والرقة وبكاء المحبة والشوق وبكاء الفرح والسرور وبكاء الجزع من ورود الألم وعدم احتماله وبكاء الحزن وفرقه عن بكاء الخوف أن الأول الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه أو فوات محبوب وبكاء الخوف يكون لما يتوقع في المستقبل من ذلك والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحزن أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان ودمعة الحزن حارة والقلب حزين ولهذا يقال لما يُفرح به هو قرة عين وأقرّ به عينه ولما يُحزن هو سخينة العين وأسخن الله به عينه

ومنها : بكاء الخور والضعف ، وبكاء النفاق وهو : أن تدمع العين والقلب قاس .

والبكاء المستعار والمستأجر عليه ، كبكاء النائحة بالأجرة فإنها كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها .

وبكاء الموافقة : فهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر عليهم فيبكي معهم ولا يدري لأي شيء يبكون ، يراهم يبكون فيبكي(302) .

والبكاء من خشية الله تعالى أصدق بكاء تردد في النفوس ، وأقوى مترجم عن القلوب الوجلة الخائفة ، ولما كانت قلوب الآل والأصحاب – رضوان الله عليهم - عامرة بخشية الله ، والخوف منه ، فقد ظهر ذلك على ظواهرهم ، ففاضت عيونهم بالدموع .

وليس المراد من الخشوع أن يكون البكاء ملازماً له ، فإن هذا شيء زائد عليه ، فقد يخشع القلب ، ولا تدمع العين ، وقد تدمع العين ، ولا يخشع القلب ، فقد روي عن سفيان الثوري – رحمه الله - : إذا تمكن الشيطان من العبد ، فيجعله إن شاء بكى ، وإن شاء سكت .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عمَّر الله قلوبنا وإياكم بالخشية والوجل ، وجعلنا ممن يقرن ذلك بصالح القول والعمل .

* بكاء أبي بكر – رضي الله عنه – عندما خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : خطب رسول الله – صلي الله عليه وسلم – الناس فقال : " إن الله عز وجل خيَّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عنده " .

فبكي أبو بكر – رضي الله عنه – فعجبنا من بكائه أن يخبر رسول الله – صلي الله عليه وسلم – عن عبد خُيِّر ، فكان رسول الله – صلي الله عليه وسلم – هو المخيَّر ، وكان أبو بكر أعلمنا بالحديث(303) .

* بكاء عمر بن الخطاب عندما رأي أهل بيت جياع .

عن أسلم أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – طاف ليلة ، فإذا هو بامرأة في جوف دار لها وحولها صبيان يبكون . وإذا قدر على النار قد ملأتها ماء . فدنا عمر من الباب فقال : يا أمة الله ، ما بكاء هؤلاء الصبيان ؟

قالت : بكاؤهم من الجوع ، قال : فما هذه القدر التي على النار ؟.

قالت قد جعلت ماء هو ذا أعللهم به حتى يناموا وأوهمهم أن فيها شيئاً فبكي عمر رضي الله عنه ثم جاء إلي دار الصدقة وأخذ غرارة وجعل فيها شيئاً من دقيق وشحم وسمن وتمر وثياب ودراهم حتى ملأ الغرارة ثم قال يا أسلم احمل علي فقلت يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك فقال لي لا أم لك يا أسلم أنا أحمله لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة فحمله حتى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أتي به منزل المرأة فأخذ القدر فجعل فيها دقيقا وشيئاً من شحم وتمر جعل يحركه بيده وينفخ تحت القدر فرأيت الدخان يخرج من ظلل لحيته حتى طبخ لهم ثم جعل يغرف بيده ويطعمهم حتى شبعوا ثم خرج وربض بحذائهم كأنه سبع وخفت أن أكلمه فلم يزل كذلك حتى لعب الصبيان وضحكوا

ثم قام قال : يا أسلم تدري لم ربضت بحذائهم ؟.

قلت : لا ، قال : رأيتهم يبكون ، فكرهت أن أذهب وأدعهم حتى أراهم يضحكون ، فلما ضحكوا طابت نفسي(304) .

* بكاء أبي هاشم – رضي الله عنه – عند مرضه .

عن أبي وائل – رضي الله عنه – قال :

جاء معاوية إلي أبي هاشم بن عتبة ، وهو مريض يعوده ، فقال : يا خال ، ما يبكيك ؟ أوجع يشئزك ، أم حرص على الدنيا ؟.

قال : كل لا ، ولكن رسول الله – صلي الله عليه وسلم – عهد إلي عهداً لم آخذ به .

قال : " إنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله .وأجدني اليوم قد جمعت(305) .

* بكاء معاذ – رضي الله عنه – عندما أوصاه النبي – صلى الله عليه وسلم - .

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال لما بعثه رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي اليمن خرج معه رسول الله صلي الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلي الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فلما فرغ قال يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري فبكي معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال إن أولي الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا(306)

* بكاء أبي هريرة عند مرضه لبعد سفره وقلة زاده :

عن مسلم بن بشر قال : بكى أبو هريرة – رضي الله عنه – في مرضه , فقيل له : ما يبكيك يا أبا هريرة ؟

قال : أما إني لا أبكي على دنياكم هذه : ولكني أبكي لبعد سفري وقلة زادي , أصبحت في صعود مهبط على جنة ونار , فلا أدري إلى أيهما يسلك بي(307) .

* بكاء أبي هريرة – رضي الله عنه – عند الرسول – صلى الله عليه وسلم – عندما كانت أمه تعرض عن الإسلام:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال لنا : والله ما خلق الله مؤمناً يسمع بي ولا يراني إلا أحبني . قلت : وما علمك بذلك يا أبا هريرة ؟ .

قال : إن أمي كانت امرأة مشركة , وإني كنت أدعوها إلى الإسلام , وكانت تأبى علي وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما اكره , فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة .

فقال رسول الله صلى الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عليه وسلم اللهم اهد أم أبي هريرة

فخرجت أعدوا أبشرها بدعاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , فلما أتيت الباب إذا هو مجاف , وسمعت خضخضة الماء , وسمعت خشف رجلي – يعني وقعهما – فقالت : يا أبا هريرة , كما أنت , ثم فتحت الباب وقد لبست درعها وعجلت عن خمارها .

فقالت : إني أشهد أن لا إله إلا الله , وأن محمداً عبده ورسوله – صلى الله عليه وسلم

فرجعت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن .

فقلت : يا رسول الله , أبشر , فقد استجاب الله دعاءك , وقد هدى أم أبي هريرة . فقلت : يا رسول الله , ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عبادة المؤمنين ويحببهم إلينا .

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحببهم إليهما " .

فما خلق الله مؤمناً يسمع بي ولا يراني , أو يرى أمي إلا وهو يحبني(308) .

* بكاء ابن عمر – رضي الله عنهما – عندما رأى أمانة راعي الغنم .

عن عبد الله بن دينار قال : خرجت مع عبد الله بن عمر إلي مكة فغرسنا ، فانحدر علينا راع من الجبل ، فقال له ابن عمر : أراع ؟ قال : نعم ، قال : بعني شاًة من الغنم ، قال : إني مملوك : قال : قل لسيدك : أكلها الذئب ، قال : فأين الله عز وجل ؟ قال ابن عمر : فأين الله !!، ثم بكى ، ثم اشتراه بعد فأعتقه ، واشترى له الغنم(309) .

بكاء أبي

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذر الغفاري رضي الله عنه عندما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم

عن الأحنف بن قيس قال : دخلت بيت المقدس ، فوجدت فيه رجلاً يكثر السجود ، فوجدت في نفسي من ذلك ، فلما انصرف قلت : أتدري على شفع انصرفت أم على وتر ؟

قال : عن أك لا أدري فإن الله عز وجل يدري .

ثم قال : أخبرني حبي أبو القاسم – صلي الله عليه وسلم – ثم بكي ، ثم قال : أخبرني حبي أبو القاسم – صلي الله عليه وسلم – ثم بكي ، ثم قال : أخبرني حبي أبو القاسم – صلي الله عليه وسلم – أنه قال : " ما من عبد يسجد لله سجدة ، إلا رفعة الله بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة ، وكتب له بها حسنة " .

قال : قلت : أخبرني من أنت يرحمك الله ؟

قال : أنا أبو ذر صاحب رسول الله – صلي الله عليه وسلم – فتقاصرت إلي نفسي(310) .

* بكاء عمار بن ياسر – رضي الله عنه – عندما أغلظ عليه خالد بن الوليد – رضي الله عنه . عن خالد بن الوليد – رضي الله عنه – قال :

كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام فأغلظت له في القول فانطلق عمار يشكوني إلي النبي صلي الله عليه وسلم فجاء خالد وهو يشكوه إلي النبي صلي الله عليه وسلم قال فجعل يغلظ له ولا يزيد إلا غلظة والنبي صلي الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم فبكي عمار وقال يا رسول الله ألا تراه فرفع رسول الله صلي الله عليه وسلم رأسه فقال من عادي عماراً عاداه الله

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومن أبغض عماراًَ أبغضه الله قال خالد فخرجت فما كان شيء أحب إلي من رضا عمار، فلقيته فرضي(311)

* بكاء ابن عباس – رضي الله عنهما – عندما تذكر وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :

عن سعيد بن جبير – رضي الله عنه – يقول : قال عباس – رضي الله عنهما - : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ؟! ثم بكي حتى بل دمعه الحصى ، قلنا : يا أبا العباس ، وما يوم الخميس ؟.

قال : اشتد برسول الله – صلي الله عليه وسلم – وجعه ، فقال : " ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعد أبداً " فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه ، أهجر ؟ - قال سفيان : يعنى هذي – استفهموه ، فذهبوا يعيدون عليه ، فقال : " دعوني ، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " وأمر بثلاث – وقال سفيان مرة : أوصي بثلاث – قال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد به بنحو ما كنت أجيزهم . " وسكت سعيد عن الثالثة ، فلا أدري اسكت عنها عمداً ، وقال مرة : أو نسيها ؟

وقال سفيان مرة : وإما أن يكون تركها ، أو نسيها(312) .

* بكاء سلمان الفارسي – رضي الله عنه - عندما عاد سعد – رضي الله عنه – وخوفه على بسط الدنيا :

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال :

اشتكى سلمان الفارسي – رضي الله عنه – فعاده سعد – رضي الله عنه - , فرآه يبكي فقال له سعد : ما يبكيك يا أخي ؟ .

أليس قد صحبت رسول الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صلى الله عليه وسلم أليس أليس

قال سلمان : ما أبكي واحدة من اثنين , ما أبكي ضناً على الدنيا , ولا كراهية الآخرة , ولكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عهد إلينا عهداً ما أراني إلا قد تعديت قال : وما عهد إليك ؟ .

قال : عهد إلينا أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب , ولا أراني إلا قد تعديت وأما انت يا سعد , فاتق الله عند حكمك إذا حكمت , وعند قسمك إذا قسمت , وعند همك إذا هممت .

قال ثابت : فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهماً مه نفيقة كانت عنده(313) .

* بكاء عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – عندما وضع الطعام أمامه :

عن نوفل بن إياس الهذلي قال :

كان عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – لنا جليساً – وكان نعم الجليس - , وإنه انقلب بنا يوماً حتى دخلنا بيته , ودخل فاغتسل ثم خرج فجلس معنا , وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم , فلما وضعت بكى عبد الرحمن بن عوف , فقلنا له : يا أبا محمد ما يبكيك ؟ .

قال : هلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير , ولا أرانا أخرنا لها لما هو خير منها(314) .

* بكاء أنس بن مالك – رضي الله عنه – عندما يذكر النبي – صلى الله عليه وسلم - :

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال :

إن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التراب

وقالت : يا أبتاه من ربه ما أدناه , واأبتاه جنة الفردوس مأواه , واأبتاه إلى جبريل ننعاه , واأبتاه أجاب رباً دعاه . قال ثابت : حين حدث به أنس بكى(315) .

* بكاء أبو الدرداء – رضي الله عنه – عندما فتحت قبرص :

عن جبير بن نفير – رضي الله عنه – قال :

لما فتحت قبرص , فرق بين أهلها . فبكى بعضهم إلى بعض , ورأيت أبا الدرداء – رضي الله عنه – جالساً وحده يبكي , فقلت : يا أبا الدرداء , ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ .

قال : ويحك يا جبير , ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره .

بينا هي أمة قاهرة ظاهرة , لهم الملك , وتركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى .

وفي رواية : " فصاروا إلى ما ترى , فسلط عليهم السباء , وإذا سلط السباء على قوم فليس لله فيهم حاجة(316) " .

* بكاء أسيد بن حضير – رضي الله عنه – عندما أُخبر أن زوجته توفيت :

عن عائشة – رضي الله عنها – قالت :

قدمنا من حج أو عمرة , فتلقينا بذي الحليفة وكان أناس من الأنصار تلقوا أهليهم , فلقوا أسيد بن حضير , فنعوا له امرأته , فتقنع وجعل يبكي , قالت : فقلت له : غفر الله لك , أنت صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولك من السابقة والقدم , ما لك تبكي على امرأة ؟

فكشف عن رأسه , وقال : صدقت لعمري , حقي أن لا أبكي على أحد بعد سعد بن معاذ , وقد قال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما قال .

قالت قلت له ما قال له

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال : " لقد اهتز العرش لوفاة سعد بن معاذ " .

قالت : وهو يسير بيني وبين رسول الله – صلى الله عليه وسلم(317) - .

* بكاء عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – على وفاة عمر – رضي الله عنه - :

عن زيد بن وهب قال :

ذهبت أنا ورجل إلى عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – فإذا هو قائم يصلي وقد اكتنفه رجلان , فلما سلم سألاه عن آية , فقال لأحدهما : من أقرأك ؟ .

قال : عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقال للآخر من أقرأك ؟ .

قال : أبو حكيم . فقال : اقرأ كما أقرأك عمر , ثم بكى حتى بلّ الحصى دموعه , ثم قال : إن عمر – رضي الله عنه – كان للإسلام حصناً حصيناً , يدخلون في الإسلام ولا يخرجون , فلما أصيب عمر انثلم الحصن(318) .

* بكاء خباب بن الأرت – رضي الله عنه – عند مرضه :

عن شقيق بن سلمة قال : دخلنا على خباب بن الأرت – رضي الله عنه – في مرضه , فقال إن في هذا التابوت ثمانين ألف درهم , والله ما شددت لها خيط , ولا منعتها من سائل , ثم بكى , فقلنا : ما يبكيك ؟ .

قال : أبكي أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئاً , وأنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعاً إلا التراب.

ثم قال : ولو ددت أنها كذا وكذا – قال : بعراً أو غيره(319) .

* بكاء أبي قتادة – رضي الله عنه – عندما علم من الرجل الذي يريد منه مالاً أنه ليس معه مال :

عن محمد بن كعب القرظي قال :

إن أبا قتادة رضي الله عنه كان له على رجل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دين وكان يأتيه يتقاضاه فيختبيء منه فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال نعم هو في البيت يأكل خزيرة فناداه يا فلان اخرج فقد أخبرت أنك ها هنا فخرج غليه فقال ما يغيبك عني

قال : إني معسر وليس غيري , قال : ألله إنك معسر ؟ .

قال : نعم , فبكى أبو قتادة .

ثم قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : من نفَّس عن غريمة , أو محا عنه , كان في ظل العرش يوم القيامة(320) .

* بكاء عمرو بن العاص – رضي الله عنه – على ما كان منه قبل الإسلام :

عن ابن شماسة المهري قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت , فبكى طويلاً , وحول وجهه إلى الجدار , فجعل ابنه يقول : يا أبتاه أما بشرك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بكذا ؟ أما بشرك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بكذا ؟

قال : فأقبل بوجهه فقال : إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , وإني كنت على أطباق ثلاث : لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – مني , ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته , فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقلت : أبسط يمينك فلأبايعك , فبسط يمينه . قال : فقبضت يدي , فقال : " مالك يا عمرو ؟ قلت : أردت أن أشترط .

قال : " تشترط ماذا ؟ " , قلت : أن يغفر لي .

قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قلبه وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في عيني منه وما كنت أطيق أن عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها

فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار , فإذا دفنتموني فشنوا على التراب شناً , ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها , حتى أستأنس بكم , وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي(321) .

* بكاء أبي أمامة – رضي الله عنه – على ضلال هذه الأمة :

عن سيار بن عبد الله الأموي قال : جيء برؤوس من قبل العراق , فنصبت عند باب المسجد , وجاء أبو أمامة , فدخل المسجد , فركع ركعتين , ثم خرج إليهم , فنظر إليهم , فرفع رأسه فقال : شر قتلى تحت ظل السماء – ثلاثاً , ثم إنه بكى , ثم انصرف عنهم . فقال له قائل : يا أبا أمامة , أرأيت هذا الحديث , حيث قلت : كلاب النار , شيء سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , أو شيء تقوله برأيك ؟ . قال : سبحان الله , وإني إذاً لجريء , لو سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مرة أو مرتين – حتى ذكر سبعاً – لخلت أن لا أذكره .

فقال الرجل : لأي شيء بكيت ؟ .

قال : رحمة لهم , أو من رحمتهم(322) .

البكاء أثر لشعور كامن في النفس ، يدفق تأثر عند موقف معين يعرض لصاحبه .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولما كان الآل والأصحاب – رضي الله عنهم – من أحسن الناس سريرة ، وأجملهم علانية ، وأصلحهم قلوباً ، وأعظمهم إيماناً ، فقد عظم خوفهم من الله – تعالى - ، واشتد تأثرهم عند كل موقف يشعرون إزاءه بمسئولية تثقل كاهلهم .

ولما كان الآل والأصحاب يعيشون لغيرهم ، كما يعيشون لأنفسهم ، ولما كانوا يؤثرونهم على ما في أيديهم ، فقد صاروا يفرحون لفرح المسلمين ، ويحزنون لحزنهم ، ويضحكون لضحكهم ، ويبكون لبكائهم .

إن هذه المآقي التي تتحدر منها الدموع كحبات الجمان شاهد صدق على قلوب مفعمة بالإيمان ، ونفوس عظم شوقها إلى الكريم المنان .

إن هذه المواقف المتنوعة التي تأثر عندها الآل والأصحاب دليل على أنها وإن كانت مختلفة في الظاهر ، ولكن جمعها رغبة في رضوان الله ، وخوف من أليم عقابه .

فتمعن – رعاك الله – في هذه الروائع ، فإنها سلوان القلب ، وجلاء صداه ، وباعث همته .

أصلح الله قلوبنا وإياكم بالإيمان واليقين ، وأعاننا على شرور أنفسنا .

شباب الآل والأصحاب

روى الترمذي في " سننه " عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ((لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وماذا عمل فيما علم(323) " .

الشباب من أخصب مراحل العمر ، وأجدرها بحسن العمل ، ولذا كان المرء محاسبا عن عمره كله ، وعن الشباب بوجه الخصوص .

وليس الشباب قدرة جسد ، ولا ثورة مشاعر وسلوك ، بل الشباب همة ، وعزيمة ، وتوقد ، وفكر .

ففترة الشباب من أحفل أطوار العمر بالمشاعر الحارة ، والعواطف الفائرة .

ونجاح الأمم يرجع إلى مقدار علو همم شبابها ، وإلى مدى آمالهم ، وتطلعاتهم .

قال هاشم الرفاعي :

ملكنا هذه الدنيا القروناوأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياءفما نسي الزمان ولا نسينا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بنينا حقبة في الأرض ملكاًيدعمه شباب طامحونا
شباب ذللوا سبل المعاليوما عرفوا سوى الإسلام دينا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماةيدكون المعاقل والحصونا
وإن جدَّ المساء فلا تراهممن الإشفاق إلا خاضعينا

قال مالك بن أنس – رحمه الله - : لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها(324) .

وجدير بشباب الأمة اليوم أن يقفوا أثر شباب الأمس ، الذين امتلأت قلوبهم إيماناً ويقيناً ، فبيضوا صفحات التاريخ بسيرهم العطرة ، وأخبارهم المشرقة .

إن شباب الأمة اليوم تعصف بهم عواصف الفتن ، وتموج بهم أمواج المحن ، ويُكاد لهم ليُصرفوا عن دينهم ، وينخلعوا من هويتهم ، فيقطعون صلتهم بآبائهم وأجدادهم ، ويكونون أشباحاً بلا أرواح ، فلا يعرفون معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، ويتبعون من لا خلاق لهم مظهراً ، وجوهراً .

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " لتتبعن سنن من كان قبلكم ، شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) . قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن(325) ".

وإننا بإذن الله نعول اليوم على شباب الأمة كثيراً فمع هذه الهجمة الشرسة على أمتنا وشبابنا إلا إننا بفضل الله نرى طلائع الشباب تعود لدينها عوداً حميداً فامتلأت بهم المساجد وعمرت بهم حِلَق القرآن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وغُصَّت بهم مجالس العلم وازدانت بكريم أخبارهم الصحف والمجلات فما تضع عينك أو أذنك إلا وجدت ما يسرك من العودة الحميدة لشباب الأمة لدينها فلله الحمد والمنة أولاً وآخراً

وإن المسئولية باتت مضاعفة على الأسر أو المربِّين لتوفير البيئة الصالحة ، والأرض الخصبة ليطيب المنبت ، فتحلوا الثمرة – بإذن الله - .

وينبغي أن تتضافر الجهود اليوم لحماية الشباب من كل مشروع يستهدف أخلاقهم ، وهويتهم ، والأمة باتت بحاجة إلى مشاريع مؤسسية يشرف على تحقيق أهدافها جماعة من الغيورين على دينهم ، من أوعية العقل ، والفكر ، والخلق ، والدين .

ومما يساعد على ذلك ربط جيل اليوم بجيل الأمس ، وإدمان النظر قراءة ، وتعقلاً ، وامتثالاً لسير الآل والأصحاب النبيلة ، ومواقف الأوائل الجليلة .

اللهم احفظ شباب المسلمين ، واهد ضالهم ، وقيضهم لصلاح الدين ، والدنيا . اللهم آمين .

* أسامة بن زيد – رضي الله عنه - :

عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعثا وأمّر عليهم أسامة ابن زيد , فطعن الناس في إمرته , فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : " إن تطعنوا في إمرته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله , وأيم الله لقد كان خليقاً للإمرة , وإن كان من أحب الناس إلي , وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده(326) " .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن أسامة بن زيد , حدث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يأخذه والحسن فيقول : " اللهم أحبهما فإني أحبهما(327) " .

* الحسن والحسين – رضي الله عنهما :

عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(328) " .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : " هما ريحانتاي من الدنيا(329) " .

* معاذ بن جبل – رضي الله عنه - :

عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " إن معاذ بن جبل أمام العلماء رتوة – رمية حجر(330) - " .

قال ابن مسعود : إن معاذا ) كان أمة قانتا لله حنيفا فقلت في نفسي : غلط أبو عبد الرحمن إنما قال إن إبراهيم قال : أتدري ما الأمة وما القانت ؟ قال : الله أعلم قال : الأمة الذي يعلم الناس الخير والقانت المطيع لله ورسوله وكذلك كان معاذ بن جبل يعلم الخير وكان مطيعا لله ورسوله.(331)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " خذوا القرآن من أربعة : من ابن مسعود ، وأبيّ ، ومعاذ بن جبل , وسالم مولى أبي حذيفة(332) " .

* مصعب بن عمير – رضي الله عنه - :

نبراس الدعاة وإمام الفاتحين .. الفتى المنعم الذي صاغه الإسلام على يديه , تقدم حين نادت المغارم , وذهب إلى لقاء ربه قبل مجيء الغنائم , اختاره الله شهيداً بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد أن أسلم على يديه : أسيد بن حضير الذي تنزلت الملائكة لتلاوته القرآن , وسعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن .

إنه مصعب غرة قتيان قريش وأوفاهم بهاء وجمالاً وشباباً .. " أعطر أهل الكفار " حديث حسان مكة ولؤلؤة ندواتها ومجالسها , وبعد الإسلام صار أسطورة من أساطير الإيمان والفداء , قصة حياته شرف لبني الإنسان جميعاً .

لاقى ما لاقى من أمه وقد كان فتاها المدلل , هاجر إلى الحبشة . مصعب الذي كانت ثيابه كزهور الحديقة , نضرة وألقا وعطراً , يرتدي بعد ذلك المرقع البالي , خرج من النعمة الوارفة إلى شظف العيش والفاقة , وأصبح الفتى المتأنق المعطر لا يرى إلا مرتدياً أخشن الثياب , يأكل يوماً ويجوع أياماً , ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة , والمتألقة بنور الله , جعلت منه إنساناً يملأ العين إجلالاً , والأنفس روعة .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اختاره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأعظم مهمة في حينها , أن يكون سفيره إلى المدينة , يفقه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن العقبة , ويفتح المدينة بالقرآن , وبعدها ليوم الهجرة العظيم , وقد كانت هذه السفارة أخطر قضايا الساعة , وألقي بين يدي مصعب بمصير الإسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة , وحمل مصعب الشاب – مصعب الخير – الأمانة , ونجح نجاحاً منقطع النظير , نجاحاً هو له أهل , وبه جدير .

قال البراء : أول من قدم علينا , مصعب بن عمير وابن أم مكتوم , ثم قدم علينا عمار بن ياسر وبلال – رضي الله عنهما(333) - .

وفي مثل هدوء البحر وقوته , وتهلل ضوء الفجر ووداعته , انساب نور الإيمان على يد مصعب إلى سادات الأنصار : أسيد بن حضير , وسعد بن معاذ , وسعد بن عبادة .. دره من شباب يقود ويسيّر جبال الإيمان , ويكون في ميزان حسناته الأنصار من الأوس والخزرج .

ويشهد مصعب غزوة بدر لينال شرف البدرية وفي يوم أحد كان حامل اللواء قال ابن سعد حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل ابن قمئة وهو فارس فضربه على يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلّا رَسولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ﴾(آل عمران: 144 وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقطعها فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلّا رَسولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ﴾ ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء ووقع مصعب كوكب الشهداء ومن كان ذكره عطراً للحياة

قال أبو وائل : عدنا خباباً فقال : هاجرنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – نريد وجه الله , فوقع أجرنا على الله , فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئاً , منهم مصعب بن عمير , قتل يوم أحد وترك نمرة , فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه , وإذا غطينا رجليه بدا رأسه , فأمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئاً من إذخر , ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها(334) " .

* زيد بن ثابت – رضي الله عنه - :

عن قتادة عن أنس – رضي الله عنه – قال : جمع القرآن على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – أربعة كلهم من الأنصار : أبي , ومعاذ بن جبل , وأبو زيد , وزيد بن ثابت .

قلت لأنس : مَن أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي(335) .

عن زيد بن ثابت قال أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله عنه إن عمر أتاني فقال إن القتل قد

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

استحرَّ يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم﴾ (التوبة/ 128 )حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما(336)

* علي بن طالب – رضي الله عنه - :

عن ابن إسحاق قال أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين وكان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام

" وقال محمد بن كعب : أول من أسلم من هذه الأمة : خديجة , وأول رجلين أسلما : أبو بكر وعلي . وأسلم علي قبل أبي بكر , وكان علي يكتم إيمانه , خوفاً من أبيه , حتى لقيه أبوه , قال : أسلمت ؟ قال : نعم . قال : وازر ابن عمك وانصره . وعن ابن عباس : أول من صلى : علي .

وعن جابر : بُعث النبي – صلى الله عليه وسلم – يوم الاثنين , وصلى علي يوم الثلاثاء(337) "

وجمعاً بين الأقوال كلها : " أول من أسلم من النساء خديجة – وقيل الرجال أيضاً – وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة , وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب , فإنه كان صغيراً دون البلوغ على المشهور , كانوا إذ ذاك أهل البيت , وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق(338) " .

* عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما - :

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال " صليت مع النبي – صلى الله عليه وسلم - , فقمت إلى جنبه عن يساره , فأخذني فأقامني عن يمينه . قال : وقال ابن عباس : وأنا يومئذ ابن عشر سنين(339) " .

وفي لفظ لمسلم : " فجعلت إذا أغفيت , يأخذ بشحمة أذني اليمنى يفتلها " .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال النووي : " إنما فتلها , تنبيها له من النعاس(340) " .

* الزبير بن العوام – رضي الله عنه - :

حواري رسول الله – صلى الله عليه وسلم - . أسلم وهو حدث , له ست عشرة سنة وهو أول من سلَّ سيفه في سبيل الله .

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : " عن عروة قال : أسلم الزبير , ابن ثمان سنين , ونفخت نفخة من الشيطان أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أُخذ بأعلى مكة . فخرج الزبير وهو غلام , ابن اثنتي عشرة سنة , بيده السيف , فمن رآه عجب , وقال : الغلام معه السيف ! حتى أتى النبي – صلى الله عليه وسلم - , فقال : ما لك يا زبير ؟ فأخبره وقال : أتيت أضرب بسيفي من أخذك . فدعا له ولسيفه " .

- أخرجه الحاكم في المستدرك , وأبو نعيم في الحلية ورجال ثقات(341) .

قال يتيم عروة محمد بن عبد الرحمن النوفلي المدني : " هاجر الزبير وهو ابن ثمان عشرة سنة , وكان عمه يعلقه ويدخن عليه , وهو يقول : لا أرجع إلا الكفر أبداً(342) " .

وكانت أمه صفية تضربه شديداً وهو يتيم , فقيل لها : قتلته , أهلكته , قالت :

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إنما أضربه لكي يدبويهزم الجيش ويأتي بالسلب

قال عروة بن الزبير : كسر الزبير ذات يوم يد غلام , فجيء بالغلام إلى صفية , فقيل لها في ذلك , فقالت :

كيف وجدت زبراأأقطا أم تمرا

أم مشمعلاً صقرا(343)

* سعد بن أبي وقاص خال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنه - :

قال موسى بن طلحة : " كان علي , والزبير , وطلحة , وسعد , عذار عام واحد ,يعني ولدوا في سنة(344) " .

ويقول سعد : " لقد شهدت بدراً , وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها ببدي(345) " .

قال سعيد بن المسيب : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : " ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه , ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام(346) " .

وروى الإمام مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال حلفت أم سعد ألا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تشرب قالت زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية ﴿وَوَصَّينَا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ حُسنًا﴾ ﴿وَإِن جاهَداكَ عَلىٰ أَن تُشرِكَ بي﴾ وفيها ﴿وَصاحِبهُما فِي الدُّنيا مَعروفًا﴾(347)

* عمير بن أبي وقاص – رضي الله عنه - :

" عن سعد بن أبي وقاص قال : رد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عمير بن أبي وقاص عن بدر , استصغره , فبكى عمير , فأجازه , فعقدت عليه حمالة سيفه ولقد شهدت بدراً , وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي(348) " .

* معاذ بن عمرو بن الجموح , ومعاذ بن الحارث " معاذ بن عفراء " , ومعوذ بن الحارث :

عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عم هل تعرف أبا جهل قال قلت نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال مثلها قال فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه قال فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلت فقال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان معاذ بن عمر بن الجموح ومعاذ بن عفراء(349)

وعند البخاري : عن عبد الرحمن بن عوف : " إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن , فكأني لم آمن بمكانهما , غذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه : يا عم , أرني أبا جهل , فقلت : يا ابن أخي , ما تصنع به ؟ قال : عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه , وقال لي الآخر سراً من صاحبه مثله . قال : فما سرني أنني بين رجلين مكانهما , فأشرت لهما إليه , فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه , وهما ابنا عفراء(350) " .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

" وعن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم بدر : " من ينظر ما صنع أبو جهل ؟ " . فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد . فقال : آنت أبا جهل ؟ قال ابن علية : قال سليمان : هكذا قالها أنس . قال : آنت أبا جهل ؟ قال : وهل فوق رجل قتلتموه , أو قال: قتله قومه . قال : وقال أبو مجلز : قال أبو جهل : فلو غير أكار قتلني(351) " .

لقد سر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بما صنع الصقران وخر ساجداً , كما جاء عند البيهقي .

" معاذ بن عمرو قال : جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني .

فلما أمكنني , حملت عليه , فضربته , فقطعت قدمه بنصف ساقه . وضربني ابنه عكرمة بن أبي جهل على عاتقي , فطرح يدي وبقيت معلقة بجلدة بجنبي , وأجهضني عنها القتال , فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي , فلما آذتني , وضعت قدمي عليها , ثم تمطأت عليها حتى طرحتها " .

قال الذهبي معلقاً : " هذه والله الشجاعة , لا كآخر , ومن خدش بسهم ينقطع قلبه , وتخور قواه(352) " .

* الحسين بن علي – رضي الله عنه - :

عن الحسين رضي الله عنه قال صعدت المنبر إلى عمر فقلت انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك فقال إن أبي لم يكن له منبر فأقعدني معه فلما نزل قال أي بني مَن علمك هذا قلت ما علمنيه أحد قال أي بني وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا الله ثم أنتم ووضع يده على رأسه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال أي بني لو جعلت تأتينا وتغشانا(353)

* زين العابدين علي بن الحسين – رضي الله عنه - :

ومن مثل زين العابدين في صبره ! وهو صبي يشاهد قتل أبيه الحسين ومعه سبعة عشرة رجلاً , كلهم من أولاد فاطمة , ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه ... يشاهد هذا الصبي الطيب اثنين وسبعين نفساً من أصحاب أبيه وأهل بيته قتلى ... يشاهد جثمان أبيه يداس بحوافر الخيل .

ولما يدخل وهو غلام على ابن زياد , فقال له : ما اسمك ؟ قال : أنا علي بن الحسين . قال أو لم يقتل الله علي بن الحسين ؟ فسكت . فقال له ابن زياد : ما لك لا تتكلم ؟ قال : كان لي أخ يقال له : علي أيضاً , قتله الناس . قال : إن الله قتله . فسكت . فقال : ما لك أن تتكلم ؟

فقال : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حينَ مَوتِها﴾ , (الزمر/ 43 ) ﴿وَما كانَ لِنَفسٍ أَن تَموتَ إِلّا بِإِذنِ اللَّهِ﴾ . (آل عمران/ 145 )وقال : أنت والله منهم .

ولما دخل على يزيد بن معاوية قال له : يا علي , أبوك قطع رحمي , وجهل حقي , ونازعني سلطاني , فصنع الله به ما قد رأيت . فقال علي : ﴿ما أَصابَ مِن مُصيبَةٍ فِي الأَرضِ وَلا في أَنفُسِكُم إِلّا في كِتابٍ﴾ .(الحديد/ 22(354) )

عبد الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بن جعفر الطيار رضي الله عنه

" دخل أبو سفيان بن حرب على ابنته أم حبيبة زوج النبي – صلى الله عليه وسلم - , فرأى عندها عبد الله ابن جعفر – رضي الله عنهما – وهو صبي . فقال لها : أي بنية , من هذا الغلام الذي يتضوع كرماً , ويتألق شرفاً , ويتميع حياء ؟ فقالت : من تظنه يا أبت ؟ فقال : أما الشمائل فهاشمية . فقالت : نعم , هو هاشمي , فمن تظنه من بني هاشم ؟ فتأمله , ثم قال : إ لم يلده ولم يولد جعفر فلست بسداد البطحاء . فقال أبو سفيان : أما إنه لم يمت من خلف مثل هذا .

" ويروى أن عمر بن الخطاب قسم مالاً في أبناء المهاجرين , فبدا بأهل البيت , وأراد أعرابي أن يدخل معهم , فمنع , وجاء عبد الله بن جعفر , وهو صبي , فلما رآه الفاروق قال : مرحباً بابن الطيار , ادخل . فسمعها الأعرابي , فقبض على يد عبد الله وهو لا يعرفه , لكنه سمع كلمة الفاروق , وعلم أنه مكين عنده , فأنشأ يقول :

ألا هل أتى الطيار أني محلاًعن الورد والفاروق يرأى ويسمع
وما ضر إن لم ياته ذاك فابنهنهوض بعبء الجار ندب سميدع

فقال عبد الله : كن بمكانك يا أخا العرب . ودخل , فأعطاه الصديق ألف درهم , فخرج بها , فأعطاها الأعرابي(355) " .

بأبه اقتدى عدي في الكرمومن شابه أبه فما ظلم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نعم ؛ هذه هي حقيقة أبناء الآل والأصحاب – رضوان الله عليهم - ، فإنهم لما هيىء الله – تعالى – لهم آباء ، وأمهات صالحين ، يأمرون بالخير ، وينهون عن الشر ، وينيرون لهم سبيل الاستقامة ، أصلحهم الله ، وبارك في أعمالهم .

إن كل واحد من هؤلاء الشباب ، لو أمعنت النظر في سيرته ، طفلاً وفتى ، وكهلاً ، وشيخاً ، لوجدته على طريق صالح واحد لا يحيد عنه قيد أنملة .

إنها الاستقامة التي تلقى أصولها ، ومبادئها منذ صغره ، وربيّ عليها ، ونشأ ، حتى غدت نوراً يستضيء به في حياته كلها ، فصار علماً للهدى ، ورجماً للعدا .

إن أبنائنا بحاجة إلى قدوة صالحة من أهليهم ، ولو كان قدوة صامتاً ، ينطق فعله ، قبل قوله ، فلا يرى فيه ابنه إلا مرشداً للخير ، وباعثا ً على اقتداء غيره به .

والقرين بالمقارن يقتدي

اللهم أصلح شباب المسلمين ، واهد ضالهم .

شعر الآل والأصحاب

العرب أمة سجدت للبيان قبل أن تسجد للأوثان ، وما سمي العرب عربا إلا لإعرابهم ، وفصاحتهم ، وبيانهم .

قال بعض الحكماء : أنزل الله الحكمة على ثلاث : على العرب في ألسنتهم ، وعلى الصين في أيديهم ، وعلى الروم في عقولهم .

وقد أقام العرب أسواقاً للشعر ، والخطبة ، وكانت محل عنايتهم ، وافتخارهم ، وحرصوا عليها أكثر من حرصهم على أسواق البيع والشراء كسوق عكاظ ، وغيرها .

وكانوا يفرحون بنبوغ الشاعر أكثر من فرحهم بشيء غيره ، لأنه يمثل اللسان الناطق للقبيلة ، ولما قتل عمرو بن كلثوم التغلبي عمرو بن هند ، وأنشد فيه قصيدته التي تغنى بها بنو تغلب في نواديهم ، ومجالسهم ، قال شاعر يهجوهم :

ألهى بني تغلب عن كل مكرمةقصيدة قالها عمرو بن كلثوم

وقد أنزل الله – سبحانه – القرآن بلسان العرب ، وتحداهم على أن يأتوا بمثله ، أو بعض منه فعجزوا .

﴿قُل لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلىٰ أَن يَأتوا بِمِثلِ هـٰذَا القُرآنِ لا يَأتونَ بِمِثلِهِ وَلَو كانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهيرًا﴾ [ الإسراء : 88 ]

وسمع النبي – صلى الله عليه وسلم الشعر – وأثنى عليه في مواقف مشهورة منها :

وفي " صحيح البخاري " عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة فيقول: يا أبا هريرة نشدتك بالله، هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا حسان أجب عن رسول الله اللهم أيده بروح القدس؟ قال أبو هريرة: نعم.(356)

ومما يروى أنه بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة اشتد هجاء الشعراء المشركين له، مثل عبد الله بن الزبعري وضرار بن الخطاب وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعمرو بن العاص، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم – للأنصار: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان: أنا لها يا رسول الله. قال الرسول الكريم: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ فقال: والله لأسلّنك منهم كما تُسل الشعرة من العجين، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ، ثم اهجهم وجبريل معك. وحين أنشد حسَّان قصيدته التي رد بها على أبي سفيان ابن الحارث دعا له - الرسول صلى الله عليه وسلم - بالجنة مرتين .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومن قول حسان في الدفاع عن الرسول – صلى الله عليه وسلم - :

هجوت محمدا فأجبت عنهوعند الله في ذلك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفءفشركما لخيركما الفداء
فإن محمدا ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاء

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه(357) .

وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : الشعر ميزان القول.(358)

وقال ابن عباس – رضي الله عنهما- : الشعر ديوان العرب(359) .

وقد كان الشعر عبر تاريخ هذه الأمة من أعظم وسائل التعبير عن مشاعرها في الأفراح ، والأحزان ، وسطرت دواوينهم الشعرية التي لا تعد ولا تحصى .

والأمة بحاجة اليوم إلى جيل ينشأ محبا للعربية ، متذوقاً لها ، مقيماً للسانه ، نائيا عن عجمة أبعدته كثيراً عن لغة القرآن ، حتى صيرته لا يقيم جملة واحدة ، ولا يعرف جمال اللغة العربية ، وروعتها ، في وقت عظم التفاف بعض أبناء العربية للغات الأعجمية ، وتراطنوا بها افتخاراً ، وما هو إلا هزيمة نفسية ، وافتتان بثقافات أخرى بلا بصيرة ، ولا عقل .

ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي أطلق

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صرخاته من نحو قرن ومنها

رجعت لنفسي فاتهمت حصايوناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتنيعقمت فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسيرجالا وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظ وغايةوما ضقت عن أي به وعظاتي
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةوتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامنفهل سألوا الغواص عن صدفاتي

ولأن الآل والأصحاب كغيرهم من العرب والمسلمين ممن يتذوقون الشعر ، ويعرفون حسنه من قبيحه ، فقد سطرت لهم كتب التاريخ والسير والتراجم قصائد ، وأشعاراً حافلة ، نذكر هذه الطرف منها .

* حرام بن ملحان – رضي الله عنه - :

جرح حرام بن ملحان يوم بئر معونة , فقال الضحاك بن سفيان الكلابي وكان مسلما يكتم إسلامه , لامرأة من قومه : هل لك في رجل إن صح فنعم الراعي ؟ فضمته إليها وعالجته , فسمعته وهو يقول :

أتت عامر ترجو الهوادة بينناوهل عامر إلا عدو مداجن
إذا ما رجعنا ثم لم تك وقعةبأسيافنا في عامر ونطاعن
فلا ترجونا أن يقاتل بعدناعشائرنا والمقربات الصوافن

فلما سمعوا ذلك وثبوا عليه فقتلوه(360) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

* حسان بن ثابت – رضي الله عنه - :

حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي ، أمه الفريعة بنت خالد الخزرجي . كنيته أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد . شاعر معمر مخضرم ، هو شاعر النبي – صلى الله عليه وسلم - , وشاعر الأنصار , وشاعر اليمن في الإسلام . كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينصب له منبراً في المسجد , يقوم عليه يفاخر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .

طلب النبي – صلى الله عليه وسلم – من حسان أن يرد على أحد الشعراء الذي ذكر فضل قومه , فقال حسان :

نصرنا رسول الله والدين عنوةعلى رغم عات من معد وحاضر
وسل أحدا يوم استقلت شعابهبضرب لنا مثل الليوث الخوادر
ألسنا نخوض الموت في حومة الوغىإذا طاب ورد الموت بين العساكر
ونضرب هام الدارعين وننتميإلى حسب من جذم غسان قاهر
فأحياؤنا من خير من وطئ الحصىوأمواتنا من خير أهل المقابر

وقال حسان يمدح رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :

أغرٌ عليه للنبوة خاتممن الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمهإذا قال في الخمس المؤذن : أشهد
وشق له من اسمه ليجلهفذو العرش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعد يأس وفترةمن الرسل , والأوثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجا مستنيرا وهاديايلوح كما لاح الصقيل المهند
وأنذرنا نارا , وبشر جنةوعلمنا الإسلام فالله نحمد(361) . 361

* عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه-:

وفي الطبقات عن مدرك بن عمارة قال: قال عبد الله بن رواحة: مررت في مسجد الرسول ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، جالس وعنده أناس من أصحابه في ناحية منه، فلما رأوني أضبوا إلى: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة. فعلمت أن رسول الله دعاني فانطلقت نحوه فقال: اجلس هاهنا، فجلست بين يديه فقال: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول! كأنه يتعجب لذاك، قال: أنظر في ذاك ثم أقول، قال: فعليك بالمشركين. ولم أكن هيأت شيئا، قال فنظرت في ذلك ثم أنشدته فيما أنشدته:

خبروني أثمان العباء متىكنتم بطاريق أو دانت لكم مضر

قال: فرأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كره بعض ما قلت، أني جعلت قومه أثمان العباء، فقلت :

يا هاشم الخير إن الله فضلكم... على البرية فضلا ما له غير
إني تفرست فيك الخير أعرفه... فراسة خالفتهم في الذي نظروا
ولو سألت أو استنصرت بعضهمفي جل أمرك ما آووا ولا نصروا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فثبت الله ما آتاك من حسن... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

قال: فأقبل بوجهه مبتسما وقال: وإياك فثبت الله.(362)

وعن بن إسحاق قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن عبد الله بن رواحة قال حين أخذ الراية يومئذ- يوم مؤتة-

( اقسمت يا نفس لتنزلنهطائعة أو لتكرهنه )
( إن اجلب الناس وشدوا الرنهما لي أراك تكرهين الجنة )
( قد طالما قد كنت مطمئنةهل أنت إلا نطفة في شنه )

قال بن إسحاق وقال أيضا:

( يا نفس إلا تقتلي تموتيهذا حمام الموت قد صليت )
( وما تمنيت فقد أعطيتإن تفعلي فعلهما هديت )

( وإن تأخرت فقد شقيت ) يريد جعفرا وزيدا رضي الله عنهما قال ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.(363)

* أبو ذؤيب الهذلي - رضي الله عنه - :

قال أبو ذؤيب يبكي النبي – صلى الله عليه وسلم - :

فهناك صرت إلى الهموم ومن يبتجار الهموم يبيت غير مروح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرهاوتضغضغت آطام بطن الأبطح
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وتزعزعت أجبال يثرب كلهاونخيلها لحلول خطب مفدح

وقال في رثاء بنيه الخمسة :

أمن المنون وريبها تتوجع ؟والدهر ليس بمعتب من يجزع
أودى بني وأعقبوني حسرةبعد الرقاد وعبرة ما تقلع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهموإذا المنية أقبلت لا تدفع
وتجلدي للشامتين أريهمأني لريب الدهر لا أتضعضع
ولقد أرى أن البكاء سفاهةولسوف يولع بالبكاء من يفجع
والنفس راغبة إذا رغبتهاوإذا ترد إلى قليل تقنع(364) . 364

* سراقة بن مالك – رضي الله عنه - :

قال ابن عيينة : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لسراقة : " كيف بك إذا لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه ؟ " فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة , وكان كثير الشعر , فألبسه , وقال له : ارفع يديك , وقل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة الأعرابي .

قال سارقة لأبي الجهل :

أبا حكم والله لو كنت شاهداًلأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشك بأن محمداًرسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف القوم عنه فإننيأرى أمره يوما ستبدو
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
معالمه
بأمر يود الناس فيه بأسرهمبأن جميع الناس طرا يسالمه(365) . 365

* أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب – رضي الله عنه - :

أبو سفيان شاعر , هجا النبي – صلى الله عليه وسلم - في بداية الدعوة ثم أسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه . توفي سنة ( 20 هـ ) وصلى عليه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - .

قال يبكي النبي – صلى الله عليه وسلم - :

أرقت فبات ليلي لا يزولوليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيماأصيب المسلمون به قليل
فقد عظمت مصيبته وجلتعشية قيل : قد قبض الرسول
وتصبح أرضنا مما عراهاتكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينايروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليهنفوس الناس أو كادت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنابما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالاعلينا والرسول لنا دليل
فلم نر مثله في الناس حياوليس له من الموتى عديل(366) . 366
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

* سويد بن الصامت – رضي الله عنه - :

قدم سويد بن الصامت إلى مكة حاجا فتصدى له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتلا عليه بعض الآيات القرآنية ودعاه إلى الإسلام . ثم انصرف سويد وقدم المدينة عبى قومه , فقتلته الخزرج . وكان قتله يوم بعاث . كان شاعرا محسنا . دعاه قومه الكامل للحكمة التي في شعره .

قال سويد :

ألا رب من تدعو صديقا ولو ترىمقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشهد ما كان شاهداوبالغيب مأثور على ثغرة النخر
يسرك باديه وتحت أديمهنميمة غش تبتري عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتممن الغل والبغضاء بالنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد بريتنيوخير الموالي من يريش ولا يبري(367) . 367

* ضرار بن الأزور – رضي الله عنه - :

لما قدم ضرار على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان له ألف بعير يرعاها , فأخبره بما خلف , وقال : يا رسول الله , قد قلت شعرا . فقال – صلى الله عليه وسلم - : " هيه " . فقال ضرار :

خلعت القداح وعزف القيانوالخمر أشربها والثمالا
وكري المحير في غمرةوجهدي على المسلمين القتالا
وقالت جميلة : شتتناوطرحت أهلك شتى شمالا
فيا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رب لا أغبنن صفقتيفقد بعت أهلي ومالي بدالا

فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – له : " ما غبنت صفقتك يا ضرار(368) " .

* عباس بن مرداس – رضي الله عنه - :

قدم عباس بن مرداس على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ثلاثمائة راكب من قومه , فأسلموا وأسلم قومه , ولما أعطاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع المؤلفة قلوبهم وهم : الأقرع بن حابس , وعيين بن حصن وغيرهما من غنائم حنين , مائة من الإبل , ونقص طائفة من المائة , منهم عباس بن مرداس , فقال عباس :

أتجعل نهبي ونهب العبيدبين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امريء منهماومن تضع اليوم لا يرفع
وقد كنت في القوم ذا تدرافلم أعط شيئا ولم أمنع
فصالا أفائل أعطيتهاعديد قوائمها الأربع
وكانت نهابا تلافيتهابكري على المهر في الأجرع
وإيقاظي القوم أن يرقدواإذا هجع القوم لم أهجع

فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – " اذهبوا فاقطعوا لسانه " . فأعطوه حتى رضي(369) .

* عبد الله بن الزبعرى – رضي الله عنه - :

شاعر مخضرم ، هجا النبي – صلى الله عليه وسلم - , ثم أسلم واعتذر إليه ومدحه , فأمر له بحلة .

قال ابن الزبعرى لما أسلم :

يا رسول المليك إن لسانيراتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سننالغي ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام بما قلتفنفسي الشهيد أنت النذير
إن ما جئتنا به حق صدقساطع نوره مضيء منير
جئتنا باليقين والبر والصدقوفي الصدق واليقين سرور
أذهب الله ضلة الجهل عناوأتانا الرخاء والميسور(370) . 370

* عبد الله بن العباس بن عبد المطلب – رضي الله عنه - :

حج عبد الله بن عباس لما حصر عثمان , وكان عبد الله قد عمي في آخر عمره , فقال في ذلك :

إن يأخذ الله من عيني نورهماففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخلوفي فمي صارم كالسيف مأثور(371) . 371

* عمر بن الجموح – رضي الله عنه - :

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أتى عمر بن الجموح النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله , أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه في الجنة ؟ قال – صلى الله عليه وسلم - : " نعم " . وكانت رجل عمرو عرجاء حينئذ .

قال عمرو حين أسلم :

تالله لو كنت إلها لم تكنأنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لمصرعك غلها مستدنالآن فتشناك عن سوء الغبن
فالحمد لله العلي ذي المننالواهب الرزاق وديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أنأكون في ظلمة قبر مرتهن(372) . 372

وقال تائبا :

أتوب إلى الله مما مضىوأستغفر الله من ناره
وأثن عليه بآلائهبإعلان قلبي وأسراره(373) . 373

* عمرو بن العاص – رضي الله عنه - :

قال عمرو بن العاص :

إذا المرء لم يترك طعاماً يحبهولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه وغادر سبةإذا ذكرت أمثالها تملأ الفما(374) . 374

* قيس بن عاصم المنقري :

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال في تحريم الخمرة :

رأيت الخمر صالحة وفيهاخصال تفسد الرجل الحليما
فلا , والله , أشربها صحيحاولا أشفي بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتيولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيهاوتجنيهم بها الأمر العظيما(375) . 375

قيل للأحنف بن قيس : ممن تعلمت الحلم ؟ قال : من قيس بن عاصم المنقري , حضرته يوما قاعدا بفناء داره , محتبيا بحمائل سيفه يحدثنا , إذ جاؤوا بابن له قتيل وابن عم له كيتف , فقالوا : هذا ابن أخيك قتل ابنك , فو الله ما حل حبوته ولا قطع كلامه , حتى إذا فرغ من الحديث التفت إلى ابن أخيه , وقال له : يا ابن أخي أثمت بربك , ورميت نفسك بسهمك , وقتلت ابن عمك . ثم قال لابن له آخر : يا بني قم إلى ابن عمك فأطلقه , وإلى أخيك فادفنه , وإلى أم القتيل فأعطها مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة لعلها تسلو عنه , ثم أنشأ يقول :

إني امرؤ لا يعتري خلقيدنس يهجنه ولا أفن
من منقر من بيت مكرمةوالغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقوم قائلهمبيض الوجوه مصاقع لسن
لا يفطنون لعيب جارهموهم لحفظ جواره فطن(376) . 376

* كعب بن زهير – رضي الله عنه - :

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كعب شاعر مخضرم هجا في البداية النبي – صلى الله عليه وسلم - , فأهدر دمه , ثم أسلم وقال في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لاميته الشهيرة ومطلعها :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيم إثرها لم يفد مكبول

ومنها :

أنبئت أن رسول الله أوعدنيوالعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلةالقرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولمأذنب وإن كثرت في الأقاويل
إن الرسول لنور يستضاء بهمهند من سيوف الله مسلول(377) . 377

وقال :

لو كنت أعجب من شيء لأعجبنيسعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركهاوالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمللا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر(378) . 378

* كعب بن مالك الأنصاري – رضي الله عنه - :

قال كعب بن مالك :

قال في يوم خبيرا وفروضهبكل فتى عاري الأشاجع مذود
جواد لدى الغايات لا واهن القوىجري على الأعداء في كل مشهد
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عظيم رماد القدر في كل شتوةضروب بنصل المشرفي المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادةمن الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمي عن ذمار محمدويدفع عنه باللسان وباليد(379) . 379

قال ابن سيرين : بلغني أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك :

قضينا من تهامة كل وتروخيبر ثم أغمدنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالتقواطعهن : دوسا أو ثقيفا
نطيع نبينا ونطيع رباهو الرحمن كان بنا رؤوفا
فإن تلقوا إلينا السلم تقبلونجعلكم لنا عضدا وريفا
وإن تأبوا نجاهدكم ونصبرولا يك أمرنا رعشا ضعيفا(380) . 380

* النابغة الجعدي – رضي الله عنه - :

قدم النابغة الجعدي إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنشده :

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدىويتلو كتابا كالمجرة نيرا
أقيم على التقوى وأرضى بفعلهاوكنت من النار المخوفة أوجرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودناوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولا خير في حلم إذا لم تكن لهبوادر تحمي صفوة أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فقال رسول الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صلى الله عليه وسلم لا يفضض الله فاك فيقل فبقي عمره لم تنقض له سن(381)

* أروى بنت عبد المطلب – رضي الله عنها - :

قالت في رثاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :

ألا يا رسول الله كنت رجاءناوكنت بنا برا ولم تك جافيا
كان على قلبي لذكر محمدوما جمعت بعد النبي المجاويا
أفاطم صلى الله رب محمدعلى جدث أمسى بيثرب ثاويا(382) . 382

وقالت ترثي والدها عبد المطلب وأخواتها :

بكت عيني وحق لها البكاءعلى سمح سجيته الحياء
على سهل الخليفة أبطحيكريم الخيم شيمته العلاء
على الفياض شيبة ذي المعاليأبيك الخير ليس له كفاء
طويل الباع أملس شيظميله المجد المقدم والثناء
ومعقل مالك وربيع فهروفيصلها إذا التمس القضاء
وكان هو الفتى كرما وجوداوبأسا حين تنسكب الدماء
إذا هاب الكماة الموت حتىكأن قلوب أكثرهم هواء
مضى قدما بذي رأي مصيبعليه حين تبصره البهاء(383) . 383

* الخنساء تماضر بنت عمرو – رضي الله عنها - :

دخل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - البيت الحرام فرأى الخنساء تطوف محلوقة الرأس تبكي وتطلم خدها , وقد علقت نعل أخيها صخر في خمارها .

فوعظها , فقالت : إني رزئت فارسا لم يرزأ أحدا به . فقال عمر : إن في الناس من هو أعظم مرزئة منك , وإن الإسلام قد غطى ما كان قبله , وإنه لا يحل لك لطم وجهك وكشف رأسك . فكفت عن ذلك وقالت :

هريقي من دموعك أو أفيقيوصبرا , وإن أطقت , ولن تطيقي
وقولي إن خير بني سليموفارسها بصحراء العقيق
وإني والبكاء من بعد صخركسالكة سوى قصد الطريق
فلا وأبيك ما سليت صدريبفاحشة أتيت ولا عقوق
ولكني وجدت الصبر خيرامن النعلين والرأس الحليق(384) . 384
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

* زينب بنت العوام – رضي الله عنها- :

قالت ترثي أخاها الزبير وابنها عبد الله بن حكيم الذي قتل في يوم الجمل :

أعيني جودا بالدموع فأسرعاعلى رجل طلق اليدين كريم
زبير وعبد الله ندعو لحادثوذي خلة منا وحمل يتيم
قتلتم حواري النبي وصهرةوصاحبة فاستبشروا بجحيم
وقد هدني قتل ابن عفان قبلهوجادت عليه عبرتي بسجوم
وكيف بنا أم كيف بالدين بعدماأصيب ابن أروى وابن أم حكيم(385) . 385

* صفية بنت عبد المطلب بن هاشم – رضي الله عنها - :

قالت صفية في رثاء النبي – صلى الله عليه وسلم - :

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا برا ولم تك جافيا

وكنت رحيما هاديا ومعلماليبك عليك اليوم من كان باكيا
فدى لرسول الله أمي وخالتيوعمي وخالي ثم نفسي وماليا
فلو أن رب الناس أبقى نبيناسعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحيةوأدخلت جنات من العدن راضيا(386) . 386

ومما قالته في الفخر والحماسة :

ألا من مبلغ عني قريشاففيم الأمر فينا والإمار
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لنا السلف المقدم قد علمتمولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الأخيار فيناوبعض الأمر منقصة وعار(387) . 387

* عاتكة بنت زيد - رضي الله عنها -:

شهد زوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق الطائف مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فرمي بسهم فمات منه بالمدينة , فقالت عاتكة ترثيه :

رزئت بخير الناس بعد نبيهموبعد أبي بكر وما كان قصرا
فلله عينا من رأى مثله فتىأكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضهاإلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا
فآليت لا تنفك عيني حزينةعليك ولا ينفك جلدي أغبرا
مدى الدهر ما غنت حمامة أيكةوما طرد الليل الصباح المنورا(388) . 388

ثم تزوجت الزبير بن العوام فقتل عنها , فقالت ترثيه وتخاطب عمرو بن جرموز الذي قتله غدرا :

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
غدر ابن جرموز بفارس بهمةيوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدتهلا طائشا رعش الجنان ولا اليد
إن الزبير لذو بلاء صادقسمح سجيته كريم المشهد
كم غمرة قد خاضها لم يثنهعنها طرادك يا ابن فقع القردد
ثكلتك أمك إن ظفرت بمثلهممن مضى ممن يروح ويغتدي
والله ربك إن قتلت لمسلماحلت عليك عقوبة المتعمد

وقالت في رثاء الخليفة عمر بن الخطاب :

عين جودي بعبرة ونحيبلا تملي على الإمام النجيب
فجعتني المنون بالفارس المعلميوم الهياج والتلبيب
عصمه الناس والمعين على الدهرغياث المنتاب والمحروب
قل لأهل الضراء والبؤس موتواقد سقته المنون كأس شعوب(389) . 389

إن من رحمة الله بنا أن عدّد سبل الخير الموصلة إليه ، ومن أجل ذلك أيضاً ، ولغيره عدّد أبواب الجنة ، فليس كل الناس يطيق العلم ، أو الصيام ، أو الجهاد .

ولذا فقد قرر العلماء أن الطائفة المنصورة ، أو الفرقة الناجية هي التي تنصر دين الله – عز وجل – علماء كانوا ، أم عباداً ، أم مجاهدين ، أم أطباء ، أم مهندسين ، أم مزارعين .

فانظر نفسك أي عمل تحسنه ، فوظفه في طاعة الله ، وخدمة دينه ، واحتسب الأجر منه في كل خطوة تخطوها إليه .

ولما كان الشعر ميداناً من الميادين التي يمكن أن ينشر الخير بها ، ولما كان يعد - قديماً – إحدى أهم الوسائل الإعلامية التي ينصر بها أي رأي – حقاً كان أم باطلاً - ، فقد حرص الآل والأصحاب – رضي الله عنهم – على توظيف هذه المهارة فيما يحبه الله ، ويرضاه .

فأنشدوا في حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والدفاع عن الإسلام

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والدعوة إلى الخير والتحذير من الشر

وما زالت هذه المهارة ماضية إلى يومنا هذا ، وإلى قيام الساعة من شعراء تجود قرائحهم بحسن المباني وكريم المعاني ، وبعضهم قد لا يملك غير هذا .

لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النطق وإن لم يسعد الحال

مزاح الآل والأصحاب

يقول أحمد أمين - رحمه الله - : (( ليس المبتسمون للحياة أسعد حالاً لأنفسهم فقط ، بل هم كذلك أقدر على العمل ، وأكثر احتمالاً للمسئولية ، وأصلح لمواجهة الشدائد ، ومعالجة الصعاب ، والإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس )) أ.هـ(390)

الضحك المعقول ، والسرور المحمود ، والابتسامة المشرقة من أبرز الأسباب ، وأجدى البواعث التي تدفع النفس إلى النشاط والهمة ، ومواصلة النجاح .

وعظيم العظماء ، وإمام الأنبياء – صلى الله عليه وسلم – كان قد جعل الابتسامة صفة ملازمة له ، بل هي صفة اتصف بها الأنبياء والمرسلون – عليهم السلام - .

قال تعالى في خبر نبيه سليمان – عليه السلام - : ﴿حَتّىٰ إِذا أَتَوا عَلىٰ وادِ النَّملِ قالَت نَملَةٌ يا أَيُّهَا النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمانُ وَجُنودُهُ وَهُم لا يَشعُرونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَولِها﴾ ( النمل : 18 ).

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم(391)

وقد أخبرنا – صلى الله عليه وسلم – أن الابتسامة دين ندين لله تعالى به، وخلق كريم نثاب عليه ، فقال (( تبسمك في وجه أخيك صدقة(392) )) .

والإنسان لا يمكنه أن يسع الناس ، ويكسب رضاهم بالأموال فقط ، فإنه يستطيع ذلك بحسن الخلق ، ولطيف العشرة ، وجمال الابتسامة .

قال أبو حاتم – رحمه الله - : (( البشاشة إدام العلماء ، وسجية الحكماء ، لأن البشر يطفىء نار المعاندة ، ويحرق هيجان المباغضة ، وفيه تحصين من الباغي ، ومنجاة من الساعي ، ومن بشَّ للناس وجهاً لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك )). أ.هـ(393)

وقال – رحمه الله –: (( الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح ، وترك التعبس )) .

والمزاح على ضربين : مزاح محمود ومزاح مذموم ، فأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه ما كره الله – عز وجل - ، ولا يكون فيه إثم ولا قطيعة رحم ، وأما المذموم فالذي يثير العداوة ، ويذهب البهاء ، ويقطع الصداقة ، ويجرىء الدنيء عليك ، ويحقد الشريف به )) أ.هـ(394)

والأبحاث والدراسات اليوم تؤكد أن معظم أعراض الاكتئاب أو الملل أو الضيق تنشأ من الاستغراق في العمل الجاد بصورة دائمة فيكون الإنسان ضجراً ملولا ثائراً عصبي المزاج والضحك يدفع الإنسان إلى مواصلة عمله بنشاط ونفس طيبة وكلما

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كان الإنسان أكثر هدوءاً كان أقدر على تحقيق أهدافه فالشخصية الباسمة أقرب إلى النجاح من غيرها

كن بلسمك إن صار دهرك أرقماوحلاوة إن صار غيرك علقما
إن الحياة حبتك كل كنوزهالا تبخلن على الحياة ببعض ما
من ذا يكافىء زهرة فواحة ؟أو من يثيب البلبل المترنما ؟
لو لم تفح هذي ، وهذا ما شداعاشت مذممة وعاش مذمما
أيقظ شعورك بالمحبة إن غفالولا الشعور الناس كانوا كالدمى

إننا حين نتأمل الآل والأصحاب ، وهم خير الناس بعد الأنبياء ، والرسل – عليهم السلام – نجد أنهم كانوا يفرحون ، ويضحكون ، ويمازح بعضهم بعضاً .

قال معاذ بن جبل – رضي الله عنه - : (( إن المسلمين إذا التقيا فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه ، ثم أخذ بيده تحاتّت ذنوبهما كتحات ورق الشجر )) .

ومع ما نقل عنهم من ضحك ، ومزاح إلا إن الإيمان في قلوبهم كان كالجبال الرواسي ، وكانوا لا يدعون حظهم من عبادة ،و علم ، وسعي في الخير – رضي الله عنهم وأرضاهم – لذا ينبغي لمن عرف بالمزاح ، وأحب أن يكون متزناً ، رزيناً ، وأن يحافظ على هيبته ، ووقاره .

قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - : (( من كثر ضحكه استخف به ، وذهب بهاؤه )) .

وقال بعض الحكماء : إياك والمشي في غير أدب ، والضحك من غير سبب .

رزقنا الله وإياكم إيمانا في قلوبنا ، واطمئناناً في نفوسنا .

* بعض الصحابة – رضوان الله عليهم - :

ترامي الصحابة بالبطيخ : عن بكر بن عبد الله قال : كان أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – يتبادحون بالبطيخ , فإذا كانت الحقائق كانوا هو الرجال .

قال : قلت لابن سيرين : هل كانوا يتمازحون ؟ قال : ما كانوا إلا كالناس(395) .

* عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - :

كان ابن عمر – رضي الله عنهما – يمزح وينشد :

يحب الخمر من مال الندامىويكره أن تفارقه الفلوس(396) 396

* النعيمان بن مالك الأنصاري – رضي الله عنه –

عن أم سلمة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه خرج إلى بصرى ومعه نعيمان وسويبط ابن حرملة رضي الله عنهما وكلاهما بدري وكان سويبط على الزاد فقال له نعيمان أطعمني قال حتى يجيء أبو بكر وكان نعيمان مضحاكا مزاحا فذهب إلى ناس جلبوا ظهرا فقال ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها قالوا نعم قال إنه ذو لسان ولعله يقول أنا حر فإن كنتم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوه علي فقالوا بل نبتاعه فابتاعوه منه بعشر قلائص فأقبل بها يسوقها وقال دونكم هو هذا فقال سويبط هو كاذب أنا رجل حر قالوا قد أخبرنا خبرك فطرحوا الحبل في رقبته فذهبوا به فجاء أبو بكر فأخبر فذهب هو وأصحابه إليهم فردوا القلائص وأخذوه ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فضحك هو أصحابه منها حولا(397)

وعن ربيعة بن عثمان – رضي الله عنه – قال : جاء أعرابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فدخل المسجد , وأناخ ناقته بفنائه , فقال بعض أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – لنعيمان بن عمرو الأنصاري – رضي الله عنه – وكان يقال له النعيمان : لو نحرتها , فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم , ويغرم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثمنها , قال : " فنحرها النعيمان , ثم خرج الأعرابي , فرأى راحلته , فصاح : واعقراه يا محمد , فخرج النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : " من فعل هذا ؟ " قالوا : النعيمان , فأتبعه يسأل عنه فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب – رضي الله عنهما – قد اختفى في خندق , وجعل عليه الجريد والسعف , فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول : ما رأيته يا رسول الله , وأشار بأصبعه حيث هو , فأخرجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه فقال له : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قال : الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني , قال : فجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يمسح عن وجهه ويضحك , قال : ثم غرمها رسول الله – صلى الله عليه وسلم(398) –.

* عوف بن مالك الأشجعي – رضي الله عنه - مع الرسول – صلى الله عليه وسلم - :

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال عوف بن مالك الأشجعي – رضي الله عنه – : أتيت رسول الله في غزوة تبوك , وهو في قبة من أدم , فسلمت , فرد وقال : " ادخل " , فقلت : أكلي يا رسول الله ؟ فقال : " كلك " فدخلت , قال الوليد بن عثمان بن أبي العالية : إنما قال : أدخل كلي , من صغر القبة(399) .

* عائشة –رضي الله عنها - :

عن ابن أبي مليكة – رضي الله عنه – قال : مزحت عائشة – رضي الله عنها عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالت أمها : يا رسول الله , بعض دعابات هذا الحي من كنانة , قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " بل بعض مزحنا هذا الحي(400) " .

* أبو سفيان بن حرب – رضي الله عنه - :

عن أبي الهيثم عمن أخبره أنه سمع أبا سفيان بن حرب – رضي الله عنه – مازح النبي – صلى الله عليه وسلم – في بيت ابنته أم حبيبة – رضي الله عنها – ويقول : والله , إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب , إن انتطحت فيك : جماء ولا ذات قرن , ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يضحك ويقول : " أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة(401) .

مزاح منضبط ، وضحك متزن ، ومرح مؤدب ، بهذا أدب النبي- صلى الله عليه وسلم – آله ، وأصحابه – رضي الله عنهم - .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لما كان المزاح ،والابتسامة ، والضحك غريزة لا يمكن كتمانها في الصدر ، فقد كان الآل والأصحاب يتعاملون معها باتزان دون إفراط ، أو تفريط .

فإن هيبة قدرهم ، وعلو شأنهم تجعلهم وإن تمازحوا فإن مزاحهم حق ، لا يخرجون به عن حدود المروءة ، والذوق العام .

ولو تتبعنا في سير الأعلام عبر التاريخ لوجدنا في سيرهم شيئاً كثيراً من ذلك ، فالعبوس ، وعد الابتسامة ليست من الإيمان في شيء ، وقد مر في فاتحة هذا المبحث بعض من ابتسامات النبي – صلى الله عليه وسلم - ، ووصيته بهذا الخلق .

إنها دعوة لنا جميعاً لكسر الجمود مع الناس ، ولنجعل من الابتسامة باباً نلج عبره إلى قلوبهم ، ونكسب به مودتهم ، فإنك لن تسع الناس بغضب ، ولا شدة ، ولا قسوة ، وإنما تسعهم بسلامة صدر ، وطلاقة بشر ، وحسن منطق ، والموفق من وفقه الله .

نساء الآل والأصحاب

روى مسلم في " صحيحه " من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( الدنيا متاع وخير متاع الدنيا :المرأة الصالحة(402) )) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لم تحظ المرأة بتكريم كالتكريم الذي حظيت به في الإسلام ، فلقد كرم الإسلام المرأة أما ، وأختا ، وزوجة ، وبنتاًُ في وقت كانت تعد بعض الاعتقادات المرأة روحاً نجسة ، ويعتبرها بعض العرب من سقط المتاع .

لقد أحاطت الشريعة المرأة بسياج عظيمة لتصونها صيانة بالغة ، وتحول دون فقدانها جمال خلقتها ،وروعة طبعها.

فمنع الشارع المرأة بالخلوة بالأجنبي أو أن ينظر إليها نظر ربية قال تعالى ﴿قُل لِلمُؤمِنينَ يَغُضّوا مِن أَبصارِهِم وَيَحفَظوا فُروجَهُم ذٰلِكَ أَزكىٰ لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما يَصنَعونَ وَقُل لِلمُؤمِناتِ يَغضُضنَ مِن أَبصارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُروجَهُنَّ وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ النور:30-31 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما(403)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومنعها من السفر بلا محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم(404) وشرع لها صلاتها في بيتها مع جواز صلاتها بالمسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن(405)

وغير ذلك من أسرار الشريعة ، وحكمها البالغة .

إن الشريعة منزلة من حكيم خبير ، ولذا لم تكن في يوم من الأيام سيفاً مصلتا على صانعات الأجيال ، وبانيات المجد .

إن الشريعة جاءت لحماية المرأة وحفظها لتؤدي رسالتها على أكمل وجه ، فالمرأة نصف المجتمع ، وتلد المجتمع الآخر ، فهي المجتمع كله .

والدعوى الباطلة ، والمساعي العاطلة التي كان الغرب يخطط لها في وقت مضى لتغريب المرأة المسلمة باتت مكشوفة ، قد كشف عوارها ، وأظهر زيفها المرأة قبل الرجل بالتزامها شرع الله – تعالى - ، والابتعاد عن كل ما يفسد دينها ، ويهلك قلبها ، ويسلبها عفافها ، ويصدها عن القيام بدورها .

ولذا ؛ استطاعت المرأة المسلمة اليوم أن تحقق لنا من الإنجازات العظيمة ، والأعمال الكريمة مما كنا نسمع في أزمنة العز ، وقرون الشرف .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المرأة اليوم صارت عائشة زمانها في العلم ، وحفظ القرآن والسنة .

المرأة اليوم صارت خديجة في نصرتها لدين الله .

المرأة اليوم صارت حفصة في أخلاقها ، وروعة أدبها .

المرأة اليوم صارت زينت بصدقها ، وبرها .

المرأة اليوم صارت أم سلمة بعقلها وحصافتها ، وحكمتها .

باختصار .... المرأة اليوم صارت أنشودة خالدة ترددها الألسنة يوم أن لبست أجمل حلل الشرف ، والعز ، والفخر ، والاقتداء بأمهات الآل ، والأصحاب .

فلو كان النساء كما ذكرنلفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال .

* قصة زواج الطاهرة خديجة بالصادق الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم - :

روى عبد الرزاق عن معمر , عن الإمام ابن شهاب الزهري , أنه قال : ... فلما استوى – أي رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , وبلغ أشده , وليس له مال كثير , استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة وهو سوق بتهامة، واستأجرت معه رجلاً آخر من قريش , فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يحدث عنها : " ما رأيت من صاحبة أجير خيراً من خديجة , ما كنا نرجع أنا وصاحبي إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبئه لنا(406) " .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد لمست خديجة صدق محمد – صلى الله عليه وسلم – وأمانته وكرم أخلاقه , فكانت تجزل له العطاء و ولما بلغ رسول الله خمساً وعشرين سنة , سافر بتجارة لها إلى الشام مع غلامها ميسرة , وفي الشام باع – صلى الله عليه وسلم – سلعته واشترى ما أراد , وربح ضعف ما كانت تربح خديجة , وقفل راجعاً نحو البلد الأمين مكة , فأدى لها ما عليه في أمانة تامة , ونبل عظيم , وقد حفظ الله سبحانه رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأحاطه برعايته , حتى كانت هذه السفرة بما كان فيها من الخير والبركة , ذات أثر مبارك في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم - .

وفي مكة انطلق ميسرة يحدث بما رأى من محمد – صلى الله عليه وسلم – من كرم الخلق وحسن الصحبة وعظم الأمانة , بل حدث بما رآه من إرهاصات النبوة التي لمسها وعاينها , وما أكثر ما رأى في تلك الرحلة الجميلة من خصائص كثيرة .

أدلى ميسرة أيضا بشهادته الصادقة المباركة إلى خديجة فسرت بأمانته وصدقه وما نالها من بركة وربح بسببه صلى الله عليه وسلم وكان الله سبحانه وتعالى قد كتب الكرامة وأراد بها الخير حيث ألقى في نفسها أمنية كريمة مباركة جعلتها سعيدة في الدارين وكان السادات والرؤساء في مكة يحرصون على الزواج من خديجة فتأبى ذلك عليهم وتردهم جميعاً لكنها وجدت ما تنشده وما تبغيه في محمد صلى الله عليه وسلم وهنا أفضت بما يدور في خلدها إلى صديقتها نفيسة بنت منية فذهبت نفيسة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمته أن يتزوج خديجة وقالت يا محمد ما يمنعك أن تتزوج فقال ما بيدي ما أتزوج به قالت فإن كفيت ودعيت إلى الجمال والمال

والشرف والكفاءة ألا تجيب قال فمن هي قالت خديجة قال وكيف لي بذلك قالت علي قال فأنا أفعل ورجعت نفيسة إلى خديجة تحمل خبر نجاحها في مهمتها وزفت إليها نبأ موافقة محمد صلى الله عليه وسلم فأرسلت خديجة إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها فحضر وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت خديجة في آل عبد المطلب وفي مقدمتهم عمه حمزة رضي الله عنه وعمه أبو طالب وكان في استقبالهم عم خديجة وابن عمها ورقة بن نوفل ووافق عمها عمرو بن أسد وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم وأصدقها عشرين بكرة ونحر وأطعم الناس ولم يتزوج عليها حتى ماتت(407)

* قصة خديجة مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في نزول الوحي :

تبدأ قصة خديجة مع الجنة منذ إسلامها على يد زوجها محمد – صلى الله عليه وسلم – فقد فازت فوزاً عظيما بأن أصبحت أول مسلمة من النساء .

كان أول موقف يوضح نبل خديجة ووفاءها وحكمتها وحلمها وفصاحة عقلها يوم أن نزل الوحي على حبيب الله صلى الله عليه وسلم ونترك الحديث للسيدة عائشة رضي الله عنها لتحدثنا بما حدث تقول كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فجاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني ثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ

فأخذمي فغطني ثالثة , حتى بلغ مني الجهد , ثم أرسلني , فقال : ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿ما لَم يَعلَم﴾ . فرجع بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ترجف بوادره حتى دخل على خديجة – رضي الله عنها - , فقال : " زملوني زملوني " حتى ذهب عنه الروع , فقال : " يا خديجة مالي " ؟ فأخبرها الخبر , وقال : " قد خشيت على نفسي " . فقالت له : كلا أبشر فو الله لا يخزيك الله أبداً , إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث , وتحمل الكل , وتكسب المعدوم , وتقري الضيف , وتعين على نوائب الحق .

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى , وهو ابن عم خديجة . وكان امرأ تنصر في الجاهلية , وكان يكتب على الكتاب العبراني , ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب و وكان شيخاً كبيراً قد عمي .

فقالت له خديجة : أي ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة بن نوفل : يا ابن أخي ماذا ترى ؟

وأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال ورقة هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني فيها جذعاً يا ليتيني أكون حيا حين يخرجك قومك قال أو مخرجي هم قال ورقة نعم لم يأت رجل قط

بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي(408)

* قصة أم عمارة ودفاعها بالسيف عن النبي – صلى الله عليه وسلم - :

في غزوة أحد , خرجت : أم عمارة وولداها عبد الله وحبيب وزوجها , واندفع زوجها وأولادها يجاهدون في سبيل الله , بينما ذهبت أم عمارة تسقي العطشى وتضمد الجرحى , ولكن ظروف المعركة جعلتها تقبل على محاربة المشركين وتقف وقفة الأبطال تدافع عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غير هيابة ولا وجلة وذلك عندما تفرق الناس . وتصف لنا ذلك الموقف الرهيب تلك الساعة العسرة فتقول : رأيتني وانكشف الناس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , فما بقي إلا نضير ما يتمون عشرة , وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه والناس يمرون منهزمين , ورآني ولا ترس معي , فرأى رجلا موليا ومعه ترس , فقال : " الق ترسك إلى من يقاتل " فألقاه , فأخذته وجعلت أترس به عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل , ولو كانوا رجالة مثلنا أصبناهم إن شاء الله(409) .

* قصة أم سليم في تربية ولدها على الإسلام منذ الصغر :

أسلمت أم سليم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وبايعته حين مقدمه المدينة وكان إسلامها مراغمة لزوجها مالك بن النضر والد أنس الذي كان غائباً

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقتذاك فقال لها أصبوت فقالت ما صبوت ولكني آمنت وجعلت تلقن أنساً وكان صغيراً وتقول له قل لا إله إلا الله قل أشهد محمداً رسول الله فجعل أنس ينطق بذلك فكان هذا التصرف السليم من أم سليم يثير الغضب في نفس مالك فيقول لها لا تفسدي علي ابني فتقول إني لا أفسده

ولما أيأسه أمرها , خرج عنها إلى الشام فلقيه عدو له فقتله , فلما بلغها قتله قالت : لا جرم لا افطم أنساً حتى يدع الثدي ولا أتزوج حتى يأمرني أنس(410) .

* قصة زينب الثقفية في تصدقها بحليها على زوجها ومضاعفة الأجر لها :

سمعت زينب النبي – صلى الله عليه وسلم – يحض النساء على الصدقة والتقرب إلى الله – عز وجل - , فأخذت حليا لها لتتصدق به , فقال لها زوجها عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - : أين تذهبين بهذا الحلي ؟

فقالت : أتقرب إلى الله ورسوله فقال : هلمي تصدقي به علي وعلى ولدي فانا له موضع(411) .

وتذهب زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسأله عن هذه الصدقة على زوجها وولدها فتقول يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تصدقت به عليهم(412)

وفي رواية أخرى فيها زيادة قال لها – صلى الله عليه وسلم - : " لهما أجران , أجر القرابة و وأجر الصدقة(413) " .

ورجعت زينب وقد قرت عينها بما أخبرها به النبي – صلى الله عليه وسلم – عن مضاعفة الله – عز وجل – لها الأجر في الإنفاق على زوجها وذويها .

* قصة أسماء مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في مشاركة النساء للرجال في الأجر والثواب :

اشتهرت أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية رضي الله عنها بالفصاحة وفصل الخطاب وأسماء هي رسول النساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من ذوات العقل والدين وكان يقال لها خطيبة النساء روى عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه و سلم و هو بين أصحابه فقال بأبي أنت و أمي إني وافدة النساء إليك وأعلم نفسي لك الفداء أما إنه ما من امرأة كائنة في شرق و لا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا و هي على مثل رأيي، إن الله بعثك الحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك و بإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله وإن الرجل منكم إذا أخرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم وربينا لكم أولادكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله قال فالتفت النبي صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه فقالوا يا رسول الله ما ظننا أن المرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها انصرفي أيتها المرأة و أعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها و طلبها مرضاته و اتباعها موافقته تعدل ذلك كله قال فأدبرت المرأة و هي تهلل و تكبر استبشارا(414)

* قصة عفراء مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في تمنيها الشهادة لأولادها :

كانت عفراء بنت عبيد الأنصارية – رضي الله عنها –أبناء سبعة قد أبدعوا وأحسنوا في غزوة بدر , ومن الجدير بالذكر أن ثلاثة من أولاد عفراء قد حظوا بالشهادة في بدر وهم : عاقل , وعوف , ومعوذ – رضي الله عنهم – وكان لعفراء – رضي الله عنها – موقف يثير الإعجاب , ويشير إلى إيمانها الوثيق , فقد ورد أنه لما استشهد ولداها عوف ومعوذ وعاقل وبقي معاذ , جاءت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يا رسول الله , بقي شر ولدي .

أي لأنه لم ينل الشهادة في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم لا وكأنها تريد أن ينال جميع أولادها شرف الاستشهاد في سبيل الله عز وجل وبهذا نالت

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عفراء شهادة زاكية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالت دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف على مصرع ابني عفراء فقال يرحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس الكفر(415)

* قصة سمية وأسرتها في صبرهم وثباتهم على دين الله – عز وجل - :

لا يعرف في تاريخ نساء المسلمين امرأة صبرت كسمية بنت خياط أم عمار – رضي الله عنهما – فقد جعلت الصبر شعاراً لها , ولا ريب أن الصابرين يوفون أجرهم بغير حساب , وتتحمل أنواع العنت والإرهاق , بسبب إيمانها بالله العزيز الحميد , ولم تكن سمية في نقمة العذاب وحدها , بل إن أسرتها قد لقيت الأذى معها , ومزقت السياط أجسامها . وإليك صورة من صور العذاب التي لاقاها هؤلاء البررة الأخيار , فقد ذكر ابن كثير نقلاً عن ابن إسحاق قال : كانت بنو مخزوم – يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وبأمه إذا حميت الظهيرة , يعذبونهم برمضاء مكة , فيخبرهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيقول : " صبرا آل ياسر موعدكم الجنة(416) " .

-وفي رواية : " أبشروا آل عمار و آل ياسر فإن موعدكم الجنة(417) " . فأما أمه فيقتلوها إذ تأبى إلا الإسلام – رضي الله عنها وأرضاها - .

وكان ياسر زوج سمية إذ أستشهد هذا المؤمن تحت وطأة العذاب بأيدي

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المشركين أما سمية فقد أعطيت لأبي جهل الفاسق أعطاها له عمه وكانت عجوزا كبيرة ولكنها تحملت ما لا يتحمله الأشداء واخذ أبو جهل أخزاه الله يفرغ حقده في تعذيبها رجاء أن تفتن في دينها ولكن أنى له ذلك

فقد ركنت سمية إلى الصمت ولم تجبه بحرف واحد , وكان يقول لها : ما آمنت بمحمد إلا لأنك عشقتيه لجماله , ولما يئس الفاسق من ثباتها وأثاره صبرها طعنها بحربة في قبلها فماتت شهيدة , ورضيت بذلك أن تسلم روحها لخالقها من أجله , وفازت هي وأسرتها العظيمة ببشارة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - حيث قال: : " أبشروا آل عمار و آل ياسر فإن موعدكم الجنة(418) " .

* قصة صفية يوم الأحزاب في بطولتها النادرة :

كانت صفية بنت عبد المطلب – رضي الله عنها – تخط أروع لوحات الجهاد في أجمل صورة , وذلك ضمن الحدود التي سمح لها الإسلام . وكان لها بطولة نادرة أن تتصدى امرأة لرجل وتزجره , شيء متوقع , أما أن تقتل رجلاً في وقت حرج كان الناس في فزعهم وزلزال قلوبهم فشيء عظيم ! وهذا ما حدث فعلاً مع صفية – رضي الله عنها – وكان هذا في غزوة الأحزاب وذلك عندما بدأت جموع الأحزاب حول المدينة تؤجج بنيرانها مبالغة في إدخال الرعب إلى قلوب المسلمين وإضعاف روحهم .

وفي هذا الوقت كانت صفية – رضي الله عنها – في حصن لحسان بن ثابت الأنصاري – رضي الله عنه - , وكان حسان فيه مع النساء والصبيان , فمر بهم يهودي يطوف بالحصن فاسترابت به صفية وقالت لحسان – رضي الله عنهما - : إن هذا اليهودي يطوف بالحصن كما ترى , وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من اليهود , وقد شغل رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , فانزل إليه فاقتله .

قال حسان : يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب ! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا , عندها أخذت عمودا ونزلت من الحصن وضربت به اليهودي حتى قتلته , فلما رجعت قالت : يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل . فقال حسان : ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب(419) .

* قصة زينب بنت جحش وكثرة تصدقها وطول يدها :

لم تكن أم المؤمنين زينب بنت جحش – رضي الله عنها – تحفل بالمال أو بشيء من زخرف الدنيا , بل كانت تعمل بيدها , فكانت تدبغ وتخرز وتبيع ما تصنعه , وتتصدق في سبيل الله – عز وجل - .

قال – صلى الله عليه وسلم – لنسائه يوماً وهو جالس معهن : " أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً(420) "

والمقصود أن أكثرهن صدقة سوف تلحق به بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم - , وكانت زينب بنت جحش – رضي الله عنها – أكثر نساء النبي – صلى الله عليه وسلم – تصدقاً من عمل يدها .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وظلت على هذا العمل حتى توفيت في خلافة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وكانت أول نساء الرسول – صلى الله عليه وسلم – لحوقاً به , ومما يؤثر على كثرة عطائها وتصدقها أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في خلافته أرسل لها نصيب من بيت المال مثل سائر أمهات المؤمنين وكان المبلغ اثني عشر ألف درهم فقالت :

غفر الله لعمر , غيري من أخواتي أمهات المؤمنين كان أقوى على قسمة المال . قالوا لها : هذا المال كله لك يا أم المؤمنين . قالت : سبحان الله العظيم , واستترت منه بثوب , وقالت صبوه واطرحوا عليه ثوباً وأمرت بالمال فتصدقت به على أقاربها وأرحامها والأيتام حتى قالت لها برزة بنت رافع :

غفر الله لك يا أم المؤمنين , والله لقد كان لنا في هذه الدراهم حق . فقالت لها زينب : لكم ما تحت الثوب . فكشفوا الثوب فوجدوا خمسة وثمانين درهما .. ورفعت أم المؤمنين زينب بنت جحش – رضي الله عنها – يدها إلى السماء تدعو قائلة :

" اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا " واستجاب الله لها وتوفيت ولم تترك درهماً واحداً – رضي الله عنها(421) - .

* زينب وقصة زهدها وكرمها :

كانت رينب بنت جحش – رضي الله عنها – تدبغ وتحزز وتبيع ما تصنعه وتتصدق في سبيل الله ولم تحفل بالمال أو بشيء من زخرف الدنيا وقال ابن سعد : ما تركت زينب بنت جحش درهماً ولا ديناراً كانت تتصدق بكل ما قدرت عليه وكانت مأوى المساكين(422) .

وروى ابن سعد أنه لما حمل إلى زينب المال الذي أرسله عمر بن الخطاب إليها جعلت تقول : اللهم لا يدركني قابل هذا المال فإنه فتنة ثم قسمته في أهل رحمها وفي أهل الحاجة حتى أتت عليه فبلغ ذلك عمر – رضي الله عنه – فقال : هذه امرأة يراد بها خير , موقف على بابها وأرسل بالسلام وقال : قد بلغني ما فرقت فأرسل إليها ألف درهم تستبقيها فسلكت بها طريق ذلك المال أنفقته في سبيل الله – عز وجل – رضي الله عنها وأرضاها(423) .

وحيث إنها كانت تكنى بأم المساكين لكثرة إطعامها لهم .

* قصة جويرية مع النبي – صلى الله عليه وسلم – حين تزوجها :

كانت جويرية بنت الحارث المصطلقية – رضي الله عنها – من جليلة الصحابيات في بيت النبوة , وكانت من أجمل النساء .

تقص علينا ذلك أعلم النساء عائشة رضي الله عنها فتقول لما قسم رسول الله صلى الله عليه و سلم سبايا بنى المصطلق وقعت جويرية بنت الحرث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها قالت:- أي عائشة- فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحرث بن أبى ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك في خيرٍ من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم تزوج جويرية بنت الحرث، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها وقد قدم أبوها الحارث على الرسول صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه وكانت ابنته يوم زواجها ابنة عشرين سنة(424)

* قصة أم حبيبة مع أبيها في طيها فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – لئلا يجلس عليه وهو مشرك :

قدم أبو سفيان المدينة المنورة بعد أن نقضت قريش معاهدة الحديبية بعد أن أغاروا على حلفاء المسلمين من بني خزاعة وحين وصل أبو سفيان المدينة وهو وقتها زعيم قريش دخل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها فذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فطوته أم حبيبة عنه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقال لها

يا بنية ما ادري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني ؟ .

قالت : بل هو فراش رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنت مشرك نجس .

قال : والله لقد أصابك بعدي شر .

قالت : هداني الله للإسلام وأنت يا أبي سيد قريش وكبيرها , كيف يسقط عنك دخولك في الإسلام وأنت تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر قال : يا عجباه , وهذا منك أيضاً ... أترك ما يعبد آبائي وأتبع دين محمد . وهكذا لم يمنعها حياؤها من أبيها أن توجهه بإيمان وشجاعة إلى الحق واتباع دين الإسلام ولم يلبث إلا قليلاً حتى دخل في الإسلام في يوم فتح مكة وحسن إسلامه(425) .

* قصة أم أيمن وحزنها على وفاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين زارها أبو بكر وعمر :

لما توفي رسول الله , وقفت أم أيمن حاضنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , والحزن يملأ قلبها , والدموع تفيض من عينيها , فجاشت عاطفتها البريئة , ورثته بقصيدة جميلة منها :

عين جودي فإن بذلك للدمع شفاء فأكثري من البكاء
حين قالوا الرسول أمسىفقيدا ميتا كان ذاك كل البلاء
وابكيا خير من رزئناه فيالدنيا ومن خصه بوحي السماء(426) 426

وكان هذا البكاء حين زارها أبو بكر وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – بعد وفاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .

قال أبو بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه انطلق بنا إلى أم أيمن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها فلما انتهينا إليها بكت

فقالت لها : ما يبكيك ! ما عند الله خير لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - .

فقالت : ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله – صلى الله عليه وسلم - , ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء .

فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها(427) .

* قصة أم حرام بنت ملحان شهيدة البحر مع النبي – صلى الله عليه وسلم – حين طلبت منه أن يدعو لها في الشهادة :

إنها أخت أم سليم بنت ملحان – رضي الله عنها – فهي إحدى خالات الرسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الرضاعة ! كان يدخل عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتطعمه وكانت زوجة الصحابي عبادة بن الصامت – رضي الله عنه –.

روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنة ملحان فاتكأ عندها ثم ضحك فقالت: لم تضحك يا رسول الله؟ فقال: ( أناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله مثلهم مثل الملوك على الأسرة ) . فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم . قال: ( اللهم اجعلها منهم ) . ثم عاد فضحك فقالت له مثل أو مم ذلك ؟ فقال لها مثل ذلك ، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم . قال: ( أنت من الأولين ولست من الآخرين ) . قال: قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحر مع بنت قرظة فلما قفلت ركبت دابتها فوقصت بها فسقطت عنها فماتت(428)

وهكذا نالت أم حرام بنت ملحان الجنة وخطيت بالشهادة كما أخبرها بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم -

* قصة أم الدحداح مع أبي الدحداح في إعانة زوجها في أعمال الخير :

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كانت أم الدحداح وزوجها أبو الدحداح – رضي الله عنهما – ممن أشرقت نفوسهما بنور القرآن الكريم , وكان لأبي الدحداح أرض وفيرة في مائها غنية في ثمرها , وكانت أم الدحداح – رضي الله عنها – معوانا لزوجها في أعمال الخير , فعندما نزل قل الله – عز وجل - : ﴿مَن ذَا الَّذي يُقرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا﴾(429) بادر أبو الدحداح إلى التصدق لحاله ابتغاء ثواب الله عز وجل , ومن ورائه زوجه تحصنه على ذلك طمعا بما وعد الله به عباده المؤمنين.

وكان ذلك عندما ذهب أبو الدحداح – رضي الله عنه – إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : فداك أبي وأمي يا رسول الله , إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض .

قال : " نعم يريد أن يدخلكم الجنة به " . قال : فإني إن أقرضت ربي قرضاً يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة ؟ . قال – صلى الله عليه وسلم - : " نعم " . قال : فناولني يدك , فناوله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يده , فقال : إن لي حديقتين , إحداهما بالسافلة , والأخرى بالعالية , والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله تعالى .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك قال فأشهدك يا رسول الله أني جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة قال إذا يجز بك الله به الجنة فانطلق

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبو الدحداح حتى جاءت أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول

هداك ربي سبل الرشادإلى سبيل الخير والسداد
بيني من الحائط بالودادفقد مضى قرضا إلى التناد
أقرضته الله على اعتماديبالطوع لا من ولا ارتداد
إلا رجاء الضعف في المعادفارتحلي بالنفس والأولاد
والبر لا شك فخير زادقدمه المرء إلى المعاد

فقالت أم الدحداح : ربح بيعك ! بارك الله لك فيما اشتريت , ثم أجابته أم الدحداح وأنشات تقول :

بشرك الله بخير وفرحمثلك أدى ما لديه ونصح
قد متع الله عيالي ومنحبالعجوة السوداء والزهو البلح
والعبد يسعى وله ما قدطول الليالي وعليه ما اجترح

ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم , وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر .

فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح(430) " .

* فاطمة وقصة خطبتها من علي بن أبي طالب :

اعلمي أختي الكريمة أن الخطبة فاطمة رضي الله عنها قصة مباركة ولنترك الخاطب نفسه علياً يحدثنا عن خطوات هذا الحدث المبارك قال

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خطبت فاطمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت مولاة لي هل علمت أن فاطمة خطبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لا قالت فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك بها فقلت أو عندي شيء أتزوج به فقالت إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك قال فو الله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أن قعدت بين يديه أفحمت

فوالله ما أستطعت أن أتكلم جلالة وهيبة . فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ما جاء بك ؟ ألك حاجة ؟ قال علي – رضي الله عنه - : فسكن . فقال – صلى الله عليه وسلم – لعلك جئت تخطب فاطمة ؟ فقلت : نعم . فقال : وهل عندك من شيء تستحلها به ؟ فقلت : لا , والله يا رسول الله . فقال : ما بالدرع التي سلحتكها ؟ فقلت : عندي فو الذي نفس علي بيده إنها لحطيمة ما ثمنها أربعة دراهم . فقال – صلى الله عليه وسلم - : قد زوجتكما , فابعث إليها بها فاستحلها بها قال : فإنها كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - . أقبل الحبيب – صلى الله عليه وسلم – على ابنته قائلا لها : إن عليا يذكرك فسكتت – رضي الله عنها – فزوجها(431) .

* قصة فاطمة مع علي وإنفاقهم على الفقراء والمساكين :

بلغت فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم في الفضل والزهد والإنفاق مكانة لم تسبق إليها في نساء عصرها فكانت تعطف على المساكين على حساب نفسها كيف لا وأبوها محمد صلى الله عليه وسلم كيف لا وزوجها علي رضي الله عنها كيف لا وابنها الحسن والحسين وهذا الذي حدث مع زوجها علي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والسائل فتروي ذلك عائشة أم المؤمنين فتقول

وقف سائل على أمير المؤمنين علي فقال للحسن أو للحسين : اذهب إلى أمك فقل لها : تركت عندك ستة دراهم فهات منها درهما .

فذهب ثم رجع فقال : قالت : إنما تركت ستة دراهم للدقيق . فقال علي : لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما يده . قل لها ابعثي بالستة دراهم , , فبعثت بها إليه فدفعها إلى السائل .

قال : فما حل حبوته حتى مرَّ به رجل معه جمل يبيعه . فقال علي : بكم الجمل ؟ قال : بمئة وأربعين دررهما . فقال : علي : اعقله على أن نؤخرك بثمنه شيئاً , فعقله الرجل ومضى . ثم أقبل رجل فقال : لمن هذا البعير ؟ فقال : علي : لي فقال : أتبيعه ؟ قال : نعم . قال : بكم ؟ قال: بمئتي درهم . قال : قد ابتعته . قال : فأخذ البعير وأعطاه المئتين . فأعطى الرجل الذي أراد أن يؤخره مئة وأربعين درهما وجاء بستين درهماً إلى فاطمة – رضي الله عنها - . فقالت : ما هذا ؟ قال : هذا ما وعدنا الله على لسان نبيه – صلى الله عليه وسلم - : ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثالِها﴾ . الأنعام : ( 160(432) ) .

* قصة فاطمة مع علي والعلاج النبوي :

لم يعرف التاريخ امرأة جمعت الصبر والتقى كفاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عليه وسلم فمنذ الأيام الأولى من زواجها بدأت تمارس أعمال البيت المرهقة وقتذاك ولم يستطع زوجها الزاهد المجاهد على أن يستأجر لها خادما تعينها في أعمال البيت بل قال لأمه فاطمة بنت أسد رضوان الله عليهما اكف فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخدمة خارجاً وتكفيك هي العمل في البيت والعجن والخبز والطحن غير أنه استبشر بوصول غنائم وسبابا من إحدى الغزوات ووجد ذلك فرصة مناسبة فقال لفاطمة والله لقد تعبت من سقاية الماء من البئر حتى اشتكيت صدري وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاطلبي خادماً

فقالت : وأنا والله لقد طحنت حتى أتر ذلك في يدي . ثم أتت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : " ما جاء بك وما حاجتك أي بنية " ؟ .

قالت : جئت لأسلم عليك , وأرخى عليها الحياء ستاراً فلم تطلب منه شيئاً وعادت , فقال لها علي : ما فعلت ؟ قالت : استحييت أن أسأله فرجعت فقام علي وفاطمة وانطلقا في تهيب وتردد وحياء حتى أتيا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - , وشكيا له حالهما وطلبا أن يهب لهما خادماً .

فقال لهما النبي – صلى الله عليه وسلم - : " والله لا أعطيكما , وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم , ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم " .

فرجعا وأتاهما النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد دخلا في قطيفتهما , إذا غطيا رؤوسهما تكشف أقدامهما , وإذ غطيا أقدامهما تكشف رؤوسهما , فثارا – قاما لاستقباله – فقال : " مكانكما " . ثم قال : " ألا أخبركما بخير مما سألتماني " ؟

قالا : بلى . قال : " كلمات علمنيهن جبريل , تسبحان في دبر كل صلاة عشراً , وتحمدان عشراً , وتكبران عشراً , وإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثاً وثلاثين وتحمدان ثلاثاً وثلاثين وتكبران ثلاثا وثلاثين(433) " .

ومنحت الزهراء وعلي – رضي الله عنهما – بهذه الكلمات المباركات , وبهذا الزاد الرباني الذي لزماه إلى نهاية حياتهما .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

* قصة الخنساء مع أولادها الأربع في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله :

قدمت الخنساء بنت عمرو بن الرشيد على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع قومها وأسلمت معهم , وآمنت به , وصدقت برسالته , غيرها الدين الحنيف تغييراً كاملاً . سجل لها التاريخ موقفا عظيما خالداً .

تقف في سهل القادسية الفسيح , وسط أبناء أربع , فتقول لهم وسط هدأة الليل : يا بني إنكم أسلمتم طائعين , وهاجرتم مختارين , ووالله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد , كما إنكم بنو امرأة واحدة , ما خنت أباكم , ولا فضحت خالكم , ولا هجنت حسبكم , ولا غيرت نسبكم , وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين , واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية , يقول الله – عز وجل - : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصبِروا وَصابِروا وَرابِطوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ﴾ . (آل عمران/ 200 ).

فإذا أصبحتم غدا شاء الله سالمين , فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين , وبالله على أعدائه مستنصرين , وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها , وحللت ناراً على أوراقها .

فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم

والكرامة في دار الخلد والمقامة(434)

فتقدم أولادها الأربع إلى أوائل الصفوف لمقاتلة الفرس , واحتدم القتال فامتحقوه وهم يرتجزون الشعر .

تقدم أولهم ليلقى الشهادة وهو يقول :

يا إخوتي إن العجوز الناصحة قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة بمقالة ذات بيان واضحة وإنما تلقون عند الصابحة من آل ساسان كلاباً نائحة وأنشد الثاني :

إن العجوز ذات حزم وجلدقد آمرتنا بالسداد والرشد
نصيحة منها وبرا بالولدفباكروا الحرب حماة في

وأنشد الثالث :

والله لا نعصي العجوز حرفاًنصحا وبرا صادقا ولطفا
فبادروا الحرب الضروسحتى تلفوا آل كسرى لفا

وأنشد الرابع :

لست لخنساء ولا للأخزمولا لعمر وذي السنا الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيشماض على الهوى خصم

تقدم الأربعة واحداً تلو الآخر يبذلون دماءهم زكية على أرض القادسية

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لترفرف أرواحهم مع الشهداء وتراه ما هو موقفك يا خنساء

لقد بلغها النبأ والخبر , فقالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم , وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته إنه الشرف والفخر والعظمة الذي حظيت به الخنساء , امرأة دخلت مدرسة الإسلام , فتعملت فيها كيف تبذل وتضحي في سبيله بكل شيء حتى بأولادها , فهل تعلمتم يا نساء المسلمين اليوم ؟ ! هل تعلمتم منها التضحية والفداء ! ؟

* قصة عائشة مع حفصة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

كانت عائشة – رضي الله عنها – قوية في دين الله – عز وجل – تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر , وتغضب من أجل الله – عز وجل – تخبرنا عن ذلك أم علقمة بنت أبي علقمة :

رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها , فشقته عائشة عليها , وقالت : أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور ؟ " ثم دعت بخمار فكستها(435) " .

* عائشة وقصة زهدها وكرمها :

كانت رضي الله عنها مضرب المثل في الزهد كما ضرب المثل في جودها وزهدها فلا يكاد المال يثبت بيدها لحظات إلا يكون من نصيب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفقراء وبلغ من كرمها أن وزعت مئة ألف درهم في واحد وهي سائمة ولم تترك درهما واحداً حتى قالت مولاة بريرة لها لو اشتريت لنا من هذه الدرهم لحماً فقالت لو قلت قبل أن أفرقها لفعلت(436)

أو ليست أختي الكريمة ابنة الصديق الكريمة ابنة الكريم الذي أنفق ماله كله في سبيل الله لمرضاة الله ؟

وذكر عروة بن الزبير عن كرمها وسخائها وزهدها فقال : لقد رأيت عائشة تقسم سبعين ألفا وهي ترقع درعها.(437)

أتعرفين أختي الكريمة السبب الذي جعلها بهذه الصفات لأنها عرفت حقيقة المعرفة أن الدنيا ظل زائل . كما قال ابن الجوزي – رحمه الله - : ( إخواني , الدنيا ظل زائل , وحال حائل , وركن مائل , وسم قائل , ورفيق خاذل , ومسؤول باخل , كم تعد الدنيا وكم تماطل ! كل وعدها غرور وباطل , تالله ما فرح بالدنيا عاقل .

* عائشة وقصة ورعها وكثرة عبادتها :

كانت – رضي الله عنها – تكثر من الصلاة وبخاصة صلاة الليل متأسية بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وأما صومها فكانت تصوم الدهر كما ذكر ذلك ابن الجوزي(438) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما الورع فقد احتلت فيه مكاناً علياً , واتصفت فيه بجميع أعمالها , ومن ورعها الفقهي احتجابها عن الأعمى , فقد ذكر إسحاق الأعمى قال : دخلت على عائشة فاحتجبت مني , فقلت تحتجبين مني ولست أراك ؟ قالت : إن لم تكن تراني فإني أراك(439) .

الله أكبر أختي الكريمة ما أعظم هذه المراقبة أو الإحسان , كيف بالتي تكشف حجابها أمام المبصرين , اللهم ارزقنا إياك وجميع المسلمين حقيقة هذه المراقبة .

* قصة تبشير حفصة بنت عمر بالجنة :

كانت حفصة هي واحدة من النساء اللاتي عرفت معاني العبادة الحقيقية , فكانت موصولة القلب بالله دائماً , كثيرة الذكر له سبحانه وتعالى , فاستقرت أسباب الرضا في نفسها , وعزفت عن حطام الدنيا لعلمها بأن السعادة في الدارين إنما هي لأهل الإيمان , وبخاصة أهل الطاعة والاستقامة , وبعد ذلك اجتمعت في أم المؤمنين – رضي الله عنها – صفات جعلتها من أهل الجنة , فنالت البشارة بها , وذلك بأمر جبريل – عليه السلام – بذلك , قال : ( راجع حفصة فإنها صوَّامة قوَّامة , وإنها زوجتك في الجنة(440) ) .

أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط – رضي الله عنها - :

قال البلاذري في " أنساب الأشراف " في ترجمة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط – رضي الله عنها - :

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فأما أم كلثوم فكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخرجها معه في المغازي , فتداوي الجرحى , ويضرب لها سهما , وخطبها النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى عثمان على زيد بن حارثة مولاه , فتكره ذلك عثمان وأباها , فأخبرها فقالت : لو أمرني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن أتزوج زنجياً عظيم المشافر محدد الأسنان لفعلت .

فتزوجها زيد فقتل عنها , فتزوجها الزبير بن العوام ثم طلقها , فتزوجها عبد الرحمن بن عوف الزهري , فهلك عنها , فتزوجها عمرو بن العاص وكانت معه بمصر عدة أشهر وماتت عنده – رضي الله عنهم أجمعين(441) .

هنا حططنا عصا الترحال عند شقائق الرجال ، ومربيات الأجيال ، هنا أطربنا قلوبنا بسير أمهاتنا من صالحات الأمة من نساء الآل والأصحاب .

أحببت أن أفرد للنساء مبحثاً خاصاً بهن لإظهار فضلهن ، وحسن أفعالهن بمواقف مجموعة ، وقصص مصفوفة ، وإلاّ فإن كل مبحث مما ذكر لا يخلو من امرأة شاركت الرجل في فضله ، ونافسته في خيره .

إن هذه المواقف للنساء الفضليات تحتاجها أمهاتنا ، وأخواتنا ، وبناتنا في زمن صار بعض بنات قومنا يبحثن عن قدوات غيرهن .

إن كل موقف من هذه المواقف يعد مدرسة في الدين ، والخلق ، والفضل ، ويحتاج إلى من يسبر أغواره ، ويستخرج مكنونه .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إنني على يقين تام أن هذه المواقف المضيئة وغيرها لم تخف على قطاعٍ كبيرٍ من نساء جيلنا ، ودليل ذلك ما نراه من صلاح شاع بين نساء الأمة ، وتنافس في الخير في أعمال فردية ، ومؤسسية .

لقد غدت المرأة المسلمة اليوم صورة فريدة من نوعها في تاريخ هذه الأمة ، وليس هذا أمراً مبالغاً فيه ، ويكفي أن نطلع على أعمالهن الجليلة ، وإنجازاتهن النبيلة لنعرف ما سطرن من مواقف سيسطرها التاريخ في صفحاته البيضاء بأحرف من ذهب .

نسأل الله أن يبارك في نساء الأمة ، وأن يصرف عنهن كل شر . اللهم آمين .

الخاتمة

وبعد :

فقد قدمنا لك أخي القارئ الكريم صوراً من روائع الآل والأصحاب جمعناها لك بعناية، ووضعناها لكي تخدم غاية، ألا وهي إحياء جانب القدوة والأسوة بهؤلاء العظماء، في استقراء سيرتهم وبيان مواطن العزة في حياتهم - وكلها عزة، لتحبيبهم أكثر إلى قلوب المسلمين، بجانب إشاعة روح التأسي السابق ذكرها.

وهذا غيض من فيض وقليل من كثير ونرجو أن نكون قد وفقنا في العرض ونجحنا في البيان، وقدمنا صورة مشرقة لهؤلاء الكرام.

هذا ونسأل الله التوفيق ونستمد منه العون فهو نعم المعين وخير الرازقين.

المراجع

1- الآداب الشرعية: لابن مفلح، تحقيق شعيب الأرنؤوط- عمر القيام، مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة 1417هـ-1996م.

2- الاستيعاب: لابن عبد البر، تحقيق محمد علي البجاوي، دار نهضة مصر، القاهرة، د.ت.

3- أسد الغابة: لابن الأثير، تحقيق محمد أحمد عاشور، مطبوعات الشعب، القاهرة سنة 1970م.

4- الإصابة في تمييز الصحابة: للإمام أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، سنة 1412هـ.

5- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: للإمام ابن القيم، تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، سنة 1395هـ-1975م.

6- البداية والنهاية: للإمام ابن كثير، مكتبة المعارف، بيروت، ط1، د.ت.

7- تاريخ الإسلام: للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، سنة 1407هـ-1987م.

8- تاريخ الطبري: للإمام محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، سنة 1407هـ.

9- تاريخ دمشق: للحافظ ابن عساكر، دار الفكر، بيروت، ط1، سنة 1419هـ-1998م.

10- التبيان في آداب حملة القرآن: للإمام النووي، الوكالة العامة للتوزيع، دمشق، ط1، سنة 1403هـ-1983م.

11- تفسير القرآن العظيم: للحافظ ابن كثير، تحقيق سامي محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، سنة 1420هـ-1999م.

12- تنقيح تحقيق أحاديث التعليق: لشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1998م.

13- التواضع والخمول: لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد القرشي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، سنة 1409هـ-1989م.

14- تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن: لعبد الرحمن السعدي، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، سنة 1420هـ-2000م.

15- الجامع الصحيح المختصر: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير، بيروت، ط3، سنة 1407هـ-1987م.

16- الجامع الصحيح: للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، دار الجيل، بيروت، د.ت.

17- جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري القرطبي، مؤسسة الريان، دار ابن حزم، ط1، سنة 1424هـ-2003م.

18- الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1405هـ-1985م.

19- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام: للإمام ابن القيم، دار ابن كثير، ط1، سنة 1408هـ-1988م.

20- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: للإمام أبي نعيم الأصبهاني، دار الجيل، بيروت، ط1، د.ت.

21- حياة الصحابة: للكاندهلوي، تحقيق عبد الباري طاهر وأحمد عبد الفتاح تمام، دار السلام، القاهرة، سنة 1417هـ-1997م.

22- دلائل النبوة: للإمام البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، سنة 1408هـ-1988م.

23- الرسالة القشيرية: للقشيري، تحقيق عبد الحليم محمود- محمود الشريف، دار الكتب الحديثة، القاهرة، سنة 1385هـ-1966م.

24- روضة العقلاء: لابن حبان، تحقيق محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، د.ت.

25- الزهد: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، دار الريان للتراث، القاهرة، سنة 1408هـ.

26- سنن ابن ماجه: للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، دار الفكر، بيروت، د.ت.

27- سنن أبي داود: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الكتاب العربي، بيروت، د.ت.

28- سنن الترمذي «الجامع الصحيح»: للإمام محمد بن عيسى الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت.

29- سنن الدارمي: للإمام عبد الله الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، سنة 1407هـ.

30- السنن الكبرى: للإمام أبي بكر أحمد بن علي البيهقي، طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، ط1، سنة 1344هـ.

31- سنن النسائي: للإمام أحمد بن شعيب النسائي، طبع مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، سنة 1406هـ-1986م.

32- سير أعلام النبلاء: للذهبي، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، سنة 1405هـ-1985م.

33- الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح: إبراهيم بن موسى بن أيوب البرهان الأبناسي، مكتبة الرشد، الرياض، السعودية، ط1، سنة 1418هـ-1998م.

34- شرح مسلم: لمحيي الدين النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، سنة 1392هـ.

35- شعب الإيمان: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، سنة 1410هـ.

36- صحيح ابن حبان: للإمام محمد بن حبان البستي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، سنة 1414هـ-1993م.

37- صفة الصفوة: لابن الجوزي، تحقيق محمود فاخوري- ود. محمود رواسي قلعه جي، دار المعرفة، بيروت، ط2، سنة 1399هـ-1979م.

38- صلاح الأمة في علو الهمة: لسيد عفاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة 1407هـ-1997م.

39- الطبقات الكبرى: لابن سعد، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط1، سنة 1968م.

40- طبقات خليفة: خليفة بن خياط العصفري، دار الفكر، بيروت، سنة 1414هـ-1993م.

41- فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، سنة 1379هـ.

42- فتوح الشام: للأزدي، تحقيق عبد المنعم عبد الله عامر، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، سنة 1970م.

43- في ظلال القرآن: لسيد قطب، دار الشروق، بيروت، ط7، سنة 1389هـ-1978م.

44- فيض الخاطر: لأحمد أمين، دار الثقافة، مصر، سنة 1939م.

45- لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، د.ت.

46- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للحافظ أبي بكر الهيثمي، دار الفكر، بيروت، سنة 1412هـ.

47- مجموع الفتاوي: للإمام ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، سنة 1416هـ-1995م.

48- المستدرك على الصحيحين: للإمام محمد بن محمد الحاكم النيسابوري، دار المعرفة، بيروت، سنة 1406هـ.

49- مسند البزار: للإمام أبي بكر أحمد بن عمرو البزار، مؤسسة علوم القرآن- بيروت، د.ت.

50- مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق: لابن النحاس، مطبعة بولاق، القاهرة، سنة 1242هـ.

51- المصنف: للإمام أبي بكر عبد الرزاق الصنعاني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، سنة 1403هـ.

52- المصنف: للإمام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: مكتبة الرشد، الرياض، ط1 سنة 1409هـ.

53- المعجم الأوسط: للإمام الطبراني، دار الحرمين، القاهرة، سنة 1415هـ.

54- المعجم الكبير: للإمام الطبراني، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، سنة 1404هـ-1983م.

55- معرفة الصحابة: للإمام أبي نعيم الأصبهاني، دار الوطن، الرياض، ط1، سنة 1419هـ-1998م.

56- مفتاح دار السعادة: للإمام ابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت.

57- النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير، تحقيق طاهر الزاوي- ومحمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، سنة 1399هـ 1979م.

الحاشية
النسخة المصوّرة — الثمر المستطاب في روائع الآل والأصحاب
يُحمّل المصدر المصوّر…