الدُّر الثمين من سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهاالصفحة المطبوعة 25
الفصل الأول: الزواج الميمون
كانت السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه، وقد بنى بها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في نحو الخامسة والعشرين، وهي في نحو الأربعين، وقد سعدت بالبقاء معه صلى الله عليه وسلم زهاء خمس وعشرين سنة إلى أن أوفت على الخامسة والستين فاستأثرت بها رحمةُ الله تعالى في شهر رمضان في السنة العاشرة بعد البعثة، أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، وكان سن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خمسين سنة.
لقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها أول من آمن به صلى الله عليه وسلم وأول مَنْ أسلم على وجه الأرض، وكانت نعم القرين له في السراء والضراء، وقد أغدقت عليه من حنان الأمومة ما فاته في بواكير الطفولة، وأدركه عطفها وهو يعالج من نوازع الدعوة النبوية ثورة مقيمة مقعدة في سريرة النفس، لا تزال بين الجلاء والغموض وبين الإقدام والإحجام. ولما توفيت رضي الله عنها، لم يُعرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه حزن على أحدٍ قط أشد من حزنه عليها، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكراها، حتى إنه قد صعبت عليه الحياة من شدة ما أصابته من هموم الوحدة والتفرد، فشق ذلك على صحابته المخلصين رضي الله عنهم وآلمهم ما لحظوه من حزن النبي صلى الله عليه وسلم على زوجه العزيزة عليه، فجاءت خولة بنت حكيم رضي الله عنها – امرأة عثمان بن مظعون(35) - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال مَن؟ قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً قال: ومَن البكر ومَن الثيب؟ قالت: أما الثيب فهي سودة بنت زمعة، وأما البكر فهي بنت أحب الخلق إليك، عائشة بنت أبي(36) بكر الصديق رضي الله عنه.
قال «فاذكريها لي» فأتت بيت أبي بكر وذكرت ذلك له، - وكان الناس في الجاهلية لا يتزوجون بنات إخوانهم بالتآخي، ويظنون أن المؤاخاة تمنع قرابة المصاهرة مثل بنات الأشقاء – فقال لها أبو بكر: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه؟ فرجعت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فقال: «ارجعي فقولي له: إنه أخي في الدين، وهي لي حلال»(37) فلما علم ذلك أبو بكر قَبل.
هذا وكانت عائشة مخطوبة قبل ذلك لجبير بن مطعم بن عدي، فتحرَّج أبو بكر من نقض خطبته قبل مراجعته فيما ينويه، فلقي أبا الفتى، فأقبل الأب على امرأته يسألها ما تقولين؟ - وكانت أسرة جبير لم تعتنق الإسلام ذاك الحين - فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصب صاحبنا - مدخله في دينك الذي أنت عليه - إن تزوج إليك!(38) .
وعائشة رضي الله عنها كانت صبية في سنها الباكر، وقد تصدر منها بعض الأعمال والحركات التي لا ترضى بها أمها، فتعاقبها عليها، ويرى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيحزنه، فيقول لأمها «يا أم رومان استوصي بعائشة خيراً واحفظيني فيها»(39) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.