الدُّر الثمين من سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهاالصفحة المطبوعة 41
من حِكم تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
لعله من حكمة الله في الأمور الدينية والدعوية أن تتعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وتتعدد صلات المصاهرات بينه وبين مختلف القبائل في الجزيرة العربية، ولعل أكبر مصلحة دينية ودعوية في تعدد أزواجه صلى الله عليه وسلم، وزواجه من عائشة في السن المبكر هو أن مئات من الرجال قد سنحت لهم الفرصة لنيل شرف صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاقتبسوا من أنوار فيوضه، وارتووا من منهله العذب الفياض، واستضاؤوا من أنواره، وبلغوا قمة العز والسعادة والشرف.
أما النساء فلم يتيسر لهن ذلك، ولم تتوافر لديهن هذه الفرصة، نظراً إلى الفرق في الفطرة والجبلّة، وبالتالي فكان حظهن أقل بكثير من حظ الرجال ونصيبهم إلا الزوجات المطهرات فقد متعهن الله بهذه النعمة الكبيرة وأكرمهن بهذه السعادة العظيمة، وكان بإمكانهن أن يشاركن الرجال في هذه السعادة، ثم يقمن ببث هذه السعادة ونشرها وإبلاغها إلى صنف النساء، ويكنّ سفراءه صلى الله عليه وسلم إلى سائر نساء العالم، ويقمن بإعادة سيرته المطهرة، ينشرن تفاصيلها للناس، كأن الوحي لم ينقطع، وكأنهن من أنواره في شمس لا يُلِمّ بها أفول.
هذا وقد كانت الأزواج المطهرات اللاتي تزوجهن الرسول صلى الله عليه وسلم وأكرمهن الله تعالى به استفدن من فيوض النبوة وبخاصة عائشة رضي الله عنها، ولما دخلت في سن طلب العلم والدراسة غشيتها أنوار السعادة، وأخذت بها إلى دار مباركة، ألا وهي دار النبوة والرسالة، ولم يكن كل ذلك إلا لكي تبرز شخصيتها، وتصبح منارة نور وهداية، ومنبع خير وبركة تستقي منها النساء، ويرجعن إليها في كل ما تراجع فيه السنن النبوية من شؤون عامة وخاصة.
وكان أبوها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعلم قريش بأنسابها وبالشعر(78) ، وكان مستشاراً في الأنساب لشعراء الإسلام الذين انبروا للدفاع عن دينهم ورسولهم بأبلغ عبارة وأصدق بيان ضد من يحاولون النيل من شعراء قريش(79) ، فترعرعت عائشة في حضن هذا الوالد العظيم، وكانت بنت أبيها في أكثر من خصلة، ولكنها كانت أشبه ما تكون به في صفة الذكاء المتوقد، والبديهة الواعية، ولم تقصر فيها عن شأوه، بل لا نحسبها قصرت عن شأو واحد من معاصريها من الرجال والنساء على السواء في سرعة الفهم، وقدرة التحصيل، والإحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها، فكانت تقتدي بأبيها في حفظ الأخبار والأنساب، وكانت توّاقة إلى معرفة تواريخ الأمم. وغزارة العلم بيّنة في لغة السيدة عائشة، فقد كان لها أسلوب في اللغة لا يتهيأ بغير محصول كبير من أخبار العربية التي تستقى من أعرق مصادرها، وذلك لأنها كانت قد قبست من ميراث طِباع ومَلَكات أبيها الأدبية والشعرية(80) ، وذوقه الرفيع وجودة القريحة.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.