الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 485
لِمَنْ يُرِيدُ الإحْرَامَ؛ صَحِبَهُ رِيحُ الطِّيبِ إلَى ذَلِكَ المَكَانِ! فَكَانَ عُمَرُ لفَرْطِ تَفَقُّدِهِ لأمُورِ المُسْلِمِينَ وعَقَائِدِهِمْ، ومُرَاعَاتِهِ لَهَا، يَتَفَقَّدُ هَذَا المَعْنَى مِنْهُم فِي جَمِيعِ أسْفَارِهِ، لِعِلْمِهِ بمُخَالَفَةِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ، ويُوَاظِبُ عَلَى حَمْلِهِم عَلَى مَا هُوَ الأفْضَلُ عِنْدَهُ والأصْوَبُ لَهُ(1303)
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ لِعُمَرَ أنْ يَمنَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ التَّعَلُّقِ بفِعْلِ أمِّ حَبِيبَةَ، والأخْذِ فِي ذَلِكَ برَأيِهَا، وهُمَا مِنْ أهْلِ العِلْمِ والاجْتِهَادِ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ؟ ألا يُنَاقِضُ هَذَا مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُحَرِّجْ عَلَى أحَدٍ اخْتِيَارَهِ، ولا ألْزَمَهُ اتِّبَاعَهُ؟!
فَيُقَالُ: للمَسْألَةِ تَصَوُّرَانِ: سِيَاسِيٌّ تَشْرِيعِيٌّ ، وآخَرُ مَنْهَجِيٌّ احْتِيَاطِيٌّ .
أمَّا السِّيَاسِيُّ التَّشْرِيعِيُّ ، فَإنَّمَا جَازَ المَنْعُ لِعُمَرَ، انْطِلاقًا مِنْ كَوْنِهِ الإمَامَ الَّذِي يَخْتَارُ لِلنَّاسِ، فيَأخُذُهُم بِمَا يَرَاهُ صَوَابًا، فِي مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ أقْوَالِهِم وأفْعَالِهِم. ويُلْزِمُهُمُ الرُّجُوعَ إلَى اجْتِهَادِهِ فِي القَضَايَا الَّتِي لَهَا تَدَاعِيَاتٌ خَطِيرَةٌ، إنْ لِجِهَةِ تَصْحِيحِ عِبَادَاتِهِم، أوْ تَنْجِيزِ مُعَامَلاتِهِم عَلَى السَّوَاءِ.
وأمَّا المَنْهَجِيُّ الاحْتِيَاطِيُّ فَكَيْلا يَغْتَرَّ بِهِ الجَاهِلُ، فَيَتَوَهَّمَ أنَّ ابْتِدَاءَ الطِّيبِ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ(1304) وهُوَ أصْلٌ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ، نَوَّهَ إلَيْهِ فِي
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.