الأيام الأخيرة من حياة الخليفة الراشد عثمان بن عفان
مركز البحوث والدراسات بالمبرة
في
مبرة الآل والأصحاب
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر
250,8 الصبحي، محمد بن غبان.
الأيام الأخيرة من حياة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه
/ محمد بن غبان الصبحي. – ط1- الكويت
مبرة الآل والأصحاب، 2011
216 ص؛ 24 سم. – (سلسلة مرويات تحت المجهر؛ 1)
ردمك: 4-8-955-99906-978
1- الصحابة والتابعون 2- المهاجرون والأنصار
أ. العنوان ب- السلسلة
رقم الإيداع: 549/2009
ردمك: 7-5-955-99906-978
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
1432هـ / 2011م
مبرة الآل والأصحاب
هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
E-mail: almabarrh@gmail.com
www.almabarrah.net
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الموضوع | الصفحة |
|---|---|
| المقدمة | 11 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مصادر مرويات في الأيام الأخيرة من حياة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه | 23 |
| لمحات من سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه من الولادة إلى الشهادة | 32 |
| الاسم والنشأة | 32 |
| إسلامه | 33 |
| صبره وهجرته | 34 |
| بذله وعطاؤه في الإسلام | 35 |
| جهاده | 36 |
| إخباره صلى الله عليه وسلم بالفتنة وأن عثمان رضي الله عنه على الحق | 36 |
| تاريخ بدء الفتنة | 39 |
| إخباره صلى الله عليه وسلم باستشهاد عثمان رضي الله عنه | 41 |
| توجيهات نبوية لعثمان رضي الله عنه بعضها سرية في أمر الفتنة | 43 |
| عثمان رضي الله عنه خليفة للمسلمين | 45 |
| حذر وترقب | 48 |
| مسوغات الخروج على عثمان رضي الله عنه | 49 |
| تمهيد | 49 |
| أولاً: ما صح أن الخارجين سوغوا خروجهم عليه به أو عابوه عليه | 50 |
| أولاً: قولهم بعدم شهوده غزوة بدر | 50 |
| ثانياً: توليه يوم أحد عن المعركة | 54 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| ثالثاً: ادعاؤهم تخلفه عن بيعة الرضوان | 56 |
| رابعاً: حميه الحمى | 59 |
| خامساً: جمع القرآن | 62 |
| سادساً: إتمام الصلاة في منى | 74 |
| ثانياً:- ما روي في ذلك ولم يصح إسناده | 78 |
| ضرب عمار بن ياسر | 78 |
| ما اشتهر من ذلك وليس له إسناد | 83 |
| أولاً: عدم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر | 83 |
| ثانياً: ضياع الخاتم | 88 |
| ثالثاً: رده للحَكَم وابنه مروان إلى المدينة | 90 |
| رابعاً: نفي أبي ذر رضي الله عنه | 92 |
| عودة أبي ذر رضي الله عنه إلى المدينة | 95 |
| مثيرو الفتنة وبدؤها | 100 |
| أولاً: مثيرو الفتنة | 100 |
| ثانياً: قدوم أهل الأمصار | 110 |
| يوم الدار وقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه | 116 |
| أولاً: وصف الدار | 116 |
| ثانياً: بدء الحصار | 118 |
| ثالثاً: المفاوضات بين عثمان ومحاصريه | 121 |
| رابعاً: دفاع الصحابة عنه، ورفضه لذلك | 131 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| خامساً: القتال يوم الدار | 142 |
| سادساً: آخر أيام الحصار وفيه الرؤيا | 143 |
| قتله رضي الله عنه وقاتله | 147 |
| أولاً: صفة قتله رضي الله عنه | 147 |
| ثانياً: تاريخ قتله | 154 |
| ثالثاً: سنُّه عند استشهاده | 161 |
| رابعاً: قاتله | 165 |
| خامساً: جنازته والصلاة عليه ودفنه | 170 |
| متفرقات عن الفتنة | 174 |
| أولاً: ما أثر عن الصحابة في أثر قتل عثمان رضي الله عنه | 174 |
| ثانياً: نقد بعض كتابات المعاصرين عن الفتنة | 181 |
| الخاتمة | 187 |
| المراجع | 193 |
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلّا وَأَنتُم مُسلِمونَ(1) ﴾ .
﴿ يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنها زَوجَها وَبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثيرًا وَنِساءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَساءَلونَ بِهِ وَالأَرحامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيكُم رَقيبًا(2) ﴾ .
﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقولوا قَولًا سَديدًا يُصلِح لَكُم أَعمالَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا(3) ﴾ .
أما بعد(4) : فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة(5) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبعد: فإن الدراسة المثمرة للتاريخ، تكون لهدف صحيح، ويجب أن يكون التاريخ المعتمد لذلك، تاريخاً صحيحاً، من حيث نقله، وإلا فستكون الثمرة ثمرة فاسدة.
ولا يكون التاريخ صحيحاً إلا إذا استُمِد من المصادر الموثوقة الصحيحة، التي في مقدمتها كتاب الله العزيز، الذي ﴿ لا يَأتيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلا مِن خَلفِهِ ۖ تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ حَميدٍ(6) ﴾ ففيه مادة تاريخية واسعة، متنوعة العصور، تتناول عدداً من الحوادث، وتتعمق- أحياناً- في تفصيلات دقيقة.
ويلي هذا المصدر الموثوق، ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث، فإنها تحتوي على معلومات تاريخية، عن بعض الأمم السالفة، وعن عصر السيرة(7) .
أما المصدر الثالث، من مصادر التاريخ الموثوقة، فهو: الروايات التاريخية المسندة الثابتة؛ التي يرويها أصحاب المصنفات المسندة والتي منها: كتب الحديث، وكتب التاريخ، والكتب التي خُصصت لتراجم الرجال؛ يروونها بأسانيدهم الصحيحة إلى شاهد العيان.
هذه هي مصادر التاريخ الموثوقة(8) التي يجب على كل باحث، في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الخلفاء الراشدين، أن يستقي معلوماته منها.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعليه أن يتجنب الروايات الواهية، والموضوعة، ليكون بناؤه التاريخي سليم القواعد، صالحاً للتحليل، واستمداد العبر منه، والوصول إلى قوانين العمران، وسنن الاجتماع.
وأصدق، وأصلح تاريخ لذلك هو تاريخ الأنبياء، وفي مقدمتهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخ خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
فإن هذا التاريخ، تاريخٌ سليم من الشذوذ، والأمراض الاجتماعية، والفكرية، ومن الأهواء والتطرف.
هذا هو طابعه العام، أما ما وقع في أواخر هذه الفترة، من فتن وحروب، فعلى فرض صحة ما صورته الروايات التاريخية، فإنه لا يعمم الحكم عليها، مع أنه قد أدخل فيها الكثير من الدس، والتحريف، ثم أبرز وأشيع.
فشاعت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، وموقعة الجمل، وصفين، والتحكيم، شيوعاً أعظم مما كان فيها من مواضع القدوة، وما كان فيها من العدل والإنصاف، والمثل العليا في تحقيقها، وأكثر مما كان من قصص أولئك المؤمنين الصادقين الأبرار، مما يبين قوة إيمانهم، ويقينهم، وتعلقهم بخالقهم، مما يزيد الإيمان ويحسن الاقتداء بهم(9) .
لقد طغت شهرة هذه الفتن، على هذه المعاني السامية، من حيث الانتشار، فلا يكاد يعلم الكثيرون عن هذه الفترة إلا الفتن التي حدثت في آخرها.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعسى الله أن يقيض لإبراز هذه الجوانب النيرة في ذاك العصر أحداً ممن يحب، ليؤكدوا صلاحيته للقدوة والاقتداء، ويكشفوا عن دور الداسِّين عليه المشوهين صورته الحسنة بالأخبار السيئة المكذوبة المتزيدة.
فإن هذه الفتن، لم تشع فحسب، بل زيد فيها الكثير، وحرف منها شيء غير قليل، وشُوِّه أكثرها، حتى ظهرت تلك الحوادث مشوهة، دعت كثيرين إلى تجنب الحديث عنها، باعتبارها مما شجر بين الصحابة(10) عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا...»(11) .
فإن «من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذينَ جاءوا مِن بَعدِهِم يَقولونَ رَبَّنَا اغفِر لَنا وَلِإِخوانِنَا الَّذينَ سَبَقونا بِالإيمانِ وَلا تَجعَل في قُلوبِنا غِلًّا لِلَّذينَ آمَنوا رَبَّنا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحيمٌ(12) ﴾ وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»(13) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويتبرؤون من الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير من وجهه، والصحيح منه، هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم، عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم - إن صدر- حتى إنهم يغفر لهم من السيئات، ما لم يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم..»(14) .
وهم يعلمون: أن الله حفظ لنا الدين، بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم الذين نقلوه إلى الجيل الذي لقيهم، ومن ثم انتقل إلينا عبر الأجيال، جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا؛ كما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلا أن أعداء الإسلام، لما جهدوا فعجزوا عن تشكيك المسلمين بعقيدتهم، ودينهم الصحيح، عمدوا إلى الطعن في نقلته الأخيار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام مالك عن أمثال هؤلاء: «إنما هؤلاء أقوام، أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين»(15) .
ويقول أبو زرعة: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 16هذا القرآن والسنن؛ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب، والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة»(16)
فعمد هؤلاء المغرضون إلى الفتن، التي حدثت بين الصحابة، وأحاطوها بالكذب والافتراء، والتزييف، والتزيّد وجعلوا منها وسيلة إلى الطعن في الصحابة رضي الله عنهم.
ومن تلك الفتن: مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ونجح القوم في تحقيق شيء من بغيتهم، فانطلت حيلتهم على كثيرين، وتخيلوها من خلال الروايات الضعيفة المكذوبة، التي يرويها الهلكة، والمتروكون، ومن ثم أحجموا عن دراستها وجمعها ظناً منهم أنها مما شجر بين الصحابة، وأخذ أفراخ أولئك الأعداء يحاجون المسلمين، ببعض المواقف المستقاة من تلك الروايات المكذوبة، فمن المسلمين من يبهت، ويسكت، ومنهم من يتلمس الأعذار، ولم يناقش في أسانيد تلك الأكذوبات، إلا عدد قليل من الأئمة؛ أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولم أقف على كتاب جمع مرويات هذه الفتنة ودرس أسانيدها، ومَيَّز صحيحَها من ضعيفِها، ثم بَنَى على الروايات الصحيحة صورة صحيحة حقيقية لها.
فقمت بذلك في هذا الكتاب -قدر الجهد والاستطاعة- مما أظهر لي أن هذه الفتنة، لا تعد مما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم، وإنما هي مما شجر بين الصحابة، وأناس ليسوا من الصحابة، كما أوضحت موقف الصحابة الحقيقي تجاه عثمان رضي الله عنه وقتله، وأن أحداً من الصحابة لم يشترك في التحريض عليه، فضلاً عن قتله، ولم يخرج أحد من الصحابة عليه، اللهم اجعل جنة الفردوس مأوانا ومأواهم، واحشرنا جميعاً تحت لواء خير أوليائه محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وليس معنى هذا أن السلف أغفلوا دراسة هذه الفتنة عموماً، فقد بذل أهل السنة والجماعة جهوداً عظيمة، في توضيح صورتها على حقيقتها والرد على تلك الروايات الباطلة، التي شوهت صورتها، وكشف زيفها كابن تيمية في منهاج السنة، وابن العربي في العواصم من القواصم، فجزاهم الله خيراً، وأجزل لهم المثوبة.
إلا أن الموضوع كما أسلفت، لم يستكمل البحث فيه، من جهة دراسة أسانيد تلك الروايات، والبناء على صحيحها، والتحذير من ضعيفها، مع كشف عللها وبيان سبب ضعفها، وهذا العمل فيه دفاع عن العقيدة، وتصحيح لجانب من جوانبها، ألا وهو حب الصحابة، وإنزالهم منزلتهم التي أنزلهم ربهم.
وقد تنبه إلى هذا الأمر، أساتذة فضلاء دعوا إلى تنقية الروايات الواردة في فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه على منهج المحدِّثين، في نقد الروايات، وذلك بدراسة أسانيدها، ومتونها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ثم البناء على ما صح منها.
وكان من هؤلاء الأساتذة: الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري، فقد اقترح عليَّ الكتابة في هذا الموضوع على هذا المنهج، فوافق ذلك رغبة في نفسي لعدة أسباب منها:
أولاً: رغبتي في الذبِّ عن الصحابة، وإظهار براءة من اتُّهم منهم، ودفع الشبهات التي ألصقت بهم رضي الله عنهم، لأن محبتهم توجب ذلك، لا سيما وقد ظهر من يقدح فيهم بالباطل، يقول ابن تيمية: «إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلا بد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل(17) » ولا يعد ذلك، مما نهينا عنه، من الخوض فيما شجر بينهم، بل هو إظهار للحقيقة التي تدفع عنهم ما ألصق بهم من باطل.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثانياً: التنبيه على أن هذه الفتنة ليست مما شجر بين الصحابة، كما هو المشهور عند الكثيرين.
ثالثاً: رغبتي القوية في تأصيل الصورة الصحيحة، وتصحيح المفاهيم بحقيقة هذه الفتنة، على أسس صحيحة قوية مبنية على نقد الأسانيد والمتون.
رابعاً: استجابتي لحث العلماء، على تصحيح التاريخ الإسلامي، وتخليصه مما علق به من شوائب، باستخدام منهج قوي ومتين، ليتهيأ للمربين، فيربون عليه أجيال المسلمين تربية صحيحة.
خامساً: حبي الشديد لدراسة الأسانيد ومتونها.
هذا وقد اعتمدت في إعداد هذا البحث منهجاً يعين على بناء صورة تاريخية صحيحة، وهو منهج المحدثين في التعامل مع الروايات، فقمت بجمع روايات الفتنة، من بطون كتب الحديث، والتاريخ العام، وتواريخ المدن، وكتب التراجم والطبقات؛ وغيرها من المصادر المسندة للروايات.
ثم قمت بتصنيف هذه الروايات، التي بلغ عددها ما يربو على ألفي رواية ودمجت المكررات، مع الإشارة إلى الفروق بينها من جهة الإسناد والمتن.
ثم درست هذه الأسانيد، فتميز لديَّ صحيحها من ضعيفها، ثم اعتمدت الروايات الصحيحة، فشكلت من صحيحها صورة تكاد تكون متكاملة عن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه.
ثم جمعتها مخرجة بطرقها، ودراسة أسانيدها في قسم ألحقته بآخر الرسالة، لأتيح للقارئ متابعة النتائج التي توصلت إليها، وليقف على تراجم رواة الروايات التي حكمت عليها صحة وضعفاً.
واعتمدت بعض الروايات المرسلة، والضعيفة في بعض المسائل التاريخية، التي لا علاقة لها بالعقيدة، ولا الشريعة لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة؛ كما في تاريخ قتله، وسنه عند استشهاده، ونحو ذلك، ففي مثل هذه الموضوعات، آخذ بأصح ما رُوي منها، وقد أدرس متونها وأقابلها بالروايات الصحيحة، فأقدم ما ترجح لدي، مع ذكر أسباب الترجيح.
وإلا فإني أطبق ما أعلمه من قواعد مصطلح الحديث دون تساهل، وذلك في ما له علاقة بالعقيدة، أو الشريعة مع تحفظ شديد، فقد يظهر للمطالع -أحياناً- أن الخبر لا علاقة له بذلك، ثم مع التأمل تظهر علاقته، لذا فإني أراعي ذلك وأتأمل الرواية قبل دراستها.
وتطبيق منهج المحدثين، هو المنهج الذي أراه مناسباً، لنقد روايات التاريخ الإسلامي، وخاصة السير وعصر الخلفاء الراشدين منه، وأخص الفتن التي حدثت ابتداءً من مقتل عثمان رضي الله عنه ثم الجمل وصفين؛ لسلامة أسسه في النقد، وجودة نتائجه.
ونجد أن بعضاً من غير المتخصصين في التاريخ قد رفضوا هذا المنهج(18) فجانبوا الصواب، ولا حجة لهم؛ بأن السلف لم يعتمدوا هذا المنهج، في نقد الروايات التاريخية، لأنهم أعملوه كابن كثير فقد حكم على بعض الروايات بالصحة، وعلى أخرى بالضعف، وغيره كثير، كما ستراه منقولاً عنهم في هذه الرسالة.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد نادى باستخدام هذا المنهج في التاريخ، وبالأخص في فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه مجموعة من الأساتذة المتخصصين في التاريخ من المعاصرين منهم: محب الدين الخطيب(19) وصادق عرجون(20) ويوسف العش(21) .
وذلك لمعرفتهم بمنهجي المحدِّثين والغربيين، في نقد الروايات التاريخية، مما جعلهم يؤثرون منهج المحدثين؛ لقوته وصلاحيته لذلك، ولا شك أن من لم يستوعب هذا المنهج، ولم يعرفه، يصعب عليه التسليم به، فضلاً عن تبنيه والعمل به.
وإني لأدعو كل من يتردد في قبول هذا المنهج الأصيل، إلى التجرد أولاً، ثم إلى دراسته وتأمله، فإنه سيصل إلى ما وصل إليه غيره ممن دعوا إليه.
هذا وقد أثر عن السلف الصالح، ما يبين مكانة الإسناد في الدين الإسلامي، من ذلك: ما صح عن محمد بن سيرين أنه قال: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» وقوله: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم»(22) .
وفي ذلك يقول عبد الله بن المبارك: «الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»(23) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومن الدين حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلامة القلوب تجاههم، فهم الذين حملوه إلينا صافياً نقياً، كما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم بل إن أهل السنة والجماعة جعلوا ذلك أصلاً من أصولهم كما تقدم.
يقول الطحاوي: «وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان»(24) .
وقال محمد بن حاتم بن المظفر: «إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة، وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديماً وحديثاً إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم»(25) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعله سُلَّماً إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم.
وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات، يؤثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل، وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما يظهر الصبح لذي عينين»(26) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وذكر ابن حزم أن نقل الثقة عن الثقة، حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجد عند غير المسلمين، وأن المبادئ الأساسية للإسلام، والشريعة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق به من الأحكام، كلها ثابت بهذا النوع من النقل(27) .
يقول الدكتور/ محمد أبو شهبة: «ولا أكون غالياً، أو متعصباً إذا قلت: إن الأصول التي وضعها علماء أصول الحديث لنقد المرويات، هي أرقى وأدق ما وصل إليه العقل البشري في القديم والحديث...»(28) .
ويقول أبو حاتم الرازي: «لم يكن في أمة من الأمم، منذ خلق الله آدم، أمناء يحفظون آثار الرسل، إلا في هذه الأمة»(29) .
وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني إلى تجلية هذا الحديث العظيم تجليةً وافية تبرز أحداثه على حقيقتها، دون نيل في أحد من الصحابة، وأن يجد القارئ فيها ما لم يجده في غيرها، من التحقيق والتمحيص.
وأسأل الله العلي العظيم أن يجزل المثوبة لكل من أعانني على إتمام هذا الكتاب، وأن يعوضهم عما بذلوه من وقت وجهد، وأن يجعله في ميزان حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مصادر مرويات في الأيام الأخيرة من حياة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه
إن المصادر التي تناولت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه تنقسم إلى قسمين؛ منها ما هو عن الفتن عامة، ومنها ما هو عن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه خاصة، وسأذكر فيما يلي المصادر المفقودة التي لم أطلع عليها، ثم أذكر بعض المصادر التي استفدت منها في إعداد هذا البحث:
أما المصادر المفقودة التي ألفت عن الفتن عامة فمنها:
1- كتاب (الفتن) لعثمان بن أبي شيبة، المتوفى سنة 227هـ(30) .
2- كتاب (الفتن) لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المتوفى سنة 235هـ(31) .
3- كتاب (الفتن) لإسماعيل بن عيسى العطار البغدادي(32) سنة (232هـ).
وأما المصادر المفقودة التي ألفت عن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه خاصة فمنها:
1- كتاب (الشورى) ومقتل عثمان لأبي مخنف لوط بن يحيى المتوفى سنة:157هـ(33) .
2- (مقتل عثمان) لأبي عبيدة معمر بن المثنى التميمي المتوفى سنة:210هـ(34) .
3- كتاب
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 24(مقتل عثمان بن عفان) للمدائني أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي يوسف المتوفى سنة: 215هـ(35)
4- (مقتل عثمان) لعمر بن شبة بن عبيد بن ريطة (أبو معاذ) المتوفى سنة: 262هـ(36) .
5- (سيرة عثمان) للعياشي أبي النظر محمد بن مسعود، المتوفى سنة: 320هـ(37) .
6- (المقتل) لأبي الحسن محمد بن إبراهيم بن يوسف بن أحمد بن يوسف الكاتب، ولد سنة 281هـ وكان فقيهاً وله عدة كتب منها هذا الكتاب(38) .
7 - كتاب (المقتل) لعيسى بن مهران(39) وهو (رجل سوء) كما قال الدارقطني(40) و(كذاب) كما قال أبو حاتم(41) .
وهذه الكتب كلها مفقودة، لم يصلنا منها إلا نقولات عن بعضها يسيرة عند الطبري، وغيره، ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن سعد وسائر المصادر التي استقيت منها روايات الفتنة عدا الطبري، لم تنقل من كتاب أبي مخنف شيئاً من الروايات؛ فلعلهم أعرضوا عنه، لما فيه من كثرة الدسّ، والتحريف؛ كما هي عادته(42) .
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أما المصادر التي استفدت منها في إعداد هذا الكتاب، فمنها مصادر أولية، ومنها مصادر ثانوية:
أما المصادر الأولية، فمنها:
1- كتاب (الطبقات) لابن سعد، وهو كتاب نفيس للغاية، تتقدم أسانيده مروياته، وتتصف بالعلو، لأن مؤلفه توفي في أوائل القرن الثالث الهجري؛ سنة 230هـ مما جعل إسناده سهل الدراسة والتحقيق، كما أن غالب رجال أسانيده معروفون، ولهم تراجم، عدا أكثر شيوخ شيخه الواقدي(43) .
ومن الجدير بالذكر، أن ابن سعد لم يرو عن سيف في طبقاته عن الفتنة إطلاقاً، ويبدو لي أن ذلك قد يرجع إلى أحد أمرين:
الأول: أنه لم يطلع على روايات سيف بن عمر التميمي عن الفتنة.
الثاني: أنه اطلع عليها، ولم يأنس لأسانيدها، التي تتسم بالإرسال -غالباً- ولم يتسامح معه كما تسامح مع شيخه الواقدي الذي يشابهه إلى حدٍّ كبير في ذلك، وإن كان يوجد في روايات الواقدي عدد لا بأس به من الروايات التي يظهر أنها متصلة الأسانيد.
وتتسم روايات ابن سعد، بالاعتدال غالباً، إلا ما يرويه من طريق شيخه الواقدي، فلا اعتدال فيه ولا كرامة، بل يتسم بالغلو المفرط في تشيين مواقف الصحابة رضي الله عنهم.
2 - كتاب (التاريخ) لخليفة بن خياط، المتوفى سنة 240هـ ويعدّ من أحسنها، ونجد أن مصنفه يسند رواياتِه، وقد يهملها أحياناً.
ويشابه تاريخ خليفة إلى حدّ كبير، طبقات ابن سعد، إلا أنه يفوقه في سلامة متون رواياته، من حيث إبراز الفتنة، بالصورة الصحيحة، النقية، السالمة من تشويه مواقف
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 26الصحابة رضوان الله عليهم وتمتاز طبقات ابن سعد على تاريخ خليفة بكثرة الروايات عن الفتنة.
3- (تاريخ الأمم والملوك) لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ، وكان دور الطبري في كتابه هذا، هو الجمع المستفيض، فقد حوى في كتابه عدة كتب(44) مفقودة.
وبعد استقراء روايات الطبري، عن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه نتج لدي أن موارده فيها هي:-
أ - بلفظ (حدثني): - أحمد بن إبراهيم، وأحمد بن ثابت، وأحمد بن زهير بن أبي خيثمة، وأحمد بن عثمان بن حكيم، والحارث، وزياد بن أيوب، وعبد الله بن أحمد بن شبوية، وعبد الله بن أحمد المروزي، وعمر بن شبّة، ومحمد بن موسى الحرشي، ويعقوب بن إبراهيم.
ب - بلفظ (قال): - علي بن محمد، ومحمد بن مسلمة، وأبوبكر، وأبو المعتمر، وأبو معشر، وابن عمر، وابن أبي سبرة، وآخرون(45) .
ج - بلفظ (حُدثت عن): - الحسن بن موسى الأشيب، وزكرياء بن عدي.
د - بلفظ (ذُكر عن): - هشام بن محمد الكلبي.
ه - بلفظ (ذَكر): - محمد بن عمر الواقدي.
و - بلفظ (في رواية)- أبومخنف، وسيف بن عمر التميمي.
ز - وقد يذكر معلومات قليلة جداً دون عزوها إلى أي مصدر.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وتتضمن هذه الروايات -المتنوعة المصادر- الغث، والسمين من الأخبار التاريخية، بل يغلب عليها الأول.
ويعود ذلك، إلى تنوع ميول أصحاب تلك المصادر، التي اعتمدها المؤلف في جمع رواياته.
ولا يعيب ذلك الطبري، لأنه قد أسند هذه الروايات، ومن أسند فقد أحال وبرئت ذمته، وكان هذا هو شعار الفترة، التي كان يعيشها الطبري.
وقد قال في مقدمة كتابه: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤت في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أُتي من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا»(46) .
بل يشكر على ذلك، لما في صنيعه هذا من كشف لمصادر تلك المعلومات المغلوطة على الصحابة رضي الله عنهم التي تناقلها الناس من زمن الفتنة إلى يومنا هذا.
وطريقة الطبري هذه لم ينفرد بها، بل هي طريقة أهل عصره، من العلماء من أهل الحديث، وغيرهم، من القرن الثاني، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني؛ ما يأتي: «الحافظ الثبت المعمر... وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالإفراد على ما فيها من النكارة الشديدة، والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم، وهذا أمر لا يختص به الطبراني، فلا معنى لإفراده اليوم(47) بل أكثر
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 28المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمّ جراً، إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم برؤوا من عهدته، والله أعلم»(48)
ومع ذلك فإن الطبري أشار إلى أنه أعرض عن ذكر بعض الأخبار، كراهة منه لبشاعتها(49) .
4- كتاب (المحن) لأبي عرب المتوفى سنة 333هـ، ففيه قليل من الروايات المتعلقة بالفتنة، ولكن محققه لم يتقن إخراج نصه، فقد وقع في أخطاء كثيرة في قراءة مخطوطة الكتاب.
وأما المصادر الثانوية فمنها:
1- كتاب (الرياض) النضرة للمحب الطبري، المتوفى سنة 694هـ، وقد اعتمد فيه مؤلفه عدداً من المصادر المفقودة، كالسيرة للملائي وغيرها، إلا أنه لم يضف على المصادر الأولية معلومات مهمة، فكأن تلك المصادر المفقودة قد جمعت من المصادر الأولية.
ومما أنقص قيمة روايات المحب الطبري خلوها من الإسناد، فإنه يكتفي - غالباً- بذكر مُسْنِدِ الرواية، ويقتطع باقي السند، ثم يشير بعد ذكر الرواية إلى مُخَرِّجِها.
وقد قدم المؤلف لكتابه بمقدمة ذكر فيها قائمة مصادره التي اعتمد عليها في كتابه، وهي جديرة بالاهتمام، لما تحتويه من أسماء عدد من المصادر التأريخية المفقودة.
2- كتاب (التمهيد) والبيان في مقتل الشهيد عثمان رضي الله عنه لمحمد بن يحيى بن محمد بن يحيى الأشعري المالكي المعروف بابن بكر، المتوفى سنة 741هـ(50) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولم يضف مؤلفه مادة علمية على المصادر الأولية المتقدمة، ويكاد يكون كتابه ملخصاً لروايات سيف بن عمر التميمي، وجُلّ هذه الروايات في تاريخ الأمم والملوك للطبري، ويُشْعِرُ المؤلف أحياناً أنه يستقي هذه الروايات من كتاب سيف بن عمر مباشرة، فلعله اطلع عليه.
3- كتاب (البداية والنهاية)، وقد انحصرت استفادتي من هذا المصدر، في تعليقات مؤلفه الحافظ ابن كثير، المتوفى سنة 774هـ؛ وحكمه على بعض الأسانيد، حيث إنّهُ لم يضف روايات على المصادر المتقدمة الموجودة بين أيدينا، وجلُّ مصادره قد استقيت منها الروايات التي اعتمدها مباشرة.
أما المراجع التي كتبت عن الفتنة في عصرنا الحاضر، فكثيرة جداً، ولم أستفد منها في جمع المعلومات، لأنني اشترطت اعتماد الروايات المسندة.
وتناولت في آخر الكتاب كتاب العقاد، فنقدت بعضاً مما جاء فيه من أخطاء حول فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه(51) .
والمتأمل في كتابات المعاصرين عن الفتنة، يجد أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ينتقي أسوأ الروايات، ويبني عليها صورة مشوهة لهذه الحادثة.
القسم الثاني: يخلط بين الروايات الحسنة، والسيئة غير معتمد على منهج موحد في الأخذ منها، إنما يأخذ ما طالته يده من الروايات، ثم يبني عليها صورة فيها حق وباطل.
كما يظهر من خلال النظر في هذه الدراسات المعاصرة عن الفتنة، أنها تتنوع في تفسيرها للفتنة، فقسم منها ينحو منحاً قبلياً، فيصور الصحابة رضي الله عنهم بصورة العصابات
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 30القبلية التي تحاول كل منها اجترار الخلافة إلى قبيلتها(52) ونزعها من عثمان رضي الله عنه وأنهم يؤثرون ذوي القربى، فبنو هاشم كانوا يريدونها لعلي رضي الله عنه وبنو تيم يريدونها لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
وبعد دراسة الروايات الصحيحة، كانت النتيجة مضادة لهذه التفسيرات الباطلة المعتمدة على الروايات الضعيفة، فهذه التصورات الخيالية غير صحيحة، وليس لها أصل في تلك الفترة الفاضلة.
وقسم من هذه الدراسات، ينحو منحاً مادياً في تفسير الفتنة، فيصور أهل ذاك العصر بأنهم أناس طغى عليهم حب الدنيا، وتفشى فيهم الطمع، وتقاتلوا من أجل الدنيا، والغنائم، والأعطيات.
وهذا باطل من وجوه عديدة، فإن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- نزعوا من قلوبهم التعصب الجاهلي، منذ دخولهم في الإسلام، والشواهد والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر، حتى إن الابن لا يبالي بأن يقتل والده، في سبيل نشر الدعوة إلى الإسلام، ويتخلى الفرد عن عشيرته، ويهاجر بعضهم من مسقط رأسه في سبيل تمسكه بالإسلام(53) .
كما أن الروايات التي اعتمدها هؤلاء في تفسيرهم هذا، روايات ضعيفة الأسانيد، يرويها الضعفة المتهمون .
ولعل سبب توجه هذه الدراسات، إلى هاتين الوجهتين المنحرفتين هو من تأثير المعسكرين الشرقي الشيوعي الإلحادي، والغربي الرأسمالي المادي، على بعض مدعي
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 31الإسلام، فنفخوا بأصحابها، ليؤكدوا هذا التفسير الباطل، والتصور الخاطئ لأفضل العصور على الإطلاق، فيسهل بذلك -عليهم- ضرب الإسلام والمسلمين من الداخل، إذ إن الأمة تحيا وتموت بعقيدتها وتأريخها.
وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني إلى تجليةِ هذا الحدث العظيم، تجليةً وافية تبرز أحداثه على حقيقتها، دون نيل من أحد من الصحابة، وأن يجد القارئ فيها ما لم يجده في غيرها، من التحقيق والتمحيص.
وأوردت بعد هذه المقدمة التمهيد الذي عنونته بـ «لمحات من سيرة عثمان رضي الله عنه».
ذكرت فيه مقتطفات من سيرته؛ منذ ولادته، حتى اشتعال الفتن التي ظهرت في أواخر خلافته، وتضمن ذلك الأحاديث النبوية الواردة في الإخبار عن الفتنة التي ستؤدي إلى استشهاده.
لمحات من سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه من الولادة إلى الشهادة
الاسم والنشأة
هو: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب(54) ينتسب إلى بني أُميّة؛ إحدى القبائل القرشية.
ولد في مكة، بعد عام الفيل بستّ سنين على الصحيح(55) ونشأ على الأخلاق الفاضلة الكريمة، والسيرة الحسنة الحميدة، وكان حيياً، شديد الحياء(56) عفيف النفس، واللسان، أديب الطبع، هادئاً يتجنب إيذاء الناس، ويميل إلى السَّكينة، ويكره الفوضى، والشجار، والصخب، وقد يضحّي في سبيل البعد عن ذلك ولو بحياته(57) .
ولحسن خلقه، ومعاملته؛ أحبته قريش حتى ضربت العرب المثل بحبها له.
وفي ذلك يقول الشعبي: كان عثمان في قريش محبباً يوصون إليه، ويعظمونه، وإن كانت المرأة من العرب تُرقِّص صبيها وهي تقول:
| أُحِبُّك والرحمن | حبَّ قريش عثمان(58) ( 58 ) |
|---|
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
نشأ عثمان رضي الله عنه وأطل على هذه الحياة، وهو بين مشركي قريش الذين يعبدون الأصنام، فنبذ في نفسه ما هم عليه من شرك ووثنية، وعادات قذرة.
إسلامه
تجنب عثمان أرجاس الجاهلية، فلم يزن، ولم يقتل قط(59) ولما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله، ودخل أبوبكر الصديق في الإسلام، ذهب إلى عثمان رضي الله عنهما يدعوه إلى الإسلام، فتأمل عثمان في هذه الدعوة بهدوء كعادته في معالجة الأمور، فوجد أنها دعوة إلى الفضيلة، ونبذ الرذيلة، دعوة إلى التوحيد، وتحذير من الشرك، دعوة إلى العبادة وترهيب من الغفلة، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وترهيب من الأخلاق السيئة.
ثم نظر إلى قومه، فإذا هم يعبدون الأوثان، ويأكلون الميتة، ويستحلون المحارم من سفك الدماء وغيرها(60) .
وإذا بالنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم صادق أمين، يعرف عنه كل خير، ولا يعرف عنه شر قط، فلم تُعهد عليه كذبة، ولم تحسب عليه خيانة، فإذا هو يدعو إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، وإلى صلة الرحم، وحسن الجوار، والصلاة والصوم، وألا يعبد غير الله(61) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فأسلم عثمان على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكان من السابقين الأولين إلى الإسلام(62) .
صبره وهجرته
لم يدع الكفار من أهل مكة عثمان، بل آذوه، وعذبوه مع إخوانه المؤمنين السابقين إلى الإسلام، وعدوا عليهم(63) ، وفتنوهم في دينهم ليردوهم إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن يستحلوا من الخبائث، فلما ازداد عليهم الأذى والتعذيب، وقهروهم، وظلموهم وضيقوا عليهم، وحالوا بينهم وبين دينهم(64) خرجوا إلى الحبشة، وفي مقدمتهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعه زوجه رقية بنت النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها(65) فكان أول من هاجر بأهله من هذه الأمة(66)
فرَّ بدينه تاركاً وطنه وأهله، في سبيل التمسك بدينه وعقيدته، مما يبين مدى إيمانه ويقينه وتعلقه بربه وآخرته.
تحمل الغربة، وفقد مركزه التجاري، ومكانته الاجتماعية، بين أهل مكة، وشخصيته المرموقة، وانتقل إلى بلاد غير بلاده لله، وفي الله لا لتجارة دنيوية، ولا لربح مادي، إنما لتجارة أخروية؛ للفوز بالجنة والنجاة من النار.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثم لما أشيع أن أهل مكة قد أسلموا، وبلغ ذلك مهاجري الحبشة، أقبلوا حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فدخلوا في جوار بعض أهل مكة، وكان فيمن رجع عثمان بن عفان وزوجه رقية رضي الله عنهما(67) .
وبقي عثمان في مكة، يلقى الأذى والقهر من أهل مكة، ولم يرده ذلك عن دينه حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية ومعه الصحابة رضي الله عنهم فهاجر معهم عثمان، فكان ممن هاجر الهجرتين(68) .
بذله وعطاؤه في الإسلام
ولم يكتف عثمان رضي الله عنه بالقيام بفرائض الإسلام من صلاة وصيام ودفع الزكاة بل قدم الغالي والنفيس في سبيل نشر الإسلام، ونصرة المسلمين؛ فقد بذل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من ماله، نصرة للإسلام وعوناً للمسلمين.
فمن ذلك أنه لما قدم المهاجرون إلى المدينة، لم يكن بها ماء يستعذب غير بئر تسمى(رومة)(69) ولم يكن يومئذ مال للمسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير منها في الجنة»، فاشتراها عثمان رضي الله عنه من صلب ماله»(70) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومن ذلك ما كان منه في غزوة تبوك، فلما تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للغزوة نقصت المؤن فقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة»، فلما سمع عثمان ذلك، وكان رجلاً موسراً جهزه.
فجاء وهو يحمل ألف دينار، فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل – عليه الصلاة والسلام- يقلبها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مراراً»(71) .
جهاده
شهد رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم المواقع كلها، فلم يتخلف عن غزواته إلا بأمر منه في غزوة بدر.
فقد أمره بالبقاء في المدينة، لتمريض(72) زوجه رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وضرب له بسهم في الغنيمة والأجر، فامتثل الأمر وبقي في المدينة يمرضها، فلما توفيت(73) وخرج لدفنها، جاء البشير بانتصار المسلمين في بدر، فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم زوجه بأختها أم كلثوم رضي الله عنها فلذلك كان يلقب بذي النورين(74) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إخباره صلى الله عليه وسلم بالفتنة وأن عثمان رضي الله عنه على الحق
كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرعثمان وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم المرة تلو الأخرى، بأن فتنة ستقع يكون فيها عثمان وأصحابه على الحق، ويشير عليهم باتباعه عند وقوعها.
وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع هذه الفتنة التي يقتل فيها عثمان رضي الله عنه، يُعدّ ضمن قائمة كبيرة من الحوادث التي أخبر - عليه الصلاة والسلام- في حياته بأنها ستقع بعد وفاته(75) ووقع عدد منها، وما بقي منها سيقع حتماً ولو بعد حين.
ولا يدل ذلك على علم النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب فإن علم الغيب صفة من صفات الله جل وعلا، ليست لأحد من خلقه، وإنما ذلك علم أطلعه الله عليه وأمره أن يبينه للناس، كما أمره أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب المستقبل، وأنه لا اطلاع له على شيء من الغيب إلا ما أطلعه هو عليه(76) .
وذلك في قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَملِكُ لِنَفسي نَفعًا وَلا ضَرًّا إِلّا ما شاءَ اللَّهُ ۚ وَلَو كُنتُ أَعلَمُ الغَيبَ لَاستَكثَرتُ مِنَ الخَيرِ وَما مَسَّنِيَ السّوءُ ۚ إِن أَنا إِلّا نَذيرٌ وَبَشيرٌ لِقَومٍ يُؤمِنونَ(77) ﴾ .
وهذه المشيئة منه سبحانه وتعالى تعمُّ الرسول الملكي والبشري. وبذلك يفهم قوله تعالى: ﴿ وَلا يُحيطونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ(78) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقوله تعالى: ﴿ إِلّا مَنِ ارتَضىٰ مِن رَسولٍ(79) ﴾ .
فما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقوع فتنة يقتل فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه، ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة، فمر رجل فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذٍ، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان»(80) .
ويروي كعب بن مرة(81) البهزي رضي الله عنه قصة مشابهة لهذه القصة، فقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنة فقرَّبها: فمرّ عثمان مقنَّعاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يشير إلى عثمان: «هذا يومئذ وأصحابه على الحق والهدى».
وسواء أكانت هاتان الروايتان لقصتين اثنتين أم لواحدة، فإنَّ إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عثمان رضي الله عنه في هذه الفتنة ثابت في كلتا القصتين، وتضيف رواية كعب بأنه وأصحابه على الحق في هذه الفتنة.
مما دفع كعباً إلى زيادة التحري من الشخص المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم فقام إلى هذا الرجل، وأخذ بضبعيه، فإذا هو عثمان بن عفان، فاستقبل به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هذا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هذا(82) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد تأخرت وفاة كعب رضي الله عنه إلى ما بعد الخمسين من الهجرة، ولم يرد أنه حضر يوم الدار ليخبر بهذا الحديث الناس ليرجع المغرر به منهم، فلعله كان في الشام حيث إنَّ وفاته كانت فيها.
ويبدو أنَّ تحديث كعب للناس بهذا الحديث، لم يكن إلا بعد الفتنة بسنوات، نستشف ذلك من خلال رواته عنه، فقد رواه عنه كل من: محمد بن سيرين وعبد الله بن شقيق وأبو الأشعث الصنعاني.
ومحمد بن سيرين ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، فإذا قدرنا سماعه منه وهو في الرابعة عشرة، فإنه يكون قد حدثه به بعد الفتنة باثنتي عشرة سنة.
أما رواية أبي الأشعث فجزماً بأنها كانت، بعد الفتنة، فإن مضمون الرواية ينص على أنها كانت في خلافة معاوية رضي الله عنه، وعبد الله بن شقيق من طبقتهما.
ومنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه وذلك عندما استأذن عثمان يوم الدار للحديث، فلما أذن له قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً، فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟، فقال: عليكم بالأمين وأصحابه وهو يشير إلى عثمان بذلك»(83) .
تاريخ بدء الفتنة
ومن هذه الروايات ما يحدد فيه النبي صلى الله عليه وسلم تاريخ وقوع هذه الفتنة وذلك فيما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تدور رحى(84) الإسلام على رأس خمس
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وثلاثين أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين...»(85) .
فهذا الحديث، يدل دلالة واضحة على أن الفتنة ستقع في سنة من هذه السنوات الثلاث. ويحتمل أن الشك إنما أتى من قبل أحد رواة الحديث، وعلى فرض صحة نسبة الشك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالمعنى: أن ذلك يكون فيما يشاء الله عز وجل من تلك السنين.
وشاء الله ذلك في السنة الخامسة والثلاثين، باشتعال الفتنة التي انتهت بقتل عثمان رضي الله عنه.
ومن هذه الأحاديث ما يقرن فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفتنة بفتنة الدجال من حيث قوة اجتذابها للناس، وافتتانهم بها، وأن من ينجو منها فقد نجا.
وذلك فيما رواه عبد الله بن حوالة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من نجا من ثلاث فقد نجا - ثلاث مرات - موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه»(86) .
ومعلوم أن الخليفة الذي قُتل مصطبراً بالحق، معطياً القتل، أو الحق إنما هو عثمان ابن عفان رضي الله عنه.
فالقرائن تدل على أن الخليفة المقصود بهذا الحديث، هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي الحديث- والله أعلم- لفتة عظيمة، إلى أهمية السلامة من الخوض في هذه الفتنة حسياً ومعنوياً، أما حسياً فذلك يكون في زمن الفتنة، من تحريض وتأليب، وقتل وغير ذلك.
وأما معنوياً فبعد الفتنة من خوض فيها بالباطل، وكلام فيها بغير حق، وبهذا يكون الحدث عاماً للأمة، وليس خاصاً بمن أدرك الفتنة والله أعلم.
إخباره صلى الله عليه وسلم باستشهاد عثمان رضي الله عنه
ومن الأحاديث التي أخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن وقوع استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه ما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه(87) .
وما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم على أحد(88) ومعه أبوبكر، وعمر، وعثمان، فرجف الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان»(89) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فالنبي والصديق معروفان، ولم يبق لعمر وعثمان رضي الله عنهما إلا الصفة الثالثة، وهي الشهادة. فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم صريحة لعثمان رضي الله عنه بالاستشهاد في سبيل الله، وقد تكررت هذه الشهادة في قصة أخرى مرة ثانية، وعلى جبل آخر، وهو حراء(90) .
فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم على حراء ومعه أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اهدأ فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد»(91) .
وتحقق ما قاله صلى الله عليه وسلم فقد استشهد كل من عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير.
ولعلم النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع هذه الفتنة- بإخبار الله له-، ولشدة محبته لعثمان رضي الله عنه، وحرصه على مصالح الأمة بعده، دعاه- ذات يوم- وأخبره بأشياء تتعلق بهذه الفتنة التي ستنتهي بقتله، وحرص عليه الصلاة والسلام على سرِّيتها، حتى إنه لم يصل إلينا منها إلا ما صرح به عثمان رضي الله عنه أثناء الفتنة لما قيل له: ألا تقاتل؟
فقد قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليّ عهداً، وإني صابر نفسي عليه(92) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويظهر من قوله هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرشده إلى الموقف الصحيح، عند اشتعال الفتنة، وذلك أخذاً منه صلى الله عليه وسلم بحجز الفتنة أن تنطلق.
وفي بعض الروايات زيادة تكشف عن بعض مكنون هذه المسارَّة، فقد جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله عز وجل فلا تفعل»(93) .
ولا يدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى عثمان رضي الله عنه بعهد فيه خلافة، أو نحوها، كما يعتقد البعض في علي رضي الله عنه، بل مضمون هذا العهد الذي ذكره عثمان رضي الله عنه يتعلق بالفتنة، والوصية بالصبر فيها وعدم الخلع كما تقدم.
وإن كان يفهم من هذه الأحاديث بأنه سيكون خليفة يوماً ما.
توجيهات نبوية لعثمان رضي الله عنه بعضها سرية في أمر الفتنة
ويبدو أن هناك وصايا، وإرشادات تتعلق بهذه الفتنة، انفرد بمعرفتها عثمان رضي الله عنه، وذلك محافظة من النبي صلى الله عليه وسلم على السرِّية فيها، ومما يبين ذلك أنه أمر عائشة رضي الله عنها بالانصراف(94) عندما أراد الإسرار بها لعثمان رضي الله عنه.
كما أنه أسرَّ إليه إسراراً، رغم خلو المكان من غيرهما، حتى تغير لونه، مما يدل على عظم المسرِّ به، وربط عائشة رضي الله عنها هذا الإسرار بالفتنة دليل واضح على أن هذه المسارة كانت حول الفتنة التي قتل فيها.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فإنها رضي الله عنها كانت تسمع بعضاً منها، وفي ذلك تقول: فلم أحفظ من قوله إلا أنه قال: وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله عز وجل فلا تفعل.
وهذا دليل على أن الإسرار تضمن توجيهات منه صلى الله عليه وسلم، إلى عثمان ليقف الموقف الصحيح عند عرض الخلع عليه.
وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر فيه على الإخبار بوقوع الفتنة، فقد أخبر بذلك علانية- كما تقدم- فإسراره يدل على أن هذا الإسرار، تضمن أشياء أخرى زيادة على الإخبار عن وقوعها، ورغب عليه الصلاة والسلام بالمحافظة على سريتها لحكمة اقتضت ذلك الله أعلم بها.
وهذا الحديث يفسر لنا جلياً سبب إصرار عثمان على رفض القتال أثناء الحصار كما يفسر أيضاً سبب رفضه للتنازل عن الخلافة، وخلعها، عندما عرض القوم عليه ذلك.
وهما موقفان طالما تساءل الباحثون عن السبب الذي أدى عثمان إليهما واستشكلوهما.
وهذا كله يفرض علينا زيادة في الاحتياط، والتحفظ عند الحديث عن مواقف عثمان رضي الله عنه يوم الدار، إذ قد تكون تلك المواقف عملاً بنصائح وإرشادات النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن بعضها يُجزم بأنه كذلك، كما في رفض الخلع.
هذا ما وقفت عليه من الأحاديث الصحيحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تتعلق بفتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، وقد رُويت أحاديث أخرى، تَبَيّن لي بعد تحقيقها أنها ساقطة الأسانيد لا تصلح للاستدلال بها.
ولا شك
PDF 45أن عثمان رضي الله عنه بعد سماعه لهذه الأحاديث، أيقن بتحقق ذلك يوماً ما، وإن طال الزمان، فكان ينتظر وقوعه بين حين وآخر.
أنّه سيقتل ظلماً في فتنة تشتعل في خلافته، ويكون فيها على الحق هو وأصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى باتباعه عند وقوع هذه الفتنة، إنها أخبار تخص عثمان رضي الله عنه تفرحه فرحة مشوبة بالقلق، فمتى وكيف سيكون ذلك؟
عثمان رضي الله عنه رجل عاقل، حيي- بل شديد الحياء-، لم ينازع في الإمارة لا في جاهلية ولا في إسلام، فلم ينازع أشراف مكة الرئاسة، ولم يطمع فيها، فإن خلقه، وسمته يأبيان عليه ذلك، ورغم ذلك فإنه سيكون أميراً،- وإن كره- لم تدفعه تلك الأخبار إلى التتوق، والتطلع إلى الخلافة، فلم يناقش، ولم ينازع عندما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتقدم بما معه من أدلة على أنه سيكون خليفة– يوما ما- بإخبار من النبي صلى الله عليه وسلم، بل بايع مع باقي المسلمين أبا بكر الصديق، ثم عمر رضي الله عنهما؛ فإنه يعلم فضلهما عليه وأحقيتهما بالخلافة قبله، وأنه لم يحن وقته.
وقضى أيام خلافتيهما، وهو على أحسن سيرة، حتى استشهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على يد مجوسي حاقد(95) .
عثمان رضي الله عنه خليفة للمسلمين
وفي تلك الآونة بدأ المجتمع الإسلامي يصيبه بعض التغيير، فالإسلام انتشر وغزا بلاد الفرس، والروم، وفتحت بلادهم، وتظاهر بعض منهم بالإسلام، وأبطنوا الكفر، وكانوا يخططون لهدم الإسلام، والوقيعة بأهله، فكان من ذلك استشهاد عمر رضي الله عنه على يد أحدهم.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي أثناء مرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه على إثر طعنة ذلك العلج المجوسي، دخل عليه عدد من الصحابة رضي الله عنهم فقالوا له: أوص يا أمير المؤمنين: استخلف.
قال: «ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض» فسمى عثمان وعلياً والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن.
وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له- فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة.
وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيراً، الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يَقبل من محسنهم، وأن يُعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم.
وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، وأن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم.
وأوصيه بذمة الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفون إلا طاقتهم.
فلما قبض، خرج الصحابة رضي الله عنهم به فانطلقوا يمشون إلى بيت عائشة، فسلم عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: يستأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: يستأذن
PDF 47ابن الخطاب، قالت: أدخلوه(96) فأُدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه. فلما فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط.
فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم.
فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن.
ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق. قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه(97) .
اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة عثمان بن عفان بالخلافة، وفي ذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «استخلفنا خير من بقي ولم نأله»(98) .
تولى الخلافة رضي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 48الله عنه، وكان على خير حال، وعلى درجة قوية من الإيمان، فقد كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة فلا تبكي! وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه»(99) وكان يطيل التهجد(100)
حذر وترقب
ولعله توقع قرب تحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، مما دفعه إلى أن يلين في سياسته مع الناس، ويتخذ من المسامحة منهجاً في التعامل مع الرعية، تجنباً للفتن، وتخفيفاً من وطأتها إن وقعت، لأنها ستقع حتماً، لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعها.
سار رضي الله عنه على هذه السياسة طوال فترة خلافته، ومع ذلك تحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت الفتنة المنتظرة.
وذلك في آخر عام من خلافة عثمان رضي الله عنه.
ترى كيف وقعت، وما موقف عثمان فيها؟ وما مواقف الصحابة رضي الله عنهم عند اشتعالها؟ فيما يلي تفصيل لأحداث هذه الفتنة؛ مبنية على الروايات الصحيحة والحسنة الواردة فيها.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مسوغات الخروج على عثمان رضي الله عنه
تمهيد
قبل الخوض في تفاصيل الفتنة، أود أن ألقي نظرة فاحصة على ما تناقلته المصادر، والمراجع حول مسوغات خروج الخارجين على الخليفة عثمان رضي الله عنه، فإن سبر هذه المسوغات التي ذاعت بين الناس يصنف إلى ثلاثة أصناف من حيث صحة وضعف وقوعها من الخارجين عليه.
الأول: معايب صح أن الخارجين عليه أظهروا تسويغهم الخروج عليه بها أو عابوها عليه فقط.
الثاني: معايب لم يصح أن الخارجين عليه سوغوا بها خروجهم عليه، وورد ذكرها في روايات ضعيفة الأسانيد.
الثالث: معايب لم أقف على إسناد لها، واشتهر في المصادر والمراجع المتأخرة عن الحادثة دون إسناد أن الخارجين عليه سوغوا خروجهم بها عليه.
وهذه المعايب - بأصنافها الثلاثة- منها ما هو مفترى عليه، ومنها ما هو منقبة له قلبتها القلوب الحاقدة إلى مثلبة، والباقي منها أمور لا يعيبه بها إلا من فسدت طويته، وقصد التسويغ لباطل أراد تنفيذه.
وفيما يلي حديث مفصل عن هذه الأصناف الثلاثة، والمسوغات التي تندرج ضمنها:
أولاً: ما صح أن الخارجين سوغوا خروجهم عليه به أو عابوه عليه
أولاً: قولهم بعدم شهوده غزوة بدر
كانت غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة، وذلك لما ندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الخروج إلى عير لقريش، وتعجل بمن كان مستعداً، دون أن ينتظر أهل العوالي لاستعجاله بالخروج(101) .
ووافق ذلك أن كانت رقية رضي الله عنها ابنة النبي صلى الله عليه وسلم مريضة، قعيدة الفراش، وفي أمس الحاجة إلى من يمرضها ويرعى شؤونها، وخير من يصلح لذلك هو زوجها؛ لأن الزوجة لا تكتمل حريتها عند غير زوجها؛ لذلك كله أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالبقاء في المدينة بجانب زوجته ليقوم بتمريضها، وضرب له بسهمه في غزوة بدر فقال عثمان: وأجري يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وأجرك(102) .
وبذلك يتبين أن عثمان رضي الله عنه لم يشهد غزوة بدر، ولكنه كمن شهدها لضرب النبي صلى الله عليه وسلم له بسهم فيها، من الغنيمة والأجر.
وعلم ذلك الصحابة رضوان الله عليهم فلم يصح عن أحد منهم أنه عابه بعدم شهوده بدراً، واستمر الأمر على ذلك.
حتى انفجرت ينابيع الفتنة، وبدأ الخارجون على عثمان رضي الله عنه يتلمسون ما يظهرون للناس أنهم سوغوا به الخروج عليه، فعابوه بعدم شهوده بدراً.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولكن ذلك لا ينطلي إلا على الجهلة من الناس، فإن أهل البصيرة يعلمون أن عدم شهوده رضي الله عنه هذه الغزوة إنما كان بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن شهد بدراً لم يحصّل ذاك الأجر العظيم إلا لامتثاله أمره صلى الله عليه وسلم فالمتخلف بأمره والشاهد بأمره سواء بسواء.
وبناء على ذلك ذكره الزهري(103) وعروة بن الزبير(104) وموسى بن عقبة(105) وابن إسحاق(106) وغيرهم(107) فيمن شهد بدراً.
ولما جاء أحدهم(108) إلى ابن عمر رضي الله عنهما يسأله عن حضور عثمان بدراً، أجابه بأنه لم يشهدها، فكبر السائل فرَحاً وشماتةً بعثمان، فناداه ابن عمر رضي الله عنهما وبيّن له أن تخلف عثمان هذا لم يكن من قِبله، إنما كان بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يُعدّ عيباً فيه، فقال له: وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه(109) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فلم يتخلف عثمان عن غزوة بدر رغبة عن الأجر، ولا جُبناً، ولا خوفاً، وإنما تديناً وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن النفير -كما تقدم- لم يكن عاماً، وبسبب ذلك تخلف عن بدر كثير من الصحابة رضوان الله عليهم ممن كانوا في العوالي، وممن لم يحضروا ساعة الاستعداد للرحيل، لشدة استعجال النبي صلى الله عليه وسلم؛ خشية أن تفوت العير فلا يدركونها.
فعدم حضور بدر ليس بعيب في آحاد الصحابة رضوان الله عليهم الذين لم يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقعود في المدينة؛ فكيف يكون عيباً فيمن قعد لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يكشف زيف استساغتهم الخروج عليه، بعدم شهوده بدراً، عدم عيبهم لسائر الذين لم يتهيأ لهم الخروج إليها، وإن كان ذلك لعذر، فإن عذر عثمان رضي الله عنه أقوى من عذرهم، فلم ينقل لنا شيء من هذا، مما يؤكد لنا أن القوم يتصيدون ما يمهدون به للخروج على الخليفة فحسب.
والتخلف عن شهود غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مع العذر، ممن لديه رغبة صادقة في شهودها، لا يوقع حرجاً على صاحبه، إذا كان ناصحاً لله ورسوله، وقد بين الله جل وعلا ذلك في قوله: ﴿ لَيسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى المَرضىٰ وَلا عَلَى الَّذينَ لا يَجِدونَ ما يُنفِقونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحوا لِلَّهِ وَرَسولِهِ ۚ ما عَلَى المُحسِنينَ مِن سَبيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ وَلا عَلَى الَّذينَ إِذا ما أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعيُنُهُم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدوا ما يُنفِقونَ(110) ﴾ .
فليس على هؤلاء سبيل، بل شهد الله لهم بالإحسان.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أما الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم للقعود عن القتال، وهم أغنياء مستطيعون، ليس لهم عذر، ولكن رضوا بأن يكونوا مع المتخلفين، فهؤلاء هم الآثمون الذين يعاقبهم الله بالطبع على قلوبهم.
كما في قوله: ﴿ إِنَّمَا السَّبيلُ عَلَى الَّذينَ يَستَأذِنونَكَ وَهُم أَغنِياءُ ۚ رَضوا بِأَن يَكونوا مَعَ الخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلىٰ قُلوبِهِم فَهُم لا يَعلَمونَ(111) ﴾ .
فمن يتخلف عن غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بأمر منه، ويضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم في الغنيمة وفي الأجر، فإنه أولى بأن لا يكون عليه سبيل ممن تخلف عنها لعدم الاستطاعة والقدرة.
ثم لو كان قد أخطأ فتخلف عن غزوة بدر بدون عذر، فإن ذلك لا يسوغ قتله صبراً، ولا يسوغ الخروج عليه وهو خليفة!
ولو كان عثمان رضي الله عنه آثما لتخلفه عن غزوة بدر؛ فلم لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك؟ فهل هؤلاء الطاعنون فيه بهذا السبب أعرف بدين الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
وهم أوباش الناس، ليست لهم صحبة ولا فضل، ولم يعرفوا بخير قط، ولولا الفتنة ما عرفوا ولا ذكروا.
يقول أبو نعيم: «وإن طُعن عليه بتغيبه عن بدر، وعن بيعة الرضوان، قيل له: الغيبة التي يستحق بها العيب: هو أن يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفضل الذي حازه أهل بدر في شهود بدر؛ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته، ولولا طاعة الرسول ومتابعته لكان كل من شهد بدراً من الكفار كان لهم الفضل والشرف، وإنما الطاعة التي بلغت بهم الفضيلة، وهو كان رضي الله عنه خرج فيمن خرج فردَّه الرسول صلى الله عليه وسلم للقيام على
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 54ابنته، فكان في أجلِّ فرض؛ لطاعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخليفه، وقد ضرب له بسهمه وأجره، فشاركهم في الغنيمة والفضل والأجر، ولطاعته الله ورسوله وانقياده لهما»(112)
ثانياً: توليه يوم أحد عن المعركة
ومنها توليه عن القتال، في معركة أحد التي وقعت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، بين المسلمين، والمشركين بالقرب من جبل أحد، الذي يقع شمال المدينة النبوية.
وكان المسلمون قد انتصروا في أول المعركة، وقتلوا عدداً من المشركين، وفي ذلك يقول الله جل وعلا: ﴿ وَلَقَد صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعدَهُ إِذ تَحُسّونَهُم بِإِذنِهِ(113) ﴾ .
ونتيجة لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم من بعض المقاتلين فقد المسلمون مواقعهم، وأخذوا يقاتلون دون تخطيط، فلم يستطيعوا تمييز بعضهم من بعض وأسقط في أيديهم، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانباً دون قتال، في حين آثر آخرون الموت على الحياة فقاتلوا حتى الموت(114) .
وقد ذكر الله جل وعلا خبر فرار من فر، وعفوه عنهم فقال: ﴿ إِنَّ الَّذينَ تَوَلَّوا مِنكُم يَومَ التَقَى الجَمعانِ إِنَّمَا استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ بِبَعضِ ما كَسَبوا ۖ وَلَقَد عَفَا اللَّهُ عَنهُم ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفورٌ حَليمٌ(115) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فبين الله أنه قد عفا عن جميع المتولين يوم أحد، فدخل فيهم من هو دون عثمان في الفضل والسابقية، فكيف لا يدخل هو مع فضله، وسابقته، وكثرة حسناته(116) .
ولكن الخارجين عليه لم يعبؤوا بهذا العفو من الله، بل أظهروا وأشاعوا أنهم نقموا عليه فراره يوم أحد، مما يدل دلالة واضحة على أن تسويغهم ليس بتسويغ مجتهد مخطئ، أو تسويغ متحمس ضال، إنما هو تسويغ مضل مفسد يتلمس ما يسوغ به إفساده.
وإلا لما عابوا عليه أمراً قد عفا الله عنه وغفره، ولما أشاعوا ذلك بين المسلمين على ولي أمرهم أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن فراره يوم أحد لا يُحل قتله، فكيف وقد غفر الله له، ولو استحق ذلك لما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم معاقبته، ولما بايعه الصحابة جميعاً بالخلافة.
فلم ير الصحابة رضي الله عنه في موقفه بأحد ما يستوجب التردد في بيعته بعد عفو الله عنه وعن سائر الفارين.
بل رأوا في مواقفه الأخرى، ما يقدمه إلى أعظم مسؤوليات الدولة، وهي: الخلافة.
ولكن الخارجين عليه كانوا يفتشون عن مسوغات للفتنة، والتمرد، وقتل الخليفة، فتشبثوا بهذا الأمر وبغيره من المسوغات الواهية الأخرى.
مما يبين جلياً أن الشيطان قد استحوذ عليهم، حتى أنساهم ذكر الله(117) وزين لهم أعمالهم فأضلهم عن السبيل، وهم يحسبون أنهم مهتدون.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولما سأل ذلك الخارجي(118) ابن عمر رضي الله عنهما عن فرار عثمان يوم أحد، شهد ابن عمر على فراره؛ فكبر الخارجي شماتة بعثمان، فقال له ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له... اذهب بها الآن معك(119) .
ثالثاً: ادعاؤهم تخلفه عن بيعة الرضوان
كانت بيعة الرضوان في مستهل ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، تحت شجرة سمرة في مكان بالقرب من مكة يسمّى بالحديبية(120) .
دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أرسل عثمان رضي الله عنه إلى أهل مكة يفاوضهم، ويبين لهم هدف المسلمين من قدومهم، وأنه العمرة وليس القتال، فلما استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم عثمان، وبلغه أن المشركين قد قتلوه، بايع أصحابه على قتال المشركين ثأراً لعثمان رضي الله عنه.
ونظراً لاحتمال عدم صدق الخبر بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيده على اليد الأخرى عن عثمان رضي الله عنه.
وقد بيّن الله جل وعلا فضل أصحاب هذه البيعة، في آيات عديدة، كما بينه أيضا الرسول صلى الله عليه وسلم.
فمن الآيات
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 57قوله جل وعلا: ﴿ لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنينَ إِذ يُبايِعونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلوبِهِم فَأَنزَلَ السَّكينَةَ عَلَيهِم وَأَثابَهُم فَتحًا قَريبًا(121) ﴾
ومن الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية لمن شهدها: «أنتم خير أهل الأرض»(122) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها»(123) .
ومنذ أداء تلك البيعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ظلت مفخرة لمن شهدها، يعرف الناس فضلهم وقدرهم، ومكانتهم، ولا يعاب من لم يشهدها ممن كان في المدينة، وغيرها من المسلمين، ولما بدأ الناس في الطعن على عثمان رضي الله عنه، وتلمسوا ما يعيبونه به، أظهروا أنهم استساغوا الخروج عليه بعدة أمور: منها المفتراة، ومنها ما هو منقبة له في الحقيقة.
وعدم شهوده بيعة الرضوان هو من هذا الصنف الأخير، فإن عدم شهوده إياها فيه ما يدل على سموّ مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيه منقصة له.
لكن أفهام القوم قاصرة، وقلوبهم حاقدة، ولذا قال السائل لابن عمر: أَشَهِد عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان؟
فقال له ابن عمر: لا، وقبل انصراف الرجل، بيّن له ابن عمر رضي الله عنهما أن عدم شهوده البيعة لا يعدّ عيباً فيه، بل منقبة له، فإن سبب تغيبه عنها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 58إلى أهل مكة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه لعثمان(124) فَيَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يد من بايع بيده.
وفي ذلك يقول أبو نعيم: «وأما بيعة الرضوان فلأجل عثمان رضي الله عنه وقعت هذه المبايعة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه رسولاً إلى أهل مكة لِمَا اختص به من السؤدد والدين، ووفور العشيرة، وأُخبِر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون له على الموت ليوافوا أهل مكة(125) .
فعدم حضور عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان يُعَدّ منقبة له وليس مثلبة فيه، ولكن القلوب الحاقدة قلبتها إلى مثلبة وعابته بها.
وتتلخص هذه المنقبة في أمور أربعة:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم اختاره لأداء تلك المهمة، وهذا دليل على فضله رضي الله عنه وصلاحيته لها.
الثاني: أنه من أهل بيعة الرضوان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بايع له بإحدى يديه على الأخرى.
الثالث: أنه رضي الله عنه امتاز على باقي أصحاب الشجرة بأن النبي بايع عنه بيده الأخرى، فيد النبي صلى الله عليه وسلم خير من أيديهم رضي الله عنهم أجمعين.
الرابع: أن البيعة إنما عقدت من أجله مما يبين مكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رابعاً: حميه الحمى
ومنها حميه الحمى(126) فلما قدم أهل مصر المدينةَ، واستقبلهم عثمان رضي الله عنه قالوا له: ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح السابعة- وكانوا يسمون سورة يونس السابعة- فقرأ حتى أتى قوله تعالى: ﴿ قُل أَرَأَيتُم ما أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِن رِزقٍ فَجَعَلتُم مِنهُ حَرامًا وَحَلالًا(127) ﴾ .
فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفتري؟
فقال عثمان رضي الله عنه: امضه نزلت في كذا وكذا(128) فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه..(129) .
ورُوي أن عائشة رضي الله عنها قالت للخارجين على عثمان رضي الله عنه: اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له: إنكم عبتم على عثمان في ثلاث خلال.. وذكرت منها، وموضع الغمامة، أي الحمى(130) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فبذلك يظهر أن الخارجين أظهروا أنهم سوغوا الخروج على عثمان بحميه الحِمى إلا أنهم لم يفصحوا عن المكان الذي حماه عثمان رضي الله عنه ويظهر ردّ عثمان رضي الله عنه أن المقصود حميه الحِمى لإبل الصدقة، فلم يعترضوا عليه بعد ردّه عليهم.
ويذكر المحب الطبري أن المقصود: هو بقيع المدينة، وأنه منع الناس منه، وزاد في الحمى أضعاف البقيع، ولكنه لم يسنده ولم يعزه(131) وهو متأخر بعيد عن الأحداث فقد توفى سنة 694هـ.
وفي رد عثمان رضي الله عنه على أهل مصر كفاية، وغنية، فقد ألقمهم حجراً فخرسوا عن الجواب، فإن عثمان رضي الله عنه لم يبتدع في حمي الحمى، بل سبقه إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عمر رضي الله عنه، فقد حمى عمر رضي الله عنه الشرف، والرّبذة(132) لنعم الصدقة(133) وهذا يدل على جواز أصل حمي الحمى للخليفة، وهو مذهب الشافعية، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم(134) .
فالزيادة للحاجة جائزة -أيضاً- لجواز الأصل، وقد احتاجت إبل الصدقة في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه إلى زيادة الرقعة المحمية لزيادة عدد إبل الصدقة، مما يدل على كثرة الخيرات في خلافته رضي الله عنه.
ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمى في قوله: «لا حمى إلا لله ولرسوله»(135) إنما هو نهي عن حمى الجاهلية الذي يخص به رئيس القبيلة نفسه دون غيره(136) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أما ما فعله عثمان رضي الله عنه فإنما كان لمصلحة المسلمين عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيّده راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته... فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»(137) .
ومما يذكر أنهم عابوه عليه في حمي الحمى إلا أنه لم يرد فيه إسناد(138) ما ذكره المحب الطبري: من أنهم نقموا عليه حميه لسوق المدينة في بعض ما يباع ويشترى، فقالوا: لا يشتري منه أحد النوى حتى يشتري وكيله من شراء ما يحتاج إليه عثمان رضي الله عنه لعلف إبله(139) .
ثم ردّ على ذلك بقوله: «وهذا مما تُقُوِّل عليه واختلق، ولا أصل له، ولم يوجد له إسناد، وعلى تقدير صحة ذلك، يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة، وألحقه بحمى المرعى لها؛ لأنه في معناه».
كما ذكر أيضاً أنهم سوغوا خروجهم عليه بحميه البحر من أن تخرج فيه سفينة إلا في تجارته، ثم قال: «ولا يقول بذلك عاقل، وغاية ما يقال على تقدير صحة النقل في ذلك يحمل على أنها كانت ملكاً له، لأنه كان منبسطاً في التجارات، متسع المال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر، وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه»(140) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذه ردود منه -رحمه الله- على فرض صحة النقل، ولكن لم يثبت لأي شيء منها إسناد يعتد به.
خامساً: جمع القرآن
ورد بإسناد صحيح ما يدلّ على أن الخارجين على عثمان رضي الله عنه كانوا يعيبون عليه جمعه للمصاحف، وأن علياً رضي الله عنه كان يقول لهم: «يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً، أو قولوا له خيراً في المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا»(141) .
وورد بإسناد صحيح أيضاً إلى أبي مجلز المتوفي سنة 106هـ أو سنة 109هـ أنه قال: «عابوا على عثمان تمزيق المصاحف، وآمنوا بما كتب إليهم»(142) .
وذكر المحبّ الطبري: أن مما نقم على عثمان رضي الله عنه إحراقه مصحف ابن مسعود، ومصحف أُبَيٍّ، وجمعه الناس على مصحف زيد بن ثابت(143) ثم ردّ عليهم(144) .
وذكر أبوبكر بن العربي: أنهم قالوا: «وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف(145) » ثم ردّ عليهم(146) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقبل بيان بطلان هذا العيب الذي ألصق بعثمان رضي الله عنه، أسوق قصة جمع القرآن من بدايتها في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى نهايتها في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه ليتضح الأمر وينجلي.
فلنعد إلى أعقاب معركة اليمامة، وذلك عندما علم عمر رضي الله عنه أن عدداً من القراء قد استشهدوا في هذه المعركة، ففكر بعقله الواعي المتميز ببعد النظر، وسلامة التفكير في أثر هذا الحادث على الأمة الإسلامية، فخشي أن يستحر(147) القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، فجاء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وهو الخليفة يومئذ وأبلغه بما يخشاه، ثم اقترح عليه أن يأمر بجمع القرآن، ولكن أبا بكر الصديق تردد في قبول ذلك، وقال:كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هذا والله خير، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره، ورَأَى رَأْيَ عمر.
فأرسل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه وأخبره بالحوار الذي دار مع عمر وأنه اختاره ليقوم بهذه المهمة. فقال زيد رضي الله عنه: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلم يزل يراجعه أبوبكر حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.
وبيَّن أبوبكر لزيد سبب اختياره للقيام بهذه المهمة العظيمة بأنه شاب عاقل لا يتهمه، وقد كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أمره بتتبع القرآن وجمعه، وبلغ الأمر عند زيد مبلغاً عظيماً، حتى إنه كان يقول: «فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن».
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فانطلق زيد يتتبع القرآن يجمعه من العُسُب(148) واللِّخاف(149) وصدور الرجال حتى أتم جمعه.
فبقيت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر، وبعد وفاته انتقلت إلى عمر رضي الله عنه وبعد استشهاده انتقلت إلى ابنته حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم(150) .
واستمر الأمر على ذلك حتى مضت سنة كاملة من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه(151) حين قام الجيش الإسلامي العراقي، والشامي بفتح أرمينية وأذْرَبيجان.
وكان في هذا الجيش العظيم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فرأى في صفوف الجيش وبين الجند اختلافاً في قراءة القرآن، حتى إنه سمع من اختلافهم ما يكره(152) .
كما رأى أيضاً في البصرة نحواً من ذلك، فقد كان ذات يوم جالساً في حلقة مسجد من مساجدها، زمن ولاية الوليد بن عقبة عليها؛ فإذا هاتف يهتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاوية التي عند أبواب كندة، ومن كان يقرأ على قراءة عبدالله ابن مسعود، فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبدالله.
فاجتمع القوم، واختلفوا في آية من سورة البقرة، قرأ أحدهم: «وأتموا الحج والعمرة للبيت» وقرأ آخر: ﴿ وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ(153) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فغضب حذيفة رضي الله عنه حتى احمرّت عيناه، فقام وغرز قميصه في حجزته، وقال لرجل منهم: إما أن تركب إلى أمير المؤمنين، وإما أن أركب، فأقبل على الناس، وقال:
إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، فقاتل بمن أقبل من أدبر، حتى أظهر الله دينه، ثم إن الله قبضه، فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف أبا بكر فكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عمر فنزل الناس وسط الإسلام، ثم إن الله قبضه، فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عثمان وأيم الله ليوشكنَّ أن تطعنوا فيه طعنة تحلقونه كله(154) .
وركب رضي الله عنه إلى عثمان بن عفان(155) فقال له: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في الكتب، ففزع لذلك عثمان بن عفان، وجمع الصحابة- وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال:
ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً؟.
فقالوا: ما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف، فقالوا: فنعم ما رأيت.
فأرسل إلى حفصة رضي الله عنها أن أرسلي إلينا بالصحف التي جُمع فيها القرآن؛ لننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فقام يحث الناس على تسليم ما لديهم من القرآن قائلاً: أيها الناس، عهدكم نبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة سنة(156) وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون: قراءة أبيّ، وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعزم على كل رجل منكم، ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به.
فاستجاب الناس، فكان الرجل يجيء بالورقة، والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة.
ثم دخل عثمان رضي الله عنه فدعاهم رجلاً رجلاً، وناشدهم بالله: لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم.
ثم قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت.
قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص(157) فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله ابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا(158) ونسخوا الصحف في المصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة.
وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار(159) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبعد أن سردت قصة جمع القرآن منذ بدايتها وحتى انتهائها، نعود إلى ما نُقل عن بعضهم من تحويل هذه الفضيلة من فضائل عثمان رضي الله عنه إلى عيب يعاب به.
فإنَّ عثمان رضي الله عنه لم يبتدع في جمعه المصاحف؛ بل سبقه إلى ذلك أبوبكر الصديق رضي الله عنه كما أنه لم يصنع ذلك من قبل نفسه، إنما فعله عن مشورة للصحابة رضي الله عنهم وأعجبهم هذا الفعل، وقالوا: نعم ما رأيت، وقالوا أيضاً: قد أحسن؛ أي: في فعله في المصاحف.
فقد أدرك مصعبُ بن سعد صحابةَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ حين مشق(160) عثمان رضي الله عنه المصاحف فرآهم قد أُعجبوا بهذا الفعل منه(161) .
وكان علي رضي الله عنه ينهى من يعيب على عثمان رضي الله عنه بذلك ويقول: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً –أو قولوا خيراً- فوالله ما فعل الذي فعل -أي في المصاحف- إلا عن ملأ منا جميعاً أي الصحابة... والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل(162) .
وبعد اتفاق هذا الجمع الفاضل من خيرة الخلق، على هذا الأمر المبارك، يتبين لكل متجرد عن الهوى، أن الواجب على المسلم الرضا بهذا الصنيع الذي صنعه عثمان رضي الله عنه وحفظ الله به القرآن.
ولم يثبت أن ابن مسعود رضي الله عنه خالف عثمان في ذلك، وكل ما روي في ذلك ضعيف الإسناد، -حسب ما وقفت عليه من الروايات.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كما أن هذه الروايات الضعيفة التي تتضمن ذلك، تثبت أن ابن مسعود رجع إلى ما اتفق عليه الصحابة في جمع القرآن، وأنه قام في الناس وأعلن ذلك، وأمرهم بالرجوع إلى جماعة المسلمين في ذلك.
وقال: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، ولكن ينتزعه بذهاب العلماء، وإن الله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، فجامعوهم على ما اجتمعوا عليه، فإن الحق فيما اجتمعوا عليه... وكتب بذلك إلى عثمان(163) .
ولم يثبت أن عثمان رضي الله عنه خص مصحف ابن مسعود بالحرق، وعلى فرض صحة ذلك، فإن المحب الطبري يرى أن فعله ذلك دواء لمفسدة كبيرة في الدين، لكثرة ما في مصحف ابن مسعود من الشذوذ المنكر عند أهل العلم بالقرآن، وبحذفه المعوذتين من مصحفه مع الشهرة عند الصحابة أنهما في القرآن(164) .
ولعل سبب ذلك أن ابن مسعود كان يكتب ما يوحى من القرآن في مصحفه كلما بلغه نزول آيات منه، فاختلف ترتيبه عما امتازت به مصاحف عثمان من الترتيب بحسب العرض الأخير على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر ما أدى إليه اجتهاد الصحابة المؤيد بإجماعهم.
ويحتمل أن يكون ابن مسعود فاته في مصحفه بعض ما استقصاه زيد بن ثابت ورفاقه من الآيات التي كانت عند آخرين من قراء الصحابة، زد على ذلك أن ابن مسعود كانت تغلب عليه لهجة قومه من هذيل، والنبي صلى الله عليه وسلم رخص لمثل ابن مسعود أن يقرؤوا بلهجاتهم الخاصة.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فكان من الخير توحيد الأمة على قراءة كتاب ربها باللهجة المضرية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعى الطحاوي، والباقلاني، وابن عبدالبر، أن قراءة القرآن على سبع لغات كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ، وكثرة الضبط، وتعلم الكتابة(165) .
وأما ما ذُكر من أن ابن مسعود رضي الله عنه خطب بالكوفة فقال: «أما بعد: فإن الله قال: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ(166) ﴾ وإني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل»(167) .
فإني لم أقف على إسناده، وأقدم من ذكره ابن العربي المتوفى سنة 543هـ، وبينه وبين الحادثة ما يزيد على خمسة قرون.
وهل يتوقع حصول ذلك ممن ترك القَصْر في منى خشية من الخلاف والفتنة ومتابعة للخليفة؟ لا والله، لا يتوقع منه أن يصعد المنبر، ويحرض الناس على الخلاف.
مع أن القصر في منى عليه أدلة واضحة، تؤيد مذهب ابن مسعود فيه، بخلاف جمع القرآن فإنَّ الصحابة أجمعوا عليه، فهل يعقل أن يتابع ابن مسعود عثمان رضي الله عنهما فيما يدل على خلافه دليل واضح خشية الخلاف، ثم يخالفه فيما أجمع عليه إخوانه الصحابة رضوان الله عليهم بل ويحرض الناس على الخلاف بواسطة منبر الكوفة، وهو القائل: «إن الخلاف شر». فما أوهن هذه القصة، وما أحمق من لفقها.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأما حرق أو خرق ما سوى مصحف عثمان رضي الله عنه، فإنه جائز إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد سلم بذلك الصحابة كلهم(168) .
فما أتمه عثمان رضي الله عنه من جمع المصحف وتثبيته وتوحيد رسمه فإنَّ له به أعظم المنة على المسلمين، وبه حقق الله وعده في قوله سبحانه: ﴿ إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ(169) ﴾ وأقر على عمله، وأمضاه برسمه وتلاوته في جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به من أعظم حسناته، كما أن البغاة أنفسهم الذين عابوا عليه ذلك، كانوا في خلافته وبعدها يقرؤون في مصاحف عثمان التي أجمع الصحابة عليها(170) .
والمقصود من كان منهم على بعض الخير ممن غرر به، أما أولئك المغرضون الزنادقة أمثال ابن سبأ، فلا تتوقع منهم قراءة قرآن، ولا فعل أي عبادة إلا نفاقاً وتستراً بها، وتغريراً لمن لا يعرف حقيقتهم، فإنهم إن قرأوا القرآن فإنهم لا يتجاوز حناجرهم كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه للخوارج.
ويظهر من قصة جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه مدى فهم الصحابة رضي الله عنهم لآيات النهي عن الاختلاف، حيث إن الله نهى عن الاختلاف وحذر منه، فلعمق فهمهم لهذه الآيات ارتعد حذيفة رضي الله عنه عندما سمع بوادر الاختلاف في قراءة القرآن، فرحل فوراً إلى المدينة النبوية، وأخبر عثمان رضي الله عنه بما رأى وبما سمع، فسرعان ما قام عثمان يخطب الناس؛
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 71يحذرهم من مغبة هذا الخلاف، ويشاور الصحابة رضوان الله عليهم في الحل لهذه المحنة التي بدأت بالظهور، وفي مدة قصيرة يحسم الأمر ويغلق باب الخلاف الذي كاد أن ينفتح، بجمع الصحف ونسخها في مصحف واحد من المصادر الموثوقة جداً.
وبإغلاق باب الفتنة هذه فرح المسلمون، بينما اغتاظ المنافقون الذين كانوا قد استبشروا ببوادر الخلاف التي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، ويسعون إلى تحقيقها.
ولما حسم الخلاف، ولم يجد أولئك طريقاً إلى استنهاضه، ازداد حقدهم على حاسمه ومغلق بابه وسعوا في التشنيع عليه وتصوير حسنته هذه سيئة، وتلمسوا في سبيل إثبات ذلك خيوط العنكبوت الواهية، ليطعنوا فيه ويسوغوا خروجهم عليه بها، مظهرين للناس أن هذه الحسنة سيئة تستوجب الخروج عليه.
وهذا ينبه المسلمين في كل زمان، ويعتبر به عقلاؤهم، فيسارعون إلى رقع كل خلاف بينهم على أساس صحيح، مع المحافظة على أصول الإسلام، دون التنازل عن الحق، أو التسامح في شيء من الأصول عقيدة وشريعة.
فإن الاتفاق إن لم يكن على العقيدة الصحيحة، فلا خير فيه، وهو مظنة زيادة الخلاف، ورَقْعٌ يزيده فتقاً، فلا تترك أصول الإسلام تحت دعوى حسم ورقع الخلاف، ولكن على المخالف للعقيدة الصحيحة أن ينخلع من ربقة الانحراف إلى المعتقد الصحيح، ليحسم بذلك الخلاف؛ ومثل ذلك من يترك تصحيح العقيدة تحت دعوى جمع الشمل، وتوحيد الصف، وهذا كما تقدم يشتت الشمل، ويفرق الصف، أكثر مما كان عليه، والشواهد الحسية لا ينكر وجودها على الساحة الإسلامية اليوم إلا غافل أو متغافل.
فلم يترك الصحابة رضوان الله عليهم كل قارئ، على قراءته الصحيحة، بل جمعوهم على قراءة واحدة، فاجتمع شملهم وتوحد صفهم.
فهذا هو الطريق الصحيح إلى توحيد صف المسلمين، وجمع شملهم؛ فلا يتم ذلك إلا برجوعهم إلى الكتاب والسنة، وفهمهما فهماً صحيحاً مستمداً من فهم السلف الصالح لهما، وأن يعتصموا بهما، لتتحقق لهم الوحدة، فيجتمعون على عدوهم، ويرفع الله عنهم الفشل الذي استحقوه بسبب تنازعهم ﴿ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم(171) ﴾.... .
وهذه ثمرة من ثمرات دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين، الحافل بالعبر ومواضع القدوة.
وبعد توصلنا إلى هذه الحقيقة التي كان عليها سلفنا الصالح، يتبين لنا بُعد من يترك دلالة القرآن، والسنة وراءه ظهرياً ويحكم عقله، ويرفض دعوة القرآن والسنة متأولاً أن في غيرهما المصلحة.
إنه أولى ممن قرأ قراءة متواترة صحيحة بأن يعاد إلى الحق، وإلى دلالة الكتاب والسنة الصحيحة وإلى ترك كل ما يراه ويبتدعه عقله القاصر، إلى ما تدل عليه النصوص الصحيحة الصريحة، فلا يقدم بين يدي الله ورسوله أمراً ولا فكرة ولا وسيلة، بل يرجع إلى ما دعا إليه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تُقَدِّموا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسولِهِ(172) ﴾ .
﴿ فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ۚ ذٰلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا(173) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فانظر إلى كيفية المعالجة الصحيحة للأمور، فإن القراء كانوا يعلمون أن قراءتهم صحيحة، تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك تنازلوا عنها، لأمر الخليفة، فاجتمعوا على قراءة واحدة في مصحف واحد.
ويلاحظ أن عثمان وحذيفة رضي الله عنهما كانا يعلمان ذلك أيضاً، فلم يقولا لكل قارئ: أنت على حق، وعلى قراءة متواترة، فأنت على قراءة أبيّ، وأنت عل قراءة ابن مسعود، وكلاهما صحابيان أخذا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل من قرأ على قراءة أحدهما فهو على حق.
ولكنهما تركا هذا الحق إلى ما هو أحق منه وهو الاجتماع، وعدم الفرقة، فكيف فيمن يُقرّ على خطأ أو شبهة تحت دعوى جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وتحت شعار: «نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».
بل يتجاوز ذلك بعضهم إلى دعوة أهل العقيدة الصحيحة إلى التخلي عن الحق الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة لمخالفة غيرهم لهم فيه، تحت تلك الشعارات المغرية في ظاهرها.
فعجباً من هؤلاء! لم لا يتركون أهل الحق على الحق، وإن حصل الخلاف؟ ويطلبون من أهل الباطل أو الشبه على أقل الأحوال أن يتركوا ما هم عليه من أجل جمع الكلمة وتوحيد الصف على الحق وبالحق.
سادساً: إتمام الصلاة في منى
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الرباعية في الحج في منى ركعتين، وتبعه على ذلك الخليفتان أبوبكر وعمر رضي الله عنهما أما عثمان ففعل ذلك في السنوات الست الأولى من خلافته، ثم اجتهد بعدها فأتمها أربعاً.
وخالفه في ذلك عدد من الصحابة رضي الله عنهم منهم ابن عمر الذي أوضح أن السنة القصر، كما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر وعمر وعثمان صدراً من إمارته(174) .
ورُوي أن الناس أنكروا على عثمان ذلك، فبيّن لهم سبب إتمامه(175) وحجته في ذلك(176) وتذكر الروايات عدة اعتذارات منها:
الأول: أنه اعتذر لذلك بأنه تأهل «أي تزوج» بمكة منذ أن قدم إليها، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تأهل ببلد، فليصل صلاة المقيم»، فاعتبر نفسه متخذاً مكة وطناً، فأخذ لنفسه حكم المقيم(177) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد ورد لهذا الاعتذار عدة طرق عن عثمان رضي الله عنه يقوي بعضها بعضاً، إلا أن المتن فيه نكارة؛ فإنَّ عثمان رضي الله عنه مهاجريٌّ، والإقامة في مكة عليه حرام(178) .
وهو -بلا شك- يعلم ذلك، فلما قال له المغيرة بن شعبة -أثناء الحصار-: «اركب رواحلك إلى مكة قال: لن أفارق دار هجرتي»(179) .
الثاني: أنه اعتذر بأنه اتخذ الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها(180) وهذا ضعيف الإسناد، ويرد متنه بما رُد به القول الأول.
كما أن أهل الطائف لا يُعتبرون من أهل مكة، فاتخاذ الأموال في الطائف لا يجعل صاحبه من أهل مكة، فلا يتوقع أن يعتذر عثمان بهذا العذر.
الثالث: أنه اعتذر بأنه سمع بأن الأعراب الذين حجوا معه العام الماضي قصروا الصلاة في أوطانهم، واحتجوا بمنى فأتم ليعلمهم أن الصلاة أربع، وذلك خوفاً من أن يستنوا به، وخطب الناس، وأعلمهم بأن السنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة صاحبيه، ولكنه حدث من الناس فخاف أن يستنوا(181) . «أي أن يجعلوها سنة».
وذكر الحافظ ابن حجر: أن الزهري قال: «إنما صلى عثمان بمنى أربعاً؛ لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع»(182) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعن ابن جريج أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين.
واختار ذلك الحافظ ابن حجر، ثم قال بعد أن ذكر بعض هذه الطرق: «وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام»(183) .
الرابع: قيل إن سبب إتمامه: أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من كان أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم.
واختاره الحافظ ابن حجر، واستدل له بما رواه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: «لما قدم علينا معاوية حاجاً، صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك، لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان رضي الله عنه حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر، والعصر، والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج، وأقام بمنى أتم الصلاة»(184) .
ولم ير الحافظ أن اختياره لهذا القول معارض لاختياره للقول الثالث، بل يقويه من حيث إنّ حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، ثم قال: وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان رضي الله عنه(185) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الخامس: قال ابن بطال: «الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما ما كانا يريان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدة».
قال الحافظ: «وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله(186) أولى لتصريح الراوي بالسبب».
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن اختيار الحافظ ابن حجر اختيار قوي تدل عليه الروايات المقبولة.
وهو: أن عثمان رضي الله عنه أتم ليعلم الأعراب أن الصلاة الرباعية أربع، وفعل ذلك في منى؛ لأنه مقيم فيها نوع إقامة، وغير جاد في السير، وبذلك يتوفق بين القولين الثالث والرابع.
وقال الحافظ معلقاً على قول ابن مسعود: «فليت حظي من أربع ركعتان»: قال الداودي: خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وتبع عثمان كراهة لخلافه، وأخبر بما يعتقده.
وقال غيره: يريد أنه لو صلى أربعاً تكلفها، فليتها تقبل الركعتان.
والذي يظهر أنه قال ذلك على سبيل التفويض إلى الله، لعدم اطلاعه على الغيب، وهل يقبل الله صلاته أو لا؟ فتمنى أن يقبل منه الأربع التي يصليها ركعتين ولم يقبل الزائد.
وهو يشعر بأن المسافر عنده مخير بين القصر والإتمام، والركعتان لابد منهما، ومع ذلك فكان يخاف أن لا يقبل منه شيء.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فحاصله: أنه قال: إنما أتم متابعة لعثمان، وليت قُبل مني ركعتين من الأربع(187) .
إذاً: فعثمان رضي الله عنه مجتهد، ومعه حجة، وهو فقيه من كبار فقهاء الصحابة خاصة في علم المناسك، حتى قال محمد بن سيرين: «كان أعلمهم بالمناسك ابن عفان، وبعده ابن عمر»(188) .
وعلى فرض احتمال أن اجتهاده بغير حجة، فإن ذلك لا يسوغ الخروج عليه، فضلاً عن قتله.
ثانياً:- ما روي في ذلك ولم يصح إسناده
أما المعايب التي رويت بأسانيد ضعيفة تفيد أن الخارجين على عثمان رضي الله عنه سوغوا خروجهم بها عليه، فمنها:
ضرب عمار بن ياسر
لم أقف على رواية صحيحة الإسناد تدل على أن عثمان ضرب عماراً، ولا أنهم سوغوا خروجهم عليه بذلك.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت: أن مما عتب الخارجون على عثمان رضي الله عنه ضربه بالسوط، والعصا(189) فلعل المقصود ما أشيع من ضربه عماراً رضي الله عنهما.
ورُوي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 79بإسناد ضعيف أن سعداً، وعماراً رضي الله عنهما أرسلا إلى عثمان رضي الله عنه أن ائتنا، فإنا نريد أن نذكر لك أشياء أحدثتها، أو أشياء فعلتها، فاعتذر عثمان رضي الله عنه، عن المجيء لشغل كان مشغولاً به، وأمرهما بالانصراف، وعقد لهما موعداً، ليستعد فيه لخصومتهما، فانصرف سعدٌ، وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسول عثمان رضي الله عنه وضربه.
فلما اجتمعوا مع عثمان رضي الله عنه قالوا له: ننقم عليك ضربك عماراً، فأخبرهم بالقصة وأنه لم يأمر بضربه، ولكن رسوله تناوله من غير أمره، ثم أقسم لهم أنه ما أمر، ولا رضي، وقال: فهذه يدي لعمار فليقتص(190) .
هذا ما ورد في ضرب عمار، وهو ضعيف الإسناد، وعلى فرض صحته، وأن عثمان رضي الله عنه ضرب عماراً رضي الله عنه فإن ذلك لا يقدح في أحد منهما، ونشهد أنهما في الجنة، وأنهما من أكابر أولياء الله المتقين، وولي الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية فكيف بالتعزير.
وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب بالدرَّة، لمّا رأى الناس يمشون خلفه، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: هذا ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع(191) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فإذا كان عثمان رضي الله عنه أدب عماراً رضي الله عنه فإما أن يكون مصيباً في تعزيره، لاستحقاق عمار ذلك، وإما أن يكون ذلك الذي عزره عليه تاب عمار منه، أو كفّر عن عمار بالتعزير وغيره من المصائب، أو بحسناته العظيمة، أو بغير ذلك.
أما أن يقال: كان مظلوماً مطلقاً، فالقول في عثمان رضي الله عنه كالقول فيه وزيادة، فإنه أفضل منه، وأحق بالمغفرة والرحمة.
وقد يكون الإمام مجتهداً في العقوبة مثاباً عليها، وعمار مجتهد فيما فعله لا يأثم به، بل يثاب عليه لاجتهاده(192) .
وبذلك تبين أنه لم يصح أن عثمان ضرب عماراً، ولا أن الخارجين سوغوا الخروج عليه بذلك، وغاية ما في ذلك أنه رُوي بسند ضعيف أن رسول عثمان ضرب عماراً دون علمه، وأنه أخبر بأنه لم يأمر رسوله بذلك، ولم يرض عن فعله هذا، وطلب من عمار أن يقتص منه تنازلاً منه، ليكف الخلاف.
ولو فرض أنه ضربه دون اجتهاد منه، فأسباب المغفرة كثيرة، وعثمان من الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أولى الناس بها(193) .
وذلك لا يسوغ الطعن فيه، ولا الخروج عليه فضلاً عن قتله.
وأما ما قيل: من أنه اجتمع خمسون من المهاجرين والأنصار؛ فكتبوا أحداث عثمان رضي الله عنه وما نقموا عليه في كتاب، وقالوا لعمار: أوصل هذا الكتاب إلى عثمان رضي الله عنه، ليقرأه فلعله يرجع عن هذا الذي ينكر، وخوفوه فيه بأنه إن لم يرجع خلعوه واستبدلوا غيره.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأن عثمان رضي الله عنه طرح الكتاب بعدما قرأه، فقال له عمار: لا ترم بالكتاب، وانظر فيه، فإنه كتاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا- والله- لك ناصح، وخائف عليك، فقال: كذبت يا ابن سمية، وأنه أمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه وأغمي عليه، وقام عثمان رضي الله عنه فوطئ بطنه، ومذاكيره حتى أصابه الفتق، وأغمي عليه أربع صلوات ثم قضاها بعد الإفاقة، واتخذ لنفسه تباناً تحت ثيابه، وأنه أول من لبس التبان لأجل الفتق، وأن بني مخزوم غضبوا له، وقالوا: والله لئن مات عمار من هذا لنقتلن من بني أمية شيخاً عظيماً -يعنون عثمان رضي الله عنه - وأن عماراً لزم بيته إلى أن كان من أمر الفتنة ما كان(194) .
فإن كل ذلك لم أقف على إسناد له، لتنكشف به درجة صحته، والذي ذكر هذه التفاصيل هو المحب الطبري المتوفى سنة 694هـ، ولم يسندها ولم يعزها إلى أحد، بل طعن في صحتها، وقال: «سياق هذه القصة لا يصح».
ثم ذكر بعض مضمون الرواية الضعيفة السابقة الذكر، التي فيها أن عثمان رضي الله عنه عرض على عمار رضي الله عنه؛ أن يقتص منه، ثم قال: «وهذا من أبلغ ما يكون في الإنصاف، وأنه روي أن عماراً رضي عن عثمان لما أنصفه بحسن الاعتذار»، ثم قال: «فما بال أهل البدعة لا يرضون، وما مثله فيه إلا كما يقال: رضي الخصمان، ولم يرض القاضي».
واستدل على رضاء عمار عن عثمان رضي الله عنهما بما رواه أبو هريرة أن عثمان رضي الله عنهما لما حصر ومنع الماء قال لهم عمار رضي الله عنه: سبحان الله! قد اشترى بئر رومة وتمنعونه ماءها! خلُّوا سبيل الماء، ثم جاء إلى علي، وسأله إنفاذ الماء إليه، فأمر براوية ماء(195) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وذكر ابن العربي: أنه مما نقم على عثمان رضي الله عنه ضربه عماراً رضي الله عنه حتى فتق أمعاءه(196) ثم قال: «إن ذلك زور(197) وإفك». ولو فتق أمعاءه ما عاش أبداً، إن العلماء اعتذروا عن ذلك بوجوه لا ينبغي أن يشتغل بها: لأنها مبنية على باطل، ولا يبنى حق على باطل، وعلى الإنسان أن لا يذهب الزمان في مُماشاة الجهال؛ لأن ذلك لا آخر له(198) .
وصدق والله فإن ضرب عمار رضي الله عنه لا أصل له، ولكن لما كان هناك مروجون للباطل على عامة الناس، وسذاجهم الذين لا يميزون الصحيح من السقيم، وجب على أهل الحق والعلم كشف هذا الباطل، ليزداد الناس مناعة من أن يقبلوا باطلهم، ولينكشف أمرهم وينجلي، ويتضح بطلان معتقدهم لدى الناس؛ عالمهم وجاهلهم.
وروى الطبري(199) بإسناد ضعيف أن سائلاً سأل سعيد بن المسيب عن السبب الذي دعا عمار بن ياسر إلى الخروج على عثمان فقال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان رضي الله عنه فأورث ذاك بين آل عمار وآل عتبة شراً حتى اليوم، وكنى عما ضُربا عليه وفيه.
وهذه الرواية كما أسلفت ضعيفة الإسناد غير صالحة للاحتجاج، فلا عبرة بما ذكر فيها عن خروج عمار على عثمان رضي الله عنهما ولا على ضرب عثمان عمارا، ولا على سبب هذا الضرب.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ما اشتهر من ذلك وليس له إسناد
تنفرد بعض الكتب التي لا تستند رواياتها بعدة معايب سوغ بها الخارجون على عثمان رضي الله عنه الخروج عليه، وعدم وجود أسانيد لها يشكك في صحة صدورها من الخارجين عليه، ولعلها صدرت من أعداء عثمان رضي الله عنه ومن هذه المعايب:
أولاً: عدم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر
أقدم من ذكر أن ذلك مما عيب على عثمان رضي الله عنه هو المحب الطبري(200) ، والمحب الطبري متأخر توفي سنة 694هـ.
ثم تلاه ابن المطهر الحلي المتوفى سنة 726هـ. فقد قال في كتابه «منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة» عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إنه ضيع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه...»(201) .
وقبل طرح مناقشة المحب وابن تيمية لهذه المعيبة الملصقة بعثمان رضي الله عنه أود أن أنبه إلى أن ما نقلته عن المحب لا يثبت أن الخارجين قد عابوا على عثمان رضي الله عنه ذلك، وأنهم سوغوا خروجهم به، وقصارى ما يثبت من كلام المحب، أن هذا وقع فعلاً، دون الجزم بأصحابه ولا بعصرهم، فيحتمل أن يكون قد وقع بعد الفتنة بمئات السنين.
وعدم إقامة حد القتل على عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يعد عيباً في عثمان رضي الله عنه فإن ابنة أبي لؤلؤة؛ ابنة لمجوسي تابعة له، لا قود فيها، ومثلها جفينة، فإنه نصراني من أهل الحيرة، وقد اتهم بالمشاركة في قتل عمر رضي الله عنه لما كان بينه وبين أبي لؤلؤة من مجانسة، وقد ذُكر لعبيد الله بن عمر: أنه رؤي عند الهرمزان حين قتل عمر، فاتهم بمشاركة أبي لؤلؤة
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 84وممالأته والمُعين على قتل الإمام العادل يرى جماعة من الأئمة قتله، بل أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر والمأمور.
واعتذر عبيد الله بن عمر بذلك وقال: «إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره، أنه رأى أبا لؤلؤة، والهرمزان، وجفينة يدخلون في مكان يتشاورون، وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه، وقُتل عمر صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان رضي الله عنه عبد الرحمن فسأله عن ذلك، فقال: انظرو إلى السكين، فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله، فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان رضي الله عنه قتل عبيد الله بن عمر، لرؤيته عدم وجوب القود لذلك، أو لتردده فيه ولم ير الوجوب بالشك(202) .
ولو ثبت ذلك عند عثمان رضي الله عنه وانتفى الشك، فلترك قتله عذر، وذلك خوفاً من أن يثير قتله فتنة عظيمة، فقد كان فريق من الصحابة رضي الله عنهم لا يرون قتله، حتى قال له عمرو بن العاص رضي الله عنه: قتل أمير المؤمنين بالأمس، ويقتل ابنه اليوم؟! لا والله لا يكون هذا أبداً، فقال عثمان رضي الله عنه: أمره إليّ وسأرضي أهل الهرمزان عنه(203) فسكَّن بذلك الفتنة التي كادت أن تقع(204) .
ولم يكن للهرمزان أولياء، وإنما وليه ولي الأمر، وقدر عثمان أن يعطى قدر الدية لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، فإنه كان عليه ثمانون ألفاً، وأمر أهله أن يقضوا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 85دينه من أموال عصبته؛ عاقلته بني عدي وقريش، لا يحمل الدين أحد والدية على العصبة، فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي يمدح بها.
قد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي الناس عطاءً كثيراً أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر(205) .
وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر، كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أنه معصوم الدم يحرم قتله، فإن عبيد الله بن عمر متأول يعتقد حل قتله وشبهته ظاهرة، فإن ذلك شبهة تدرأ عنه حد القتل، كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، لاعتقاده أن هذا القول لا يعصمه، عزره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام ولم يقتله؛ لأنه كان متأولاً.
فهذه الشبهة يجوز للمجتهد جعلها مانعة من وجوب القصاص، فإن مسائل القصاص، فيها مسائل كثيرة اجتهادية(206) وإذا ثبتت إعانته على قتل عمر وجب قتله على الإمام.
وعبيد الله بن عمر افتأت(207) بقتله، وقتله كان إلى الخليفة، وليس إلى أبناء عمر رضي الله عنه، ولكن للإمام أن يعفو عمن افتأت عليه، وقد عفا عثمان رضي الله عنه عن افتآت عبيدالله بن عمر عليه(208) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والهرمزان معصوم الدم قبل اشتراكه في مؤامرة قتل عمر رضي الله عنه لأنه كان من الفرس الذين استنابهم كسرى على قتال المسلمين، فأسره المسلمون وقدِموا به على عمر، فأظهر إسلامه، فمنَّ عليه عمر رضي الله عنه فأعتقه، فأصبح مولى للمسلمين.
ولما قال عمر لعبد الله بن عباس رضي الله عنهم: «قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، قال: إن شئت أن نقتلهم»، فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر رضي الله عنهم في قتل علوج الفرس مطلقاً الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، واعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان الذي تلبس بتهمة المشاركة في التخطيط لقتل الخليفة.
ولعل سبب رفض بعض الصحابة رضي الله عنهم قتل عبيد الله، أن تكون وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟
وقد تنازع الفقهاء في المشتركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض، فقيل: لا يجب القود إلاَّ على المباشر خاصة، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إذا كان السبب قوياً وجب على المباشر والمتسبب: كالمُكْرِهِ والمُكْرَهِ وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا، وقالوا: تعمدنا وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد.
قال شيخ الإسلام: «وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين قصاصاً، وعمر هو القائل في المقتول: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به»(209) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كما أنه تنازع الناس في قتل قاتل الأئمة، هل يكون حداً أو قصاصاً؟ فقال قوم: إنه يقتل حداً كما يقتل القاتل في المحاربة حداً، لأن قتل الأئمة فيه فساد عام، أعظم من فساد قطاع الطريق، فكان قاتلهم محارباً لله ورسوله، ساعياً في الأرض فساداً.
كما أن الهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه، وإنما وليه وليُّ الأمر، فله أن يقتل قاتله، وله أن يعفو عنه إلى الدية لئلا تضيع حقوق المسلمين، وقد عفا عثمان رضي الله عنه عن قاتله ورأى قدر الدية أن يعطيها لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، معونة منه لأهله، فهذه من محاسن عثمان رضي الله عنه التي يمدح بها ولا يذم –كما تقدم-.
فإن الدية للمسلمين، وللحاكم أن يصرفها في مصارف الأموال، وتركها لآل عمر وهو بعض ما يستحقونه على المسلمين.
وبكل حال فكانت مسألة اجتهادية، فلا ينكر على عثمان رضي الله عنه ما فعله باجتهاده(210) .
وأما خوف عبيد الله من علي رضي الله عنهما أن يقتله بعد قتل عثمان رضي الله عنه فليس بصحيح، فلم يرد فيه إسناد صحيح فيما اطلعت عليه من مصادر، ولا يتوقع ذلك من علي رضي الله عنه، لأنه قد حُكِمَ الحكم في هذه المسألة بعصمة الدم، فلا يتوقع من علي رضي الله عنه استحلال نقضه، كما أن علياً رضي الله عنه ليس ولياً للمقتول، ولم يطلب ولي المقتول القود لأنه لا ولي له، فليس بعد عفو عثمان رضي الله عنه وحكمه بحقن دمه ما يبيح قتله، ولم يعلم ابن تيمية في ذلك نزاعاً بين المسلمين.
وهل يباح دم الخليفة الثالث المبشَّر بالجنة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يُقم الحد على رجل قتل رجلاً مشكوكاً في دينه متهماً بالنفاق، والمحاربة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم والسعي في الأرض بالفساد.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومعلوم أن عثمان رضي الله عنه كان من أكف الناس عن الدماء، ومن أصبرهم على ما يُنال من عرضه وعلى من سعى في دمه -كما سيأتي- وقد رفض قتال الخارجين عليه مع علمه بأنهم يريدون قتله، وأنه على الحق، وأنهم على الباطل، ورفض عروض المناصرين له، كل ذلك خشية أن يكون أول من خلف محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته بالسيف وسفك الدماء.
وبذلك يتبين بطلان اتهام عثمان رضي الله عنه بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل حدود الله، كما زعم من قال ذلك(211) .
ثانياً: ضياع الخاتم
لقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب -أو فضة- وجعل فصه مما يلي كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوه ألقاه، وقال: لا ألبسه أبداً، ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة.
وتوارث لبس هذا الخاتم الخلفاء من بعده؛ أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم، حتى وقع منه في بئر أريس(212) .
ويبين لنا أنس رضي الله عنه قصة ضياعه والبحث عنه، فيقول: إن عثمان رضي الله عنه جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يعبث به، فسقط، فاختلفنا(213) ثلاثة أيام مع عثمان رضي الله عنه ننزح البئر، فلم نجده(214) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي رواية لمسلم(215) إن الذي أسقطه هو: معيقيب(216) .
وتبين لنا رواية ابن سعد والنسائي، تأريخ وقوع الخاتم، وأنه كان في يد عثمان رضي الله عنه ست سنين، أي إنه وقع بعد تولي عثمان رضي الله عنه الخلافة بست سنين.
قال الحافظ ابن حجر: «قال بعض العلماء: كان في خاتمه صلى الله عليه وسلم من السر شيء مما كان في خاتم سليمان عليه السلام، لأن سليمان لما فقد خاتمه ذهب ملكه، وعثمان لما فقد خاتم النبي صلى الله عليه وسلم انتقض عليه الأمر، وخرج عليه الخارجون، وكان ذلك مبدأ الفتنة التي أفضت إلى قتله، واتصلت إلى آخر الزمان»(217) .
وكل ذلك يحتاج إلى دليل صحيح، وإلا فلا عبرة فيه ولا فائدة، لأن خلافة النبي صلى الله عليه وسلم لم تضع بقتل عثمان رضي الله عنه بل جاء بعده خلفاء أجلاء في مقدمتهم علي ثم معاوية رضي الله عنهما.
ولم أقف على رواية مسندة تبين أن الخارجين على عثمان رضي الله عنه عابوه بذلك، وسوغوا خروجهم عليه به.
وليس في ضياع خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب الخروج على الإمام، فضلاً عن قتله، هذا إن صحّ أنهم سوغوا خروجهم عليه بضياع الخاتم، وإلا فكما تقدم لم أقف على ما يدلّ على ذلك.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثالثاً: رده للحَكَم وابنه مروان إلى المدينة
فلم يثبت أن الخارجين على عثمان رضي الله عنه سوغوا خروجهم عليه بذلك، إنما ورد في بعض الكتب المتأخرة، فقد ذكره ابن المطهّر الحلي المتوفي سنة 726هـ.
فقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية عنه أنه قال: «وطرد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الحَكَمَ بن أبي العاص؛ عم عثمان رضي الله عنه من المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما ولي عثمان رضي الله عنه آواه ورده إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره، مع أن الله قال: ﴿ لا تَجِدُ قَومًا يُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوادّونَ مَن حادَّ اللَّهَ وَرَسولَهُ(218)(219) ﴾ )( .
ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه متعددة، أُجملها فيما يلي:
أ - أن كثيراً من أهل العلم طعن في صحة نفي النبي للحَكَم وقالوا: ذهب باختياره وليس لقصة نفيه سندٌ يعرف.
ب - أنه إن كان قد طرد النبي صلى الله عليه وسلم الحكم فلا يكون ذلك من المدينة، كما قال الحلي بل يكون من مكة؛ لأن الطلقاء لم تسكن بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة، وليس أحد من الطلقاء الذين منهم الحكم هاجر إلى المدينة.
ج - أن مروان كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم طفلاً صغيراً في أول سن التمييز، إما سبع سنين أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، فلم يكن له ذنب يطرد بسببه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
د - أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عزر رجلاً بالنفي، لم يلزم أن يبقى منفياً طول الزمان، فإن هذا لا يُعرف في شيء من الذنوب، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفياً دائماً، بل غاية النفي المقدر سنة، وهو نفي الزاني والمخنَّث حتى يتوب من التخنيث، فإذا كان تعزير الحاكم لذنب حتى يتوب، فإذا تاب سقطت العقوبة عنه، وإن كانت على ذنب ماض فهو أمر اجتهادي لم يقدَّر فيه قدر، ولم يوقَّت فيه وقت.
وإذا كان كذلك، فالنفي كان في آخر الهجرة، فلم تطل مدته في زمن أبي بكر وعمر، فلمّا كان عثمان طالت مدته، وقد كان عثمان شَفَعَ في عبد الله بن أبي سرح إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما أهدر دمه لردته، فقبل شَفَاعة عثمان فيه، وبايعه، فكيف لا يقبل شفاعته في الحكم.
بل قد رووا أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده فأذن له في ذلك، وذَنْبُه دون عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقصة عبد الله معروفة، وأما قصة الحكم فعامة من ذكرها، إنما ذكرها مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون، الذين يكثر الكذب فيما يروونه، وقل أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان، فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان....(220) .
فيظهر مما تقدم أن عيب عثمان رضي الله عنه بذلك إنما ورد متأخراً، ولم يثبت أنه صدر من الخارجين عليه، بل صدر من أعدائه بعد استشهاده.
وتقدم رد ابن تيمية المفصل في ذلك، الذي لا يبقي أدنى شبهة في قلب كل متجرد مريد للحق.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رابعاً: نفي أبي ذر رضي الله عنه
ومن هذه الأمور التي لم أقف على إسناد لها مما اشتهر أن الخارجين سوغوا خروجهم بها على عثمان رضي الله عنه ما زعموه من نفيه أبا ذر رضي الله عنه من المدينة إلى الربذة.
وذلك أن أبا ذر رضي الله عنه خرج من المدينة إلى الشام، عملاً بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم له بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعاً، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم له: «إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها»(221) أي: من المدينة.
وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد له الوجهة التي يخرج إليها بأن أشار بيده إلى الشام(222) .
وهذه الرواية صحيحة الإسناد إلى محمد بن سيرين، ولكنه لم يلق أبا ذر فقد ولد في السنة الثالثة والثلاثين من الهجرة تقريباً(223) وهي السنة التي توفي فيها أبوذر رضي الله عنه(224) .
ومع ذلك فإن هذه الرواية هي أقوى ما في الباب مع ما فيها من ضعف، فإنها تنفرد بتفسير سبب خروج أبي ذر رضي الله عنه من المدينة إلى الشام، وفي الشام انفرد أبو ذر برأي
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 93في المال عن باقي الصحابة رضي الله عنهم فإنه كان يرى أنه لا يجوز للمسلم أن يدخر شيئاً من المال.
يقول ابن عبد البر: «وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يَفْضُل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك»(225) .
وآية الوعيد هي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذينَ يَكنِزونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقونَها في سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرهُم بِعَذابٍ أَليمٍ(226) ﴾ وخالفه في ذلك الصحابة كلهم رضي الله عنهم يقول ابن عبد البر: «وخالفه جمهور الصحابة، ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به؛ حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي، حيث قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع»(227) .
ويرى بعض العلماء أن ما استدل به أبو ذر رضي الله عنه على أنه كان في أول الأمر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَيَسأَلونَكَ ماذا يُنفِقونَ قُلِ العَفوَ(228) ﴾ .
فقد ذكر الحافظ ابن حجر: أن وجوب إنفاق ما فَضُلَ على الكفاية كان في أول الأمر ثم نسخ، ونقل عن ابن عبد البر أن الجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته، ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً: «إذا أديت زكاة مالك فقد أديت ما عليك»، فذكر بعض ما تقدم من الطرق، ثم قال: «ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من أهل الزهد كأبي ذر»(229) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويظهر أن أبا ذر رضي الله عنه لم يعلم بالناسخ، وفي ذلك يقول أوس رضي الله عنه: «كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدّة ثم يخرج إلى قومه، ثم يُرخِّص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول»(230) .
وفي ذلك بيان لشدة حرصه رضي الله عنه ومسارعته بتبليغ الحديث إلى الناس، ولعل أوساً يشير إلى قوله في هذه المسألة، والله أعلم.
وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة(231) .
قال الحافظ: «ومفهوم الحديث أن ما زاد على الخمس ففيه صدقة، ومقتضاه أن كل مال أخرجت منه الصدقة، فلا وعيد على صاحبه، فلا يسمى ما يَفْضُل بعد إخراجه الصدقة كنزاً، وقال ابن رشيد(232) : فإن ما دون الخمس لا تجب فيه الزكاة وقد عفي عن الحق فيه فليس بكنز قطعاً، والله قد أثنى على فاعل الزكاة، ومن أثنى عليه في واجب حق المال لم يلحقه ذم من جهة ما أثنى عليه فيه، وهو المال.
ثم عقب الحافظ بقوله: ويتخلص أن يقال: ما لم تجب فيه الصدقة لا يسمى كنزاً؛ لأنه معفو عنه، فليكن ما أخرجت منه الزكاة كذلك لأنه عفي عنه بإخراج ما وجب منه فلا يسمى كنزاً(233) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عودة أبي ذر رضي الله عنه إلى المدينة
وفي الشام حدث الخلاف بين أبي ذر ومعاوية رضي الله عنهما في ذلك، فكان معاوية يقول في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذينَ يَكنِزونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقونَها في سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرهُم بِعَذابٍ أَليمٍ(234) ﴾ نزلت في أهل الكتاب، بينما أبو ذر رضي الله عنه يرى أنها نزلت في المسلمين وفي أهل الكتاب.
ورُوي أن أبا ذر رضي الله عنه كان يرى أن كل مال بقي عند صاحبه سواء أدى زكاته أم لم يؤدها، فإنه كنز يعاقب عليه، فلا يرى ادخار شيء أصلاً.
وأما معاوية رضي الله عنه فقد كان يخالف أبا ذر، ويرى أن ما أُدِّي زكاته فلا عقاب عليه(235) .
ومثله باقي الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من العلماء يرون أن المراد بالكنز في الآية ما لم تؤد زكاته، أما إذا لم يبلغ الخمسة أوسق أو بلغ، وأُدِّيت زكاته فليس بكنز بالمعنى الشرعي، وليس على كانزه شيء(236) .
قال ابن عبد البر: «وخالفه -أي أبا ذر- جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة، وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: هل عليّ غيرها، قال: لا إلا أن تطوع»(237) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ورجح الحافظ أن ذلك كان في أول الأمر، وقد استدل له ابن بطال بقوله تعالى: ﴿ وَيَسأَلونَكَ ماذا يُنفِقونَ قُلِ العَفوَ(238) ﴾ أي ما فَضُل عن الكفاية فكان ذلك واجباً في أول الأمر ثم نسخ»(239) .
وعلى إثر هذا الخلاف كتب معاوية إلى عثمان رضي الله عنهما يقص عليه ما حدث بينه وبين أبي ذرّ رضي الله عنه، فأرسل عثمان إلى أبي ذرّ يطلب منه القدوم إلى المدينة، درءاً للفتنة(240) وليجاوره فيها(241) .
فلما قدم أبو ذرّ رضي الله عنه المدينة دخل على عثمان رضي الله عنه فقال له: أخفتني فوالله لو أمرتني أن أتعلق بعروة قتب حتى أموت لفعلت(242) .
وتخوف أبو ذرّ من أن عثمان رضي الله عنه يحسبه من الخوارج الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأن سيماهم التحليق(243) .
لذا فقد رفع عمامته عن رأسه وقال: إني-والله- يا أمير المؤمنين ما أنا منهم، ولا أدركهم، ولو أمرتني أن أعضّ على عرقوبتي قتب لعضضت عليها، حتى يأتيني الموت وأنا عاضّ عليها(244) .
قال عثمان رضي
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 97الله عنه صدقت يا أبا ذرّ، إنما أرسلنا إليك لخير؛ لتجاورنا بالمدينة.
ولكنّ أبا ذر رضي الله عنه مُوصى من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة إذا بلغ البناء سلعاً، وقد خرج لما بلغ البناء سلعاً إلى الشام كما تقدم، فلما أعيد إليها، لا بد وأن يخرج من المدينة ولو إلى غير الشام.
لذا فقد قال لعثمان: لا حاجة لي في ذاك إيذن لي في الربذة(245) فقال عثمان: نعم، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدُو عليك وتروح فتصيب من رسلها، قال أبو ذر: لا حاجة لنا في ذاك، يكفي أبا ذر صرمته ثم خرج.
وفي رواية أنه لما قدم المدينة كثر عليه الناس حتى إنهم كأنهم لم يروه من قبل، فذَكر ذلك لعثمان رضي الله عنه كأنه يشكو إليه ذلك؛ فقال له عثمان: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فهذا الذي أنزله الربذة، ولما سُئل عن سبب نزوله الربذة ذكر ذلك، وقال: ولو أمرّوا عليَّ حبشياً لسمعت ولأطعت(246) .
هذه هي الحقيقة التي لا مرية فيها، فلم ينف عثمان أبا ذر رضي الله عنهما إنما استأذنه، فأذن له.
ولكن أعداء عثمان رضي الله عنه كانوا يشيعون عليه بأنه نفاه؛ ولذلك لما سأل غالبُ القطان، الحسنَ البصري: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال الحسن: لا، معاذ الله(247) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وكل ما روي في أن عثمان نفاه إلى الربذة، فإنه ضعيف الإسناد لا يخلو من علة قادحة، مع ما في متنه من نكارة لمخالفته للروايات الصحيحة والحسنة التي تبين أن أبا ذر استأذن للخروج إلى الربذة وأن عثمان أذن له(248) .
بل إن عثمان أرسل يطلبه من الشام، ليجاوره بالمدينة، فقد قال له عندما قدم من الشام: «إنا أرسلنا إليك لخير، لتجاورنا بالمدينة»(249) .
وقال له أيضاً: «كن عندي تغدو عليك وتروح اللقاح»(250) أفمن يقول ذلك له ينفيه؟!.
ولم تنص على نفيه إلا رواية رواها ابن سعد، وفيها بريدة بن سفيان الأسلمي؛ الذي قال عنه الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي، فهل تقبل رواية ضعيفة وتقدم على روايات صحيحة وحسنة.
واستغلت هذه الحادثة أبشع استغلال، فأشيع أن عثمان رضي الله عنه نفى أبا ذر إلى الربذة، وأن ذلك مما عيب عليه رضي الله عنه من قِبل الخارجين عليه، ولم أقف على ما يدل على أنه عيب عليه من قبل الخارجين عليه أو أنهم سوغوا الخروج عليه به.
وأقدم من ذكر ذلك هو: ابن العربي -المتوفى سنة 542هـ(251) - ثم المحب الطبري المتوفى سنة 694هـ(252) وردا على هذه الفرية.
وعاب عثمان رضي
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 99الله عنه بذلك ابن المطهر الحلي المتوفى سنة 726هـ بل زاد أن عثمان رضي الله عنه ضرب أبا ذر ضرباً وجيعاً(253)
ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رداً جامعاً قوياً(254) .
وكان سلف هذه الأمة يعلمون هذه الحقيقة، فإنه لما قيل للحسن البصري: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال: لا، معاذ الله(255) .
وكان ابن سيرين إذا ذُكر له أن عثمان رضي الله عنه سيَّر أبا ذر، أخذه أمر عظيم، ويقول: هو خرج من قبل نفسه، ولم يسيره عثمان(256) .
وكما تقدم في رواية صحيحة الإسناد: أن أبا ذر رضي الله عنه لما رأى كثرة الناس عليه خشي الفتنة، فذكر ذلك لعثمان كأنه يستأذنه في الخروج، فقال له عثمان رضي الله عنه: «إن شئت تنحيت فكنت قريباً».
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مثيرو الفتنة وبدؤها
أولاً: مثيرو الفتنة
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتنة(257) وإخباره حق وصدق ﴿ وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوىٰ إِن هُوَ إِلّا وَحيٌ يوحىٰ(258) ﴾ وإخباره هذا من الأمور الغيبية التي أطلعه الله عليها؛ فوقوعها محقق.
وقد حدد صلى الله عليه وسلم وقتها، وأنها ستكون في سنة من ثلاث، إما الخامسة، أو السادسة، أو السابعة بعد الثلاثين من الهجرة(259) .
فترى متى وقعت؟ ومن باء بإثم إشعالها؟ وكيف بدأت؟ وماذا كان موقف عثمان رضي الله عنه منها؟
قبل الحديث عن ذلك كله، أود أن أشير إلى أن ثمة روايات ضعيفة الإسناد تتهم بعض الصحابة رضوان الله عليهم بالتحريض على عثمان رضي الله عنه.
ومعلوم كما تقدم أن علاقة المسلم بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور العقيدة التي لا تقبل فيها إلا الروايات الصحيحة.
هذه الروايات التي تتهمهم لا تخلو أسانيدها من علة، إن لم تجتمع في الإسناد الواحد منها عدة علل، ونجد في الغالب في أسانيدها من هو متهم بالعداء للصحابة أو مجاهر بالعداء لهم.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهؤلاء الصحابة المتهمون- باطلاً وزوراً - بالتأليب على عثمان رضي الله عنه وقتله، قد عدَّلهم الله -جل وعلا- في مواضع عديدة من كتابه العزيز.
بل رضي عنهم، وشهد لهم بأنهم قد رضوا عنه، -وهذه منقبة عظيمة لهم- وذلك في قوله: ﴿ وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ۚ ذٰلِكَ الفَوزُ العَظيمُ(260) ﴾ .
«والرضى من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً»(261) .
والأدلة على تعديل الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم متضافرة متواترة، تحيط شخصيتهم بالإجلال والاحترام، وتحجز المؤمن عن النيل منهم والخوض فيما شجر بينهم -إن ثبت شيء من ذلك- فضلاً عن أن يعتمد في ذلك شيئاً لم يثبت له إسناد، ولا متن.
فمن هذه الأدلة قوله جل وعلا: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَينَهُم ۖ تَراهُم رُكَّعًا سُجَّدًا(262) ﴾... .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضلهم قوله: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»(263) .
إلى غير ذلك من النصوص المستفيضة الدالة على فضلهم، وعدالتهم(264) فلا يحق لأحد أن يتهمهم بعد تعديل الله لهم، وثناء الرسول عليهم، ومعرفة الأمة لقدرهم في حمل الإسلام والجهاد في سبيل الله، لإقامة صرح دولته وبناء حضارته.
ومن هذه التهم الباطلة الملفقة؛ ما رُوي في اتهام عمار بن ياسر رضي الله عنهما بالتأليب على عثمان رضي الله عنه(265) .
فإن أسانيد الروايات التي تتضمن هذه التهمة الباطلة؛ ضعيفة لا تخلو من علة، كما أن في متونها نكارة، فإنها تُثبت أن عماراً رضي الله عنه كان عاتباً على عثمان رضي الله عنه، ثم أرسله عثمان إلى مصر إلى أناس قد استمرحوا واستعلى أمرهم وبغيهم، ليعتبهم من كل ما عتبوا، ولأن يقول بالمعروف، وينشر الحسنى، ليصلح الله به فساداً.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فهل يتوقع أن يرسله عثمان إلى أناس بهذا الوصف، ليعتبهم، وهو عاتب عليه! ألم يجد غيره ممن هم راضون عنه؟
ولم يثبت في الروايات الصحيحة أن عماراً رضي الله عنه عتب على عثمان رضي الله عنه ولا أنه أرسله إلى مصر.
والذي تصوره أحداث هذه الفتنة أن إشعالها تم من خلال تخطيط دقيق منظم، مما يؤكد أن وراءها جماعة منظمة، تهدف إلى إشعالها، تحقيقاً لمصالحها الدنيئة، وإضعافاً لقوة المسلمين، فمن المبالغة عزو ذلك كله إلى فرد واحد.
ولا شك أن لهذه الجماعة السرية ممثلين ووجهاء، كان من أبرزهم عبد الله بن سبأ اليهودي، تلك الشخصية التي دار حول إثبات حقيقتها، ودورها في الفتنة نقاش وجدال وخصام بين كثير من الدارسين والباحثين.
والذي أكسب هذه الشخصية هذا الاهتمام هو أثرها الفعال في إشعال الفتنة، في خلافتي عثمان وعلي رضي الله عنهما.
وقد حاول بعض الكتاب أن ينفي حقيقة وجود هذه الشخصية(266) .
وتابعهم عدد من الكتاب المسلمين، وكان عمدة من نفى ثبوت شخصية عبد الله بن سبأ، أن سيف بن عمر التميمي، قد انفرد بإثبات هذه الشخصية، وأن سيفاً هذا ضعيف طعن فيه جمع من العلماء.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وتناقل بعض مثقفي العصر هذه المعلومات مسلَّمة، واقتنع بها بعضهم دون تحقق من صحتها، حتى إن أحد الباحثين(267) ألف في تأكيد ذلك دراسة مستقلة؛ لم تَعْدُ نتائجها التي توصل إليها من دراسته تلك النتائج السابقة؛ ففي ملخص هذه الرسالة الذي صُدر بـ: «وقد خلص الباحث إلى أن روايات سيف بن عمر، وروايات كتب الفرق والأدب عن ابن سبأ غير صحيحة، وأن ابن سبأ شخصية وهمية، وأن الدور المنسوب إليه في خلق وتسيير أحداث الفتنة دور مزعوم»(268) .
والمنهج الذي سلكه الباحث، منهج ضعيف في إثبات الحقائق ونفي الأساطير، فقد اعتمد فيه مؤلفه مصادر محدودة، ونفى ما لم تذكره تلك المصادر، متوهماً وموهماً أنه قد حصر روايات التاريخ الإسلامي كلها، ومن ثم نفى هذه الشخصية لعدم وجودها في روايات موثوقة فيما اطلع عليه من مصادر، وهذا منهج ضعيف، والنتيجة المبنية عليه نتيجة غير صحيحة حيث إنّ هناك روايات موثوقة تثبت هذه الشخصية، بل وتزودنا ببعض التفاصيل عنها، وسيأتي ذكرها.
وقد تنبه بعض الباحثين إلى خطأ هذه النتائج النافية لشخصية ابن سبأ، وكتبوا في إثباتها صفحات علمية قوية.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
منهم: الدكتور/سليمان العودة، في رسالته، عبد الله بن سبأ ودوره في إشعال الفتنة...؛ حيث توصل فيها إلى إثبات هذه الشخصية، وإثبات دورها في إشعال وإذكاء الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان رضي الله عنه ومن ثم موقعة الجمل.
ومنهم: الدكتور/سعدي الهاشمي، في محاضرته التي طبعت تحت عنوان (عبد الله بن سبأ حقيقة لا خيال)، فقد أثبت فيها أن ابن سبأ حقيقة؛ من كتب أهل السنة وغيرهم من الفرق عازياً كل معلومة إلى مصادرها من كتبهم(269) .
ومساهمة مع هذين الأستاذين الفاضلين أذكر بعضاً من الروايات المسندة الصحيحة، والحسنة، والضعيفة، التي وردتنا من غير طريق سيف بن عمر التميمي، تثبت شخصية ابن سبأ. فمنها:
1- ما رواه أبو إسحاق الفزاري بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة «أنه دخل على عليّ رضي الله عنه في إمارته، فقال: إني مررت بنفر، يذكرون أبا بكر وعمر، يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال عليّ: ما لي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ، فسيَّره إلى المدائن، وقال: لا يساكنني في بلدة أبداً، ثم نهض إلى المنبر، حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما بطوله: ألا ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما(270) ، إلا جلدته حد المفتري»(271) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذه الرواية ليست من روايات سيف بن عمر التميمي، كما أنها صحيحة الإسناد، فإن رجالها كلهم ثقات، ولو لم يُرو غيرها لأغنت في هدم الأساس الذي بنى عليه من وهّم شخصية ابن سبأ.
2- ما رواه ابن عساكر من حديث جابر، قال: لما بويع علي خطب الناس، فقام عليه عبد الله بن سبأ، فقال له: أنت دابة الأرض(272) . قال: فقال له: أنت الملك، فقال له:اتق الله. فقال له: أنت خلقت الخلق، وبسطت الرزق، فأمر بقتله. فاجتمع أصحابه فقالوا: دعه، وانفه إلى ساباط المدائن، فإنك إن قتلته بالمدينة خرجت أصحابه علينا وشيعته، فنفاه إلى ساباط المدائن، فَثَمّ الفرق الضالة، قال: ثم قامت له طائفة وهم السبئية، وكانوا أحد عشر رجلاً. فقال: ارجعوا، فإني علي بن أبي طالب، أبي مشهور وأمي مشهورة، وأنا ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا نرجع، دع داعيك، فأحرَقَهم بالنار، وقبورهم في الصحراء، أحد عشر مشهورة. فقال من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم: علمنا أنه إله؛ واحتجوا بقول ابن عباس: لا يعذب بالنار إلا خالقها.
قال ثعلب: وقد عذب بالنار قبل علي أبوبكر الصديق، شيخ الإسلام رضي الله عنه وذاك أنه رفع إليه رجل يقال له الفجاءة؛ وقالوا: إنه شتم النبي صلى الله عليه وسلم، بعد وفاته، فأخرجه إلى الصحراء فأحرقه بالنار.
قال: فقال ابن عباس: قد عذب أبوبكر بالنار فاعبدوه أيضاً(273) .
3-
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 107وما رواه ابن عساكر أيضاً من طريق: سماك، قال: بلغ علياً أن ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر، فدعا به، ودعا بالسيف -أو قال: فهمَّ بقتله- فكُلِّم فيه، فقال: لا يساكنني ببلد أنا فيه. قال: فسيره إلى المدائن(274)
4- وما رواه ابن عساكر من طريق: أبي الطفيل، أنه قال: رأيت المسيب بن نجبة أتى ملببة -يعني: ابن السوداء- وعليُّ على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله(275) .
5- ما رواه ابن عساكر من طريق: زيد بن وهب وأبي الزعراء عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما لي وما لهذا الحميت(276) الأسود؟(277) .
وفي رواية: «ما لي ولهذا الحميت الأسود؟ يعني: عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر»(278) .
6- ما حسنّه الحافظ ابن حجر من رواية أبي طاهر المخلص من طريق شريك العامري أنه قال: قيل لعلي:
إن هنا قوماً على باب المسجد يدّعون أنك ربهم، فدعاهم، فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا، وخالقنا، ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر(279) فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم، فقالوا: كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة، فأبوا إلاّ ذلك، فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدَّ لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود.
وقال: إني طارحكم فيها، أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى احترقوا قال:
| إني إذا رأيت أمراً منكراً | أوقدت ناري ودعوت قنبراً(280) ( 280 ) |
|---|
7- ما رواه ابن سعد من طريق: أبي المنجاب: أن رجلاً كان يأتي إبراهيم النخعي فيتعلم منه فيسمع قوماً يذكرون أمر علي وعثمان فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل، وأرى الناس مختلفين في أمر علي وعثمان، فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك فقال:(ما أنا بسبئي ولا مرجئ)(281) .
8- ما رواه ابن عساكر، من طريق حجية بن عبدي الكندي، قال: رأيت علياً -كرم الله وجهه- وهو على المنبر وهو يقول: من يعذرني من هذا الحميت الأسود؛ الذي يكذب على الله وعلى رسوله؟ -يعني: ابن الأسود- لولا أن لا يزال يخرج عليَّ عصابة تنعى عليَّ دمه كما ادُّعِيت عليَّ دماء أهل النهر لجعلت منهم ركاماً(282) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولإحراقهم شاهد رواه البخاري في صحيحه عن عكرمة قال: أتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنه، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بدَّل دينه فاقتلوه»(283) .
9- ما رواه ابن عساكر بإسناد حسن عن الشعبي أنه قال: «أول من كذب عبد الله بن سبأ»(284) .
والشعبي ولد سنة عشرين من الهجرة –تقريبا- وتوفي بعد المائة بقليل؛ أي قبل ولادة سيف بن عمر التميمي تقريباً، وهذا دليل قاطع على أن ابن سبأ كان معروفاً قبل نهاية القرن الأول.
إلى غير هذه الروايات التي رواها غير سيف بن عمر، ونجد أنها تتفق على إثبات شخصية عبد الله بن سبأ، بل تُبرز شيئاً من عقيدته، ودوره في نشرها وعن بعض دوره في إشعال الفتنة.
فتُرى ماذا سيكون موقف من يوهم شخصية ابن سبأ من هذه الروايات؟ مع اعتماده في توهيمه إياها على أن سيفاً قد انفرد في إثباتها.
وبهذا يتبين بطلان ما ذهب إليه من وهم شخصية ابن سبأ وجعلها شخصية خيالية، مدعياً تفرد سيف بن عمر بإثباتها، بل جعلها من نسج الخيال.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثانياً: قدوم أهل الأمصار
بعد أن حرّض البغاة أهل الأمصار على الخليفة رضي الله عنه اتجهوا إلى المدينة، فقدم أهل مصر، وأهل العراق، والتقوا بعثمان رضي الله عنه وتفاوضوا معه.
ولما علم الناس بمسير المصريين إلى عثمان رضي الله عنه أتى بعض الناس إلى حذيفة، فقالوا له: إن هؤلاء ساروا إلى هذا الرجل فما تقول؟ قال: يقتلونه والله، فقالوا له: أين هو؟ فقال في الجنة والله، فقالوا: فأين قتلته؟ فقال: في النار والله(285) .
خرج القوم من مصر قاصدين المدينة، وبلغ خبر قدومهم عثمان رضي الله عنه قبل وصولهم وكان في قرية خارج المدينة–لم تحددها الروايات- فلما سمعوا بوجوده فيها(286) ، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها ويحدد المدائني تاريخ قدومهم بأنه كان في ليلة الأربعاء هلال ذي القعدة(287) .
التقى القوم بعثمان رضي الله عنه في هذه القرية فقالوا: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكان يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية: ﴿ قُل أَرَأَيتُم ما أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِن رِزقٍ فَجَعَلتُم مِنهُ حَرامًا وَحَلالًا(288) ﴾ .
فقالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 111زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه، قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضه، نزلت في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة، ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين(289)
وبذلك يتبين ضعف ما رُوي من أن عثمان رضي الله عنه أرسل خمسين راكباً أميرهم محمد ابن مسلمة رضي الله عنه وفيهم جابر رضي الله عنه إلى وفد المصريين في ذي خشب، وأنهم وجدوا رجلاً من القوم معلقاً المصحف في عنقه، تذرف عيناه دموعاً، وبيده السيف، وهو يقول: ألا إن هذا -يعني المصحف- يأمرنا أن نضرب بهذا -يعني السيف على ما في هذا- يعني المصحف- وأن محمداً بن مسلمة قال له: اجلس، فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، فجلس، وأنه لم يزل يكلمهم حتى رجعوا(290) .
ونزل القوم في ذي المروة، قبل مقتله بما يقارب شهراً ونصف(291) .
فأرسل عثمان إليهم علياً رضي الله عنه ورجلاً آخر لم تسمه الروايات. والتقى بهم علي رضي الله عنه فقال لهم: تعطون كتاب الله وتعتبون من كلّ ما سخطتم، فوافقوا على ذلك(292) .
وفي رواية أنهم شادّوه، وشادّهم مرتين أو ثلاثاً، ثم قالوا: ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول أمير المؤمنين، يعرض عليكم كتاب الله فقبلوا(293) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فاصطلحوا على خمس: على أن المنفي يقلب، والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة، وكتبوا ذلك في كتاب.
وأن يُردّ ابنُ عامر على البصرة، وأبو موسى الأشعري على الكوفة وأن يؤدى إلى كل ذي حقّ حقّه، ولم يكتبوا هذه، ثم انصرفوا راجعين إلى الكوفة(294) .
هكذا اصطلح عثمان رضي الله عنه مع وفد كلّ مصرٍ على حده، ثم انصرف الوفدان إلى ديارهم راضين.
وفي رواية أن عثمان اجتمع مع أهل الأمصار جميعاً، وأنه قال لهم: ليقم أهل كل مصر يسألوني صاحبهم، الذي يحبونه فأستعمله عليهم، وأعزل عنهم الذي يكرهون، فقال أهل البصرة: رضينا بعبد الله بن عامر، فأقره علينا، وقال: أهل الكوفة: اعزل سعيداً واستعمل علينا أبا موسى ففعل، وقال أهل الشام قد رضينا بمعاوية فأقرّه علينا، وقال أهل مصر: اعزل عنا ابن أبي سرح، واستعمل علينا عمرو بن العاص، ففعل، فما جاءوا بشيء إلا خرج منه، فانصرفوا راضين(295) .
وبعد عقد الصلح، كتب عثمان رضي الله عنه كتاباً إلى أهل العراق، يقول فيه: «إن جيش ذي المروة نزلوا بنا فكان مما صالحناهم عليه: أن يؤدى إلى كل ذي حقٍّ حقه، فمن كان له قِبَلنا حق فليركب إليه، فإن أبطأ أو تثاقل فليتصدق فإن الله يجزي المتصدقين»(296) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبعد هذا الصلح العظيم وعودة أهل الأمصار جميعاً راضين، تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلت، وأهدافهم الدنيئة لم تتحقق، لذا خططوا تخطيطاً آخر، يُذكي الفتنة ويحييها، ويدمر ما جرى من صلح بين أهل الأمصار وعثمان رضي الله عنه وبرز ذلك فيما يأتي:
في أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكباً على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم- يظهر أنه هارب منهم- فكأنه يقول: خذوني، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان رضي الله عنه وعليه خاتمه إلى عامل مصر، فتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها(297) .
وقبل أن نخوض في محاولات لكشف شخصية كاتب هذا الكتاب، هناك دلائل تشكك في صحة ما أشاعه أهل الأمصار من وجود هذا الرجل الذي يحمل هذا الكتاب، فلماذا لا يكونون قد ألفوا كتاباً في أثناء الطريق وعادوا به مظهرين أنهم وجدوه مع رجل على جمل؟
ومما يقوي ذلك، أنه لم تنقل المصادر أنهم انتقموا من هذا الرجل الذي يحمل هذا الكتاب الذي فيه هلاكهم، خاصة وأنهم قوم لم يتورعوا عن دم خليفتهم وأميرهم، فمن باب أولى أنهم لا يتورعون عن دم هذا الرسول.
ولو افترضنا صحة هذا الزعم، فلِم يسلك هذا الرسول طريقهم؟ أليس هناك طرق إلى مصر غير طريقهم؟ وإذا لم يكن هناك طرق أخرى ألا يستطيع أن ينحرف عن الطريق عند اقترابه منهم، ثم يعود إلى الطريق نفسه؟
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولِم يتَعرض لهم ويفارقهم، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم، فلِمَ هذه التصرفات التي تدعوهم إلى القبض عليه؟
وإذا كان مرسله عثمان رضي الله عنه أو أحد ممن هم حوله، ألا يرشدونه إلى هذه التعليمات التي تعينه على التملص من أهل مصر، وينبهونه إلى أن يتستر ويخفي مضمون هذا الكتاب؟! بلى، هذا هو المتحتم من خلال هذا الموقف.
ولكن انظر إلى هذا الرسول -المزعوم- عندما قبض عليه، قالوا له: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.
ففتشوه فإذا هم -كما في الرواية- بالكتاب على لسان عثمان رضي الله عنه عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم.
ومن الذي يؤكد لنا أن الخاتم خاتم عثمان رضي الله عنه؟ فلم تنقل لنا المصادر أن أحداً من الصحابة رضي الله عنهم قد رأى هذا الخاتم وأقر أنه خاتمه.
عاد القوم بعد ذهابهم يحملون هذه الأخبار، التي لا يستبعد إطلاقاً أن تكون ممثلة ملفقة، وقدموا المدينة.
وتفصل بعض الروايات الضعيفة في ذهابهم إلى بعض الصحابة وعرض الكتاب عليهم، إلا أنه لم يصح في ذلك شيء من الروايات.
ونفى عثمان رضي الله عنه أن يكون كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت، ولا علمت، وقد يُكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنقش الخاتم، فلم يصدقوه.
ولا نشك نحن
PDF 115في صدق عثمان رضي الله عنه كما أنهم لا يشكون في ذلك، ولكنهم لم يعبؤوا بهذا الحلف منه؛ لأنهم -ربما- يعرفون مسبقاً أنه ليس بكاتب الكتاب، وإنما هي حيلة لنقض العهد الذي أسفوا على إبرامه، أو أسف واغتاظ مشعلوا الفتنة على وقوعه.
إذا فرضنا أنهم وجدوا كتاباً فعلاً بخط كاتب عثمان رضي الله عنه وعليه خاتمه، فمن ذا الذي يكون قد باء بإثم تزويره؟!
يتهم بعضهم مروان بن الحكم في ذلك، وأنه افتأت(298) على عثمان رضي الله عنه بكتابته، وأستبعد ذلك جداً، لما تقدم من أن تفاصيل خطة إرسال هذا الكتاب تدل على أن مرسله لم يكن يريد إيصاله إلى مصر، وإنما يهدف إلى اطلاع وفد أهل مصر عليه، كما أنه لا مصلحة لمروان بكتابة هذا الكتاب.
والذي يبدو -والله أعلم- أن الذي زيف هذا الكتاب هو: عبد الله بن سبأ، أو أحدُ أعوانه، فهذه من عاداته القبيحة التي استخدمها في إشعال الفتنة، فليس هذا الكتاب هو الكتاب الوحيد المزور في هذه الفتنة؛ بل زُوّر غيره على ألسنة بعض الصحابة رضوان الله عليهم كعائشة، وعلي رضي الله عنهما.
بعد عودتهم هذه حاصروا الدار، وقاموا بأبشع المعاملة مع الخليفة عثمان رضي الله عنه، وتصرفوا أقبح التصرفات. وفي الباب الآتي تفصيل ما جرى أثناء الحصار.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يوم الدار وقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه
أولاً: وصف الدار
لقد أطلق يوم الدار على المدة التي حوصر فيها عثمان رضي الله عنه بدءاً من رجوع المصريين إلى المدينة وانتهاءً بقتله رضي الله عنه(299) .
واختلف في مدة الحصار، فقيل إنه استمر أكثر من عشرين يوماً(300) وقيل: أكثر من شهر، وقيل: كانت مدته أربعين يوماً(301) وقيل: كانت نيفا وأربعين ليلة(302) وقيل: تسعة وأربعين يوماً(303) وقيل: شهرين وعشرين يوماً(304) .
ومكان الحصار هو: داره الكبرى التي كان يسكنها في المدينة النبوية(305) ويسميها الرواة أحياناً بالقصر(306) .
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وتقع شرق المسجد النبوي مقابل باب عثمان(307) ويحدها من الشمال زقاق البقيع الذي يبلغ عرضه خمسة أذرع، ومن جهة الشرق داره الصغرى، التي تليها دار أبي حزم، ويقابل دارَه الصغرى دارٌ لأبي بكر الصديق رضي الله عنه(308) .
وبين الدار الكبرى، والمسجد النبوي: ساحة تسمى البلاط(309) كانت ممتلئة بالمحاصرين أثناء الحصار(310) .
ولعل موضع هذه الدار قد دخل في المسجد النبوي في توسعة من التوسعات التي وسع بها، ويبدو أنه المكان الذي بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم وبين جدار المسجد الشرقي مما يلي باب البقيع الذي فتح حديثاً مقابل باب السلام من الجهة الشرقية(311) .
وفي الروايات الصحيحة نتف من أوصاف هذه الدار، يشكل مجموعها: صورة تقريبية لها تساعد على فهم الأحداث التي جرت في الدار وأدت إلى قتل عثمان رضي الله عنه.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومما وقفت عليه من وصف لهذه الدار، أنها كانت مجاورة لدور متساوية معها من حيث العلو، مما يساعد على إمكانية التنقل بينها عن طريق سطحها(312) .
كما يجاورها دور أخرى غير ملتصقة بها، يمكن الانتقال إليها بواسطة خشب توضع بينها(313) .
وللدار خوخة تطل على المسجد، أو نافذة تطل على الشارع، يرى المطلع منها من في الشارع، أو من في المسجد كما يمكن عن طريقها أن يرى من في المسجد أو في الشارع من في الدار وفي الدار(314) درج يصلها بسطحها(315) .
ثانياً: بدء الحصار
لم تفصل الروايات الصحيحة في كيفية بدء وقوع الحصار، ولعل الأحداث التي سبقته تلقي شيئاً من الضوء على كيفية بدئه.
فبينما كان عثمان رضي الله عنه يخطب الناس ذات يوم إذا برجل يقال له أعين(316) يقاطعه ويقول له: يا نعثل(317) إنك قد بدلت، فقال عثمان رضي الله عنه: من هذا؟ فقالوا: أعين، قال عثمان:
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 119بل أنت أيها العبد، فوثب الناس إلى أعين، وجعل رجل من بني ليث يزعهم عنه حتى أدخله الدار(318)
وبعد قدوم المصريين -الثاني- وقبل اشتداد الحصار كان عثمان رضي الله عنه يستطيع الخروج إلى الصلاة، ويُدخل عليه من يشاء، ثم منعوه من ذلك ومن الخروج من داره، فكان رضي الله عنه لا يستطيع الخروج لصلاة الفريضة(319) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فكان يصلي بالناس رجل من المحاصرين، من أئمة الفتنة، حتى أن عبيد الله بن عدي بن الخيار تحرج من الصلاة خلفه، فاستشار عثمان في ذلك؛ فأشار عليه بأن يصلي خلفه، وقال له: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم(320) .
وفي بعض الروايات الضعيفة أن الذي كان يصلي بالناس هو أميرهم الغافقي(321) ).
ولا صحة لما روى الواقدي من أن علياً رضي الله عنه أمر أبا أيوب الأنصاري أن يصلي بالناس فصلى بهم أول الحصر، ثم صلى علي رضي الله عنه بهم العيد وما بعده(322) .
ومما يزيد في ضعف متن هذه الرواية؛ إضافة إلى ضعف إسنادها: أنه لو كان علي أو أبو أيوب رضي الله عنهما هما الذان يصليان بالناس، لما تحرج عبيد الله بن عدي بن الخيار من الصلاة خلفهما.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثالثاً: المفاوضات بين عثمان ومحاصريه
وبعد أن تم الحصار، وأحاط الخارجون -على عثمان رضي الله عنه - بالدار طلبوا منه خلع نفسه، أويقتلوه(323) .
وهؤلاء الذين يطالبون الخليفة بخلع نفسه هم حثالة من الناس، وأوباشهم وأدناهم ديناً، وخلقاً، وعلماً وليسوا من أهل الحل والعقد.
وبعرضهم هذا تحقق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه وحان وقت العمل بوصيته صلى الله عليه وسلم له؛ لذا رفض عثمان رضي الله عنه خلع نفسه، وقال: «لا أخلع سربالاً سربلنيه الله»(324) يشير إلى ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم(325) .
بينما كان قلة من الصحابة رضي الله عنه يرون خلاف ما ذهب إليه، وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومن هؤلاء المغيرة بن الأخنس رضي الله عنه، لكنه رفض ذلك.
وفي أثناء وجود أصحاب هذا الرأي عند عثمان رضي الله عنه دخل عليهم ابن عمر رضي الله عنهما.
فقال له عثمان رضي الله عنه: «انظر إلى ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان رضي الله عنه: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟، قال عثمان رضي الله عنه: لا، قال: فهل يملكون لك جنة أو
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 122ناراً؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصاً قمصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه»(326)
وفي رواية: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام، كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصاً قمصكه الله(327) .
ولا يدل هذا الحوار على أن عثمان رضي الله عنه كان متردداً في الخلع وعدمه حتى أيده ابن عمر رضي الله عنهما لأن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له صريحة في عدم الخلع، إلا أن يكون قد نسيها ثم تذكرها بعد، والذي يبدو من عبارته رضي الله عنه التي عبر بها عن رأيه في عدم الخلع أنه متذكر للوصية حيث استخدم معانيها.
وهذا الموقف الذي أملته وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف حكيم، فإن الاستجابة لمطالب الثوار وهم فئة قليلة من الأمة، وليسوا من أهل الحل والعقد، ولا من رجالات الإسلام، وفقهاء الشريعة ستكون لها آثار خطيرة على مسيرة الأمة، وهيبة الخلافة، وعلاقة الراعي بالرعية، وكان ثمن دفع هذه الآثار السيئة أن دفع الخليفة حياته، وهو يعلم بمصيره ويستسلم له وهو أمر ثقيل على النفس، ولكنه قدم مصالح الأمة على مصلحته الشخصية.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مما يكشف عن قوة وعزيمة وشجاعة، ويرد به على تلك التهم التي وجهت إليه من ضعف في هذه الصفات.
فإنه رضي الله عنه كان قادراً -بإذن الله- على كبح الفتنة، ولكنه قدّر حدوث مفاسد أعظم من مصلحة كبحها، فأعرض عن ذلك درءاً لها؛ وبذلك يعلم خطأ من قال بأن قتل عثمان: «لا يوصف بأكثر من أنه (مشاغبة دهماء) لم تجد من يكبحها»(328) فإن في ذلك غمزاً في شخصية وشجاعة عثمان رضي الله عنه، وهي حقاً فتنة دهماء، ولكن عدم كبحها يعد منقبة لعثمان رضي الله عنه لما فيه من تضحية في سبيل الله، رجاء تحصيل مصلحة للأمة، وعملاً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبينما كان عثمان رضي الله عنه في داره، والقوم أمام الدار يحاصرونها، دخل إلى مدخلٍ يسمع مَن بداخله كلام مَن في البلاط، فإذا هو يسمع توعد المحاصرين له بالقتل، ويبدو أنه لم يكن يتوقع قبل هذا أن الأمر سيبلغ هذا المبلغ.
فخرج من المدخل، ودخل على من معه في الدار، فتغير اللون، فقال: «إنهم ليتوعدونني بالقتل آنفاً، فقالوا له: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، فقال ولم يقتلونني؟! وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس» فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منذ هداني الله، ولا قتلت نفساً؛ ففيم يقتلونني؟»(329) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثم أشرف على المحاصرين، وحاول تهدئة ثورتهم وثنيهم عن خروجهم على إمامهم، مضمناً كلامه الرد على ما عابوه به، وكشف الحقائق التي لبّسها القوم، عسى أن يفيق المغرر بهم ويعودوا إلى رشدهم.
فطلب من المحاصرين أن يُخرجوا له رجلاً يكلمه، فأخرجوا له شاباً يقال له: صعصعة بن صوحان، فطلب منه عثمان رضي الله عنه أن يبين له ما نقموه عليه(330) .
فقال صعصعة: أُخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا(331) الله فقال له عثمان رضي الله عنه: اتلُ أي: استدل بالقرآن، فقرأ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلونَ بِأَنَّهُم ظُلِموا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلىٰ نَصرِهِم لَقَديرٌ(332)(333) ﴾ )( .
فقال عثمان: ليست لك، ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي، وفي رواية أنه قال له: كذبت لستم بأولئك، نحن أولئك، أخرجنا أهل مكة.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فقرأ عثمان الآية التي استدل بها صعصعة وما بعدها مما يفسرها ويبين زيف استدلال صعصعة بها، فتلا: ﴿ أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلونَ بِأَنَّهُم ظُلِموا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلىٰ نَصرِهِم لَقَديرٌ الَّذينَ أُخرِجوا مِن دِيارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلّا أَن يَقولوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيهَا اسمُ اللَّهِ كَثيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ الَّذينَ إِن مَكَّنّاهُم فِي الأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَروا بِالمَعروفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ(334)(335) ﴾ )( .
وبذلك أفهم عثمان رضي الله عنه الناس الآيات فهماً صحيحاً كما نزلت مبيناً سبب نزولها، وفيمن نزلت، وعلى ما تدل، لئلا يلبّس عليهم من قرأ القرآن وهو لا يعرف معناه، ويستدل به على ما يضاد مراده.
وقد قال بهذا الذي قاله عثمان رضي الله عنه أئمة التفسير من الصحابة وغيرهم؛ ابن عباس، ومجاهد والضحاك وغير واحد من السلف، فقالوا: بأنها نزلت في المهاجرين(336) .
وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ(337) ﴾ يقول عمر بن عبد العزيز: «ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمُولّى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؛ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يأخذكم
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 126بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع...»(338)
كما أن نفي عثمان لمن نفاه إنما هو عمل بالآية التي استدل بها صعصعة، فإنها تأمر من مكنه الله في الأرض، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعثمان خليفة، ونفيهم أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر لما قاموا به من تعدٍّ على بعض المسلمين، وإثارة الفتنة، ولو قتلهم لكان ذلك حقاً وعدلاً منه؛ لأنهم من المفسدين في الأرض الذين جعل الله جزاءهم هو: القتل أو الصلب أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ وَيَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسادًا أَن يُقَتَّلوا أَو يُصَلَّبوا أَو تُقَطَّعَ أَيديهِم وَأَرجُلُهُم مِن خِلافٍ أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ ۚ ذٰلِكَ لَهُم خِزيٌ فِي الدُّنيا ۖ وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ(339) ﴾ .
فما استدل عليه صعصعة بالآية بعيد جداً عن معناها الحقيقي، كما أن إخراجهم ليس بسبب أنهم قالوا: ربنا الله، يقول ابن كثير: «إلا أن يقولوا ربنا الله أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحَّدوا الله وعبدوه لا شريك له»(340) .
فهل هذا هو سبب إخراج مشاغبي أهل الكوفة؟! وهل استدلال صعصعة بالآية صحيح، أم أنه استدلال مزيف؟
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولذا: فإن عثمان رضي الله عنه بعد أن رد على هؤلاء، ذكّر الناس بمكانته، وبمكانة المحاصرين في الإسلام، وببعض فضائله مناشداً بالله من يعلمها أو سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبينها للناس.
ومن جملة مناشدته لهم؛ ناشدهم بالإقرار بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالشهادة وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد»، وأنه كان معه إذ ذاك(341) .
ومعلوم أن عثمان ليس بنبي، وأن الصديق هو أبوبكر، لاشتهاره بهذه الصفة، فلم يبق لعثمان ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم إلا الصفة الثالثة وهي: (الشهادة)، وقد ذكَّر عثمان الناس بذلك، وعلَّم الجاهل منهم، ليتيقنوا أنه سيستشهد وأن قتله شهادة؛ فعسى أن يُنجي القوم أنفسهم من قتله، وليبين للناس ضلال من اتهمه بالتبديل؛ وليؤكد لهم أيضاً عصمة دمه، وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بحسن الخاتمة، فيفهموا أن ما ألصقوه به من معايب لا تبيح قتله؛ لأنه على أقل الأحوال لا يخرج عن كونه مسلماً معصوم الدم.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ورداً على ما عابوه به من تخلف عن بيعة الرضوان، ذكّرهم وناشدهم ببعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه إذ ذاك إلى المشركين من أهل مكة، ولما كانت البيعة قال: هذه يد عثمان فبايع له، فانتشد له رجال(342) .
فعدم حضوره جسدياً للبيعة لا يعني فوات فضلها منه، كما أن عدم حضورها جسدياً ليس بمذمة تلصق به، بل دليل على فضله ومكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث انتدبه لهذه المهمة العظيمة.
ولمنع القوم له من الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكّرهم وناشدهم بما كان منه من توسعة للمسجد يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يوسع لنا هذا البيت في المسجد-يشير إلى بيت جانب المسجد- ببيت له في الجنة» وأنه ابتاعه من ماله فوسع به المسجد(343) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فمنعهم له من الصلاة في هذا المسجد ظلمٌ ظاهر، فإنه مسلم له حق في المسجد كباقي المسلمين، وله زيادة أحقية فيه، لمساهمته الكبيرة في بنائه.
وفي وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم له ببيت في الجنة دليل ظاهر على حسن خاتمته، فلعل القوم يعون هذه الشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم له ببيت في الجنة، فيعصمون دمه، ولعلهم يدركون أن ما كان يهبه عثمان رضي الله عنه لأهل قربته لم يكن من بيت مال المسلمين، بل هو من ماله الخاص، الذي كان به جواداً سخياً قبل أن يلي بيت مال المسلمين.
ولم تكن النفقة في سبيل الله هي اليتيمة من نوعها، بل أنفق ما يفوقها كثرة، ولتذكيرهم بذلك ناشدهم بما كان من تجهيزه لجيش العسرة بكامله استجابة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ينفق اليوم نفقة متقبلة»(344) .
وبشرائه بئر رومة التي كان ماؤها يباع من ابن السبيل، فابتاعها من ماله وأباحها لابن السبيل.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ففي منعهم الماء عنه جزاء بعكس ما أكرم هو به المسلمين، فذكَّرهم رضي الله عنه بما كان منه من التوسيع عليهم بوهبه إياهم بئر رومة، فتمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وسكان مدينته بهذا الماء العذب الزلال، وهم يمنعونه من الماء، ويضطرونه إلى الشرب من بئر نتنة في بيته يرمي بها النتن والأوساخ(345) .
فلما رأى إصراراً منهم وعزما على قتله، حذرهم من ذلك ومن مغبته، فاطلع عليهم من كَوٍّ(346) وقال لهم: أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تقاتلون جميعاً أبداً، ولا تجاهدون عدواً أبداً، لتختلفن حتى تصيروا هكذا؛ وشبك بين أصابعه(347) .
وفي رواية أنه قال: أيها الناس لا تقتلوني فإني والٍ وأخٌ مسلم، فوالله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت، أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعاً أبداً، ولا تغزوا جميعاً أبداً، ولا يقسم فيئكم بينكم(348) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال أيضاً: «فوالله لئن قتلوني لا يحابون بعدي أبداً، ولا يقاتلون بعدي جميعاً عدواً أبداً»(349) .
وقد تحقق ما حذرهم منه، فبعد قتله وقع كل ما قاله رضي الله عنه، وفي ذلك يقول الحسن البصري: «فوالله إن صلى القوم جميعاً إن قلوبهم لمختلفة»(350) .
كما حذرهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه من قتله(351) .
ثم أرسل عثمان إلى الصحابة رضي الله عنهم يشاورهم في أمر المحاصرين وتوعدهم إياه بالقتل، فأرسل إلى ابن سلام رضي الله عنه يشاوره في الأمر كما سيأتي في المبحث التالي.
رابعاً: دفاع الصحابة عنه، ورفضه لذلك
فلما رأى عثمان رضي الله عنه أن تلك المحاولات السلمية لم تفد فيهم، واشتد حصارهم له، شاور عبد الله بن سلام رضي الله عنه في هذا الأمر، فأشار عليه بأن يكف عن قتالهم، ليكون ذلك أبلغ له في الحجة عند الله، فقد قال له: «الكف، الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة»(352) .
وأرسل إلى عليّ رضي الله عنه يدعوه، فانطلق علي متجهاً إلى الدار ومعه بعض أهله، فلما وصلوا الدار، وكانت محاطة بالمحاصرين، فعزم على اقتحامهم، والدخول على عثمان،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 132فتعلق به بعض أهله، وحالوا بينه وبين دخول الدار خوفاً عليه من المحاصرين أن يؤذوه، فحسر عن رأسه عمامة سوداء كان يرتديها، ورمى بها إلى رسول عثمان(353)
وعمل عثمان رضي الله عنه بمشورة ابن سلام، فاتخذ موقفاً سلمياً يقتضي عدم الدخول مع القوم في قتال مهما بلغ الأمر.
ولما رأى الصحابة رضوان الله عليهم قبح جرأة المحاصرين، وخشوا على عثمان رضي الله عنه منهم، جاء جمع منهم فعرضوا عليه الدفاع عنه فرفض، ثم جاءوه مرة ثانية وأكدوا على عزمهم على الدفاع عنه فرفض بشدة، فلما رأوا أن الأمر سيبلغ مبلغاً خطيراً، استعدوا للقتال دفاعاً عنه، ودخل بعضهم الدار، ولكن عثمان رضي الله عنه عزم عليهم بشدة، وشدد عليهم في الكف عن القتال دفاعاً عنه مما حال بين رغبتهم الصادقة في الدفاع عنه وبين تحقيقها.
ويلاحظ من خلال الروايات الصحيحة أن رفض عثمان رضي الله عنه الدفاع عنه يشتد كلما أظهر أصحابه قوة عزمهم في الدفاع عنه، بل لما رأى إصراراً من بعضهم، وعظهم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 133وذكّرهم بالله، وناشدهم بما له عليهم من طاعة، مما يبين قوة عزمه على الكف عن القتال، وعدم تردده في ذلك.
وفيما يلي تفصيل لعروض الصحابة على عثمان رضي الله عنهم الدفاع عنه، وموقفه من هذه العروض:
فقد جاءه حارثة بن النعمان رضي الله عنهما أثناء الحصار فقال له: إن شئت أن نقاتل دونك(354) .
وجاءه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وأبدى له استعداد كثير من الناس للقتال دونه، واقترح عليه مقاتلتهم بمن معه من العدد والقوة، وذلك في قوله: إن معك عدداً وقوة، وأنت على الحق، وهم على الباطل، فقال له عثمان رضي الله عنه: «لن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء»(355) .
وقال له عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: قاتلهم فوالله لقد أحل الله لك قتالهم، فقال عثمان: «لا والله لا أقاتلهم أبداً»(356) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي رواية: يا أمير المؤمنين، إنّا معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال عثمان رضي الله عنه: أنشد الله رجلاً أهراق فيَّ دمه(357) .
ثم أمَّره على الدار، وقال: من كانت لي عليه طاعة، فليطع عبد الله ابن الزبير(358) ولم تكشف لنا الروايات ما تضمنته هذه الإمارة من صلاحيات، كما أنه لم ينقل لنا أن ابن الزبير أصدر أمراً بعد تأمير عثمان له على الدار، ولعل عثمان رضي الله عنه لما رأى موافقة وطاعة ابن الزبير رضي الله عنه في عدم القتال، كلفه بنقل هذا الأمر إلى غيره، ولذلك أمر بطاعته.
ولما اشتد الأمر لم يكتف الصحابة بالعرض الأول، والاعتذار برفضه للقتال.
بل حث كعب بن مالك رضي الله عنه الأنصار على نصرة عثمان رضي الله عنه وقال لهم: يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين، فجاءت الأنصار عثمان رضي الله عنهم ووقفوا ببابه.
ودخل عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب: إن شئت كنا أنصار الله مرتين(359) فرفض القتال وقال: لا حاجة لي في ذلك كفوا(360) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي رواية أنهم قالوا له: يا أمير المؤمنين ننصر الله مرتين، نصرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وننصرك، فرفض رضي الله عنه(361) .
وجاء الحسن بن علي رضي الله عنهما وقال له: «أخترط سيفي؟ قال له: لا، أبرأ(362) الله إذاً من دمك، ولكن ثم(363) سيفك، وارجع إلى أبيك»(364) .
وبينما كان عثمان رضي الله عنه يجلس على كرسي -في الدار- وعنده الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وبين يديه مراكن مملوءة ماء ورياط مضرجة، إذا برسول الزبير بن العوام رضي الله عنه يدخل عليه، ويقرئه السلام من الزبير، ويقول له: إن الزبير يقول لك: إني على طاعتي لم أبدل، ولم أنكث، فإن شئت دخلت الدار معك، وكنت رجلاً من القوم، وإن شئت أقمت، فإنَّ بني عمرو بن عوف، وعدوني أن يصبحوا على بابي ثم يمضون على ما آمرهم به.
فلما سمع عثمان رضي الله عنه الرسالة؛ كبر الله وحمده، وطلب من الرسول أن يقرئه السلام ويقول له: إن يدخل الدار لا يكون إلا رجلاً من القوم، وإن مكانه أحب إليّ، وعسى الله أن يدفع بك عني(365) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فهاتان طريقتان لعرض الصحابة على عثمان المناصرة في قتال المحاصرين رفضهما رضي الله عنه بشدة مع شدة حاجته إلى النصرة.
ولما رأى الصحابة أن الأمر استفحل، وأن السيل بلغ الزبى(366) عزم بعضهم على الدفاع عنه دون استشارته، فدخل بعضهم الدار مستعداً للقتال، فقد كان ابن عمر معه في الدار(367) متقلداً سيفه لابساً درعه ليقاتل دفاعاً عن عثمان رضي الله عنه، ولكن عثمان عزم عليه أن يخرج من الدار خشية أن يتقاتل مع القوم عند دخولهم عليه فيقتل(368) كما لبسه مرة أخرى أيضاً(369) .
وتقلد أبو هريرة رضي الله عنه سيفه، ودخل الدار على عثمان رضي الله عنه يقول: يا أمير المؤمنين طاب أمضرب(370) فقال له: يا أبا هريرة أَيَسُرُّك أن تقتل الناس جميعاً وإياي؟ قال: لا، قال:
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 137فإنك والله إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قُتِل الناس جميعاً، فرجع ولم يقاتل(371) وفي رواية: أن أبا هريرة كان متقلداً سيفه حتى نهاه عثمان(372)
وبعد رد عثمان على رسالة الزبير، قام أبو هريرة رضي الله عنه فقال: ألا أخبركم ما سمعت أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تكون بعدي فتن وأمور، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمين وحزبه؛ وأشار إلى عثمان بن عفان.
فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر فأذن لنا في الجهاد، فقال عثمان رضي الله عنه: أعزم على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل(373) .
وانطلق الحسن، والحسين، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان كلهم شاكي السلاح حتى دخلوا الدار.
فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم، فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم(374) وقطع كل فرصة عليهم بقوله: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعاً وطاعة إلا كف يده وسلاحه(375) فإن أفضلكم عندي غناء من كف يده وسلاحه فرضي الله عنه وأرضاه.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وجاءت أم المؤمنين صفية رضي الله عنها على بغلة يقودها مولاها كنانة، لترد عن عثمان رضي الله عنه فلقيها الأشتر، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ردوني، ولا يفضحني هذا الكلب(376) .
يقول سليط بن سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها(377) .
ويقول ابن أبي مليكة: كان مع عثمان في الدار عصابة مستبصرة، منهم عبد الله بن الزبير(378) .
ويقول ابن سيرين: كان مع عثمان في الدار سبعمائة، لو يدعهم لضربوهم -إن شاء الله- حتى يخرجوهم من أقطارها؛ منهم ابن عمر، والحسن بن عليّ، وعبد الله بن الزبير(379) .
ويقول أيضاً: لقد قتل عثمان -يوم قتل- وإن الدار لغاصة، منهم ابن عمر، وفيهم الحسن بن عليّ في عنقه السيف، ولكن عثمان عزم عليهم ألا يقاتلوا(380) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويقول الحسن البصري: لو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه(381) .
ولكنهم تركوا الاحتكاك مع القوم استجابة لأمر الخليفة رضي الله عنه الذي أمرهم بكف أيديهم -كما تقدم-.
وبذلك يظهر زيف الاتهام الذي اتهم به الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار من أنهم تخاذلوا عن نصرة عثمان رضي الله عنه.
وكل ما روي في ذلك، فإنه لا يسلم من علة إن لم تكن عللاً قادحة في الإسناد والمتن معاً.
ولما رأى بعض الصحابة إصرار عثمان رضي الله عنه على رفض قتال المحاصرين، وأن المحاصرين مصرون على قتله، لم يجدوا حيلة لحمايته سوى أن يعرضوا عليه مساعدته في الخروج إلى مكة هرباً من المحاصرين.
فقد رُوي أن عبد الله بن الزبير(382) والمغيرة بن شعبة(383) وأسامة بن زيد(384) عرضوا عليه ذلك، وكان عرضهم متفرقاً، فقد عرض كل واحد منهم عليه ذلك على حدة، وعثمان رضي الله عنه يرفض كل هذه العروض.
والوارد من ذلك؛ أنه عرض عليه ذلك فرفضه، دون تحديد للأسماء(385) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وترى ما السبب الذي دعا عثمان رضي الله عنه إلى اتخاذ ذلك الموقف رغم حاجته إلى النصرة وقتال المحاصرين؟!.
إذا عرضنا هذا التساؤل على روايات الفتنة، تطالعنا أسباب خمسة هي:
الأول: العمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سارّه بها، وبيَّنها عثمان رضي الله عنه يوم الدار، وأنها عَهْدٌ عُهِدَ به إليه وأنه صابر نفسه عليه(386) .
الثاني: ما جاء في قوله: «لن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء»، أي كره أن يكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك دماء المسلمين وقتال بعضهم بعضا(387) .
الثالث: علمه بأن البغاة لا يريدون غيره، فكره أن يتوقى بالمؤمنين، وأحب أن يقيهم بنفسه(388) .
الرابع: علمه بأن هذه الفتنة ستنتهي بقتله، وذلك فيما أخبره به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تبشيره إياه بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه سيقتل مصطبراً بالحق معطيه في فتنة(389)
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 141والدلالات تدل على أن أوانها قد حان، وأكد ذلك تلك الرؤيا التي رآها ليلة قتله، فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: أفطر عندنا القابلة، ففهم رضي الله عنه أن موعد الاستشهاد قد قرب.
الخامس: العمل بمشورة ابن سلام رضي الله عنه له إذ قال له: «الكف، الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة»(390) .
وتحقق إخبار النبي صلى الله عليه وسلم، بأن عثمان رضي الله عنه يتولى الخلافة ثم يقتل وهو مصطبر بالحق معطيا القتل.
وذلك فيما رواه عبد الله بن حوالة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نجا من ثلاث فقد نجا -ثلاث مرات-: موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه»(391) .
ومن مواقف عثمان رضي الله عنه يوم الدار يتبين هدوء عثمان رضي الله عنه في التفكير، وأن شدة البلوى لم تحل بينه وبين التفكير الصحيح، وإبداء الرأي السليم، فقد تضافرت الأسباب لتحديد هذا الموقف المسالم من قتال الخارجين عليه.
ولا شك أنه رضي الله عنه كان على الحق في مواقفه التي اتخذها، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار إلى وقوع هذه الفتنة، وشهد لعثمان، وأصحابه أنهم على الحق فيها(392) .
وأما ماروي من أنه أخذ الحربة فنودي من السماء: أن مهلاً يا عثمان، فرمى بها، فإنه ضعيف الإسناد لا يحتج به(393) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
خامساً: القتال يوم الدار
ورغم هذه المحاولات منه رضي الله عنه لصد المدافعين عنه عن قتال المحاصرين له، فإن بعض الروايات تشير إلى أنه قد حدث احتكاك، واشتباك خفيف أدى إلى حمل الحسن ابن علي رضي الله عنهما جريحاً من الدار يومها(394) .
وتفصل روايات ضعيفة(395) وأخرى ضعيفة جداً(396) في ذلك، وتذهب إلى أنه قد وقع قتال عنيف، ولكن لا يحتج بها لضعف أسانيدها.
وفي رواية صحيحة، أنه أخرج من الدار يوم قتل عثمان رضي الله عنه أربعة من شبان قريش ملطخين بالدم محمولين، كانوا يدرؤون عن عثمان رضي الله عنه، وهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم(397) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
سادساً: آخر أيام الحصار وفيه الرؤيا
وفي آخر يوم من أيام الحصار-وهو اليوم الذي قتل فيه- نام رضي الله عنه(398) فأصبح يحدث الناس(399) .
يقول: ليقتلني القوم(400) .
ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام(401) ومعه أبوبكر وعمر(402) فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«يا
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حق، فإن الشيطان لا يتمثل في صورته، كما ثبت في الصحيح عنه أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي»(406) .
وقال أيضاً:«وإن الشيطان لا يتراءى بي»(407) .
وقال: «من رآني فقد رأى الحق(408) فإن الشيطان لا يتكونني»(409) .
وقال: «من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي»(410) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والصورة التي لا يستطيع الشيطان التمثل ولا التكون بها، إنما هي صورة النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقية التي كان عليها في حياته(411) .
فمن يرى شخصاً في المنام، على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يطابق الصورة المرئية مع صورة الرسول صلى الله عليه وسلم الحقيقية، إن كان رآها، وإلا فعلى ما ورد في الصحيح من وصفه صلى الله عليه وسلم(412) .
لذلك يقول ابن سيرين: «إذا رآه في صورته»(413) .
فتبين من ذلك أن عثمان رضي الله عنه قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فعلاً، وليس تمثلاً من الشيطان بصورته؛ لأن عثمان رضي الله عنه يعرف صورة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا يستطيع الشيطان التمثل بها.
كما أن في هذه الرؤيا بشارة ثانية من النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بالجنة وأنه معه فيها.
وفيها أيضاً دليل على أن عثمان رضي الله عنه لم يغير ولم يبدل، بل ثبت واستقام حتى أتاه اليقين، لا كما يزعم أعداؤه المبطلون.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قتله رضي الله عنه وقاتله
أولاً: صفة قتله رضي الله عنه
استمر الحصار إلى صبيحة يوم الجمعة؛ الموافق للثاني عشر من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة والثلاثين بعد الهجرة(414) .
وفي هذا الوقت كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يجلس في داره ومعه عدد كبير(415) جداً(416) من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم، يريدون الدفاع عنه وحمايته من اعتداء المحاصرين منهم: الحسن بن علي(417) وعبد الله بن عمر(418) وعبد الله بن الزبير(419) وعبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنهم(420) ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم(421)
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وكثير بن الصلت(422) ونائلة بنت الفرافصة(423) كنانة مولى صفية رضي الله عنها(424) ورجال من بني عدي بن سراقة وابن مطيع(425)
وكان عثمان رضي الله عنه يأمرهم بالخروج، وينهاهم عن الدفاع عنه، وهم مصرون على ذلك؛ كما تقدم.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأخيراً استطاع أن يقنعهم، فخرجوا من الدار، وخُلِّي بينه، وبين المحاصرين فلم يبق في الدار إلا عثمان وآله، وليس بينه وبين المحاصرين(426) مدافع، ولا حامٍ من الناس، وفتح رضي الله عنه باب الدار(427) .
فترى هل سيهاب القوم خليفتهم فيحجموا عن إيذائه، فتزول كل الأحقاد لهول الموقف، أو أنهم أناس صادقون في غيرتهم ضالون عن جادة الحق يرون أن قتله واجب ديني؟ فسيقتلونه محسنين قتلته، لنترك بيان ذلك إلى الروايات الصحيحة التي ستكشف لنا عن حقيقة القوم، وعن صفة دخولهم عليه وما فعلوه به.
لتحكي لنا أحداث تلك الساعة الحاسمة التي لم يمح ذكرها عبر العصور التي مضت منذ حدوثها إلى يومنا هذا، أي منذ ما يقارب الأربعة عشر قرناً.
بعد أن خرج من في الدار ممن كان يريد الدفاع عنه، نشر رضي الله عنه المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ منه(428) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وكان إذ ذاك صائماً(429) فإذا برجل من المحاصرين -لم تسمه الروايات- يدخل عليه، فلما رآه عثمان رضي الله عنه قال له: «بيني وبينك كتاب الله»(430) فخرج الرجل، وتركه(431) وما إن ولّى حتى دخل آخر، وهو رجل من بني سدوس، يقال له: الموت الأسود؛ فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله «ما رأيت شيئاً ألين من خنّاقه، لقد رأيت خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده(432) .
ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان رضي الله عنه بيده، فقطعها، وشك الراوي أبانها أو لم يبنها.
فقال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل(433) وذلك أنه كان من كتبة الوحي، وهو أول من كتب المصحف من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتل رضي الله عنه والمصحف
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بين يديه(434) .
وعلى أثر قطع اليد، انتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ منه، وسقط على قوله تعالى: ﴿ فَسَيَكفيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّميعُ العَليمُ(435)(436) ﴾ )( .
وفي رواية: إن أول من ضربه رجل يسمى رومان اليماني، ضربه بصولجان(437) ولما دخلوا عليه ليقتلوه أنشد قائلاً:
| أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدع | لعاد ملاذاً في البلاد ومرتقى |
|---|
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقال أيضاً:
ولما أحاطوا به قالت امرأته نائلة بنت الفرافصة: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن(440) .
ولما فرغ قاتله -الموت الأسود- من قتله رفع يده أو بسطها في الدار وهو يقول: أنا قاتل نعثل(441) .
وكانت قتلته وحشية، حتى إن أبا هريرة رضي الله عنه كان كلما ذكر ما صُنع بعثمان رضي الله عنه بكى حتى ينتحب يقول: هاه هاه(442) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي ذلك يقول سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه: لو أن أحداً ارفضّ(443) للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقاً أن يرفضّ(444) .
ثانياً: تاريخ قتله
إن في تحديد السنة التي قتل فيها عثمان رضي الله عنه شبه إجماع من المؤرخين، فلم يقع خلاف في أنه كان في السنة الخامسة بعد الثلاثين من الهجرة، إلا ما رُوي عن مصعب بن عبد الله: أنه كان في السنة السادسة والثلاثين(445) وهو قول شاذ مخالف للإجماع.
فمن قال بالقول الأول جمع غفير منهم:
عبد الله بن عمرو بن عثمان ت 96هـ(446) .
وعامر بن شراحيل الشعبي ت بعد المائة من الهجرة(447) .
ونافع مولى ابن عمر ت 117 هـ(448) .
وقتادة بن دعامة السدوسي توفي سنة بضع وعشرة ومائة(449) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومخرمة بن سليمان الوالبي ت 130 هـ(450) .
وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب المتوفى بعد سنة 140هـ(451) .
ومحمد بن إسحاق ت 150 هـ(452) .
وأبو معشر ت 170 هـ(453) .
ويزيد بن عبيدة(454) .
وسيف بن عمر التميمي، المتوفى في حدود 170 هـ(455) .
والليث بن سعد ت 175 هـ(456) .
وهشام بن الكلبي ت 204 هـ(457) .
ومحمد بن عمر الواقدي ت 207 هـ(458) .
ويعقوب بن إبراهيم الزهري ت 208هـ(459) .
حواشي هذه الصفحة10 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأبو نعيم الفضل بن دكين ت 218هـ(460) .
وأبو عمر الضرير ت 220هـ(461) .
وخليفة بن خياط ت 240هـ(462) .
وعمرو بن علي ت 249هـ(463) .
والزبير بن بكار ت 256هـ(464) .
ويعقوب بن سفيان الفسوي ت 277هـ(465) .
تحديد الشهر:
ولا خلاف أيضاً عند المؤرخين في تحديد الشهر الذي قتل فيه رضي الله عنه، وأنه ذو الحجة(466) إلا أنه اختلف في تحديد ما بعد ذلك من اليوم والساعة وغير ذلك.
تحديد اليوم من الشهر:
اختلف في ذلك على ثمانية
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 157أقوال، محصورة فيما بين الثامن والثامن والعشرين من ذي الحجة، وفيما يلي تفصيل هذه الأقوال:
القول الأول: قال الواقدي: لثمان ليال خلت من ذي الحجة أي: (يوم التروية) 8/ 12/35هـ(467) .
القول الثاني: روي عن عبد الله بن عمرو، وذكره خليفة بن خياط بصيغة التمريض أنه كان يوم النحر؛ أي: (يوم عيد الأضحى)(468) 10/12/35هـ.
القول الثالث: صح عن أبي عثمان النهدي(469) وقال به عمرو بن علي(470) ويعقوب الفسوي(471) وحكاه الزهري(472) بصيغة: «فزعم بعض الناس» أنه كان في أوسط أيام التشريق؛ وهو اليوم الثاني عشر من أيام ذي الحجة؛ 12/ 12/35هـ.
القول الرابع: روي عن الليث بن سعد(473) أنه كان مصدر الحاج؛ وهو اليوم الرابع من أيام النحر(474) ؛ أي 13/ 12/ 35هـ.
القول الخامس: قال أبو نعيم الفضل بن دكين(475) بأنه كان لست عشرة بقين من ذي الحجة؛ 13 - 14/ 12/ 35هـ.
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القول السادس: قال أيضاً بهذا القول(476) أنه كان لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة، 17/ 12/ 35هـ.
القول السابع: أنه كان لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة؛ 18/12/35هـ قال به:
نافع مولى ابن عمر(477) .
والشعبي(478) .
ومخرمة بن سليمان الوالبي(479) .
ومحمد بن إسحاق(480) .
وأبو معشر(481) .
وسيف بن عمر التميمي عن شيوخه(482) .
وإبراهيم بن سعد الزهري(483) .
وهشام بن الكلبي(484) .
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومصعب بن عبد الله الزبيري.
ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري(485) .
وعزاه الطبري إلى الجمهور(486) .
وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة(487) .
القول الثامن: ذكر ابن الأثير(488) بصيغة التمريض أنه كان لليلتين بقيتا من ذي الحجة 27- 28/12/35هـ.
الترجيح:
والذي ترجح لديَّ من هذه الأقوال؛ القول الثالث الذي فيه أنه استشهد في أوسط أيام التشريق (12/12/35هـ) لصحة نقله عن أبي عثمان النهدي، المعاصر للحادثة.
وما سواه من أقوال لم يصح إسناد شيء منها، وكل ما جاء به من أسانيد فهي ضعيفة، وبعض منها صدر ممن لم يعاصر الحادثة.
تحديد اليوم من أيام الأسبوع:
أما عن تحديد اليوم الذي قتل فيه من أيام الأسبوع ففيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يوم الجمعة، وقال به كل من:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
نافع مولى ابن عمر(489) ومخرمة بن سليمان الوالبي(490) وأبومعشر(491) وهشام بن الكلبي(492) ومحمد بن عمر الواقدي(493) ومصعب بن عبد الله الزبيري(494) وخليفة بن خياط العصفري(495) وأبو سليمان بن زبر(496) .
القول الثاني:
أنه كان يوم الاثنين، رُوي عن ابن إسحاق(497) كما روي عنه أيضاً القول الآتي.
القول الثالث:
أنه كان يوم الأربعاء، رواه ابن إسحاق(498) .
الترجيح: والذي ترجح لديَّ من هذه الأقوال الثلاثة، قول الجمهور، وهو يوم الجمعة؛ لأنه قول الجمهور ولم يخالفه قول أقوى منه، كما أنه يوافق الحساب الفلكي فإنه ينتج أن اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة والثلاثين يوافق يوم الجمعة(499) .
وهذا يقوي أن وفاته كانت في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة.
حواشي هذه الصفحة11 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تحديد وقت قتله من اليوم:
وفي تحديد وقت قتله من اليوم قولان هما:
القول الأول: أنه كان في صبيحة، أو ضحوة اليوم، قال به:
الشعبي(500) ومخرمة بن سليمان الوالبي(501) وابن إسحاق(502) وهشام بن الكلبي(503) والفسوي(504) وحكاه الطبري عن غيرهم بلفظ «آخرون»(505) وقال بعضهم: في ضحوته(506) .
القول الثاني: أنه كان في عصر اليوم، قال به أبو سليمان بن زبر(507) .
الترجيح: ويترجح عندي من هذين القولين أنه كان في صبيحة اليوم، لقول الجمهور به، ولم يخالف بأقوى منه.
ثالثاً: سنُّه عند استشهاده
لم أقف على رواية صحيحة الإسناد تحدد سن عثمان رضي الله عنه عند استشهاده، وكل ما وقفت عليه في ذلك أقوال متضاربة مختلفة.
والخلاف في ذلك قديم، حتى إن الطبري -رحمه الله- يقول: «اختلف السلف قبلنا في قدر مدة حياته»(508) .
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبعد جمع الأقوال في ذلك نتج لديّ خمسة عشر قولاً، وهي كالتالي مرتبة على الأقل فما فوقه:
القول الأول: أن سنه كانت ثلاثاً وستين سنة [63]، رواه سيف بن عمر التميمي عن شيوخه(509) .
القول الثاني: نيف وسبعون، قال به أبو إسحاق السبيعي(510) .
القول الثالث: خمس وسبعون[75]، قال به هشام بن محمد بن السائب الكلبي(511) وحكاه محمد بن إسحاق(512) والبخاري عن بعضهم(513) .
القول الرابع: ثمانون سنة [80] حكاه ابن إسحاق(514) عن بعضهم.
القول الخامس: نيف وثمانون، قال به محمد بن يعلى(515) .
القول السادس: أنه جاوز الثمانين، قال به أبو زرعة(516) .
القول السابع: بين الثمانين والتسعين[80-90] قال به الزهري(517) .
حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القول الثامن : إحدى وثمانون سنة [81]، قال به كل من: عثمان وأبوبكر ابنا أبي شيبة(518) وأبو سليمان بن زبر(519) .
القول التاسع: اثنتان وثمانون سنة [82]، وقال به الجمهور، فقد قال به:
أبوالمقدام، ومحمد بن عبد الله المخزومي(520) وزيد(521) وأبوعمرو الضرير(522) وعبد الله بن عمرو الأموي(523) ويحيى بن بكير(524) والزبير بن بكار(525) ومحمد بن عمر الواقدي، وادعى الإجماع عليه فقال: «لا خلاف عندهم أنه قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة»(526) وقدّم الطبري هذا القول على غيره(527) وجزم به ابن الأثير(528) .
القول العاشر: اثنتان وثمانون وأشهر [82 وأشهر]، رواه الواقدي عن صالح بن كيسان(529) .
القول الحادي عشر: ست وثمانون سنة [86]، قال به قتادة(530) .
حواشي هذه الصفحة13 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القول الثاني عشر: ثمان وثمانون، أو تسع وثمانون سنة [88أو89] جاء عن قتادة(531) على الشك هكذا.
القول الثالث عشر: ثمان وثمانون أو تسعون [88أو90]، جاء عن قتادة(532) أيضاً على الشك.
القول الرابع عشر: تسعون سنة[90]، حكاه ابن الأثير(533) بصيغة التمريض(قيل).
القول الخامس عشر: ثلاث وتسعون سنة [93]، قال به ابن إسحاق(534) .
الترجيح:
والذي ترجح لدي من هذه الأقوال؛ القول التاسع، الذي يذهب إلى أن سنه عند استشهاده كانت اثنتين وثمانين سنة، وما يدخل فيه من الأقوال الأخرى لأسباب ثلاثة:
الأول: أنه ولد في السنة السادسة بعد عام الفيل(535) واستشهد في السنة الخامسة والثلاثين بعد الهجرة(536) فمقارنة سنة ولادته مع سنة استشهاده تؤيد هذا القول(537) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الثاني: أن أربعة أقوال من الأقوال الخمسة عشر تدخل في هذا القول ولا تعارضه، وهذا لا يتفق مع أي قول من الأقوال الأخرى.
الثالث: أنه قول الجمهور، ولم يخالفه قول أقوى منه.
رابعاً: قاتله
لقد اتّهم في مباشرة قتل عثمان رضي الله عنه عدة أشخاص، جاء ذلك في روايات كثيرة، منها المقبول، وأكثرها ضعيف مردود. وفي الروايات الصحيحة أنه رجل أسود من أهل مصر(538) ولكنها تختلف في تعيينه.
ففي رواية منها أنه كان يقال له:حمار(539) وفي رواية ثانية: جبلة(540) وفي ثالثة: جبلة بن الأيهم(541) .
ومصدر هذه الروايات الثلاث واحد، وهو كنانة(542) مولى صفية رضي الله عنها، اختلف فيها عليه، فروى عنه محمد بن طلحة بن مصرف الرواية الأولى، والثالثة، وروى عنه زهير بن معاوية الرواية الثانية.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وزهير ثقة حافظ أما محمد فصدوق له أوهام فرواية زهير هذه محفوظة، فتصبح رواية محمد -الأولى- شاذة لمخالفتها لرواية أوثق منها.
ويحتمل أن لفظة حمار مصحفة من جبلة، لتشابه الرسمين في طريقة الأقدمين في الكتابة، حيث إنّهم كثيراً ما يُغفلون النقط.
أما روايته الثالثة، فلا يعمم الحكم عليها من حيث دخول الوهم عليها وعدمه، لأنه وافق زهيراً في بعضها وزاد اسم الأب.
وزيادة الثقة مقبولة، إلا أن ما في محمد من وهم، وخفة في الضبط يخرجه من عداد من تقبل زيادتهم، خاصة وأن ما أدت إليه زيادته مردود من وجوه، فإن زيادته تجعل القاتل هو جبلة بن الأيهم، ولا يعرف بهذا الاسم إلا الغساني، ملك الغساسنة، وهو من أهل الشام(543) بينما أجمعت الروايات الثلاث على أن القاتل من أهل مصر.
كما أن زيادته هذه تدل على أن جبلة؛ اسم للقاتل، بينما يفهم من الروايات الثلاث أنه ليس اسماً إنما هو لقب، لقب به لسواد بشرته، يفهم هذا من قول كنانة: «رجل من أهل مصر يقال له جبلة... أي الرجل الأسود»(544) .
وإذا تذكرنا أن الرجل الذي دخل على عثمان رضي الله عنه وخنقه أسود أيضاً، وأن الراوي قال: «خنقه ثم خنقه قبل أن يضرب بالسيف»(545) دلنا ذلك على أن هذا الرجل هو القاتل
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 167الذي يقال له: جبلة؛ لأنه أسود البشرة، ولأن في قول الراوي: «قبل أن يضرب بالسيف» دليلاً على أنه ضرب بالسيف.
فإذا صح هذا الربط، فإنه يبين لنا نسبة هذا القاتل، حيث إن الراوي أوضح عن نسبته وأنه من بني سدوس.
ويزيد ذلك في توهم زيادة (الأيهم)؛ لأن جبلة بن الأيهم الغساني من الغساسنة(546) وهذا القاتل من بني سدوس.
والخلاصة: أن قاتل عثمان رضي الله عنه رجل مصري، لم تفصح الروايات عن اسمه، وبينت أنه سدوسي الأصل، أسود البشرة، لقب بـ(جِبْلة) لسواد بشرته كما لقب أيضاً بـ(الموت الأسود)، ولم أقف على ترجمة تتصف بهذه الصفات.
وذهب محب الدين الخطيب إلى أن القاتل: هو عبد الله بن سبأ حيث قال: «ومن الثابت أن ابن سبأ كان مع ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة، وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل (الموت الأسود) اسم مستعار له أراد أن يرمز به إليه، ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام»(547) .
وقد يشهد لما ذهب إليه: أن ابن سبأ أسود البشرة؛ فقد صح عن علي رضي الله عنه أنه وصفه بالخبث، وسواد البشرة، وذلك في قوله عنه: «الخبيث الأسود»(548) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأنه يعتبر من أهل مصر لتغلغل أفكاره في بعض أهلها، ولمكثه فيها آخر أمره، ولقدومه مع أهلها(549) .
وأن اللقبين اللذين وردا للقاتل يلتقيان مع لقبه المشهور (ابن السوداء)، فإن الألقاب الثلاثة تشتمل على لون بشرته وهو السواد.
وأن اللقب الذي لقب به القاتل (جبلة) اسم لرجل يهودي يمني(550) ورُوي أن ابن سبأ من يهود اليمن(551) .
ولا صحة لاتهام كنانة بن بشر التجيبي الكندي ورجل من بني عبد الدار يسمى نهران الأصبحي وأبي عمرو بن بديل الخزاعي وسودان بن رومان المرادي ورجل من بني أسد بن خزيمة يسمى رومان وسودان بن حمران ومحمد بن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بقتل عثمان رضي الله عنه.
فكل ذلك رُوي بأسانيد ضعيفة، بينت عللها في قسم دراسة الأسانيد(552) ، كما أن متونها شاذة؛ لمخالفتها للرواية الصحيحة التي تبين أن القاتل هو رجل مصري يقال له: جبلة؛ لسواد بشرته.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأما ما يتعلق بتهمة محمد بن أبي بكر(553) فإنه يضاف إلى ما تقدم أنه قد وردت رواية صحيحة الإسناد تبرئه من هذه التهمة، وتكشف عن سبب اتهامه بها؛ يرويها لنا شاهد عيان، -حضر يوم الدار ورأى القاتل- وهو كنانة مولى صفية رضي الله عنها فقد سأله محمد بن طلحة؛ هل ندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه -أي عثمان- فقال: معاذ الله، دخل عليه فقال له عثمان: يا ابن أخي لست بصاحبي، وكلمه بكلام فخرج ولم يند بشيء من دمه(554) .
وفي رواية صحيحة أخرى أن كنانة قال: لم يند محمد بن أبي بكر من دم عثمان بشيء، فقال له محمد بن طلحة: فلم قيل إنه قتله؟ قال: معاذ الله أن يكون قتله، إنما دخل عليه فقال له عثمان..(555) .
وبهاتين الروايتين الصحيحتين تظهر لنا براءة محمد بن أبي بكر الصديق من دم عثمان، براءة الذئب من دم يوسف، كما تبين أن سبب تهمته هو دخوله عليه قبل القتل.
وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- أنه لما كلمه عثمان رضي الله عنه استحيى، ورجع، وتندم، وغطى وجهه وحاجز دونه فلم تفد محاجزته(556) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
خامساً: جنازته والصلاة عليه ودفنه
لم يصح مما ورد في الصلاة على عثمان رضي الله عنه، وجنازته، ودفنه إلا نتف من روايات ضعيفة، قوّى بعضها بعضاً، فمما تقوى أنه صُلِّي عليه(557) وأن مالك بن أبي عامر كان ممن حمل نعشه، وسار في جنازته(558) وأنه دُفن في حائط من حيطان المدينة يقال له: حش كوكب(559) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وحش كوكب: هو بستان(560) بالقرب من بقيع الغَرْقد(561) .
هذه المعلومات التي صحت في هذه الموضوعات الثلاث، وأما الروايات الضعيفة التي رُويت في ذلك فإنها تارة تتوافق، وتارة تتضارب.
فقد اختلفت في وقوع منع الصلاة عليه رضي الله عنه، فقد رويت روايات ضعيفة جداً في أن الأنصار مُنعوا من أن يصلى عليه(562) وأن منهم: أسلم بن بجرة الساعدي، وأبو حية المازني(563) .
وفي رواية ضعيفة أيضاً أنه بقي ليلتين ويوماً لا يصلون عليه، وأن أباحذيفة قال: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته، وفي لفظ آخر إن تمنعوا الصلاة عليه فقد صلى الله عليه وملائكته(564) .
ويروي ابن عساكر أنه لما قتل مكث ثلاثاً لا يدفن، حتى هتف بهم هاتف، أن ادفنوه، ولا تصلوا عليه فإن الله قد صلى عليه(565) .
وذكر ابن الأثير وعوانة منع الصلاة عليه بصيغة التضعيف(566) وفي رواية لسيف أنه لم يمتنع أحد أن يصلي عليه من شيء، وأن مروان صلى عليه(567) .
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذه الروايات التي تثبت منع الصلاة عليه، ويثبت بعضها عدم الصلاة عليه -كما تقدم- شديدة الضعف من حيث الإسناد، ويضاف إلى ضعف أسانيدها نكارة متونها.
فقد ثبت -كما تقدم- في الرواية الصحيحة أنه صُلي عليه، بل وتفصل روايات يسيرة الضعف، فتذكر أسماء الذين صلوا عليه، وهم:
جبير ابن مطعم(568) وحكيم بن حزام(569) وحويطب بن عبد العزى(570) ، والزبير بن العوام(571) ومالك بن أبي عامر كما تقدم، ومروان بن الحكم(572) والمسور بن مخرمة(573) ونيار الأسلمي، وأبوجهم بن حذيفة العدوي(574) ونائلة بنت الفرافصة الكلبية زوجته، وأم البنين بنت عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارية(575) .
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي رواية ضعيفة أيضاً أنه وُضع على سريره في البيت، والناس يجيئون فيصلون عليه، وأن رجلاً كان قد أعطى الله عهداً إن قدر أن يلطم وجه عثمان إلا لطمه، فدخل كأنه يصلي عليه، فوجد خلوة فرفع الثوب عن وجهه فلطم وجهه وسجاه، فيبست يمينه(576) .
ولا شك أن الظروف التي كانت تحيط بجنازته والصلاة عليه ودفنه، كانت حرجة للغاية، حيث إن الخارجين عليه كانوا محيطين بالدار، كما أن الصلاة عليه كانت ليلاً.
وهذا يبين لنا جلياً عذر من لم يصلِّ عليه ممن كان في المدينة إذ ذاك، على فرض صحة نقل ما يثبت ذلك.
ولم يرد أن أحداً من الصحابة رضي الله عنهم امتنع عن الصلاة عليه إلا ما روي بإسناد ضعيف عن بعض الأنصار، وإضافةً إلى ضعف الإسناد، فإن الرواية أبهمت أسماء هؤلاء الممتنعين عن الصلاة عليه، فلم تعيّن اسم واحدٍ منهم سوى شخصين اثنين، ويكفينا في ردّها أنها ضعيفة الإسناد.
كما أنها لا تدل على أنه لم يصلّ عليه سوى من سمتهم الروايات، فلا نفي لصلاة كبار الصحابة عليه، كعلي وطلحة والزبير وغيرهم.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
متفرقات عن الفتنة
أولاً: ما أثر عن الصحابة في أثر قتل عثمان رضي الله عنه
استشهد عثمان رضي الله عنه وفاز بالجنة على بلوى أصابته، كما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر الصحابة معه بفتنة قتله، وبشيء من التفصيلات التي ستكون فيها.
والروايات تثبت أنه أسرَّ إليه بشيء لم يكن يرغب عليه الصلاة والسلام إعلانه، فاختص عثمان به دون غيره(577) .
ولكن هل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم بأثر استشهاده رضي الله عنه على الأمة؟
لم يصرح أحد من الصحابة بذلك فيما وصل إلينا من روايات، وقد روى بعضهم شيئاً من آثار استشهاده، فهل ذلك بإخبار منه صلى الله عليه وسلم أم مجرد تفرس وبعد نظر منهم رضوان الله عليهم؟
كلا الاحتمالين وارد، لأنهم ليسوا ممن يطلق للسانه العنان دون وعي بما يقول، فيقولون بغير علم، كما أنهم أقوى الناس إيماناً بعد الأنبياء والرسل، فالتفرس أقرب ما يكون إليهم من غيرهم.
فمن ذلك ما قاله ثمامة بن عدي رضي الله عنه(578) لمّا بلغه قتل عثمان رضي الله عنه وذلك في خطبة خطبها، بكى فيها بكاءً شديداً فلما أفاق واستفاق(579)
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 175قال: «اليوم انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وصارت ملكاً وجبرية، من أخذ شيئاً غلب عليه»(580)
فقد عبر ثمامة عن معنى عميق، يتصل بفهم نظام الخلافة، وأنه شورى، وأن هدمه بالقوة يحوِّل نظام الحكم إلى ملك جبري.
4
وكان إحساسه بخطورة التحول عميقاً، وألمه لذلك شديداً؛ مما يدل على وعي بالسنن الاجتماعية التي سنها الله في خلقه.
وفعلاً وقع ما قاله ثمامة رضي الله عنه إلا أنه لم يقع بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه مباشرة، فقد تولى الخلافة من بعده علي ثم معاوية رضي الله عنهما، ولم تكن خلافتهما كذلك، بل وقع ذلك بعدها.
كما ترتب على استشهاد عثمان رضي الله عنه مفاسد كثيرة، فقد انكشفت حصون الإسلام، وسهل على الأعداء استهدافه، وفي ذلك يقول سمرة بن جندب رضي الله عنه(581) :
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
«إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا(582) في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان، وإنهم شرطوا(583) في الإسلام شرطة، وإنهم لا يسدون ثلمتهم-أو لا يسدونها- إلى يوم القيامة»(584) .
وحقاّ فإن الإسلام كان في حصن التآلف والمحبة، يجمع بين أبنائه الإيمان بالله جل وعلا.
فلما تسلل إليه أعداؤه تحت ستار الإسلام، وفعلوا ما فعلوا بعثمان رضي الله عنه زال الحصن ووقع القتال بينهم(585) .
ولعل قول سمرة هذا كان بعد وقوع الفتن التي حدثت في خلافة علي رضي الله عنه، لأن سمرة توفي سنة ثمان وخمسين بعد الهجرة.
ويبين حذيفة رضي الله عنه(586) أثر قتل عثمان رضي الله عنه على التزام الناس بالإسلام وفهم معانيه بقوله لما بلغه قتل عثمان:
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
«اليوم نزل الناس حافة(587) الإسلام، فكم من مرحلة(588) قد ارتحلوا عنه»(589) .
ولا شك أن ذلك قد وقع فعلاً فإنَّ المجتمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان أقوى التزاماً بالإسلام ومعانيه وفهمه.
ويظهر من كلام حذيفة رضي الله عنه أنهم درجوا في الضعف، والتدني، وعبر عن ذلك بالارتحال عن الإسلام مراحل، حتى وصلوا إلى حافته؛ أي: طرفه، بعد قتل عثمان.
ولأقوال حذيفة رضي الله عنه في ذلك أهمية عظيمة جداً، لوعيه العميق بالفتن، وذلك لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وبما يكون من الفتن إلى أن تقوم الساعة(590) .
ولم يكتف حذيفة رضي الله عنه بهذا الوصف لما حصل للإسلام بقتل عثمان رضي الله عنه بل صرح بأن قتله فتنة، وأنها أول الفتن(591) وحقاً فإنها فتنة توالت بعدها الفتن كما جزم رضي الله عنه بأن مصير قتلة عثمان رضي الله عنه في الآخرة إلى النار.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويبين عبد الله بن سلام رضي الله عنه(592) لقتلة عثمان رضي الله عنه أنهم لن يهرقوا محجماً من دم في الفتنة إلا ازدادوا من الله بعداً، وذلك في قوله لهم: «والله لا تهرقون محجماً من دم إلا ازددتم به من الله بعداً»(593) .
وبذلك يوافق ابن سلام حذيفة رضي الله عنهما في أن قتل عثمان رضي الله عنه سبب في ضعف الأمة الإسلامية، ونقص في تمثلها لمعاني الدين، بل يقعِّد قاعدة عامة تقول: إنهم كلما أهرقوا دماً كلما ازدادوا من الله بعداً.
وعبد الله بن سلام رضي الله عنه كان من أحبار اليهود(594) وسادتهم(595) قبل إسلامه، فقد أنزل الله فيه: ﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَني إِسرائيلَ عَلىٰ مِثلِهِ(596)(597) ﴾ )( وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه سيموت وهو متمسك بالعروة الوثقى(598) .
فأقواله ومواقفه لها أهمية منبثقة من هاتين الشهادتين له، إذ هو محافظ على بصيرته الناقدة ومقاييسه الإسلامية في ظروف الفتنة التي عصفت بالكثيرين، ومن هنا فسر بعضهم
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 179أنه المقصود بقوله تعالى: ﴿ وَمَن عِندَهُ عِلمُ الكِتابِ(599) ﴾ أي: التوراة، قال مجاهد: «هو عبد الله بن سلام»(600)
وبما أن أخباره هذه تتضمن أموراً غيبية، فإنّ ذلك يزيد الثقة بأن لها مصدراً موثوقاً عنده وإلا لما حدَّث بها. وهو الصحابي الذي ذكر بالقرآن العظيم بقوله تعالى: ﴿ وَمَن عِندَهُ عِلمُ الكِتابِ(601) ﴾ .
ومما ثبت عنه في ذلك أنه خرج يوماً على قتلة عثمان رضي الله عنه ونهاهم عن قتله، وأخبرهم أنه لم يبق من أجله إلا القليل، وقال لهم: «اتركوا هذا الرجل أربعين ليلة، فوالله لئن تركتموه فليموتن إليها، فأبوا، ثم خرج عليهم بعد ذلك بأيام، فقال: اتركوه خمس عشرة ليلة، فوالله لئن تركتموه ليموتن إليها»(602) .
وأقسم لهم بأنهم إن قتلوه فلا يصلون جميعاً أبداً(603) ووقع فعلاً ما قاله ابن سلام رضي الله عنه، من حيث تفرق قلوب القوم، حتى إن الحسن البصري
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 180يقول: فوالله إن صلى القوم جميعاً إن قلوبهم لمختلفة(604)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قُتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان....»(605) .
كما حذر ابن سلام رضي الله عنه: من ذهاب الملائكة على إثر قتله، تلك الملائكة التي أحاطت بالمدينة منذ قدمها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذهابهم هذا أبدي فلن يعودوا بعد ذهابهم أبداً(606) ولم تبين الرواية أي الملائكة المقصودين بقوله، أهم ملائكة مخصوصون أم ماذا؟ فإنَّ الملائكة الذين يكتبون الحسنات وكذلك الذين يكتبون السيئات لن يذهبوا، إلا بخروج روح صاحب الجسد.
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملائكة تحيط بالمدينة آخر الزمان حينما يحاول الدجال اقتحام المدينة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» وعن أبي بكرة عنه صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل المدينة رُعب المسيح الدجال ولها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان»(607) والأثر إذا عارض الحديث، فإن الحديث يقدم عليه.
وحذرهم أيضاً من انسلال سيف الله عليهم، فلا يُغمد أبداً أو إلى يوم القيامة وقد كان مغموداً عنهم، وأخبرهم أيضاً بأنه لم يقتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفاً، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً قبل أن يجتمع الناس، وذكر لهم أنه قُتل على دم يحيى بن زكريا سبعون ألفاً.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهذا التفصيل منه رضي الله عنه يؤكد لنا أنه لا يتحدث بذلك تخرصاً، ولا تفرساً، بل بعلم راسخ وأكيد.
ثانياً: نقد بعض كتابات المعاصرين عن الفتنة
بعد أن وفقني الله إلى جمع ودراسة أسانيد ومتون روايات الفتنة، وعرضها عرضاً تاريخياً، تكشّفت لي حقائق قد اشتهر ضدها، وانتشر في بطون كتب كثيرة؛ تناولت الحديث عن الفتنة من الكُتَّاب المعاصرين.
لذا رأيت أن أكشف في هذا الفصل عن بعض هذه الأخطاء التي وقع فيها بعض هؤلاء المعاصرين، واخترت كتاب كاتب يُعد من أبرزهم من حيث الشهرة، وتأثر الناس بأفكاره، وهو عباس محمود العقاد.
فقد ألف العقاد كتاباً أسماه: «ذو النورين عثمان بن عفان»، وطبع الكتاب عدة طبعات، وكان له رواج كبير بين بعض مثقفي العصر، ومدرسي التاريخ الإسلامي في المعاقل التعليمية في العالم، لما لمؤلفه من شهرة عالمية.
ومن طريق هؤلاء المدرسين، وغيرهم انتشرت أفكار المؤلف المبثوثة في الكتاب بين أبناء العالم الإسلامي، فالكتاب مرجع رئيسي لدى كثير من أساتذة ومدرسي التاريخ الإسلامي في معاقل التعليم في العالم.
فقد أسهم الكتاب مساهمة فعالة قوية في تخييل صورة الفتنة في مجتمعنا المعاصر، فاستحق بذلك أن يُهتم به من حيث النقد والتصويب، لأن ذلك بمثابة تعديل لجزء كبير من صورة هذه الحادثة التاريخية في أذهان مثقفي عصرنا الحاضر.
والحق أن المؤلف أصاب في بعض المسائل التي وقع فيها كثير ممن كتب عن الفتنة؛ فنجده يعتدل إلى حد كبير في أكثر المسائل المتعلقة بشخصية عثمان رضي الله عنه، مع وجود ملحوظات شذ فيها عن هذا الاعتدال سيأتي ذكرها.
وكاد أن يُصيب في تفسير الفتنة، وألمح إلى الرد على بعض التفسيرات الخاطئة للفتنة.
ووصف قتلة عثمان رضي الله عنه بأوصاف تليق بقبحهم، وفي الوقت نفسه برّأ الصحابة من هذه الفعلة الشنيعة، كما برأهم من تهمة التحريض على عثمان رضي الله عنهم، إلا أنه يقع أحياناً فيما يناقض ذلك، كما سيأتي:
وردَّ على التهم التي وُجهت إلى عثمان رضي الله عنه بردود ضعيفة، ثم زل فنقض بعض هذه الردود كما سيأتي بيانه.
وأطال في الرد على من وصف شخصية عثمان رضي الله عنه بالضعف، وكان ينتهز الفرص من الأحداث ليدفع هذه التهمة عن هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه، وهذا من الإيجابيات التي في الكتاب.
وقد لاحظت على الكتاب أموراً تتعلق بمنهجه في التأليف، وأخرى تتعلق ببعض الحقائق التاريخية، وقد أعرضت عما لا علاقة له بالفتنة إلا في مسألة واحدة ذكرتها؛ لأنها تساعد على تصور روح المؤلف أثناء كتابته لهذا الكتاب.
فمن الأمور المنهجية ما يلي:
1- عدم عزو المعلومات إلى مصادرها، وخلو الكتاب من الحواشي الموثقة للمعلومات التاريخية، فليس في الكتاب كله إلا ثلاث عشرة حاشية، اثنتا عشرة منها لتوضيح النص، وواحدة خرَّج فيها شعراً، بعزوه إلى الطبري، وابن الأثير، وذلك
PDF 183للإشارة إلى ما فيهما من اختلاف مع ما ذكره المؤلف في المتن، والعجيب أنه لم يذكر المصدر الذي اعتمده، فخالف ما في الطبري وابن الأثير(608)
وإهمال عزو الحقائق والمعلومات التاريخية إلى مصادرها داءٌ منتشر في جُلِّ الكتّاب المعاصرين، وهو خطأ ظاهر، فإنهم لم يشاهدوا الأحداث ليصفوها للقراء، ولم يبرزوا مصادرهم المعتمدة في هذا التصوير التاريخي، مما يضعف ثقة القارئ في كتاباتهم، كما أنه يتيح الفرصة لمن يريد أن يلفق أو يخترع معلومات ويلصقها بالتاريخ الإسلامي، أن يفعل ذلك.
2- عدم تحققه من صحة الروايات.
3- اعتماده عدداً من الروايات التي لم يبين صحتها من ضعفها، ولا نعرف المنهج الذي اعتمده في اختيارها دون غيرها.
4- يتوسع في تحليل بعض الروايات الضعيفة، ويبني عليها الصورة التاريخية، بينما يهمل روايات أخرى أكثر منها وأصح وأوثق.
5- لم يذكر المؤلف قائمة مصادره، لنتبين سبب اعتماده على بعض الروايات دون بعضها الآخر، وليعلم القارئ مواطن الضعف في الكتاب ليتمه من المصادر الأخرى التي لم يعتمدها المؤلف، وليعلم مقدار استفادته منها، ومنهجه الذي سار عليه في اختيار الروايات.
6- إن روح الكتاب والصياغة فيها شيء من البعد عن الصبغة الإسلامية الشرعية، ومما لوحظ عليه من ذلك عدم افتتاحه بالبسملة والحمدلة، وهذه سمة
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 184يتصف بها العقاد فيما اطلعت عليه من كتبه(609) ولا شك أن انتهاج مثل ذلك يدل دلالة واضحة على مدى تدين صاحبه، ومدى التزامه بالعادات والتقاليد الإسلامية، ولعل سبب ذلك هو التقليد الأعمى للإفرنج الذين تتلمذ عليهم.
أما الأخطاء العلمية التي وقفت عليها في هذا الكتاب فهي كما يلي:
1- لم يحقق المؤلف في مسألة الكتاب المزوَّر، واستعمل بعض العبارات المحتملة للتصديق والتكذيب، كقوله: «ثم بلغ الكتاب أجله، بقصة ذلك الكتاب الذي قيل أنهم وجدوه مع غلام لعثمان...»(610) .
والحق أنه كتاب مزوَّر على عثمان رضي الله عنه، فلم يكتبه ولم يأمر بكتابته، ولم يعلم به، كما تقدم إيضاح ذلك.
2- وذكر أن الكتاب المزوَّر المنسوب إلى عثمان رضي الله عنه أمراً منه بجلد عبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمق، وعروة البياع(611) وحبسهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وصلب بعضهم(612) .
ولعله اعتمد في ذلك على رواية الواقدي التي رواها الطبري في تاريخه، والواقدي متروك فيكون الإسناد ضعيفاً جداً.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وتخالف رواية الواقدي هذه الرواية الأقوى والأصح منها في بعض النقاط، فإنَّ فيها: «أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم»(613) .
فليس في الرواية الصحيحة تعيين الأشخاص المراد تعذيبهم، وليس فيها الجلد ولا الحبس ولا حلق الرؤوس واللحى.
وهذا الذي يبدو أنه الصحيح، فإنَّ مزوِّر الكتاب يبدو من براعته في التزوير أنه لا ينسب إلى عثمان رضي الله عنه هذه الترهات، ولكنه التمس تضليل الناس بأن عثمان رضي الله عنه رأى أن هؤلاء من المفسدين في الأرض، ويستحقون عقاب المفسدين في الأرض، وهو الذي ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ إِنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ وَيَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسادًا أَن يُقَتَّلوا أَو يُصَلَّبوا أَو تُقَطَّعَ أَيديهِم وَأَرجُلُهُم مِن خِلافٍ أَو يُنفَوا مِنَ الأَرضِ ۚ ذٰلِكَ لَهُم خِزيٌ فِي الدُّنيا ۖ وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ(614) ﴾ .
فهذا المفتري المزوِّر، يأمل أن تصدق كذبته التي قد يحكم بها عثمان رضي الله عنه معتمداً على هذه الآية، أما إذا كانت بتلك الصورة فبعيد جداً أن يصدق نسبته إلى عثمان رضي الله عنه أحدٌ من العقلاء، الذين يعرفون أن حدود التعزير في الإسلام لا تتجاوز نواهي الله جل وعلا، فليس للإمام أن يعزر بحلق اللحى، لأن حلقها معصية للرب، فقد تواترت الأدلة على تحريمه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الخاتمة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإنَّ أهمَّ النتائج التي ظهرت لي من خلال هذا البحث هي:
1- أنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إخباره بوقوع فتنة يُقتل فيها عثمان رضي الله عنه، وأنه دعا الناس إلى أن يكونوا معه عند اشتعالها، وأنه حدد زمن وقوعها، وأن عثمان وأصحابه على الحق والهدى فيها.
2- أنه أشار إلى عظم هذه الفتنة، حتى قرنها بموته صلى الله عليه وسلم، وبفتنة الدجال، وأن من نجا منها فقد نجا، وأنه سيستشهد فيها عثمان رضي الله عنه وهو على الحق صابراً على القتل معطياً له، شهيداً، ينتقل بعد شهادته هذه إلى جنة الخلد.
3- أنه أخبر عثمان رضي الله عنه بوقوع هذه الفتنة، وأنه سيطلب منه خلع الخلافة، وأمره بأن لا يفعل.
4- أن النبي صلى الله عليه وسلم بين عظم هذه الفتنة، وأن من نجا منها فقد نجا، وأن ذلك يشمل من عاصرها ومن لم يعاصرها، ونجاة من لم يعاصرها تكون بعدم الخوض فيها بالباطل.
5- أن ما تناقلته المصادر من معايب ألصقت بعثمان رضي الله عنه منها: ما صح صدوره من الخارجين عليه، ومنها: ما لم يصح، ومنها: ما اشتهر ولم أقف على إسناد له.
وأن هذه المعايب بأقسامها الثلاثة، إنما هي في الحقيقة إما مناقب له، وإما مفتراة عليه، وإما اجتهاد منه مأجور عليه. وما قولك في فراره يوم أحد؟!
6- أن شخصية ابن سبأ شخصية حقيقية دلت على وجودها الروايات الصحيحة، ولم تنفرد بإثباتها روايات سيف بن عمر التميمي، بل رواها غيره بأسانيد صحيحة وضعيفة.
7- وجوب الحذر عند الحديث عن مواقف عثمان رضي الله عنه في الفتنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى مواقف يقفها عند حدوث هذه الفتنة لم يصلنا منها إلا اليسير.
8- أن عقيدة السلف في الصحابة هي: عدم الخوض فيما شجر بينهم، إلا عند ظهور مبتدع يقدح بالباطل، فيجب عندئذ الدفاع عنهم بالحق والعدل.
9- أن الله لا يرضى عن أحد من خلقه إلا وهو يعلم -سبحانه- أنه سيوافيه على مرضاته، وبما أن الصحابة قد رضي الله عنهم، فإن خاتمتهم حتماً ستكون على خير، وهذا ما وقع فعلاً.
10- أن عثمان رضي الله عنه بذل ما بوسعه في سبيل إخماد الفتنة منذ قدوم أهل الأمصار، وإلى فتحه الباب ودخول القاتل عليه وقتله له.
11- أن الصحابة رضوان الله عليهم بذلوا ما في وسعهم للدفاع عن عثمان يوم الدار، إلا أنه منعهم بل شدد في منعهم من ذلك، فحال بينهم، وبين ما يريدون من الدفاع عنه، وبما أنه أميرهم وتجب عليهم طاعته نفذوا أمره ولم يقاتلوا الخارجين عليه، بعد يأسهم من سماحه لهم بالدفاع.
12- أن من أسباب رفض عثمان القتال:
أ- علمه بأن هذه الفتنة ستنتهي بقتله لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك.
ب- عدم رغبته بأن يكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء.
ج- علمه بأن البغاة لا يريدون غيره، فكره أن يتوقَّى بالمؤمنين، وأحب أن يقيهم بنفسه.
د- عملاً بمشورة عبد الله بن سلام رضي الله عنه له بالكف عن القتال.
13- أنه لم يقع يوم الدار قتال عنيف، بل وقع اشتباك خفيف أدى إلى جرح الحسن بن علي رضي الله عنهما وحمله من الدار على إثر هذا الجرح.
14- أن عثمان رضي الله عنه رأى في النوم -في آخر يوم من أيامه- النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يقول له: يا عثمان أفطر عندنا، فأصبح صائماً، وأخرج من كان معه في الدار ممن كانوا يريدون الدفاع عنه، ثم وضع المصحف بين يديه، وأمر بفتح الباب، وأخذ يقرأ القرآن، فدخل عليه رجل أسود من أهل مصر يلقب بجبلة-لسواد بشرته- ولا يستبعد أن يكون هو عبد الله بن سبأ اليهودي؛ فقتله.
15- أنه لم يشترك في التحريض على عثمان رضي الله عنه فضلاً عن قتله أحد من الصحابة رضي الله عنهم؛ وأن كل ما رُوي في ذلك ضعيف الإسناد.
16- أن محمد بن أبي بكر لم يشترك في التحريض على قتل عثمان رضي الله عنه؛ ولا في قتله، وكل ما روي في اتهامه بذلك باطل لا صحة له.
17- أن قتله كان في صبيحة يوم الجمعة، الموافق لأوسط أيام التشريق؛ (الثاني عشر) من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة والثلاثين بعد الهجرة.
18- أن سِنَّه عند قتله كانت: اثنتين وثمانين سنة على الراجح.
19- أنه قد ترتب على قتله رضي الله عنه فتن ومحن كثيرة، لا زالت الأمة الإسلامية تعاني منها إلى اليوم.
20- أنه
PDF 190لا يوثق بمعظم كتابات المعاصرين عن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، لعدم تحري مصنفيها الروايات الصحيحة، في بناء الصورة التاريخية للفتنة، واعتمادها -في الغالب- على الروايات الواهية التي يرويها الضعفاء؛ ولعدم عزوهم المعلومات إلى مصادرها.
21- أن روايات محمد بن عمر الواقدي عن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه فيها دس كثير، وتخالف الروايات الصحيحة -في أكثر الحقائق- وأنها تعكس صورة مشوهة عن الفتنة، وتبرز مواقف غير صحيحة للصحابة.
22- أن روايات سيف بن عمر التميمي عن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، عبارة عن مجموعة روايات مسندة يحذف سيف أسانيدها، ثم يرويها من طريق عدد من شيوخه يصلون -أحياناً- إلى أربعة شيوخ، وأن روايات سيف هذه لا تخلو من القدح في بعض الصحابة واتهامهم بما هم منه براء، وتعتدل أحياناً فتظهر الصورة الصحيحة لمواقفهم.
23- أن في الخروج على إمام المسلمين مضاراً كثيرة ويترتب عليه مفاسد كثيرة، فهؤلاء الخارجون على عثمان رضي الله عنه أظهروا أنهم يريدون الإصلاح، وتجنيب المسلمين مفاسد ادعوا أنها ظهرت في خلافته رضي الله عنه وها نحن نقف اليوم على ما أظهروه، وما فعلوه، وما ادعوا أنهم يهدفون إليه، فما الذي تحقق من تلكم الأهداف المزعومة؟ وماذا حصل للمجتمع الإسلامي في تلك الفترة من فتح باب الشر والفتن؟ فما الذي جناه المسلمون من خروجهم ذاك؟ ثم ماذا ترتب عليه من سلبيات على الإسلام بعامة إلى عصرنا هذا؟ فليعتبر أولو الأفئدة والأبصار، ولعلهم يعقلون.
إنهم شرذمة قليلون، حاقدون ناقمون، موتورون، تتكرر صور لهم في كل زمان، فتعاد الصورة، ويخرجون على ولاة الأمر لأغراض شخصية، وحقد شخصي، وحسد
PDF 191أعمى بعاطفة هوجاء، جنَّب الله المسلمين شرور من يدمرون الإسلام لتحقيق مصالح شخصية.
ولو حصل في زمن من الأزمان أن وقع ولي الأمر في بعض الأخطاء، كما ادعى أولئك الخارجون على عثمان رضي الله عنه فإنه لا يجوز الخروج عليه شرعاً، وفي الخروج عليه مفاسد مترتبة، أشد وأرجح من تلك المفاسد المزعومة.
ورحم الله علماء السلف الذين هم على الأثر، متبعين غرس المصطفى عليه الصلاة والسلام حيث يقول: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة»، ويقول: «أطع الإمام وإن أخذ مالك وجلد ظهرك».
فرحمهم الله حيث يقولون: «ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر...».
فهؤلاء العلماء الأجلاء من أئمة السلف حذروا ومنعوا من الخروج على الإمام وإن جار، فكيف بالخروج عليه لمخالفته في مسائل اجتهادية هو فيها على الصواب، وهي مجال اجتهاد، للمجتهد المخطئ فيها نصيب من الأجر.
لقد حذر الإسلام من الخروج على الإمام لما في الخروج عليه من فتن ومحن وإحن وقواصم له، ولما فيه من عودة بالإسلام والمسلمين إلى الوراء أعواماً عديدة، وتضييع لجهود بذلت في سبيله كثيرة.
وأمروا -رحمهم الله- بلزوم الجماعة وعدم شق العصا من الطاعة، والموالاة لولي الأمر والطاعة له فيما ليس فيه معصية، بل جعلوا ذلك من صميم المعتقد الصحيح، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة جليلة بعنوان: «قاعدة جليلة في
PDF 192وجوب طاعة الله ورسوله وولاة الأمر» حشد فيها الآيات والأحاديث والآثار عن السلف الصالح في ذلك(615)
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المراجع
ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور/ سعدي الهاشمي/ ط1/ 1406هـ/ مكتبة الدار بالمدينة المنورة. أسد الغابة لابن الأثير: عز الدين أبو الحسن علي بن محمد الجزري المتوفى سنة 630هـ/ دار الفكر/ بيروت. الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم: أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، المتوفى سنة 287هـ/ مخطوط، منه مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية/ قسم المخطوطات. الأسامي والكنى لأحمد بن حنبل الشيباني، المتوفى سنة 241هـ بتحقيق عبد الله بن يوسف الجديع/ دار الأقصى/ الكويت/ الطبعة الأولى، 1406هـ. الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري المتوفى سنة 463هـ/ دار العلوم الحديثة/ الطبعة الأولى 1328هـ. الإسلام والصحابة الكرام بين السنة والشيعة لمحمد بهجة البيطار. الإسناد من الدين ومن خصائص أمة سيد المرسلين للدكتور عاصم بن عبد الله القريوتي/ مكتبة المعلا/ الطبعة الأولى 1406هـ. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ/ دار العلوم الحديثة/ الطبعة الأولى، 1328هـ. الأعلام للزركلي/ دار العلم للملايين/ بيروت/ الطبعة السادسة
1984م. الأمالي للمحاملي: الحسين بن إسماعيل بن محمد المحاملي، المتوفى سنة 330هـ/ مخطوط/ منه مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية/ قسم المخطوطات. الأنساب للمسعاني: عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني، المتوفى سنة 562هـ، بتحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي/ دائرة المعارف العثمانية/ الهند/ الطبعة الأولى 1382هـ. البداية والنهاية لابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، المتوفى سنة 774هـ/ بتحقيق أحمد أبي ملحم وزملائه/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى، 1405هـ. التاريخ لابن معين: يحيى بن معين المتوفى سنة 232هـ بتحقيق أحمد نور سيف/ مركز البحث العلمي/ إحياء التراث الإسلامي جامعة الملك عبد العزيز/ الطبعة الأولى 1399هـ. التاريخ لابن زرعة الدمشقي: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري، المتوفى سنة 281هـ/ بتحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني/ مجمع اللغة العربية/ 1400هـ. التاريخ لخليفة بن خياط المتوفى سنة 240هـ بتحقيق أكرم العمري/ دار طيبة/ الرياض/ الطبعة الثانية/ 1405هـ. التاريخ الصغير للبخاري: محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256ه؛ بتحقيق محمود إبراهيم زايد/ دار المعرفة/ بيروت/ الطبعة الأولى/ 1406هـ. التاريخ الكبير للبخاري: محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256هـ/ بتحقيق محمود إبراهيم زايد/ دار الكتب العلمية/
بيروت. التبيين لأسماء المدلسين لسبط بن العجمي الشافعي/ بتحقيق يحيى شفيق/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1406هـ. التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة للسخاوي: شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902هـ/ نشر أسعد طرابزوني/ 1399هـ. التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان لمحمد بن يحيى بن أبي بكر الأشعري المالقي الأندلسي المتوفى سنة 741هـ/ بتحقيق محمود زايد/ دار الثقافة/ الدوحة/ الطبعة الأولى/ 1405هـ. التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العمي اليماني/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الثانية 1406هـ. الثقات لابن حبان البسيّ: محمد بن حبان بن أحمد بن أبي حاتم التميمي المتوفى سنة 965هـ/ مؤسسة الكتب الثقافية/ الطبعة الأولى 1393هـ. الجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة 261هـ/ بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي/ دار إحياء التراث/ بيروت. الجامع الصحيح للبخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة المتوفى سنة 256هـ/ مع فتح الباري. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: أبو عبد الرحمن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى. الذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك لعبد القادر حبيب الله السندي/ مكتبة المعلا/1406هـ.
المعلا/1406هـ. الرسالة المغنية في السكوت ولزوم البيوت لابن البناء: الحسن بن أحمد بن عبد الله البغدادي المتوفى سنة 1417هـ/ بتحقيق يوسف الجديع/ دار العاصمة/ عبد المعيد/ عالم الكتب/ بيروت/ الطبعة الثالثة 1401هـ. الرواة المختلف فيهم لابن شاهين: أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان المتوفى سنة 385هـ/ ضمن كتاب تاريخ جرجان للسهمي/ تحت مراقبة الدكتور محمد عبد المعيد/ عالم الكتب/ بيروت/ الطبعة الثالثة 1401هـ. الرواة المختلف فيهم لابن شاهين: أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان المتوفى سنة 385هـ/ مخطوط منه مصورة في مكتبة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري؛ تغمده الله برحمته. الروض المعطار في خبر الأقطار لمحمد بن عبد المنعم الحميري المتوفى سنة 900هـ/ تحقيق الدكتور إحسان عباس/ مكتبة لبنان/ بيروت/ الطبعة الثانية/ 1984. الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري: أبو جعفر أحمد/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1405هـ. الزهد/ للإمام أحمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة 256هـ/ بتحقيق الدكتور محمد جلال شرف/ دار النهضة العربية/ بيروت. السنن للدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي المتوفى سنة 255هـ بتحقيق محمد أحمد دهمان/ دار إحياء السنة النبوية/ بيروت. السنن لسعيد بن منصور المتوفى سنة 227هـ/ بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى
1405هـ. السنن للنسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي المتوفى سنة 303هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت/ الطبعة الأولى. السنن لأبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي المتوفى سنة 275هـ/ بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. السنن الكبرى للبيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة 458هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت. السنن بشرح السيوطي للنسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي المتوفى سنة 303هـ/بترقيم أبي غدة/ دار المعرفة/ بيروت/ مكتبة المطبوعات الإسلامية/ حلب/الطبعة الأولى. السيرة النبوية لابن هشام/ بتحقيق مصطفى السقا/ مؤسسة علوم القرآن/ 1404هـ. الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم المتوفى سنة 728هـ/ المكتبة العصرية، بيروت، 1411هـ. الضعفاء الكبير للعقيلي: أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي بتحقيق عبد المعطي أمين قلعجي/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى. الطبقات الكبرى لابن سعد: محمد بن سعد المتوفى سنة 230هـ/ المجلس العلمي في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية/ الطبعة الأولى. الطبقات لخليفة بن خياط. شباب. العصفري المتوفى سنة 230هـ/ بتحقيق أكرم ضياء العمري/ دار طيبة/ الرياض/ الطبعة الثانية
1402هـ. الطبقات الكبرى لابن سعد: محمد بن سعد المتوفى سنة 230 هـ/ دار صادر/ بيروت. العبر في خبر من غبر للذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ/ بتحقيق أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1405هـ. العواصم من القواصم لابن العربي: أبو بكر بن العربي المالكي المتوفى سنة 543هـ/ بتحقيق محب الدين الخطيب/ دار الكتب السلفية/ الطبعة الأولى 1405هـ. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني لأحمد بن عبد الرحمن الساعاتي/ دار إحياء التراث/ بيروت/ الطبعة الثانية. الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفرائيني، المتوفى سنة 924هـ/ ط1، 1405هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ لبنان. الفهرست لابن النديم: أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق المعروف بالوراق المتوفى سنة 438هـ/ دار المعرفة/ بيروت 1398 هـ. الفهرست لابن النديم/ بتحقيق رضا تجدد. القاموس المحيط للفيروز آبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي/ تحقيق مكتب تحقيق التراث/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ الطبعة الثانية/ 1407هـ. القاموس المحيط للفيروز آبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي/ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي/ مصر/ الطبعة الثانية 1371هـ.
الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للذهبي: محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ، بتحقيق لجنة من العلماء/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى/ 1403هـ. الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي: عبد الله بن عدي الجرجاني المتوفى سنة 465هـ/ دار الفكر/ بيروت/ الطبعة الأولى 1404هـ. الكفاية للخطيب البغدادي: لأبي بكر بن علي بن ثابت المتوفى سنة 463هـ/ دار الكتب الحديثة/ القاهرة/ الطبعة الثانية. الكنى للحاكم: محمد بن عبد الله بن حمدويه النيسابوري المتوفى سنة 405هـ/ مخطوط/ منه نسخة مصورة في مكتبة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري رحمه الله رحمة واسعة-. الكنى لمسلم بن الحجاج النيسابوري/ مخطوط/ صورته/ دار الفكر/ بيروت/ وقدم له مطاع الطرابيشي. الكنى والأسماء للدولابي: محمد بن أحمد بن حماد الدولابي المتوفى سنة 310هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الثانية 1403هـ. الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات لابن الكيال: محمد بن أحمد بتحقيق عبد القيوم عبد رب النبي/ مركز البحث العلمي وإحياء التراث في جامعة أم القرى/ مكة المكرمة/الطبعة الأولى 1401هـ. المجتمع المدني الجهاد ضد المشركين للدكتور أكرم العمري/ الطبعة الأولى
1404هـ. المحن لأبي عرب: محمد بن أحمد بن تميم التميمي المتوفى سنة 333هـ بتحقيق يحيى وهيب الجبوري/ دار الغرب الإسلامي/ الطبعة الأولى 1403هـ. المراسيل لابن أبي حاتم: محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327هـ/ بتعليق أحمد عاصم الكاتب دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1403هـ. المستدرك للحاكم: محمد بن عبد الله بن حمدويه النيسابوري المتوفى سنة 405هـ/ دار المعرفة/ بيروت. المستقصى في أمثال العرب لأبي القاسم: جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 538هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الثانية/1397هـ. المسند لابن الجعد: أبو الحسن علي بن الجعد الجوهري المتوفى سنة 230هـ/ بتحقيق عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي/ مكتبة الفلاح/ الكويت/ الطبعة الأولى 1405هـ. المسند لأبي داود الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي المتوفى سنة 204هـ/ مكتبة المعارف/ الرياض. المسند لخليفة بن خياط المتوفى سنة 240هـ/ بتحقيق الدكتور/ أكرم بن ضياء العمري/ الشركة المتحدة للتوزيع/ بيروت/ الطبعة الأولى 1405هـ. المسند لأبي يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى
التيمي المتوفى سنة 307هـ/ بتحقيق حسين سلم أسد/ دار المأمون للتراث/ دمشق بيروت/ الطبعة الأولى 1404هـ. المسند لأحمد بن حنبل المتوفى سنة 241هـ/ بتحقيق أحمد شاكر/ دار المعارف/ مصر/ الطبعة الرابعة 1373هـ. المسند لأحمد بن حنبل المتوفى سنة 241هـ/ دار صادر/ بيروت. المسند للحميدي: عبد الله بن الزبير الحميدي المتوفى سنة 219هـ/ بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي/ عالم الكتب/ بيروت. المصاحف لابن أبي داود: أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان السجستاني المتوفى سنة 656هـ/ مؤسسة قرطبة/ الأندلس. المصاحف لابن أبي داود: أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان السجستاني المتوفى سنة 656هـ/ دار الكتب العلمية بيروت/ الطبعة الأولى 1405هـ. المصنف لابن أبي شيبة: عبد الله بن محمد المتوفى سنة 235هـ بتحقيق عبد الخالق الأفغاني. المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة 211هـ بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الثانية 1403هـ. المطالب العالية لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي/ دار الباز. المعجم لابن الأعرابي: أحمد بن محمد بن زياد بن بشر الأعرابي المتوفى سنة 340هـ/ مخطوط. المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي لونسنك مكتبة بريل/ ليدن/
1936م. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لمحمد فؤاد عبد الباقي/ دار الحديث/ القاهرة/ الطبعة الثانية/ 1408هـ. المعجم المفهرس لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ، منه نسخة مصورة؛ في قسم المخطوطات في مكتبة الجامعة الإسلامية. المعجم الكبير للطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة 360هـ بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي/ وزارة الأوقاف والشؤون الدينية إحياء التراث الإسلامية/ الطبعة الثانية. المعرفة والتاريخ للبسوي: أبو يوسف يعقوب بن سفيان البسوي المتوفى سنة 277هـ بتحقيق الدكتور/ أكرم بن ضياء العميري/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ الطبعة الثانية 1401هـ. المغني في الضعفاء للذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ بتحقيق محمد صالح عبد العزيز المراد/ المجلس العلمي إحياء التراث الإسلامي/ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة/ الطبعة الأولى 1408هـ. المقصد العلي للهيثمي: علي بن أبي بكر الهيثمي، المتوفى سنة 708هـ، مخطوط. المنتخب لعبد بن حميد المتوفى سنة 249هـ بتحقيق مطصفى العدوي/ دار الأرقم للنشر والتوزيع/ الكويت 1405هـ. الموطأ لمالك بن أنس المتوفى سنة 179هـ/ بتصحيح وترقيم وتخريج: محمد فؤاد عبد الباقي/ دار إحياء الكتب العلمية، القاهرة.
النبذة في ترجمة أبي ذر وتاريخ الربذة للشيخ علي بن ثائب العمري/ الطبعة الأولى 1407هـ. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير المتوفى سنة 606هـ/ بتحقيق طاهر أحمد الزاوي وزميله/ المكتبة العلمية/ بيروت. النهي عن سب الأصحاب للمقدسي، منه نسخة مصورة؛ في قسم المخطوطات في مكتبة الجامعة الإسلامي. أنساب الأشراف للبلاذري: أحمد بن يحيى المتوفى سنة 279هـ، تحقيق الدكتور/ محمد حميد الله/ معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالاشتراك مع دار المعارف. إيضاح المكنون لحاجي خليفة: إسماعيل باشا بن محمد أمين الياباني المتوفى سنة 1248هـ/ دار الفكر/ 1420هـ. بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود: للدكتور/ عبد الله الجميلي، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية، 1414هـ. بقي بن مخلد ومقدمة مسنده للدكتور/ أكرم ضياء العمري/ الطبعة الأولى 1404هـ. تاريخ أسماء الثقات ممن نقل عنهم العلم لابن شاهين: عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين المتوفى سنة 385هـ بتحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى
1406هـ. تاريخ الأمم والملوك للطبري: أبوجعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم/ دار سويدان/ الطبعة الثانية 1387هـ. تاريخ المدينة لابن شبة: أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري المتوفى سنة 262هـ بتحقيق فهيم شلتوت/ السيد حبيب محمود أحمد/ الطبعة الثانية. تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المتوفى سنة 463هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت. تاريخ جرجان للسهمي/ عالم الكتب/ بيروت/ الطبعة الثالثة 1401هـ. تاريخ دمشق لابن عساكر: أبو القاسم غلي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المتوفى سنة 571هـ/ مخطوط، صورته ونشرته مكتبة الدار في المدينة المنورة. تاريخ مدينة دمشق/ عاصم عائذ/ لابن عساكر: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المتوفى سنة 571هـ بتحقيق سكينة الشهابي/ مجمع اللغة العربية/ دمشق. تاريخ مدينة دمشق/ تراجم النساء/ لابن عساكر: أبو القاسم علي بن الحسن هبة الله الشافعي المتوفى سنة 571هـ بتحقيق سكينة الشهابي/ مجمع اللغة العربية/ دمشق. تاريخ مدينة دمشق/ عبد الله بن سالم- عبد الله بن أبي عائش/ لابن عساكر: أب القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المتوفى سنة 571هـ نشر المجمع العلمي/ مجمع اللغة العربية/ دمشق. تجريد أسماء الصحابة للذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ/ دار المعرفة/
بيروت. تحفة الأحوذي للمباركفوري: أبو العلي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المتوفى سنة 1253هـ/ بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان/ نشر محمد عبد المحسن التركي/ المكتبة السلفية/ المدينة النبوية. تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للمزي: جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي بن المزي المتوفى سنة 742هـ بتحقيق عبد الصمد شرف الدين/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الثانية/ 1403هـ. تذكرة الحفاظ للذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ/ مكتبة الحرم المكي/ مكة المكرمة 1374هـ. تعجيل المنفعة لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ دار الكتاب العربي/ بيروت. تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ المتوفى سنة 852هـ/ بتحقيق الدكتور/ عاصم القريوتي، مكتبة المنار/ الزرقاء/ الطبعة الأولى. تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ بتحقيق عبد القادر سليمان البندار وزميله/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1405هـ. تغليق التعليق على صحيح البخاري لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ دار عمار/ الاردن عمان/ الطبعة الاولى 1405هـ. تفسير القرآن العظيم لابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير المتوفى سنة 774هـ/ دار التراث الإسلامي/
1400هـ. تقريب التهذيب لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ بتحقيق محمد عوامة/ دار الرشيد/ سوريا/ الطبعة الأولى 1406هـ. تلخبص المتشابة للخطيب البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت المتوفى سنة 463هـ/ تحقيق سكينة الشهابي، طلاس للدراسات والترجمة/ دمق/ الطبعة الأولى 19850هـ. تنبيه ذوي النجابة إلى عدالة الصحابة لقرشي بن عمر أحمد/ علق عليه وخرج أحاديثه: نبيل بن منصور البصارة/ دار الدعوة/ الكويت/ الطبعة الأولى/ 1405هـ. تهذيب التهذيب لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ مطبعة مجلس دائرة المعارف/ الطبعة الأولى 1325هـ. تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي: جمال الدين أبو الحجاج يوسف المتوفى سنة 742هـ/ قدم له: عبد العزيز رباح ومحمد أحمد عبد العزيز/ دار المأمون/ بيروت دمشق/ الطبعة الأولى 1402هـ. تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي: جمال الدين أبو الحجاج يوسف المتوفى سنة 742هـ/ بتحقيق بشار عواد معروف/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ الطبعة الثانية 1403هـ. تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن القيم: شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الدمشقي المتوفى سنة 751هـ/ بتحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد فقي/ دار المعرفة/ بيروت
1400هـ. تيسير المنفعة لكتابي مفتاح كنوز السنة والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي/ لمحمد فؤاد عبد الباقي/ دار الحديث/ بيروت/ الطبعة الثانية 1404هـ. تيسير الوصول إلى مواضع الحديث في كتب الأصول لعبد المجيد محمد حسين/ دار الدعوة/ الكويت/ الطبعة الثانية 1405هـ. جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ بتحقيق محمود شاكر/ دار المعارف/ مصر/ الطبعة الثانية. جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ/ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البالي الحلبي وأولاده/ الطبعة الثانية/ 1373هـ. جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي: صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي المتوفى سنة 761هـ بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي/ الدار العربية للطباعة/ الطبعة الأولى 1398. حكم سب الصحابة لابن تيمية: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، المتوفى سنة 728هـ/ دار الأنصار/ القاهرة/ الطبعة الأولى 1978هـ. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم/ دار الكتب العلمية/ بيروت/ دار الفكر/ بيروت. خطبة الحاجة للعلامة: محمد ناصر الدين الألباني/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الرابعة/
1400هـ. دراسة المتكلم فيهم من رجال تقريب التهذيب للدكتور عبد العزيز التخيفي/ رسالة دكتوراه مطبوعة على الآلة الكاتبة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية/ الرياض/ 1405هـ. دلائل النبوة للبيهقي/ بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان/ دار الفكر/ بيروت/ الطبعة الثانية 1403هـ. ذو النورين عثمان بن عفان لعباس محمود العقاد/ دار نهضة مصر/القاهرة. رائد الطلاب لجبران مسعود/ دار العلم للملايين/ بيروت/ 1981م. رجال صحيح البخاري للكلاباذي: أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين البخاري الكلاباذي المتوفى سنة 398 هـ بتحقيق عبد الله الليثي/ دار المعرفة/ بيروت/ الطبعة الأولى 1407هـ. رجال صحيح مسلم لابن منجويه: أحمد بن علي بن منجويه الأصبهاني، المتوفى سنة 428هـ بتحقيق عبد الله الليثي/ دار المعرفة/ بيروت/ الطبعة الأولى/ 1407هـ. زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي بن عل بن الجوزي المتوفى سنة 597هـ/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الرابعة/ 1407هـ. سلسلة الأحاديث الصحيحة للعلامة الألباني: محمد ناصر الألباني/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الثالثة
1403هـ. سنن ابن ماجه لابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني المتوفى سنة 275هـ بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت. سنن الترمذي، للترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة 297هـ بتحقيق أحمد محمد شاكر/ دار الباز/ مكة المكرمة. سنن الدراقطني: علي بن عمر المتوفى سنة 385هـ بتحقيق عبد الله هاشم يماني المدني 1386هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن احمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ الطبعة الثانية 1402هـ. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي المتوفى سنة 418هـ/ مخطوط/ منه نسخة مصورة في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله. شرح السنة للبغوي: الحسين بن مسعود المتوفى سنة 516هـ بتحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ 1403هـ. شرح العقيد الطحاوية لعلي بن علي بن محمد بن أبي العوز الدمشقي المتوفى سنة 722هـ/ خرج أحاديثها العلامة محمد ناصر الدين الألباني/ مكتبة الدعوة الإسلامية/ الأزهر. شرح صحيح مسلم للنووي/ دار الفكر/ بيروت/ 1401هـ. صحيح أبي عبد الله البخاري «بشرح الكرماني» دار إحياء التراث/ بيروت/ الطبعة الثانية
1407هـ. صحيح سنن ابن ماجه للعلامة الألباني: محمد بن ناصر الدين الألباني/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الأولى 1407هـ. صفة النار لابن أبي الدنيا: عبد الله بن محمد بن عبيد المتوفى سنة 281هـ. ضعيف سنن ابن ماجه للعلامة الألباني: محمد ناصر الدين الألباني/ مكتب التربية العربي لدول الخليج/ الرياض/ الطبعة الأولى 1408هـ. طبقات المدلسين لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ. عائشة والسياسة لسعيد الأفغاني/ دار الفكر/ بيروت. عبد الله بن سبأ دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة للدكتور/ عبد العزيز الهلابي/ رسالة نشرت في مجلة حوليات كلية الآداب في جامعة الملك سعود؛ الحولية الثامنة 1407هـ. الرسالة الخامسة والأربعون. علم التاريخ عند المسلمين لفراز نزروزنثال/ ترجمة الدكتور/ صالح أحمد العلي/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ الطبعة الثانية/ 1403هـ. عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب: محمد شمس الدين الحق العظيم آبادي، بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان/ دار الفكر/ بيروت/ الطبعة الثالثة 1399هـ. فتح الباري يشرح صحيح البخاري لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد/
الرياض.. فتح المغيث للسخاوي: شمي الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة 902هـ/ الطبعة الأولى 1403هـ. فتح المغيث للسخاوي: شمي الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة 902هـ/ دارالكتب العلمية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1403هـ. فجر الإسلام لأحمد أمين/ دار الكتاب العربي/ بيروت/ الطبعة الحادية عشرة /1979م. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي المتوفى سنة 1067هـ/ دار الفكر/ 1402هـ. كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة 807هـ بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ الطبعة الثانية 1404هـ. لسان العرب لابن منظور: جمال الدين علي بن أبي بكر المتوفى سنة 807هـ/ دار الرشاد الحديثة. لسان الميزان لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ بيروت/ الطبعة الثالثة /1406هـ. مجلة عالم الكتب/ المجلد الثامن/ العدد الرابع/ ربيع الآخر/ 1408هـ. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة 807هـ/ دار الكتاب العربي/ بيروت/ الطبعة الثالثة/ 1402هـ. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728هـ جمع وترتيب العلامة: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم/ مكتبة المعارف/
الرباط. مختصر سنن أبي داود للمنذري: عبد العظيم بن عبد القوي ابن عبد الله بن سلامة بن سعد المتوفى سنة 656هـ بتحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي/ دار المعرفة/ بيروت/ 1400هـ. مرويات العهد المكي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للدكتور/ عادل عبد الغفور عبد الغني/ رسالة ماجستير/ مطبوعة على الآلة الكاتبة/ 1408هـ/ منها نسخة في مكتبة الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية. مرويات غزوة بدر جمع ودراسة وتحقيق لأحمد محمد العليمي باوزير/ مكتبة طيبة/ الطبعة الأولى/ 1400هـ. مشكاة المصابيح للتبريزي: محمد بن عبد الله بن الخطيب التبريزي بتحقيق العلامة محمد ناصر الدين الألباني/ المكتب الإسلامي/ بيروت/ الطبعة الثالثة/ 1405هـ. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه؛ للحافظ البوصيري/ دار العربية/ بيروت/ الطبعة الأولى 1402هـ. معالم السنن للخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة 388هـ/ بتحقيق العلامة أحمد محمد شاكر والعلامة محمد حامد الفقي/ دار المعرفة/ بيروت/ 1400هـ. معجم الأعلام لبسام عبد الوهاب الجابي/ الجفان والجابي/ قبرص/ الطبعة الأولى 1407هـ. معجم البلدان لياقوت الحموي: شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي المتوفى سنة 646هـ/ دار بيروت/ بيروت
1404هـ. معجم الصحابة للبغوي: عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي المتوفى سنة 317هـ/ منه نسخة مصورة؛ في قسم المخطوطات في مكتبة الجامعة الإسلامية. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع للبكري: عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي المتوفى سنة 487هـ بتحقيق مصطفى السقا/ عالم الكتب/ بيروت/ الطبعة الثالثة 1403هـ. معرفة الثقات بترتيب الهيثمي للعجلي: أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي المتوفى سنة 261هـ بتحقيق عبد العليم بن عبد العزيز البستوي/ مكتبة الدار في المدينة النبوية/ الطبعة الاولى 1405هـ. معرفة الصحابة لأبي نعيم المتوفى سنة 430هـ/ مخطوط/ منه نسخة مصورة في قسم المخطوطات في مكتبة الجامعة الإسلامية. معرفة الصحافة لأبي نعيم المتوفى سنة 430هـ/ بتحقيق راضي بن حاج عثمان/ مكتبة الدار في المدينة النبوية/ وكتبة الحرمين في الرياض/ الطبعة الأولى 1408هـ. مفتاح كنوز السنة لآي فنسنك بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي/ دار إحياء التراث/ بيروت 1403هـ. مقتل الشهيد عثمان لابن خلف: أحمد بن كامل بن خلف المتوفى سنة 350هـ. منزلة الصحابة في القرآن لمحمد صلاح محمد الصاوي/ دار طيبة/
الرياض. من القائل أسئلة وأجوبة في الشعر والحكم والأمثال لعبد الله بن محمد بن خميس/ الطبعة الثانية/ 1405هـ. منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية بتحقيق محمد رشاد سالم/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية/ 1406هـ. منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية/ دار الكتب العلمية/ بيروت. منهاج كتابة التاريخ الإسلامي للدكتور/ محمد بن صامل العلياني السلمي/ دار طيبة/ الرياض/ الطبعة الأولى 1406هـ. موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف لأبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول/ عالم التراث/ بيروت/ الطبعة الأولى 1410 هـ. ميزان الاعتدال للذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ/ بتحقيق علي محمد البجاوي/ دار المعرفة/ بيروت 1382هـ. هدي الساري لابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ/ المطبعة السلفية. هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي/دار الفكر/1402هـ.