بذل الإخلاص في سيرة عمرو بن العاصالصفحة المطبوعة 96
والمرافعات والأموال المحجرة، وأنها كانت تنافس بني مناف، وهذا يدل على مكانة القبيلة في مكة وسيادتها، فنشأ عمرو وترعرع في مجتمع له سيادته ومكانته، والقبيلة التي لها سيادة ومكانة يكون لها تأثير على أفرادها، فكيف إذا كان الأب كذلك له سيادته ومكانته في القبيلة! فقد كان أبوه من عظماء الجاهلية، وأحد حكامها، وقد كانت هذه المكانة سبباً قوياً لبناء هذه الشخصية الفذة، فكيف إذا زاد عليها تعلمه للفروسية، فكان أحد فرسانها، وفصاحته وبلاغته ودهائه التي أوتيها، فكان أحد سفرائها، وتكمل شخصية الرجل ونفوذه؛ بثرائه وعدم احتياجه لأموال الآخرين، فقد كان أبوه يلبس الحرير والديباج، كما في البخاري، ولم يقتصر عمرو على تراث أبيه فقد كان يرحل للتجارة. ووفرة المال تمنح صاحبها الاستقلال بنفسه ورأيه فلا يداهن أحدا راجياً نواله، ولا يتردد في معارضته خشية انقطاع أُعْطياته.
فهذه العوامل جعلت عمرو بن العاص يختلف عن أي شخص آخر، وجعلت له ثقله في المجتمع الجاهلي والإسلامي، فقد كان في الجاهلية يُرسَل للسفارة؛ فقد أرسلته قريش إلى ملك الحبشة في شأن من هاجر إليه من المسلمين، ولا يختار في هذه المهام إلا ذو المكانة العالية. ولو نظرنا في الإسلام حيث يوليه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية ذات السلاسل بوجود أبي بكر وعمر، ويرسله إلى ملك عمان ليبلغ الدعوة، ثم يولى الإمارات من بعده من قبل الخلفاء، ولك أن تتخيل عمر بن الخطاب حينما نظر إلى عمرو بن العاص وهو يمشي فقال: لاينبغي لأبي عبد الله أن يمشي في الأرض إلا أميراً(160) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.