الكوكب الدُّرِّي في سيرة أبي السِّبطين علي رضي الله عنهالصفحة المطبوعة 110
ذلك، وبذل نصيحة له وللمسلمين، وكانت إشارة حكيمة سديدة، وتوجيهاً مخلصاً لا يصدر إلا عن مَنْ صفا قلبه، وسمت همته، وبَعُد نظره، جزاه الله عن المسلمين أفضل ما يجزى به عباده الأولياء.
وبالعكس لما طالب النصارى أن يأتي عمر رضي الله عنه إلى القدس، ويكتب صك الصلح بيده، فيسلموا إليه مفاتيح المسجد الأقصى المبارك، وكتب بذلك أبو عبيدة رضي الله عنه إلى أمير المؤمنين أن فتح بيت المقدس متوقف على قدومه، فجمع كبار الصحابة واستشارهم في ذلك، فأشار عثمان بن عفان رضي الله عنه بأن لا يركب إليهم، ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم.
ولكن علياً رضي الله عنه أشار عليه بالتوجه إلى القدس، لما في ذلك من شرف تاريخي خالد لا يتأتى لكل واحد، وفي كل حين، ولأن فيه تخفيفاً على المسلمين، فأعجب عمر رأي علي رضي الله عنهما، واستعد للرحلة، واستخلف علياً رضي الله عنه في أمور الخلافة، وتوجه في رجب سنة 16هـ إلى الشام(317) .
إن كثرة مشاورة عمر لعلي رضي الله عنهما، وغيره من الصحابة، لا يعني هذا أنه دونهم في الفقه والعلم، فقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة تدل على سعة علمه، واكتمال دينه، ولكنه إيمانه وحبه للشورى، وتعويده للحكام فيما بعد على المشاورة، وعدم الاستبداد بالأمر والرأي، وإلا فإن علياً رضي الله عنه كان كثيراً ما يرجع عن رأيه إلى رأي عمر رضي الله عنه(318) , حيث ورد عنه رضي الله عنه أنه قال: يشاورني عمر في كذا، فرأيت كذا، ورأى هو كذا، فلم أر إلا متابعة عمر(319) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.