الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
آداب العشرة بين الزوجين في تراث الآل والأصحابالقراءة المتصلة
صفحة 7
حجم النص28
بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 7

آداب العشرة بين الزوجين في تراث الآل والأصحاب

صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 5 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الموضوعالصفحة
مقدمة مبرة الآل والأصحاب7
مُقَدِّمَة11
تَمْهِيد - التعريف بآل البيت17
آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب31
المرأة أيضًا تختار الزوج الصالح44
أول الحقوق الصداق50
التصريح بالحب بين الزوجين59
أساس بناء البيوت62
حقوق المعاشرة الزوجية68
التزين والتجمل حق مشترك76
تلطيف الأجواء بالترفيه والملاعبة80
التعاون بين الزوجين96
التشاور بين الزوجين103
التعامل الصحيح مع الغيرة الطبيعية107
التعامل مع الغضب بهدوء118
الحاجة إلى الوعظ والتذكير بالله124
تعمير البيوت بذكر الله127
العتاب عند
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الغضب131
التثبت قبل إصدار الأحكام139
الاعتذار وإصلاح الأخطاء145
التأديب عند الحاجة إليه147
الهجر دواء أحيانًا150
الكذب للإصلاح بين الزوجين157
آخر الدواء... الطلاق159
البغض مبرر للطلاق165
فهرس المصادر والمراجع167

مقدمة مبرة الآل والأصحاب

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين.

أما بعد:

فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.

وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:

35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.

والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخر به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.

ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.

وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في

ذلك المجال.

وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.

ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام

العمل بتنسيق الكتب وإخراجها حتى تمويلها لطباعتها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.

وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.

نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مَبَرَّة الآل والأصْحَاب

مُقَدِّمَة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فنِعَمُ الله عز وجل على عباده كثيرة متعدِّدة متنوعة، يأتي في مقدمتها نعمة الإسلام، والهداية إليه والعمل بأحكامه، والزواج من بين تلك النِّعم العظيمة التي أكرم الله بها عباده.

فقد شرع الله الزواج أساسًا لنظام هذا الكون وعِمارته، وهو من آيات الله الدالة على حكمته - سبحانه - قال تعالى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].

ولا تستعمل لفظة (آية) في القرآن المجيد إلا في الأمور الجليلة العظيمة؛ ليدل على قوة وقدرة الخالق تبارك وتعالى وقد قرن الله تبارك وتعالى آية تكوين الأسرة، بآية تكوين العالم أجمع، فعقب هذه الآية بقوله جل وعلا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢].

وذلك أنَّ الأسرة هي أساس المجتمع، منها تتفرق الأمم وتنتشر الشعوب، ونواة بنائها هي الزوجان، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. فبقيام الزواج تنتظم الحياة، ويحفظ الحياء، وينعم البال، ويستقيم الحال. وبالزواج المشروع يتحقق العفاف والحصان.

«وما كان الله لِيَدَع الرجل تحت أوقار الدهر: وأثقال الحياة، حتى يخلق له من نظام نفسه، من يذود عنه هموم نفسه، ويحتمل دونه الكثير من شئونه، ويضيء له ما بين من شعاب العيش وظلم الخطوب.

تلك هي المرأة قسيمة حياته، ومباءة شكاته، وعماد أمره، وعتاد بيته، ومهبط نجواه، وتلك هي آية الله ومنته ورحمته لقوم يتفكرون. ينهض الرجل إلى الحياة بعزم وقوة يستمدان عقله ورأيه، وتستقبل المرأة الوجود بعواطف فياضة يتجلى بها قلبها الخفاق فتأسو بها ما جرحته من قلب الفضيلة.

فإن ظهر الرجل بمضائه وذكائه فإن للمرأة غايتها من صفاء القلب، ونقاء السريرة، وما ينبعث عنهما من وفاء ووَلاء، وحنان وإحسان، وتسلية، وغَياث مكروب ونجدة منكوب، وما إلى ذلك مما يقيم مائل الأرض، ويلم صدعات الحوادث.

من أجل ذلك كان قول المرأة في قلب الرجل أملك لنفسه. ولقد ريع النبي صلى الله عليه

وسلم لرؤية الروح الأمين أوَل عهده وملكه الفزع منه فلم يجد وهو صفي الله وصفوتهُ من خلقه من يُسري روعه ويَشُدُّ قلبه إلا زوجه خديجة إذ تقول له: كلا والله لا يخزيك أبدًا إنك تحمل الكَل، وتُكْسِبُ المعدوم. وتعين على نوائب الدهر.

ذلك قول المرأة التي آزرت نبي الله، وَوَاسَتْهُ بمالها وقلبها، وفرجَت عنه مواطن محدقة مُطبقة واحتملت دونه خطوبًا جمة فوادحَ، وكان قولها أنفذ في نشر دين الله من ألف سيف تنْتَضي في سبيل الله.

ذلك وحي من الله وإلهامه على لسان المرأة فنزل بردًا على قلب الرجل. أفبعد هذا القول من ذلك القلب غاية لمستمع أو سبيل لمستزيد؟

ألا إن خشية الله ودينه - وهما سبيل الكمال - لا يجدان مجالًا أهدى، ولا موطنًا أخصب من قلب المرأة، لأن حاجة الدين إلى قلب صاف، وعواطف غالية أشد من حاجته إلى قلب ذكيّ، ورأى أَلَمعِي»(1) .

وتأمل هذه العبارة الجامعة للفقيه الحنفي كمال الدين ابن الهمام رحمه الله حيث يقول: «ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب الأخلاق وتوسعة الباطن بالتحمل في معاشرة أبناء النوع وتربية الولد والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها والنفقة على الأقارب والمستضعفين وإعفاف الحرم ونفسه ودفع الفتنة عنه وعنهن ودفع التقتير عنهن بحبسهن لكفايتهن مئونة سبب الخروج، ثم الاشتغال بتأديب نفسه وتأهيله للعبودية ولتكون هي أيضًا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سببًا لتأهيل غيرها وأمرها بالصلاة؛ فإنَّ هذه الفرائض كثيرة لم يكد يقف عن الجزم بأنه أفضل من التخلي»(2)

ولهذا: فإنَّ العلاقة بين الزوجين أمرٌ مهمٌّ، فاستقامتها سببٌ لاستقامة الحال وعمارةِ المنزل، وانتظامِ شأن الولد وحياة الأولاد بين الأبوين المتعاونين في سبيل إصلاح الأولاد وتربيتهم التربية الصالحة، والله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وضع للزوجين نظامًا إنْ هما سارا عليه؛ فإنَّ ذلك سبب لسعادتهما واجتماعهما وتآلف قلوبهما، فقوله - سبحانه -: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، يبين أن للمرأة حقًا كما عليها حق، وللرجل حق على امرأته كما له عليها حق، فله عليها حق، ولها عليه حق، فإذا قام الزوجُ بالواجب عليه وقامت المرأة المسلمة بالحق الواجب عليها وتعاون الجميع على ذلك فعند ذلك تكون الحياة الزوجية حياةً طيبة سعيدة.

ومن هنا جاءت أهمية الدراسة والنظر في آداب العشرة بين الزوجين، ذلك أنَّ الحياة لا تستقيم على وتيرة واحدة، وإنَّما تتقلب بين الفرح والحزن، والسعادة والغضب، والاتفاق والاختلاف، لكن الذي ينبغي أن يكون موجودًا دائمًا هو العشرة بالمعروف، عملًا بأمر الله سبحانه : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].

ولن نجد قدوة وأسوة لنا في حسن المعاشرة والالتزام بآدابها خيرًا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فهم الذين تربوا في مدرسة النبي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكريم الذي قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»(3)

ولهذا سيجد القارئ الكريم في هذا الكتاب أنِّي لم أقسمه إلى أبواب وفصول، وإنَّما ذكرت - بعد تمهيد في تعريف الآل والأصحاب والعشرة - عدة عناوين في أسس العشرة الزوجية، وتحت هذه العناوين سيجد القارئ معانٍ أخرى مهمة في فنون التعامل بين الزوجين.

كما سيجد القارئ أني عرضت كثيرًا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ومعاشرته لزوجاته، وذلك لسببين:

الأول: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو القدوة والأسوة والمربي لآل البيت والصحابة - رضوان الله عليهم -، وعنه أخذوا وتعلموا كل شيء.

الثاني: أنَّ القدوة لم تكن فقط في رسول الله، وإنَّما كانت أيضًا في أمهات المؤمنين، فمن سيرتهن نتعلم، وبأخلاقهن نقتدي(4) .

وبعدُ:

فهذا عملي في الكتاب، الذي شرفت أن أكون به جزءًا من مشروع عظيم تقوم عليه مبرة الآل والأصحاب لنشر تراثهم واستلهام قيمهم، والله المسؤول أن يجعله في موازين الحسنات خالصًا لوجهه الكريم، والمرجو من الناظر فيه إن وجد صوابًا أن يدعو لكاتبه بالتوفيق والسداد والإثابة، وإن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وجد خطأً أن يدعو بالمغفرة، ويطلعني عليه لعلي أتداركه.

والله أسأل أن يجعل هذا العمل في موازين الحسنات، وأستغفر الله من كل خطأ أو سهو، والله المستعان وعليه التكلان.

والحمد لله رب العالمين

تَمْهِيد - التعريف بآل البيت

تعريف آل البيت لغة:

يقال: أهل الرجل زوجه، والتأهل التزويج، قاله الخليل(5) .

وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به(6) .

أمَّا الآل فجاء في معجم «المقاييس في اللغة» قوله: «آل الرجل أهل بيته»(7) .

وقال ابن منظور: «وآل الرجل أهله، وآل الله وآل رسوله أولياؤه، أصلها (أهل) ثم أُبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير (أأل)، فلما توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفًا»(8) .

وهو لا يضاف إلا فيما فيه شرف غالبًا، فلا يقال: آل الحائك خلافًا لأهل، فيقال: أهل الحائك.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبيت الرجل داره وقصره وشرفه(9) ، وإذا قيل: البيت انصرف إلى بيت الله الكعبة؛ لأن قلوب المؤمنين تهفو إليه والنفوس تسكن فيه، وهو القبلة، وإذا قيل: أهل البيت، في الجاهلية، انصرف إلى سكانه من قريش خاصة، وبعد الإسلام إذا قيل: أهل البيت، فالمراد آل رسول الله صلى الله عليه وسلم(10) .

تعريف آل البيت اصطلاحًا:

اختلف العلماء في تحديد آل النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال أشهرها:

القول الأول: هم الذين حُرِّمت عليهم الصدقة، وبه قال الجمهور، واختلفوا في تحديدهم على ثلاثة أقوال: فقيل هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل بنو هاشم خاصة، وقيل بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب.

القول الثاني: هم ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه خاصة، اختاره ابن العربي(11) ، وانتصر له، ومن القائلين بهذا القول مَنْ أخرج زوجاته.

القول الثالث: آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أتباعه إلى يوم القيامة، واختاره الإمام النووي من الشافعية(12) ، والمرداوي من الحنابلة(13) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القول الرابع: هم الأتقياء من أمته.

والراجح هو القول الأول: وهو أنَّ الآل مَن تحرم عليهم الصدقة على ما فيهم من الاختلاف، وحجته من وجوه:

أحدها: ما رواه البخاري في صحيحه: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالنخل عند صرامه، فيجيء هذا بتمرة وهذا بتمرة حتى يصير عنده كوم من تمر، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجها من فيه، فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة»(14) ، ورواه مسلم وقال: «إنَّا لا تحل لنا الصدقة»(15) .

الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه، عن زيد بن أرقم، قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبًا فينا بماء يدعى خمًا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: أما بعد ألَا أيُّها الناس إنَّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي عز وجل ، وإنِّي تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله عز وجل فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، وقال: وأهل بيتي: أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.

فقال له حصين بن سبرة: ومن أهل

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: أكل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لا تحل لآل محمد»(16)

الدليل الثالث: ما في الصحيحين: من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها : «أنَّ فاطمة رضي الله عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم ممَّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنَّما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل»(17) .

فآله صلى الله عليه وسلم لهم خواص: منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم.

وقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه صلى الله عليه وسلم فكذلك الصلاة على آله.

الدليل الرابع: ما رواه مسلم: من حديث ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره، أن أباه ربيعة بن الحارث، قال لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن العباس رضي الله عنهما «ائتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات فذكر

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحديث وفيه: فقال لنا: إنَّ هذه الصدقة إنَّما هي أوساخ الناس، وإنَّها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد»(18)

ويضاف إلى قرابة النبي صلى الله عليه وسلم : زوجاته، بدلالة القرآن، ففي زوجات النبي صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].

«وإنَّما دخل الأزواج في الآل وخصوصا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تشبيهًا لذلك بالسبب؛ لأنَّ اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم غير مرتفع وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته وهن زوجاته في الدنيا والآخرة فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب. وقد نصَّ صلى الله عليه وسلم على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد رحمه الله : إنَّ الصدقة تحرم عليهم؛ لأنَّها أوساخ الناس، وقد صان الله - سبحانه - ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا وقوله في الأضحية اللهم هذا عن محمد وآل محمد.

وفي قول عائشة رضي الله عنها ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر. وفي قول المصلي اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، ولا يدخلن في قوله إنَّ الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصيانة عنها والبعد منها»(19) .

التعريف بالأصحاب:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الصحابي لغة مشتق من الصحبة، وهي المعاشرة، جاء في «لسان العرب»: صحبه يصحبه صُحبة بالضم وصحابة بالفتح، وصاحَبَه عاشَرَه... والصاحب المُعاشر(20) .

وقال صاحب «المصباح المنير»: والأصل في هذا الإطلاق - أي: إطلاق اسم الصحبة من حيث اللغة - لمن حصل له رؤية ومجالسة. ووراء ذلك شروط للأصوليين. ويطلق مجازًا على من تمذهب بمذهب من مذاهب الأئمة، فيقال: أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة(21) ، وكل شيءٍ لائم شيئًا فقد استصحبه(22) .

ولا يشترط في إطلاق اسم الصحبة لغة، أن تكون الملازمة بين الشيئين طويلة الأمد، أو الملابسة بينهما عميقة؛ لأنَّها اسم مشتق من فعل، والأسماء المشتقة من الأفعال يصح أن تطلق بمجرد صدور الفعل، ولا علاقة لها بمقدار تحقق ذلك الفعل في الشخص.

أمَّا تعريف الصحابي من حيث الاصطلاح؛ فقد اختلف العلماء في حدّه على أقوال، «فالمعروف عند المحدثين أنَّه كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم»(23)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال ابن حجر: «هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح»(24)

غير أنَّ «منهم من بالغ فكان لا يعد من الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية كما جاء عن عاصم الأحول حيث قال: رأى عبدالله بن سرجس رسول الله صلى الله عليه وسلم غير انه لم يكن له صحبة، هذا مع كون عاصم قد روى عن عبدالله بن سرجس هذا عدة أحاديث وهي عند مسلم وأصحاب السنن وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومنها قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له. فهذا يوضح رأي عاصم في الصحابي بأنه من صحب الصحبة العرفية(25) .

«وكذا روى عن سعيد بن المسيب أنَّه كان لا يعد من الصحابة إلا من أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة فصاعدًا أو غزا معه غزوة فصاعدًا»(26) .

ومنهم من اشترط أن يكون حين اجتماعه به صلى الله عليه وسلم بالغًا، وهو مردود أيضًا لأنَّه يخرج أمثال الحسين بن علي ونحوه من أحداث الصحابة(27) وروي عن بعض أصحاب الأصول في تعريفهم للصحابي «أنَّه من طالت مجالسته عن طريق التتبع»(28) قال ابن حجر: «والعمل على خلاف هذا القول وأنهم اتفقوا على عدّ جمع من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في حجة الوداع»(29)

ولعل أرجح التعاريف وأجمعها ما اختاره ابن حجر إذ قال: «وأصح ما وقفت عليه من ذلك أنَّ الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته، أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يروِ عنه ومن غزا معه، أو لم يغز معه ومن رآه ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى»(30) .

وهذا الذي صححه ابن حجر نسَبَه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري. وأثبت ابن حجر أن البخاري تابع فيه شيخه علي بن المديني، حيث قال: «وقد وجدت ما جزم به البخاري من تعريف الصحابي في كلام شيخه علي بن المديني، فقرأت في المستخرج لأبي قاسم بن منده بسنده إلى أحمد بن يسار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول: قال علي بن المديني: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي»(31) .

تعريف العشرة:

العشرة لغة: المخالطة؛ عاشَرْتُه مُعاشَرَةً، واعْتَشَرُوا وتَعَاشَرُوا: تخالطوا؛ وعَشِيرَة الرجل: بنو أَبيه الأَدنونَ، وقيل: هم القبيلة، والجمع عَشَائر، والعَشِيرَةُ العامّة مثل بني تميم وبني عمرو بن تميم، والعَشِيرُ القبيلة،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والعَشِيرُ المُعَاشِرُ، والعَشِيرُ: القريب والصديق، والجمع عُشَراء، وعَشِيرُ المرأَة: زوجُها لأَنه يُعاشِرها وتُعاشِرُه كالصديق والمُصَادِق؛ والعَشِيرُ: الزوج. وقوله تعالى ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣]؛ أَي: لبئس المُعاشِر. ومَعْشَرُ الرجل: أَهله. والمَعْشَرُ: الجماعة، متخالطين كانوا أَو غير ذلك؛ والمَعْشَر والنَّفَر والقَوْم والرَّهْط معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، للرجال دون النساء، والعَشِيرة أَيضًا الرجال والعالَم أَيضًا للرجال دون النساء. وقال الليث: المَعْشَرُ كل جماعة أَمرُهم واحد نحو مَعْشر المسلمين ومَعْشَر المشركين. والمَعاشِرُ: جماعاتُ الناس(32)

واصطلاحًا: هي ما يكون بين الزوجين من الألفة والانضمام(33) ، أو هي الأخلاق التي تقتضيها المخالطة بين الزوجين.

وقد ورد في القرآن الكريم قول الله تعالى : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، قال ابن العربي: «حقيقة (عشر) في العربية: الكمال والتمام، ومنه العشيرة؛ فإنَّه بذلك كمل أمرهم وصح استبداده عن غيرهم، وعشرة تمام العقد في العدد، ويعشر المال لكماله نصابا، فأمر الله - سبحانه - الأزواج إذا عقدوا على النساء أن يكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على التمام والكمال؛ فإنَّه أهدأ للنفس، وأقر للعين، وأهنأ للعيش(34) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا هو الموضع الوحيد في كتاب الله الذي ورد فيه لفظ العشرة، لكن وردت آيات أخرى تحمل المعنى، منها قوله تعالى : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].

قال الراغب: جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السّوأة. وعلى ذلك كنى عن المرأة بالإزار، وسمّي النكاح حصنا لكونه حصنا لذويه عن تعاطي القبيح(35) .

ومنها قوله تعالى : ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].

قال أبو جعفر الطبري: «أي: ما وثقتم به لهن على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقررتم به على أنفسكم، من إمساكهن بمعروف، أو تسريحهن بإحسان. وكان في عقد المسلمين النكاح قديما فيما بلغنا - أن يقال لناكح: "آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان!»(36) .

قال الزمخشريّ: «الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه. فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟».

قال الشهاب الخفاجيّ: «قلت بل قالوا: صحبة يوم نسب قريب... وذمة يعرفها اللبيب،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أو الميثاق الغليظ ما أوثق الله تعالى عليهم في شأنهم بقوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. أو قول الوليّ عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب الله: من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»(37)

ولأنه ميثاق غليظ فليس فيه لعب ولا عبث، وكل كلمة فيه تحسب على قائلها ولو كان هازلًا، ولهذا ورد عن الصحابة وآل البيت رضوان الله عليهم وقوع النكاح، ووقوع الطلاق أيضًا، ولو كان المتحدث هازلًا.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «من طلق لاعبًا أو نكح لاعبًا فقد جاز»(38) .

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "ثلاث اللاعب فيهن كالجاد: النكاح، والطلاق، والعتاقة"(39) .

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "ثلاث لا لعب فيهن: النكاح، والطلاق، والعتاقة، والصدقة" قال: "وليس في الحديث إحدى الخصال الثلاث: النكاح، أو الطلاق، أو العتاقة لا أدري أيتهن هي"(40) .

وعن عبد الكريم أبي أمية، عن جعدة بن هبيرة، أن عمر بن الخطاب

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال: "ثلاث اللاعب فيهن والجاد سواء: الطلاق، والصدقة، والعتاقة". قال عبد الكريم: وقال طلق بن حبيب: «والهدي والنذر»(41)

كذلك من الآيات التي تحمل معنى العشرة: قوله تعالى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على رحمته وعنايته بعباده وحكمته العظيمة وعلمه المحيط، ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ تناسبكم وتناسبونهن وتشاكلكم وتشاكلونهن: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة.

فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يُعملون أفكارهم ويتدبرون آيات الله وينتقلون من شيء إلى شيء(42) .

وفي الحقيقة أن (المَوَدَّة) بما تدل عليه من تقرب كلٍّ إلى الآخر، والتلطف معه، و(الرحمة) بما تشعر من حرص كل من الزوجين على مصلحة صاحبه، والرفق به، والإشفاق عليه من كل سوء ومكروه، هما عماد البيت الذي يبقي على سكينة النفس، ويجعلها حقيقة مُدْرَكة في الحياة، وهما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دستور المعاشرة بين الزوجين التي تجعل كلا منهما يشعر أنه متمم للآخر، وأنه هو مُتَمَّم به أيضا، فإذا بالرجل والمرأة الغريبين عن بعضهما المتباعدين من قبل، يتقاربان هذا التقارب، ويتحابان محبة تجعل كلا منهما أقرب إلى الآخر من أبيه وأمه!

فإذا وجد مع ذلك كله القضاء الشرعي الملزم، كان أدعى لسكون النفس، ومنعها أن تنزع إلى التمرد، أو التخفف من بعض المسئوليات، فإن نزعت، لجأ الطرف الآخر لقوة القضاء يلزمه بالتنفيذ وأداء الحق كاملًا... ولقد قرر القرآن الكريم هذه الحقوق في قاعدة تشريعية دقيقة هي قوله تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

فالآية نصت على أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، طبقًا لمبدأ: «كل حق يقابله واجب»، فكل حق لأحد الزوجين على زوجه يقابله واجب يؤديه إليه، وبهذا التوزيع تكفلت هذه القاعدة أن تحقق التوازن بين الزوجين من كافة النواحي، مما يدعم استقرار حياة الأسرة، واستقامة أمورها.

قال ابن عباس رضي الله عنهما : «إنِّي لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عَلي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: زينة من غير مأثم»، وعنه أيضًا: «أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن»، وقال ابن زيد: «تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم».

قال القرطبي: «الآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية»(43) .

ولهذا كان الميزان الذي نص عليه القرآن في المعاملة الزوجية "فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ".

وهو الميزان الذي وضعه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عقد الزواج.

عن سليمان بن أبي يحيى قال: خطبت إلى ابن عمر مولاة له، فما زادني على أن قال: «أنكحتك على أن تمسك بمعروف أو تسرح بإحسان»(44) .

وعن عروة بن الزبير قال: لحقت ابن عمر فخطبت إليه ابنته، فقال لي: "إن ابن أبي عبد الله لأهل أن ينكح، نحمد ربنا ونصلي على نبينا صلى الله عليه وسلم وقد أنكحناك على ما أمر الله عز وجل ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾(45) .

وعن أنس بن مالك أنه كان إذا زوج بنتًا من بناته أو من مواليه، قال: يقول: "عليك أن تمسك بمعروف أو تسرح بإحسان"(46) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

آداب العشرة في تراث الآل والأصحاب

استلهام للقيم الزوجية الناجحة في سير سلفنا الصالح

الحث على الزواج، والترغيب في الزوجة الصالحة

للزواج في الإسلام أهميةٌ كبيرة، ومنزلةٌ جليلة، فالنكاح فطرة ربانية فطر الله الخلق عليها، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال جل جلاله : ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩].

وهو آية من آيات الله الدالةِ على رحمة الله بالخلق، وكمال علمه بما يُصلح دينهم ودنياهم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].

وهو نواة للحياة الاجتماعية، ومُحافظة على الجنسِ البشري، ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢].

ولما كان النكاح بهذه المنزلة، فقد شُرع في الديانات السابقة، وفي شريعة الإسلام، الشريعة الكاملة، المكملة لصالح العباد في الدنيا والآخرة،

جاء الحثُ على الزواج، وأنه من شعائر الإسلام، وبينت شريعة الإسلام القواعد والأُسس التي ينبني عليها هذا العَقْد: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، وبينت الشريعة تفاصيل النَّكاح، وما يقتضيه الحال.

وجاء الترغيب فيه، فرغب الإسلام في الزواج وحث عليه، قال تعالى : ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وقال جل وعلا : ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، ووعد المتعفف عن الحرام بأن ييسر زواج الحلال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].

وللنكاح في الإسلام مقاصد متعددة، فمن مقاصد النَّكاح أنَّه موافق لهدي المرسلين وعلى رأسهم سيدهم وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].

والنبي صلى الله عليه وسلم تزوج، وحثَّ على الزواج، فأسس بيتًا، وأقام أسرة، وولد له، وأنفق على بيته وأهله، وأنفق على بيته وأهله، وهو القائل صلى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنَّه أغضُ للبصر، وأحصنٌ للفرج، ولم يستطع فعليه بالصوم فإن له وجاء»(47) .

وقال أنس رضي الله عنه : كان النبي يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل(48) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي هذا البيان من أنس بن مالك رضي الله عنه توضيح إلى أن هذا الأمر كان ظاهرًا للصحابة - رضوان الله عليهم -، ولم تكن مجرد مرة، وإنما كان أمرًا متكررًا.

لذلك لما خالف بعض الصحابة هذا الأمر النبوي - لغرض اعتقدوا أنه صحيح وأنهم يزيدون في الطاعة -، احتاج الأمر إلى وقفة قوية وبيان واضح من النبي صلى الله عليه وسلم.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(49) .

وقد عمل الصحابة رضوان الله عليهم بهذه الوصية والتزموها.

عن شداد بن أوس، وكان قد ذهب بصره، قال: زوجوني، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوصاني أن لا ألقى الله

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أعزب»(50)

وعن الحسن، قال: قال معاذ في مرضه الذي مات فيه: «زوجوني، إني أكره أن ألقى الله أعزبا»(51) .

والكلام في الترغيب في النكاح كلام طويل، وإذا نظرنا إلى هدي الصحابة وآل البيت - رضوان الله عليهم - نجد سيرهم على هذا الهدي وحثهم وترغيبهم في الزواج.

فعن عبد الله بن مسعود، قال: «لو لم يبق من الدهر إلا ليلة، لأحببت أن يكون لي في تلك الليلة امرأة»(52) .

وعن إبراهيم، قال: قال ابن مسعود: «لو لم يبقَ من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها يوما، لي فيهن طول النكاح، لتزوجت مخافة الفتنة»(53) .

فهذه إحدى غايات الزواج التي يشير إليها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وهي أن يعف الإنسان نفسه عن الحرام، ويبعد نفسه عن الفتنة، ولا يختلف في ذلك صغير أو كبير، أو شاب أو شيخ، وإنما المطلوب فقط هو القدرة على الزواج، فإن لم يملك ما يتزوج به فعليه بالصوم - كما في الحديث المشهور -، وإن ملك ما يتزوج به فلا ينبغي أن يمنعه عنه شيء.

ولهذا كان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن المانع

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من الزواج إما العجز عنه، أو الفجور!

عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: «ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور»(54) .

وقد كان حرص الصحابة رضوان الله عليهم على أن يعف الشاب نفسه بالزواج، لأن الطريق الآخر - وهو الزنا والعياذ بالله - فساد عظيم، ويسقط نور الإسلام من فاعله.

عن مجاهد، أن ابن عباس دعا سميعا وكريبا وعكرمة، فقال لهم: «إنكم قد بلغتم ما يبلغ الرجال من شأن النساء، فمن أحب منكم أن أزوجه زوجته، لم يزن رجل قط إلا نزع منه نور الإسلام، يرده الله إن شاء أن يرده، أو يمنعه إياه إن شاء أن يمنعه»(55) .

هذه غاية من الزواج، معها غاية أخرى وهي تكثير سواد المسلمين، وزيادة نسلهم، وما من نطفة كتبها الله إلا وستخرج!

عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: تزوج. قلت: ما ذلك في نفسي اليوم. قال: إن قلت ذاك لما كان في صلبك من مستودع ليخرجن(56) " .

وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال لي: «يا سعيد! تزوج؛ فإنَّ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خير هذه الأمة كان أكثرها نساء»(57)

وذلك لأن هذه الذرية ستكون في ميزان حسنات الزوجين بلا شك.

عن عمرو بن دينار، قال: أراد ابن عمر أن لا يتزوج، فقالت له حفصة: أي أخي، لا تفعل، تزوج؛ فإن ولد لك ولد فماتوا كانوا لك أجرا، وإن عاشوا دعوا الله عز وجل لك(58) " .

فالزواج سنة من سنن المرسلين التي سار عليها آل البيت والصحابة رضوان الله عليهم.

عن أبي أيوب الأنصاري قال: «أربع من سنن المرسلين: التعطر، والحياء، والسواك، والنكاح»(59) .

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحث على الزواج، ويرى فيه سببًا من أسباب الرزق.

عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: «اطلبوا الفضل في الباه» قال: وتلا عمر: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢](60) .

وعن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال: "ما رأيت مثل رجل لم يلتمس الفضل في الباه، والله يقول: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾"(61) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويروى عن جعفر الصادق قال: جاء رجل إلى أبي فقال له: هل لك زوجة، قال: لا، قال: لا أحب أن لي الدنيا وما فيها وأني أبيت ليلة ليس لي زوجة، ثم قال: إن ركعتين يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب، ثم أعطاه أبي سبعة دنانير، قال: تزوج بهذه، ثم قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتخذوا الأهل فإنه أرزق لكم(62) .

لهذا نجد أن الشريعة تدعو إلى الزواج، ولا تضع أمام ذلك حدًا، فالمرأة التي مات عنها زوجها قد تجد رغبة عن الزواج وكراهية له، لكن ذلك ليس من مبادئ الإسلام، فقد قال تعالى : ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾.

وعن جابر عن أم مبشر الأنصارية: «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت: «إني اشترطت لزوجي ألا أتزوج بعده»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن هذا لا يصلح»(63) .

لكن الإسلام راعى أيضًا العشرة والمودة التي قامت بين الزوجين، ولهذا فإن كثيرًا من الأيامى (الأرامل) أنفن أن يتبدلن ببعولتهن زوجا آخر، وفاءً لهم، وبقيًا على ذكراهم، بل أملًا أن تمتد الزوجية بينهم في الدار الآخرة:

فقد كان مما بشر به الإسلام المرأة الصالحة، أن المؤمن إذا دخل الجنة، ألحق به أزواجه؛ قال تعالى ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، فيجمعهم الله في الجنات منعمِين، يتكئون في ظلالها مسرورين فرحين: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠].

وكان من آيات وفاء كثير من الصالحات لأزواجهن بعد موتهن إمساكُهن عن الزواج، لا لغرض إلا ليكن زوجات لهن في الجنة.

فعن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أم الدرداء، فأبت أن تَزَوَّجَهُ، وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المرأة في آخر أزواجها، أو قال: لآخر أزواجها»(64) .

وعن عكرمة: أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديدًا عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: «يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تَزَوجْ بعده جُمع بينهما في الجنة(65) » .

وروي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال لزوجته: «إن شئتِ أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا»(66) .

وعن جبير بن نفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء: «إنَّك

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خَطَبتَنِي إلى أبَوَي في الدنيا، فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة»، قال: «فلا تنكحي بعدي»(67)

هذا شيء من الحث على الزواج، بل ورد الحث بالشفاعة في الزواج والسعي فيه لمن رأينا منه خيرًا.

ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أسرق السارق من سرق من لسان الأمير، وأعظم الخطايا اقتطاع مال امرئ مسلم بغير حقه، وأفضل الشفاعات أن يشفع بين اثنين في نكاح حتى يجمع شملهما.

لكن كما هو ظاهر لم تكن الدعوة إلى الزواج دعوة لمجرد صلة بين اثنين، وإنما هو تأسيس لبناء بيت صالح يقوم على المودة والرحمة، وتلقى بذوره هنا، ويستمر في الجنة إن شاء الله.

وحتى يتأسس هذا البيت؛ فلا بد من بناء دعائمه بناءً قويًا؛ ولهذا فقد بالغ الرسول صلى الله عليه وسلم في الحث على اختيار ذات الدين في الزواج، لأن مثل هذه المرأة تكون عونًا على أعظم أمر يهم المسلم، ألا وهو الدين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من رزقه الله امرأة صالحة؛ فقد أعانه على شَطْر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني»(68) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: «لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: «أنزِلَت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تُعِينُهُ على إيمانه»(69) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : «أي النساء خير؟»، قال: «التي تسُره إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسِها ولا مالِها بما يكره»(70) .

وعنه رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك»(71) .

ولذلك إذا نظرنا في تاريخ أكابر الصحابة وآل البيت رضوان الله عليهم لا بد أن نجد أساس ذلك أمًا صالحة. فالزبير بن العوام: فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ من بسالته وبطولته، أن عدل به الفاروق رضي الله عنه ألفًا من الرجال، حين أمد به جيش المسلمين في مصر، وكتب إلى قائدهم عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: «أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على كل ألفٍ: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن خالد».

وقد صدقت فِراسة الفاروق رضي الله عنه ، وسجل التاريخ في صفحاته أن الزبير لا يعدل ألفًا فحسب، بل يعدل أمة بأسرها، فقد تسلل إلى الحصن الذي كان يعترض طريق المسلمين، وصعد فوق أسواره، وألقى بنفسه بين جنود العدو، وهو يصيح صيحة الإيمان: «الله أكبر»... ثم اندفع إلى باب الحصن، ففتحه على مصراعيه، واندفع المسلمون، فاقتحموا الحصن، وقضوا على العدو قبل أن يفيق من ذهوله.

هذا البطل العظيم إنما قامت بأمره أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخت حمزة أسد الله، فقد شب في كنفها، ونشأ على طبعها، وتخلق بسجاياها.

والكَمَلَة العظماء: عبد الله، والمنذر، وعروة أبناء الزبير: كانوا ثمرات أمهم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، وما منهم إلَّا له الأثر الخالد، والمقام المحمود.

وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : تنقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة وأحفلها بجلال الخلال، فكان مغداه على أمه فاطمة بنت أسد، ومراحه على خديجة بنت خويلد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما: سيد أجواد العرب وأنبل فتيانهم، تركه أبوه صغيرًا، فتعاهدته أمه أسماء بنتُ عُمَيس رضي الله عنها، ولها من الفضل والنبل ما لها.

وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما : أريب العرب وألمعيُّها، ورث عن هند بنت عتبة رضي الله عنها همة تجاوز الثريا، وهي القائلة - وقد قيل لها ومعاوية وليد بين يديها: «إن عاش معاوية ساد قومه» - «ثكِلْتُهُ إن لم يَسُد إلا قومه»(72) .

ولما نعي إليها ولدها يزيد بن أبي سفيان قال لها بعض المعزين: «إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه»، فقالت: «أوَ مِثْلُ معاوية يكون خَلَفا من أحد؟ والله لو جمعت العرب من أقطارها، ثم رُمِيَ به فيها، لخرج مِن أيها شاء»(73) .

وكان معاوية رضي الله عنه إذا نوزع الفخر بالمقدرة، وجوذب بالمباهاة بالرأي، انتسب إلى أمه فصدع أسماع خصمه بقوله: «أنا ابن هند»(74) .

وعبد الله بن زيد المازني: الذي حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي قتَل مسيلمة الكذاب بسيفه، وقتل هو يوم الحرة(75) .

وأخوه حبيب بن زيد بن عاصم المازني: الذي أخذه مسيلمة فقطَّعَه، قطعة قطعة(76) .

كلاهما كان ثمرة أم فاضلة مجاهدة هي أم عُمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية رضي الله عنها

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين، وكان أخوها عبد الرحمن من البكَّائين، شهدت ليلة العقبة، وشهدت أحدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل(77)

وهكذا كان الأصل الأول في استقرار البيوت وحسن العشرة هو أن يختار الرجل ذات الدين.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المرأة أيضًا تختار الزوج الصالح

كما أنَّه ينبغي للرجل أن يبحث عن الزوجة الصالحة، فليس من الحرام، ولا من العيب أن تعرض المرأة نفسها على صاحب الخلق والدِّين ليتزوجها، وإن أنكر ذلك أحدٌ؛ فإنَّما ينكره لا بميزان الشرع، بل بميزان العادات والتقاليد والأعراف، وخوفًا من سوء الفهم عند بعض الناس.

عن ثَابِت الْبُنَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ، وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسٌ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَكَ بِي حَاجَةٌ؟ فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، وَا سَوْأَتَاهْ! وَا سَوْأَتَاهْ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا(78) .

وقد بوَّب عليه الإمام البخاري بقوله: باب «عرْض المرأة نفسَها على الرجل الصالح». كما بوَّب الإمام البخاري أيضًا «باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير»، وذكر حديثًا عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنَّ عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من ابن حُذافة السهمي وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهْل بدر تُوفي بالمدينة، فقال عمر: لقيت عثمان بن عفان فعرضتُ عليه، فقلت: إن شئتَ أنكحتُك حفصةَ، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالٍ، ثم لقيني، فقال: بدا لي أنْ لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إلي شيئًا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالٍ، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إيَّاه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنَّه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي؛ إلَّا أنِّي كنت علمت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها»(79)

وفي حديث آخر تعرض أم حبيبة - زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم - عليه أن ينكح أختها إن كان يريد النكاح، وكان المانع هو أنها لا تحل له صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز الجمع بين الأختين.

عن أم حبيبة، قالت: قلت: يا رسول الله، هل لك في بنت أبي سفيان؟ قال: «فأفعل ماذا؟» قلت: تنكح، قال: «أتحبين؟» قلت: لست لك بمخلية، وأحب من شركني فيك أختي، قال: «إنها لا تحل لي»، قلت: بلغني أنك تخطب، قال: «ابنة أم سلمة»، قلت: نعم، قال: «لو لم تكن ربيبتي ما حلت لي، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن»(80) .

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم بنت حمزة ليتزوجها، وكان المانع أيضًا أنها لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم لأنها ابنة أخيه من الرضاعة.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن علي، قال: قلت: يا رسول الله، ما لك تنوق في قريش وتدعنا؟ فقال: «وعندكم شيء؟» قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة»(81) .

وقد كان أساس الاختيار في ذلك كله هو الدين، فلا ينبغي أن يقبل بالرجل مهما بلغ من صفات ودينه فيه ضعف.

عن بيان قال: انطلق بلال يخطب امرأة، وأخوه معه، فلما أتاهم حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أنا بلال، وهذا أخي، ونحن رجلان من الحبشة كنا ضالين، فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، فإن أنكحتمونا فالحمد لله، وإن رددتمونا فسبحان الله»(82) .

وذلك لأن صاحب الدين سيحافظ على المرأة وسيتقي الله فيها، وسيعمل بهدي صحابة رسول الله عليه وسلم في العشرة بالمعروف.

وهذا لأن الزواج - كما وصفته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها - رِق، ليس لأن الزوج يسترق المرأة، ولكن لأنها تصير معه مرتبطة به بالميثاق الغليظ - كما سماه رب العالمين -، لذلك ينبغي اختيار من نطمئن إلى أنه سيحافظ ويكرم هذه البنت.

عن عروة بن الزبير، قال: قالت لنا أسماء بنت أبي بكر: «يا بني وبني

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بني، إن هذا النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته»(83)

كذلك من الأمور التي وردت عن صحابة رسول الله عليه وسلم وليست عيبًا ولا نقصًا في كرامة المرأة، بل حثوا عليها، أن تُعرَف البنت وأن تكون ظاهرة، حتى يعرف بها الخُطَّاب.

عن ابن جريج قال: أخبرت أن عمر بن الخطاب قال: «أبرزوا الجارية التي لم تبلغ لعل بني عمها أن يرغبوا فيها»(84) .

والمقصود بالجارية البنت، وليس الأمة.

والمرأة من حقها أن تُستشار وتُستأذن في نكاحها، ولا يتم الزواج إلا برضاها وقبولها لذلك المتقدم لزواجها، وهذا فعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته مع بناتهم.

عن نافع قال: «كان ابن عمر يستأمر بناته في نكاحهن»(85) .

وخاصة إذا كانت البنت يتيمة، فليس هذا مبررًا ليهضم حقها في الاختيار والاستئذان، بل هو أولى للرجوع إليها.

عن إبراهيم النخعي قال: كتب عمر رضي الله عنه: «أن تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو رضاها» قال: وقال الشعبي: «إن سكتت، أو بكت، أو

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ضحكت فهو رضاها، وإن أبت فلا يجوز عليها»(86)

وليس الدين فقط هو الصفة الوحيدة التي تتحراها المرأة في زوجها، بل تبحث عما تريد.

عن الحسن، عن أبيه، «أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فقال علي: إنها صغيرة، فانظر إليها، فأرسلها إليه برسالة فمازحها، فقالت: لولا أنك شيخ، أو لولا أنك أمير المؤمنين، فأعجب عمر مصاهرته فخطبها فأنكحها إياه»(87) .

فهنا خشي علي رضي الله عنه لصغر ابنته، لكنها رضيت ووافقت، فلم يعترض.

وفي موقف آخر يرويه عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: «خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنها صغيرة»، فخطبها علي فزوَّجها منه»(88) .

قال السندي:

«قوله: «فخطبها عليّ، أي عقب ذلك بلا مهلة، كما تدل عليه الفاء، فعلم أنه لاحظ الصغر بالنظر إليهما، وما بقي ذاك بالنظر إلى علي، فزوجها منه، ففيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى المؤالفة، نعم قد يُترَكُ ذاك لما هو أعلى منه، كما في تزويج عائشة رضي الله

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تعالى عنها والله أعلم»(89)

والتكافؤ بين الزوجين في السن هو القاعدة، وإن أجاز الشرع غيره ما دام الرجل قادرَا على أعباء الزوجية، وتحققت فيه كفاءة الدين والخُلُق، وارتضته الفتاة زوجا لها، وقد تزوج صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها وكان يكبرها بخمس وأربعين سنة، ومن قبل تزوج صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها ، وكانت تكبره بخمس عشرة سنة، وتزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكانت تصغره بسنين كثيرة كما تقدم ذكر الخبر.

وهناك صفات ومقومات أخرى قد لا ترضى بها المرأة في زوجها، لذلك إذا كانت تلك الصفات غير ظاهرة ومعلومة فلا بد أن يصرح بها الرجل قبل الزواج، ويضع للمرأة حرية الاختيار في القبول أو الرد، مثل كون الرجل عقيمًا.

عن ابن سيرين قال: بعث عمر بن الخطاب رجلا على السعاية فأتاه، فقال: تزوجت امرأة، فقال: «أخبرتها أنك عقيم لا يولد لك» قال: لا قال: «فأخبرها، وخيرها»(90) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أول الحقوق الصداق

من أهم الحقوق التي تتطلبها الحياة الزوجية كما ورد في النصوص، وكما جاء في التشريعات المختلفة هي الحقوق المادية للزوجة على زوجها؛ لأنَّ قيام الزوج بتلك الحقوق وسده لمطالب الزوجة دليل على صدق علاقته بها.

فلذلك أول ما تبدأ به الحياة الزوجية هو المهر الذي يقدمه الزوج هدية لزوجته كرمز على انطلاق الحياة الزوجية، وعلى قدرته على الوفاء بما تتطلبه الحياة الزوجية من عناء.

وقد اتفق الفقهاء على أنَّ المهر حقٌّ واجبٌ للمرأة على الرجل، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:

أمَّا الكتابُ: فقوله تعالى : ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]، وقال تعالى : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقال تعالى : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤].

أما السنة: فقد دلَّت على ذلك الأحاديث الكثيرة، ومنها:

أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف درع زعفران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مهيم؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة. فقال: «ما أصدقتها؟»، قال: وزن نواة من ذهب. فقال: «بارك الله لك، أولِم ولو بشاة»(91) .

ومنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها(92) .

أمَّا الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الصداق في الزواج، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]: «هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه، ولا خلاف فيه إلا ما روى عن بعض أهل العلم من أهل العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق، وليس بشيء، لقوله تعالى : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، فعم، وقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥](93) .

وقد وردت عدة آثار عن الصحابة وآل البيت - رضوان الله عليهم - تؤكد على أهمية المهر وضرورته، ومنها:

عن ابن عباس أنَّه: «يكره أن يدخل، بامرأته حتى يعطيها شيئًا»(94) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: «من أصفق بابًا وأرخى سترًا؛ فقد وجب الصداق والعدة»(95) .

وعن عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة يقول: «ما استحل علي فاطمة إلا ببدن من حديد»(96) .

وعن علي بن حسين قال: قال لي: «أرخي عليك الستر وأغلق عليك الباب؟ قلت: نعم، قال: وجب عليك الصداق»(97) .

ومع التأكيد على ضرورة الصداق؛ إلَّا أنَّه أيضًا وردت الدعوة بتيسير المهور، فعن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ أعظم النساء بركةً أيسرُهن صداقًا»(98) ، وفي رواية: «أيسرهن مؤنة»(99) .

وعنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يُمنِ المرأة تسهيل أمرها، وقلة صداقها»، قال عروة: «وأنا أقول من عندي: ومن شؤمِها تعسير أمرها، وكثرة صداقها»(100) .

وعن أبي العجفاء، أن عمر بن الخطاب قال: لا تغالوا في صدق النساء،

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدقت امرأة من نسائه ولا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فإن الرجل يغلي بالمرأة في صداقها فيكون حسرة في صدره، فيقول: كلفت إليك علق القربة قال: فكنت غلاما مولدا لم أدر ما هذه؟ قال: وأخرى يقولون لمن قتل في مغازيكم هذه: قتل فلان شهيدا أو مات فلان شهيدا، ولعله يكون قد خرج قد أوقر دف راحلته أو عجزها ورقا يطلب التجارة، ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل في سبيل الله أو مات فله الجنة»(101)

وعن نافع، قال: قال عمر بن الخطاب: «لا تغالوا في مهور النساء، فلو كان تقوى لله كان أولاكم به بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نكح، ولا أنكح إلا على اثنتي عشرة أوقية».

قال نافع: فكان عمر يقول: «مهور النساء لا يزدن على أربع مائة درهم، إلا ما تراضوا عليه فيما دون ذلك».

قال نافع: «وزوج رجل من ولد عمر ابنة له على ست مائة درهم» قال: ولو علم بذلك نكله.

قال: "وكان إذا نهى عن الشيء قال لأهله: إني قد نهيت كذا كذا، والناس ينظرون إليكم كما تنظر الحداء إلى اللحم، فإياكم وإياه"(102) .

وفي موقف آخر يدعو عبد الله بن عباس رضي الله عنه إلى التيسير في المهور،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولو سواكًا من أراك!

عن ابن عباس، أنه قال: «يتزوج الرجل ولو بسواك من أراك»(103) .

وقد وردت عن الصحابة صور متعددة للمهر والصداق، كلُّها تدل على التسهيل والتيسير، منها:

(1) حفظ ما تيسر من القرآن: فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي لم يكن لديه شيءٌ، ولا خاتم من حديد: «ماذا معك من القرآن؟»، فقال: معي سورة كذا وسورة كذا، لسور يعددها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أَمْلَكْنَاكَهَا بما معك من القرآن»(104) .

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «يا فلان، هل تزوجتَ؟»، قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟»، قال: بلى، قال: «ربع القرآن، أليس معك: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟»، قال: بلى، قال: «ربع القرآن، قال: أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟»، قال: بلى، قال: «ربع القرآن، تزوَّجْ تزوَّج تزوج»(105) .

(2) اثنتا عشْرةَ أوقية(106) وهو ما يعادل خمسمائة درهم، وهو أعلى ما

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وصل إليه مهر زوجاتِ وبنات النبي صلى الله عليه وسلم فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كان صداقُه لأزواجه ثنتي عشْرة أوقية ونشًّا، قالت: أتدري ما النَّشُّ؟ قال: قلت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم»(107)

وعن زيد بن أسلم قال: «ما ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة من نسائه، ولا سيق إليه لشيء من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية فذلك أربع مائة وثمانون درهما»(108) .

وعن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه قال: «ألا لا تغالوا في صُدُقِ النساء؛ فإنه لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى، لكان أَولى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنَّه لم يصدق أحدًا من نسائه، ولم يصدق أحدًا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليُغالي بصداقِ امرأته حتى يبقى لها في نفسه عداوة»(109) .

(3) وزن نواة من الذهب: فعن أنس بن مالك: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى على عبدِالرحمن بن عوف أثَرَ صُفرةٍ، فقال: «ما هذا؟»، قال: يا رسول الله، إني تزوَّجْتُ امرأةً على وزن نواة من ذهب، قال: «فبارَك الله لك، أولِمْ ولو بشاةٍ»(110) .

(4) أربع أواقٍ: ففي الحديث: «على كم تزوَّجْتَها؟»، قال: على أربع

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أواق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «على أربع أواق؟! كأنَّما تنحتون الفضة من عُرْضِ هذا الجبل»(111) وهذا دليل على معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم من دفَع من المهر فوق طاقته.

وفي حديث آخر عن الصحابة: عشرة أواق، أربعمائة درهم.

عن أبي هريرة قال: «كان صداقنا إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا عشرة أواق، أربع مائة درهم»(112) .

(5) خاتم من حديد: عندما جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعرض عليه النكاح، قام أحد الصحابة يُريدُ نكاحًا، فقال له: «التمس ولو خاتمًا من حديد»(113) .

(6) نعلان: روى عامر بن ربيعة رضي الله عنه عن أبيه أنَّ امرأةً من بني فزارة تزوَّجَت على نعلين، فجيء بها إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال لها: «أرضيتِ من نفسك ومالك بنعلينِ؟»، فقالت: نعم، فأجازه النبيُ - صلى الله عليه وسلم(114) .

(7) العتق والحرية: كان أنسُ بن مالك رضي الله عنه يقول: «سبى النبيُّ صلى الله عليه وسلم صفيَّةَ، فأعتقها، وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدَقَها؟ قال: أصدقها نفسها، فأعتقها»(115) وذكر ابن حجر: أن صفية رضي الله عنها قالت: «أعتقني النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وجعَل عِتقي صداقي»، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحل محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا، وقال ابن الجوزي: فإن قيل: ثواب العتق عظيم، فكيف فَوَّتَهُ حيث جعله مهرًا، وكان يمكن جعل المهر غيره؟ فالجواب: أن صفيةَ بنتُ ملِكٍ، ومثلها لا يقنع إلا بالمهر الكثير، ولم يكن عنده صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ما يُرضيها به، ولم يُرِدْ أن يقصر فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرفُ من المال الكثير(116)

(8) الدخول في الإسلام: فعن أنس رضي الله عنه قال: «خطب أبو طلحةَ أمَّ سُليم، فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة يُرَد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوَّجك، فإن تُسلم؛ فذاك مهري، وما أسأَلُك غيره، فأسلَم، فكان ذلك مهرَها»(117) .

(9) أداة الحرب كالدرع: لما تزوج عليٌّ رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أعطِها شيئًا»، قال: ما عندي، قال: «فأين دِرْعُك الحُطَمِيَّة؟»(118) .

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مغالاة بعض الصحابة في المهر، أنكر عليهم النبي إنكارًا شديدًا.

عن أبي حدرد الأسلمي، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في مهر امرأة،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقال: «كم أمهرتها؟» قال: مائتي درهم، فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان(119) ما زدتم»(120)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التصريح بالحب بين الزوجين

لا ينقص من هيبة الرجل، ولا من وقاره أبدًا أن يصرح بحبه لزوجته، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بحبه لأم المؤمنين خديجة في أكثر من موضع.

عن عائشة رضي الله عنها قالت(121) : ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غِرْتُ على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها - وفي رواية(122) : لكثرة ذكره إياها، وثنائه عليها - وربما ذبح الشاة، ثم يُقطِّعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: «إنَّها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد».

وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: «اللهم هالة». قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها»(123) .

وفي رواية أحمد: «ما أبدلني الله عز وجل خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء»(124) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولم يمنعه حبه لعائشة أن يصرح بفضل خديجة، ومكانها في قلبه، فقال لعائشة: «إنِّي قد رزقت حبَّها»(125) . كما صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم بحبه لأم المؤمنين عائشة، فقد جاء في الصحيح عن عمرو بن العاص أنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة»(126) .

وعلى هذا الهدي سار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته.

جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه يشكو إليه خُلق زوجته، فوقف ببابه ينتظره، فسمع امرأته تستطيل عليه بلسانها، وهو ساكت لا يرد عليها، فانصرف الرجل قائلا: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكيف حالي؟ فخرج عمر فرآه موليًا فناداه: ما حاجتك يا أخي؟ فقال: يا أمير المؤمنين جئت أشكو إليك خُلق زوجتي واستطالتها علي، فسمعتُ زوجتك كذلك، فرجعتُ وقلتُ: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالي؟ فقال عمر: تحملتها لحقوق لها علي؛ فإنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، غسالة لثيابي، مرضعة لأولادي، وليس ذلك بواجب عليها، وسكن قلبي بها عن الحرام، فأنا أتحملها لذلك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي. قال: فتحملها يا أخي فإنما هي مدة يسيرة(127) .

وهذا الخبر ممَّا اشتهر على الألسنة، وإن لم يعرف له إسناد لكن يكفينا المعنى المستفاد منه، وهو هدي نبوي أن الحب لا يسقط بين الزوجين ولو

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كان هناك صفة لا يرضاها الزوج، فإنه يذكر لها صفات أخرى كثيرة يحبها.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر»، أو قال: «غيره»(128) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أساس بناء البيوت

أصفى السرور هو اجتماع المودة والرحمة، وقد يجعل الله - سبحانه - المودة في الرجل ولا يجعل فيه الرحمة، كما يوجد من أخلاق الجفاة الأراذل، يحب أحدهم زوجته لكنه يعاملها معاملة المبغض من الضرب واللعن وشتم الآباء والأمهات، وقد يكلفها أعمالًا شاقة، ويُضَيِّقُ عليها في النفقة الواجبة، وقد يتزوج عليها فيقطع صلته بها ونفقته عليها وعلى عياله منها، حتى يجعلها معلقة لا هي ذات زوج ولا مُطَلقة.

وقد يجعل الله الرحمة في الشخص ولا يجعل فيه المودة، كما يوجد من أخلاق بعض الفضلاء، يقع في نفس أحدهم عدم المودة الصافية منه لزوجته، لكنه يعاشرها بكرم الأخلاق، وجميل الوفاق، وبالعطف واللطف والإنفاق.

إن الناس متفاوتون في الأخلاق، كما أنهم متفاوتون في الأرزاق، وان الكمال التام متعذر من رجل وامرأة، فما من أحد إلا وفيه شيء من النقص بحسبه، غير أن الناس يتعاشرون بالشرف، وتندر البيوت المبنية على المحبة، والرجل الكريم صاحب الخلق القويم يغض عن الشيء اليسير، فما استقصى كريم قط، فكم من رجل كره امرأة فأنجبت له أولادا كرامًا قاموا بنفعه، ونشروا فخر ذكره.

لهذا كان أساس بناء البيوت هو العشرة الطيبة وحسن الأخلاق، وهذا

أمر أكدت عليه الشريعة الإسلامية.

ولم يكتف الشرع بعموم النصوص التي تحض على حسن الخلق مع الخلق كافة، بل خص النساء بذلك، وجعل حسن الخلق معهن معيار الخيرية والفضل.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أكمل المؤمنين إيمانا: أحسنهم خلقًا، وخياركم: خياركم لنسائهم»(129) .

وعلى هذا المنهاج سار الصحابة وآل البيت - رضوان الله عليهم -، فالأساس عندهم هو العشرة الطيبة والأخلاق الحسنة.

ومن حديث ذلك أن أسماء بنت عُميس كانت لجعفر بن أبي طالب، ثم لأبي بكر من بعده، ثم خلفهما علي رضي الله عنهم، فتفاخر مرة ولداها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر، كل يقول: «أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك»، فقال لها علي: «اقضي بينهما يا أسماء»، قالت: «ما رأيت شًابا من العرب خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرًا من أبي بكر»، فقال علي: «ما تركتِ لنا شيئًا، ولو قلتِ غير الذي قلت لمَقتُّكِ!»، فقالت أسماء: «إن ثلاثا أنت أقَلهم لخيار»(130) .

وأوصى أبو بكر رضي الله عنه أن تُغَسلَه أسماء بنت عميس رضي الله عنها ففعلت،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكانت صائمة، فسألت من حضر من المهاجرين: وقالت: «إنِّي صائمة، وهذا يوم شديد البرد، فهل عَلَي من غُسل؟»، فقالوا: «لا»، وكان أبو بكر رضي الله عنه قد عزم عليها لما أفطرت، وقال: «هو أقوى لك»، فذكرت يمينه في آخر النهار، فدعت بماء، فشربت، وقالت: «والله لا أتْبِعُهُ اليومَ حِنْثًا»(131)

ومن ذلك أيضًا ما رُوِي من أن النساء قمْنَ حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحُد يسألن الناس عن أهلهن، فلم يُخْبَرن حتى أتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا قال واحدة إلا أخبرها، فجاءته حَمْنَة بنت جحش، فقال: «يا حَمْنَةُ، احتسبي أخاك عبد الله بن جحش، قالت: «إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمه الله، وغفر له»، ثم قال: «يا حمنة، احتسبي خالك حمزة بن عبد المطلب»، قالت: «إنا لله، وإنا إليه راجعون، رحمه الله، وغفر له»، ثم قال: «يا حمنة احتسبي زوجك مُصعب بن عمير»، فقالت: يا حَرَباه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن للمرأة لشُعبة من الرجل ما هي له في شيء»(132) .

ولما تسور المجرمون الفَسَقَةُ على أمير البررة، وقتيل الفجرة، عثمان رضي الله عنه وتبادروه بالسيوف، ألقت زوجته «نائلة بنت الفُرافِصة» بنفسها عليه حتى تكون له وِقاء من الموت، فلم يَرعَ القتلةُ الأثمةُ حرمتها، وضربوه بالسيف ضربة انتظمت أصابعها، ففصلتهن عن يدها، ونفذت إليه، فجندلته، ثم ذبحوه رضي الله تعالى عنه ولما خطبها أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبت، وقالت: «والله لا قَعَدَ أحد مني مقعدَ عثمان أبدًا»(133)

ولهذا فقد رد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على من يظن أن الحب هو الذي تبنى عليه البيوت، وإنَّما أساس بناء البيوت التعاشر بأخلاق الإسلام.

«رُوي أن ابن أبي عُذرة الدؤلي - أيام خلافة عمر رضي الله عنه - كان يخلع النساء اللائي يتزوج بهن، فطارت له في النساء من ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله، ثم قال لامرأته:

- أنشدك بالله هل تبغضينني؟

قالت: لا تنشدني بالله.

قال: فإني أنشدك بالله.

قالت: نعم.

فقال لابن الأرقم: أتسمع؟

ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقال: «إنكم لَتَحَدَّثُونَ أني أظلم النساء، وأخلعهن، فاسأل ابن الأرقم، فسأله فأخبره، فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة، فجاءت هي وعمها، فقال: أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه؟»، فقالت: إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى إنَّه ناشدني فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب»(134)

حكى منشئ المنار الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله أنه بقي يدرس مسألة النساء والحياة الزوجية بعمق وتدبر للواقع في بلاد المسلمين والإفرنج مدة ثلث قرن ونيف، وأنه كتب فيها، وناظر المشتغلين بها، والداعين إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية فحكمت له الأكثرية الساحقة منهم بالفلج وإصابة صميم الحق، ثم قال رحمه الله :

وإنَّني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقترن به من الاختبار الدقيق، أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من نوط السعادة الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج، وعشق كل منهما للآخر، هو رأي أفين، أثبت الاختبار بطلانه، وأن تحاب الشبيبة لا ثبات له بعد الزواج غالبًا، بل كانت العرب تقول: «إن الزواج يفسد الحب».

وإنَّما القاعدة الصحيحة لهناء الزوجية ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لامرأة خاصمت زوجها إليه، وصرحت له بأنَّها لا تحبه، فقال لها: «إذا كانت إحداكن لا تحب الرجل منا، فلا تخبره بذلك، فإن أقل البيوت ما بني على المحبة، وإنَّما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام»، يعني أن التزام كل من الزوجين لحفظ شرف الآخر والعمل بما يرشد إليه الإسلام

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من الواجبات والآداب الزوجية هو الذي تنتظم به الحياة الزوجية، ويعيش الناس به العيشة الهنية.

وينبغي لكل من الزوجين أن يتكلف التحبب إلى الآخر بأكثر مما يجده له في قلبه، فإن التطبع يصير طبعًا، ورحم الله عُليَّة بنت المهدي أخت هارون الرشيد حيث قالت:

تَحَببْ فإن الحبَّ داعيةُ الحب

فإنَّه في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : «العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم»(135) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حقوق المعاشرة الزوجية

شرع الإسلام المباشرة الزوجية للاستمتاع الطيب، وأباح ممارستها في عامة الظروف والأحوال، وجعل مجالات الحظر محدودة للغاية، وذلك في فترة الحج عندما كل من الزوجين في حالة الإحرام، وفيما إذا كان كل من الزوجين، أو أحدهما صائمًا، وفيما إذا كانت المرأة في حالتي الحيض والنفاس، بل إنَّ الحق تبارك وتعالى قد قرر بأن حب الشهوات من النساء متع الحياة فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى عندما قال: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»(136) .

وإذا كانت المرأة من أفضل متع الحياة فلا غرابة أن نجدها من الأمور التي حببت إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حُبِبِ إليَّ من دنياكم: النساء والطِّيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة»(137) .

ولما أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم(138) وقال

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

له: «إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة»(139)

عن عائشة قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون، اسمها خولة بنت حكيم على عائشة، وهي باذة الهيئة، فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له عائشة، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك في أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا»(140) .

ولما قرر بعض أصحابه ألا يتزوج النساء، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «... أما والله إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(141) .

بل علم النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ المعاشرة الزوجية مع النية الصالحة قد يكون فيها أجر، فقال: «وفي بُضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ»(142) .

وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه ضمن وصية جامعة له: «ولك في جِماعِكَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زوجتَك أجر»، قال أبو ذر: «كيف يكون لي أجْر في شهوتي؟»، فقال صلى الله عليه وسلم «أرأيت لو كان لك ولد، فأدرك، ورجوتَ خيره، فمات، أكنت تحتسبه؟»، قلت: «نعم»، قال: «فأنت خلقتَه؟»، قال: «بل الله خلقه»، قال: «فأنت هديتَه؟»، قال: «بل الله هداه»، قال: «فأنت ترزقه؟»، قال: «بل الله كان يرزقه»، قال: «كذلك فَضَعهُ في حلاله، وجَنبهُ حرامَهُ، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر»(143)

ومن قصَّر فيها فقد قصَّر في أداء الحقوق المترتبة عليه، وهذا ما أكد عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وصدَّق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان، وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال: كل؟ قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال: سلمان قم الآن، فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان»(144) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخلت على خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وكانت عند عثمان بن مظعون، قالت: فرأى رسول الله أي بذاذة هيئتها، فقال لي: «يا عائشة ما أبذ هيئة خويلة!»، قالت: فقلت: «يا رسول الله امرأة لها زوج يصوم النهار، ويقوم الليل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها، وأضاعتها»، قالت: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن مظعون، فجاءه، فقال: «يا عثمان أرغبة عن سنتي؟!»، قال: فقال: «لا والله يا رسول الله، ولكن سُنَتكَ أطلبُ»، قال: «فإنِّي أنام، وأصلي، وأصوم، أفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان؛ فإنَّ لأهلك عليك حقًّا، وإن لضيفك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، فصم وأفطر، وصل ونم»(145) .

ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بتقريره حقًّا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما عدَّ المرأة الصالحة من السعادة، فقال: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء»(146) .

وللزوجة حق أن تشكو زوجها، لتقصيره في حقها، وعلى هذا سار الصحابة رضوان الله عليهم.

عن الشعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر، فقالت: زوجي خير الناس يقوم الليل، ويصوم النهار، فقال عمر: «لقد أحسنت الثناء على زوجك».

فقال كعب بن سور: لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: «اخرج ممَّا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قلت». قال: أرى أن تنزله بمنزلة رجل له أربع نسوة له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة(147)

وعن الشعبي قال: أتت امرأة عمر فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجي خير الناس يصوم النهار، ويقوم الليل، والله إنِّي لأكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل والسلام عليكم ورحمة الله. فقال كعب بن سور: ما رأيت كاليوم شكوى أشد ولا عدوى أجمل.

فقال عمر: «ما تقول؟»

قال: تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب.

قال: «فإذا فهمت ذلك فاقض بينهما».

قال: يا أمير المؤمنين أحل الله من النساء مثنى وثلاث ورباع فلها من كل أربعة أيام يوم يفطر، ويقيم عندها، ومن كل أربع ليال ليلة يبيت عندها(148) .

ويروى أن عمر رضي الله عنه كان يطوف في المدينة، فسمع امرأة وهي مغلقة عليها بابها، تقول:

تطاول هذا الليلُ تسرِى كواكبهوأرَّقني أن لا ضجيعَ ألاعبُهْ
ألاعبه طورًا وطورًا كأنمابدا قمرًا في ظلمةِ الليل حاجبُه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يسر به من كان يلهو بقربهلطيف الحشى لا يحتويه أقاربه
فو الله لولا الله لا شيء غيرهلَنُقِّضَ من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلًابأنفسنا لا يَفْتُرُ الدهرَ كاتبُه

ثم تنفست الصعداء، وقالت: «لهان على عمر بن الخطاب وحشتي، وغيبة زوجي عني»، وعمر واقف يسمع قولها، فقال لها عمر: «يرحمك الله»، ثم وجه إليها بكسوة ونفقة، وكتب لها أن يقدم عليها زوجها(149) .

وقيل: إن عمر رضي الله عنه أوَّه، ثم خرج، حتى دخل على حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فقالت: «يا أمير المؤمنين، ما جاء بك في هذا الوقت؟»، قال: «أي بنية كم تحتاج المرأة إلى زوجها؟»، فقالت: «في ستة أشهر»، فكان لا يغزي جيشًا له أكثر من ستة أشهر. وفي بعض الروايات تحديد المدة بأربعة أشهر، وقيل: «إن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم من أهل المدينة، فأمرهم إما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يفارقوا، فمن فارق منهم فليبعث بنفقة ما ترك، وأن تكون النفقة على قدر السعة».

وإذا كان هذا ينبغي على الزوج، فعلى الزوجة الصالحة أيضًا أن تهيئ نفسها لزوجها، وتستعد له:

وقد كانت أمهات المؤمنين لا يقضين ما عليهن من صيام رمضان إلَّا في شعبان وما يمنعهن سوى الشغل بالنبي صلى الله عليه وسلم .

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن كانت إحدانا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لتفطر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان(150)

قال الراوي: الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم أي: ما يمنعهن من ذلك سوى الانشغال برسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال النووي رحمه الله : إن كل واحده من نسائه صلى الله عليه وسلم كانت مهيئة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك... وهذا من الأدب، وإنَّما كانت تصومه في شعبان؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان بصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيهن حينئذٍ من النهار(151) .

وليست المعاشرة الزوجية مجرد الحق الشرعي الذي يأخذه الزوج من زوجته، أو الزوجة من زوجها، وإنما كان من المشروع أن تكون هناك مداعبة وملاطفة، ولهذا كان من الأمور التي كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته: التقبيل:

يدل على ذلك: ما جاء عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة...»(152) .

وكان يقبل ويباشر حتى وهو صائم، يدل على ذلك: ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه»(153)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أي حاجته.

وإذا كان التقبيل المذكور كان يقع منه صلى الله عليه وسلم في العبادة، أو قبل الخروج للعبادة، فما بالك في استعمال ذلك في غير أوقات العبادة.

ومن الأمور التي كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتساله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته:

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، ونحن جنبان»(154) .

وعن ميمونة: أنَّها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد(155) .

وعن أم سلمة: أنَّها كانت هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة(156) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التزين والتجمل حق مشترك

من آداب العشرة أن تتزين المرأة لزوجها وتتجمل له، ولهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يتركوا الوقت لزوجاتهم للتزين والتجمل.

يدل على ذلك ما جاء في حديث جابر قال: قفلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة، فلما ذهبنا لندخل قال: «أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا - أي عشاء - لكي تمتشط الشعثة وتستحد المُغيبة»(157) .

وفي رواية: «إذا قدم أحدكم ليلًا، فلا يأتين أهله طروقًا، حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة»(158) .

ومعنى الشعثة، أي: المرأة التي اغبر وتلبد شعر رأسها حتى تصلح من شأنها.

ومعنى تستحد المغيبة، أي: تستعمل المرأة التي غاب عنها زوجها الحديدة وهي الموسى وذلك في حلق العانة.

فعلى المسلم أن يعلم أهله بمجيئه حتى تستعد وتتزين وتتجمل قبل قدومه، ولا يفاجئها بالدخول عليها، وهي في حالة لا يحب أن يراها عليها.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الحافظ ابن حجر: لأنَّه يجد أهله على غير أهبة من التنظف والتزين المطلوب في المرأة فيكون سبب النفرة بينهما(159) .

ومما يعكس رسوخ هذا المفهوم عند الرعيل الأول، ذلك السؤال الذي وجهته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - إلى امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنه لما رأتها هجرت الزينة، فقد قالت رضي الله عنها : «كانت امرأة عثمان بن مظعون تخضب - أي: بالحناء - وتتطيب، فتركته، فدخلت عَلَي، فقلت: «أمَشْهَدٌ أم مَغِيب؟»، فقالت: «مشهد»، قالت: «عثمان لا يريد الدنيا، ولا يريد النساء»، قالت عائشة: «فدخل عَليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته بذلك، فلقي عثمانَ، فقال: «يا عثمان تُؤمنُ بما نؤمنُ به؟»، قال: «نعم يا رسول الله»، قال: «فَأسْوَة ما لَكَ بنا»(160) .

فربطت عائشة رضي الله عنها فورًا بين هجرانها الزينة وبين غياب زوجها، لتدرك أن الأصل الذي كان متقررًا عند نساء السلف أن المرأة تداوم على الزينة ما دام زوجها مقيمًا.

وفي رواية أنها قالت: «مشهد كمغيب» تعني أن زوجها لا حاجة له بالنساء، فهي في حكم من لا زوج لها.

وقد راج بين العرب قديما مثل يقول: «أطيب الطيب الماء»؛ لأن زينة المرأة عندهم هي النظافة في الدرجة الأولى، ومن هنا فإن من واجب الزوجة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن تسعى إلى إرضاء زوجها، وإدخال السرور على قلبه إذا جاء بيته، فتستقبله متزينة متنظفة، لا تبدي تعبَا من عمل، ولا نفورَا من أمر، متحرية إدخال السرور على قلبه؛ فتحمل متاعه، وتعينه على نزع ثيابه، وتقدم إليه ما يلبس في بيته، وذلك مدعاة لسروره وسعادته بامرأته.

وكما ينبغي للمرأة أن تتزين لزوجها، كذلك ينبغي للرجل أن يتزين لامرأته.

عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ امرأة أتت عمر بن الخطاب بزوجٍ لها أشعث أغبر أصفر فقالت له: يا أمير المؤمنين لا أنا ولا هذا خلصني منه!

فنظر عمر إليه فعرف ما كرهت منه فأشار إلى رجلٍ وقال: «اذهب به إلى الحمام فجممه وخذ من شعره وقلم أظفاره وألبسه حلةً معافريةً ثم ائتني به!».

فذهب به الرجل ففعل ذلك به ثم أتى به. فأومأ إليه عمر بيده أن خذ بيدها، فأخذ بيدها فإذا هي لا تعرفه، فقالت: يا عبد الله سبحان الله! أبين يدي أمير المؤمنين تفعل مثل هذا؟

فلما عرفته مضت معه.

فقال عمر: هكذا فاصنعوا بهن! فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم(161) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنِّي لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تزين لي؛ لأنَّ الله عز وجل يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وما أحب أن تستطف جميع حق لي عليها؛ لأنَّ الله عز وجل يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾»(162) .

بل حرص الصحابة من الأساس على التوافق بين الزوجين، وكما يحب الرجل في زوجته أن تكون جميلة، كذلك ليس ممنوعًا أبدًا أن تطلب المرأة في زوجها الجمال.

عن أبي بكر بن أبي مريم أنَّه قال: رفع إلى عمر بن الخطاب أن امرأةً شابةً تزوجها شيخٌ كبيرٌ فقتلته، فحبست فيه، فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، وليتزوج أحدكم لمته من النساء، ولتتزوج المرأة لمتها من الرجال(163) .

وعن معن أنَّ علي بن أبي طالب قال: لا تتزوج المرأة إلا مثلها، واعلموا أنَّهن يحببن منكم ما تحبون منهن.

وعن هشام بن عروة عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب قال: يعمد أحدكم فيزوج ابنته الشيخ الدميم. إنَّهن ليحببن لأنفسهن ما تحبون لأنفسكم.

وعن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنَّهن يحببن ما تحبون(164) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تلطيف الأجواء بالترفيه والملاعبة

من آداب العشرة أن يلاطف الرجل زوجته ويلاعبها، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة ذلك، وفي تعامله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته كان يأذن لهن باللهو المباح، ويتضح ذلك في عدة مواقف(165) ، منها:

إقراره النظر إلى اللهو المباح:

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «... وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدَّرَقِ والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم ، وإما قال: «تشتهين تنظرين؟».

قلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أَرْفِدة» حتى إذا مللت قال: «حسبك» قلت: نعم. قال: «فاذهبي»(166) .

كان هذا في يوم العيد، وكذلك في غير يوم العيد، فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «ولما قدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا يلعبون في المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إليهم، وهم يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

السن، الحريصة على اللهو»(167)

وفي رواية أخرى: قالت: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم»(168) .

وفي رواية قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا، فسمعنا لغطًا وصوت صبيان، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حبشية تزفن، والصبيان حولها فقال: «يا عائشة، تعالي فانظري، فجئت فوضعت لَحْيَيَّ على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظُر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: «أما شبعت، أما شبعت؟»، قالت فجعلت أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، قال: فارفضَّ الناس عنها، قالت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لأرى شياطين الأنس والجن قد فروا من عمر»، قالت: فرجعت»(169) .

وفي رواية أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذٍ: «لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، إني أُرسِلت بحنيفية سمحة»(170) .

وقد ورد حديث آخر يبين لنا بعض ما كانت الحبشة تقول في لعبهم ذلك، وهو: ما جاء عن أنس رضي الله عنه : أن الحبشة كانوا يزفنون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتكلمون بكلام لا يفهمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما يقولون؟»، قالوا: يقولون: محمد عبد صالح(171) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إقراره صلى الله عليه وسلم أهله على سماع الغناء المباح من الجارية يوم العيد:

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم فطر - أو أضحى - وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بغناء بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم ! فأقبل عليه رسول الله عليه السلام فقال: «دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا. فلما غفل غمزتهما فخرجتا»(172) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : «وفي هذا الحديث من الفوائد: الرفق بالمرأة، واستجلاب مودتها، وفيه: أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين، وفيه: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم ببسط النفس، وترويح البدن من كُلف العبادة.

واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر سماعه بل أنكر إنكاره، واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج، ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك»(173) .

ومعنى قوله: «ليستا بمغنيتين»؛ أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

به، وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر، وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه(174)

سماحة لهنَّ بمصاحبة النساء، واللهو معهن:

ومن نماذج ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتَقمَّعن منه فيسرِّ بهنَّ إليَّ فيلعبن معي»(175) .

ويشار هنا إلى أن الإمام البخاري رحمه الله عنون للباب الذي أخرج فيه هذا الحديث بقوله: «باب الانبساط إلى الناس».

وقال ابن مسعود: «خالط الناس، ودينك لا تكلمنّه»، ثم قال: والدعابة مع الأهل.

وهو استنباط دقيق من الحديث، وهو يريد أن يقول: يدل هذا الحديث على مشروعية الدعابة مع الأهل، والدُعابة هي: الملاطفة في القول بالمزاح وغيره.

ويشار هنا أيضًا إلى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تلعب بالبنات، وتصور منها الأشكال الغريبة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمازحها في ذلك ويضحك، يدل على ذلك ما جاء عن عائشة قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر، فهبَّت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعَبٍ، فقال: «ما هذا يا عائشة؟»، قالت: بناتي، وأرى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهنّ؟»، قالت: فرس، قال: «وما هذا الذي عليه؟»، قالت: جناحان! قال: «فرس له جناحان؟» قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟! قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه(176)

ممارسة الرياضة البدنية:

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنَّها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وهي جارية قالت: لم أحمل اللحم ولم أَبْدن، فقال لأصحابه: «تقدموا» فتقدموا.

ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك»، فسابقته [فسبقته] على رجلي، فلما كان بعد، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: «تقدموا»، ثم قال: «تعالي حتى أسابقك»، ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله، وأنا على هذه الحال؟! فقال: «تفعلين»، فسابقته فسبقني، فجعل يضحك، وقال: «هذه بتلك السبقة»(177) .

يدل على مشروعية الرياضة البدنية للزوجة إذا كانت هذه الأعمال الرياضية منضبطة بالضوابط الشرعية؛ لأنَّها تنشط الأعضاء، وتريح النفوس،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتبعث على النشاط، وتذهب عن النفس السآمة والملل.

وكان صلى الله عليه وسلم يصحبهن في سفره، ويتبادلان أطراف الحديث:

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها : «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري، وأركب بعيرك تنظرين وأنظر، فقالت: بلى، فركبت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها حتى نزلوا، وافتقدته عائشة...»(178) .

يستفاد من هذا الحديث: أن يصحب الرجل زوجه في سفره، وأن يهيئ من الظروف ما يسهل عليه أمر سفرها معه.

وممَّا ينبغي ذكره هنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان في غاية الشفقة على أهله في السفر، ومن مظاهر شفقته، ورحمته، وعنايته أنه كان يمهد لزوجه موضعًا لينًا لركوبها، ويضع ركبتيه لتصعد عليهما، يدل على ذلك ما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: «... ثم خرجنا إلى المدينة - راجعين من خيبر - فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوِّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبتيه وتضع صفيةُ رجلها على ركبتيه حتى تركب...»(179) .

ومن مظاهر شفقته على أهله في السفر أنه صلى الله عليه وسلم كان يوصي الحادي أن يخفف رفقًا بهن، يدل على ذلك ما جاء عن أنس رضي الله عنه :

أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كان في سفر، وكان غلام يحدو بهن يقال له أَنْجَشة، [وكان حسن الصوت]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «رويدك يا أَنْجَشة سوقك بالقوارير»(180)

رويدك: أي ارفق، القوارير: كنى عن النساء بالقوارير.

قال الخطابي رحمه الله :

كان أنجشة أسود، وكان في سوقه عنف، فأمره أن يرفق بالمطايا وقيل: كان حسن الصوت بالحداء، فكره أن تسمع النساء الحداء؛ فإنَّ حسن الصوت يحرك من النفوس، فشبه ضعف عزائمهن، وسرعة تأثير الصوت فيهن بالقوارير في سرعة الكسر إليها، وقد جزم ابن بطال بالمعنى الأول، بينما جزم أبو عبيد الهروي والقاضي عياض بالمعنى الثاني، وجوز القرطبي الأمرين، فقال: شبههن بالقوارير لسرعة تأثرهن، وعدم تجلدهن، فخاف عليهن من حث السير بسرعة: السقوط، أو التألم من كثرة الحركة، والاضطراب الناشئ عن السرعة، أو خاف عليهن الفتنة من سماع النشيد»(181) .

إقراره المزاح والدعابة وتبسمه لهما:

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «زارتنا سودة يومًا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها، إحدى رجليه في حجري، والأخرى في حجرها، فعملت له حريرة... فقلت: كُلي، فأبت.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقلت: لتأكلي أو لألطخن وجهك فأبت، فأخذت من القصعة شيئًا فلطخت به وجهها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها تستقيد مني، فأخذت من القصعة شيئًا فلطخت به وجهي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك...»(182) .

من المعلوم أنَّ سودة تربطها علاقة جيدة مع السيدة عائشة، فهي أولًا من حزبها، يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها : أنَّ نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة، وصفية، وسودة، والحزب الآخر: أم سلمة، وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم(183) ، وهي التي وهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة فغير مستغرب هذا المزاح بينهما في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو صلى الله عليه وسلم يضحك من ذلك.

ومن الأمثلة على الدعابة اللطيفة، وتبسمه لهنَّ ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة بالبقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: بل أنا يا عائشة! وارأساه ثم قال: «ما ضرك لو متِ قبلي، فقمت عليك، فغسلتك، وكفنتك، وصليتُ عليك، ودفنتك؟».

فقالت: لكأني بك والله لو فعلت ذلك، لرجعت إلى بيتي، فعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بدئ بوجعه الذي مات فيه...»(184) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا شكَّ أنَّ المزاح اللطيف، والدعابة الحلوة تؤدي إلى تطييب الخواطر، والترويح عن النفوس وغرس بذور المحبة الصادقة بين الزوجين.

سماعه صلى الله عليه وسلم الطُرَف والأخبار الاجتماعية منهن:

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «اجتمع إحدى عشرة امرأة فتعاقدن، وتعاهدن أن ينعتن أزواجهن ويصدقن. فقالت إحداهن: زوجي عياياء، طباقاء، كلُّ داءٍ له داء، شجَّكِ أو فلَّكِ أو جمع كلًّا لك(185) .

قالت الأخرى: زوجي لحمُ جملٍ غَثٍّ بجبل، لا سهلٌ فيرتقى إليه ولا سمينٌ فينتَقَلُ(186) .

وقالت الأخرى: زوجي العَشَنَّقُ، إن أَسكُت أُعلَّقْ، وإن أَنطِق أُطلَّقْ(187) .

وقال الأخرى: زوجي إذا شرب اشتفَّ، وإذا رقد التف، ولا يدخل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكف، فيعلم البثَّ(188)

وقالت الأخرى: زوجي لا أَبثُّ خبرَه، أخشى أن لا أذره(189) ، إن أَذ كرْهُ أذكر عُجَرَهُ وبُجَرَه.

فقال عروة: هؤلاء خمسة يشكون.

وقالت الأخرى: زوجي ليل تهامة، لا حرٌ ولا بردٌ ولا مخافة(190) .

وقالت الأخرى: زوجي إذا دخل فَهِدَ، وإذا خرج أَسِد، ولا يَسأَلُ عما عهد(191) .

وقالت الأخرى: زوجي الريحُ ريحُ زرنبٍ، والمسُّ مسُّ أرنبٍ، أغلبه والناسَ يغلبُ(192) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقالت الأخرى: زوجي أبو مالك، وما أبو مالك: ذو إبل كثيرةُ المسالك، قليلةُ المبارك، إذا سمعن صوت المِزَهر أيقنَّ أنهنّ هوالك(193) .

وقالت الأخرى: زوجي طويلُ النِّجاد، رفيعُ العماد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد(194) .

قالت أم زرع: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أَناسَ من حُليٍ أُذُنيَّ(195) ، ومن شحم عَضُديَّ(196) وبجح بنفسي فبجحت(197) ، ابن أبي زرع وما ابن أبي زرع؟ مضجَعُهُ كَمَسَلِّ الشطبة(198) ، وتكفيه ذراع الجَفْرة(199) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بنت أبي زرع وما بنت أبي زرع؟ ملء كسائها، وصفر ردائها، وخير نسائها، وغيظ جاراتها، وطوع أبيها وطوع أمها(200) خادم أبي زرع وما خادم أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثًا، ولا تعش بيتنا تعشيشًا(201) أتاني أبو زرع، وأنا في شق فنكحني، فانطلق بي إلى أهل صَهيل وأَطيط ودائس، ومُنَقِّ، فأنا عنده أشربُ فأَتقمَّحُ(202) وأَرقُدُ فأَتصبَّحُ، وأَقولُ فلا أُقَبَّحُ، خرج من عندي أبو زرع والأوطاب تُمخَضُ(203) فأبصر امرأة لها ابنان كالفهدين، يلعبان من تحتها برمانتين، فنكحها أبو زرع وطلقني، فنكحت بعده شابًا سَريًا، فركب فرسًا شريًّا، وأخذ رمحًا خطيًّا، وأراح على بيتي نعمًا ثريًّا(204)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأتاني من كل سائمة زوجًا، فقال: كلي وميري أهلك فلو جمعت كل شيء أصبته منه فجعلته في أصغر وعاء من أوعية أبي زرع ما ملأه.

قالت عائشة: فقال لي رسول الله: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع»(205) .

وفي رواية: «في الألفة والوفاء لا في الفرقة والجلاء».

وفي رواية أخرى: «إلا أنه طلقها وإني لا أطلقك».

قالت عائشة: يا رسول الله بل أنت خير من أبي زرع لأم زرع».

قال الحافظ ابن حجر:

وكأنه قال ذلك تطييبًا لها، وطمأنينة لقلبها، ودفعًا لإيهام عموم التشبيه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بجملة أحوال أبي زرع؛ إذ لم يكن فيه ما تذمه النساء سوى ذلك. وأجابت هي عن ذلك جوابَ مثلها في فضلها وعملها(206)

كان صلى الله عليه وسلم يصحبهن في الولائم معه، ولا يختص بطعامٍ طيبٍ دونهم:

يدل على ذلك ما جاء عن أنس: أن جارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيًّا كان طيب المرق، وكانت مرقته أطيب شيء ريحًا، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا، ثم جاءه يدعوه.

فقال: «وهذه؟» لعائشة.

فقال: لا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا».

ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وهذه؟».

قال: نعم في الثالثة.

فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله»(207) .

قال الإمام النووي رحمه الله :

فَكَرِه صلى الله عليه وسلم الاختصاص بالطعام دونها، وهذا من جميل المعاشرة، وحقوق المصاحبة، وآداب المجالس المؤكدة»(208) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هكذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في معاشرة زوجاته، ولما أخبره جابر بن عبد الله أنه تزوج ثيبًا، أراد له النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بكرًا يلاعبها وتلاعبه.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال: هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات، فتزوجت امرأة ثيبا، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تزوجت يا جابر»، فقلت: نعم، فقال: «بكرا أم ثيبا؟»، قلت: بل ثيبا، قال: «فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك»، قال: فقلت له: إن عبد الله هلك، وترك بنات، وإني كرهت أن أجيئهن بمثلهن، فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن، فقال: «بارك الله لك» أو قال: «خيرا»(209) .

وعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن ملاعبة الرجل لزوجته ليست من اللغو.

عن عطاء بن أبي رباح قال: «رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرتميان، فمل أحدهما فجلس، فقال له الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لغو ولهو، أو سهو إلَّا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة»(210) .

ويخطئ كثيرٌ من الرجال حين يظنون أن التبسط مع المرأة، وحُسن معاشرتها، والتلطُّف معها، ومشاركتها في بعض شؤون بيتها تعتبر ضعفًا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

منه، وسيطرةً لها عليه، فتراهم يصرُّون على أن تكون كلمتهم هي الأولى والأخيرة، ورأيهم هو النافذَ الذي لا يَقبل المراجعة أو المحاورة.

وهذا ليس من القوة أو الرجولة في شيء، وليس من أخلاق الكرام؛ فإنَّ الكريم مَن غلبه أهلُه داخلَ بيته؛ لسماحته وحسن معاشرته، وغلب الأعداءَ خارج بيته؛ لرجولته وقوَّته.

قال رجل لمعاوية رضي الله عنه : «يا أمير المؤمنين، كيف ننسبك إلى العقل وقد غلبك نصفُ إنسان؟ - يعني زوجته - فقال معاوية: يا هذا، إنهن يغلبن الكرامَ، ويغلبهن اللئامُ»(211) .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «ينبغي أن يكون الرجل بين أهله كالصبي، فإذا التمسوا ما عنده، وجدوا رجلًا»(212) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التعاون بين الزوجين

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاون أهله في المنزل، مع كثرة الأعباء الملقاة على عاتقه:

عن الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة(213) .

وفي رواية: قالت: كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويَحلُب شاته، ويخدِم نفسه(214) .

وفي رواية: قالت: كان يَخيطُ ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم(215) .

وكما يكون التعاون في أمور الدنيا، كذلك في أمور الآخرة.

يدل على ذلك ما جاء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة تعينه على أمر الآخرة»(216) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وما جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى، وأيقظ أمرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فصلى، فإن أَبَى نضحت في وجهه الماء»(217) .

وما جاء عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا استيقظ الرجل من الليل، وأيقظ أهله، فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات»(218) .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطبق ذلك عمليًا، يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»(219) .

وتحدثنا أم سلمة رضي الله عنها : زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن موقف من هذه المواقف فتقول: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعًا، يقول: «سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ - يريد أزواجه - لكي يصلين - ربَّ كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة»(220) .

وتحدثنا أم المؤمنين جويرية عن موقف آخر من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مع زوجاته في جانب من جوانب التعاون على البر والتقوى، وكيف كان يعلمهن ما يرفع منزلتهن عند الله بأيسر سبيل، وأسهل طريق:

فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة.

فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟».

قالت: نعم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»(221) .

ولا شك أن لتعاون الزوجين على البر والتقوى آثارًا عظيمة عليهما وعلى ذريتهما في الحاضر والمستقبل.

أما في الحاضر: فإن شيوع هذه الروح في البيت وتشبع الطفل بها، يؤدي إلى حبه لطاعة الله، وتعظيمه لشعائر الإسلام، وسهولة انقياده لأمر الله، اقتداءً بأبويه كما قال تعالى : ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]، وأما في المستقبل القريب في الدنيا:

فقد بين القرآن الكريم أن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وهذا الخضِر عليه السلام وقد بنى الجدار متبرعًا، فيقول له موسى عليه السلام ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، فيبين له سبب عدم أخذه على ذلك أجرًا، فيقول: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، وإذا ما نشأت الذرية على طاعة الله عز وجل وتعظيم دينه، سهل عليهم أمر التكاليف الشرعية حين يبلغون، فيستحقون بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم الواردة في قوله: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم: «شابا نشأ في عبادة الله عز وجل»(222) ثم إذا فارق الأبوان الدنيا نفعهما دعاء الولد الصالح كما في الحديث.

وإذا استقامت الذرية بعد فراق الأبوين على هذا العهد، كان اللقاء بينهم من جديد في جنة الخلد، ودار الكرامة: قال - سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].

عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما نزل ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: ٣٩] أنزل الله تعالى بعد هذا: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني بإيمان، فأدخل الله عز وجل الأبناء بصلاح الآباء الجنة(223) .

وفي رواية: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، قال ابن عباس: «إنَّ الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِّن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، يقول: وما نقصناهم(224)

كذلك من التعاون المحمود بين الزوجين: أن تعين المرأة زوجها على طاعة الله.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [الحديد: ١١]، قال أبو الدحداح الأنصاري: «يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟»، قال: «نعم يا أبا الدحداح»، قال: «أرني يدك يا رسولَ الله»، قال: فناوله يده، قال: «فإني قد أقرضت ربي حائطي»، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها: «يا أم الدحداح»، قالت: «لبيك»، قال: «اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل»، وفي رواية أنها قالت له: «رَبِح بيعُك يا أبا الدحداح»، ونقلت منه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح»، وفي لفظ: «رُبَّ نخلة مُدَلَّاة عروقها دُر وياقوت لأبي الدحداح في الجنة»(225) .

كذلك من صور التعاون: أن تصبر المرأة على ضيق يد زوجها، وتعاونه إن ضاقت به النفقة.

عن أبي البَختَرِي قال علي رضي الله عنه لأمه: «اكفى فاطمة الخدمة خارجًا،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتكفيكِ هي العملَ في البيت، والعَجْن والخبز والطحن»(226)

وعن علي رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوَّج فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف، ورحاءين، وسقاءين، قال: فقال علي لفاطمة يومَا: «لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله بسبي، فاذهبي، فاستخدمي»، فقالت: «وأنا والله، قد طحنت حتى مجلت يداي»، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما جاء بك أي بنية؟»، فقالت: «جئت لأسَلمَ عليك»، واستحيت أن تسأله، ورجعت، فأتياه جميعًا فذكر له عليٌّ حالهما، قال: «لا والله، لا أعطيكما، وأدعُ أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم»، فرجعا، فأتاهما وقد دخلا قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما بدت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: «مكانكما ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟»، فقالا: «بلى»، فقال: «كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما فَسَبِّحا ثلًاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين»، قال علي: «فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن»، وقال له ابن الكواء: «ولا ليلة صفين؟»، فقال: «قاتلكم الله يا أهل الطروق، ولا ليلة صفين»(227) .

قال ابن حجر: قال الطبري: «يؤخذ من حديث عليّ رضي الله عنه في شكوى فاطمة أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها من خبز وطحن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وغير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفا أن مِثلها يلي ذلك بنفسه، ووجه الأخذ أن فاطمة لما سألت أباها الخادم فلم يأمر زوجها أن يكفيها ذلك إما بإخدامها بخادم أو باستئجار من يقوم بذلك، أو يتعاطى ذلك بنفسه، ولو كانت على الزوج لأمره به، كما أمره أن يسوق الصداق قبل الدخول»(228)

وعن أسماء رضي الله عنها أنها قالت: «كنت أخدم الزبير خدمة البيت كُله، وكان له فرَس، وكنت أسُوسُه، وكنت أحتَش له، وأقوم عليه»(229) .

وعنها رضي الله عنها : «أنها كانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتَخْرِز الدلوَ، وتَعجِن، وتنقُل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ»(230) .

وقالت رضي الله عنها : «تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا شيء غير فرسه وناضحه، فكنت أعلف فرسه، - زاد مسلم: وأسوسه - وأدق النوى لناضحه، وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ، حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني، فجئت يومًا والنوى على رأسي، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إخ، إخ، يستنيخ ناقته ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، - وكان أغير الناس - فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت، فجئت الزبير فحكيت له ما جرى، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد علي من ركوبك معه صلى الله عليه وسلم»(231) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التشاور بين الزوجين

من آداب العشرة: أن يتشاور الزوجان، ليس فقط في شئون البيت، وإنَّما قد تكون المشورة في أمور أخرى، وقد رأينا كيف كانت مشورة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها فيها الخير للمسلمين جميعًا.

عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: «... فلما فرغ - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم - من قضية الكتاب - أي: كتاب صلح الحديبية - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا».

قال: فوالله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس.

فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك، أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا...»(232) .

ويتأكد مثل هذا التشاور في القضايا التي لها أثر كبير في حياة الأبناء والبنات ومستقبلهم، يدل على ذلك ما جاء عن أنس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جُليبيب امرأةً من الأنصار إلى أبيها، قال: حتى أستامر أمها أي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حتى أستشير أمها قال: «فنعم إذن»، قال: فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها...»(233)

وفي رواية أخرى: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: «زوجني ابنتك»، فقال: نعم وكرامة يا رسول الله، ونُعْمَ عيني - أي نكرمك، ونسر عينك بها -، قال: «إني لست أريدها لنفسي»، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: «لجُليبيب»، قال: فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك، فقالت: ونعمت عيني، زوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب، قالت: حَلْقَى أجليبيب...؟ لا، لعمر الله، لا أزوج جليبيًا.، فلما قام أبوها ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم قالت الفتاة من خدرها لأمها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، ادفعوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنَّه لن يضيعني فذهب أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: شأنك بها، فزوَّجها جليبيبًا...»(234) .

فليس ذلك عيبًا ولا نقصًا في عقل الرجل ولا ينقص من هيبته، وإنما هو نوع من التعاون المحمود فيما يفيد.

ومما يرتبط بالتشاور ويتصل به = التعليم، فكل واحد من الزوجين يتعلم من الآخر ويستفيد منه، بل يسأل عما لا يفهمه، وهذا هدي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن ابن أبي مليكة، أن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه، إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حوسب عذب» قالت عائشة: فقلت أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قالت: فقال: "إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك"(235) .

وعن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال: «هم من آبائهم» فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» قلت: يا رسول الله فذراري المشركين؟ قال: «من آبائهم» قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»(236) .

وفعلته أيضًا أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها.

عن زينب بنت جحش، رضي الله عنهن أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فزعا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»(237) .

وليس التعليم من طرف واحد، بل قد يكون عن طريق النقاش والحوار ويستفيد كل طرف من الآخر، وهذا ما فعلته - أيضًا - أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن؟ قال: «أية آية يا عائشة؟»، قالت: قول الله تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، قال: «أما علمت يا عائشة، أن المؤمن تصيبه النكبة، أو الشوكة فيكافأ بأسوإ عمله ومن حوسب عذب» قالت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]، قال: «ذاكم العرض، يا عائشة من نوقش الحساب عذب»(238) .

ولا ينبغي أبدًا أن يرفض الزوج نقاشًا أو حوارًا، طالما أن الزوجة لم تتجاوز في الحوار ولم تتكلم إلا بخير.

عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أتت سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو امرأة أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه على أبي رافع قد ضربها. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي رافع: "ما لك ولها يا أبا رافع؟" قال: تؤذيني يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بم آذيتيه يا سلمى؟" قالت: يا رسول الله، ما آذيته بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي، فقلت له: يا أبا رافع إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضأ، فقام فضربني، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويقول: "يا أبا رافع إنها لم تأمرك إلا بخير"(239) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التعامل الصحيح مع الغيرة الطبيعية

ممَّا يقع في طبيعة النساء: الغيرة، وقد تكون زائدة بصورة تؤدي إلى مشكلات، وفي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل البيت نتعلم كيف يكون التعامل مع الغيرة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها في أيها كنت تُرتع بعيرك؟

قال: «في التي لم يُرتع منها»، زاد في رواية أبي نعيم: قالت: فأنا هِيَه؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرًا غيرها(240) .

وفي رواية أخرى: قالت: دخل عليَّ يومًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ قال: «يا حميراء كنت عند أم سلمة».

فقلت: ما تشبع من أم سلمة؟ قالت: فتبسم.

ثم قلت: يا رسول الله، ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم ترع، والأخرى قد رعيت أيهما كنت ترعى؟

قال: «التي لم ترع».

قلت: فأنا لست كأحد من نسائك، كل امرأة من نسائك كانت عند رجل غيري.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم(241) .

وهنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعامل مع غيرة أم المؤمنين عائشة، بالابتسامة، والدعابة اللطيفة، وانتهى الأمر.

وفي موقف آخر استخدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب التغافل والسكوت، حتى لا تتفاقم المشكلة.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلَّا في تسع، فكن يجتمع كل ليلة في بيت التي يأتيها. فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب فمدَّ يده إليها.

فقالت: هذه زينب، فكف النبي صلى الله عليه وسلم يده. فتقاولنا حتى اسْتَخَبَتَا، وأقيمت الصلاة.

فمرّ أبو بكر على ذلك، فسمع أصواتهما.

فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم .

فقالت عائشة: الآن يقضي النبي صلى الله عليه وسلم صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل.

فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أتاها أبو بكر، فقال لها قولًا شديدًا.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال: «أتصنعين هذا؟»(242) .

وواضح من هذا الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يباشر معالجة الموقف في قمة ثورته؛ بل تغاضى عنه، وانصرف إلى الصلاة، وقد عالجها أبو بكر رضي الله عنه خير معالجة؛ إذ زجر عائشة على ما بدر منها.

وقد تكون الابتسامة كافية في امتصاص غضب وغيرة الزوجة، دون تعقيب أو رد.

عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة، قالت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي بنية ألست تحبين ما أحب؟» فقالت: بلى، قال «فأحبي هذه» قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدا، قالت عائشة، فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب. وأتقى لله وأصدق حديثا، وأوصل للرحم،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها، تسرع منها الفيئة، قالت: فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها، على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت علي، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها، قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتبسم إنها «ابنة أبي بكر»(243)

وفي هذا الحديث من الفوائد العظيمة والأدب الجم في العشرة الزوجية الكثير، فنرى فيه استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغيرة نسائه بالابتسامة والهدوء، ثم يبين صلى الله عليه وسلم سبب مزيد حبه لأم المؤمنين عائشة وأنها ابنة أبي بكر، كذلك نرى أدب أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فلم تتكلم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أن زينب استطالت عليها، حتى اطمأنت أن رسول الله يأذن لها أن ترد، ورغم هذه المنافسة بينهما إلا أن أم المؤمنين عائشة تذكر فضل زينب ولا تبخسها حقها، بل تذكر فضائلها وترددها وهي تروي هذا الحديث للتابعين، وتذكر أنها لم تر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب. وأتقى لله وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وحتى الصفة الوحيدة التي انتقدتها في زينب وهي أن فيها حدة، إلا أنها أيضًا ذكرت مدحًا يلغيها وهي أنها تسرع منها الفيئة.

وفي رواية أخرى للحديث أذن رسول الله لعائشة أن تنتصر لنفسها وترد.

عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله، أحسبك إذا قلبت بنية أبي بكر ذريعتيها، ثم أقبلت علي، فأعرضت عنها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دونك، فانتصري»، فأقبلت عليها، حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فيها، ما ترد علي شيئا، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه(244) .

وليس فقط مجرد الابتسامة، بل الضحك والمزاح وتحويل الغيرة إلى موقف طريف، مثل هذا الموقف.

عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عائشة قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخزيرة قد طبختها له، فقلت لسودة - والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها -: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة، فطليت وجهها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع بيده لها، وقال لها: «الطخي وجهها»، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لها، فمر عمر، فقال: يا عبد الله، يا عبد الله، فظن أنه سيدخل، فقال: «قوما فاغسلا وجوهكما»، فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم(245) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتفي بهذا الأسلوب فقط، بل كان عليه الصلاة والسلام يحول بين هذا الطرف الثالث - حتى ولو كان أبًا - وبين الإساءة إلى الزوجة، وبذلك تشعر هذه الزوجة أن زوجها أرأف بها من أبيها.

يدل على ذلك ما جاء عن النعمان بن بشير قال: أستأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع صوت عائشة عاليًا، وهي تقول: والله لقد علمت أن عليًّا أحبُ إليك من أبي.

فأهوى إليها أبو بكر ليلطمها، وقال: يا ابنة أم رومان، أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة، كيف رأيتني، أنقذتك من الرجل».

- في رواية مسند أحمد: فلما خرج أبو بكر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يترضاها يقول لها: «ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك».

ثم استأذن أبو بكر بعد ذلك، وقد اصطلح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة.

- وفي رواية مسند أحمد: فوجده يضاحكها.

فقال أبو بكر: أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قد فعلنا»(246) .

لهذا كانت وصية الصحابة رضوان الله عليهم بالصبر على غضب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الزوجة وغيرتها.

عن نعيم بن حنظلة، قال: قدم جرير بن عبد الله على عمر، فشكا إليه ما يلقى من النساء من سوء أخلاقهن، قال: فقال عمر: إني ألقى مثل ما تلقى منهن، إني لآتي، «قال: السوق أو الناس»، أشتري منهم الدابة، أو الثوب فتقول المرأة: إنما انطلق ينظر إلى فتاتهم أو يخطب إليهم، قال: فقال عبد الله بن مسعود: أوما تعلم أن شكا إبراهيم من درء في خلق سارة، فأوحى الله إليه: إنما هي من ضلع فخذ الضلع، فأقمه، فإن استقام، وإلا فالبسها على ما فيها(247) .

وفي رواية عن أوس بن ثريب قال: أكريت الحجاج، فدخلت المسجد الحرام، فإذا عمر وجرير، قال: فقال عمر لجرير: يا أبا عمرو، كيف تصنع مع نسائك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني ألقى منهن شدة، ما أستطيع أن أدخل بيت إحداهن في غير يومها، ولا أقبل ابنة إحداهن في غير يومها إلا غضبن: قال: فقال عمر: إن كثيرا منهن لا يؤمنن بالله، ولا يؤمنن للمؤمنين، لعلك أن تكون في حاجة إحداهن فتتهمك، قال: فقال عبد الله بن مسعود: وهو في القوم: "يا أمير المؤمنين، أما تعلم أن إبراهيم شكا إلى ربه درءا في خلق سارة، قال: فقيل له: إن المرأة مثل الضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها اعوجت، فالبس أهلك على ما فيهم"، قال: فقال عمر لعبد الله: إن في قلبك من العلم غير قليل، قالها ثلاث مرات(248) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وإذا حدثت مشكلة أو خلاف أو نزاع فالأصل أن المطالب بالحكمة والعقل والرزانة وضبط الأمور هو الزوج، وجماله في عقله.

ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: عقول النساء في جمالهن، وجمال الرجال في عقولهم.

وكما تقع الغيرة من النساء، فإنها أيضًا تقع من الرجال، وقد وقع ذلك للصحابة - رضوان الله عليهم -.

عن المغيرة بن شعبة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «أتعجبون من غيرة سعد، فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش، ما ظهر منها، وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين، مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة»(249) .

وهنا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعامل مع غيرة سعد بالإقرار، بل أكد النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وذكر أنه أشد غيرة منه، لكن تلك الغيرة محمودة فقط إذا كانت لمحارم الله.

وفي موقف آخر أقر النبي صلى الله عليه وسلم غيرة الزبير على زوجته أسماء رضي الله عنها .

عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مال ولا مملوك ولا شيء، غير فرسه.

قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مئونته وأسوسه وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز لي جارات من الأنصار وكن نسوة صدق.

قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي على ثلثي فرسخ.

قالت: فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه، فدعاني، ثم قال: «إخ إخ» ليحملني خلفه.

قالت: فاستحييت وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد من ركوبك معه.

قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر، بعد ذلك، بخادم فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقتني(250) .

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أعظم الصحابة غيرة على النساء، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم غيرته في الرؤيا التي رأى فيها قصر عمر بن الخطاب في الجنة.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذا القصر؟

قالوا: لعمر، فذكرت غيرته، فوليت مدبرًا.

فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟!(251) .

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دخلت الجنة أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرا، فقلت: لمن هذا؟

قالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك".

قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي يا نبي الله، أو عليك أغار(252) ؟.

وعن ابن عمر قال: «كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟

قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟

قال: يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»(253) .

وقد أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحجب نساءه، ثم نزل القرآن موافقًا له.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فعن أنس رضي الله عنه قال: «قال عمر: وافقت ربي في ثلاث:

قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].

وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنَّه يكلمهنَّ البرُّ والفاجر. فنزلت آية الحجاب.

واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغَيْرة عليه، فقلت لهنَّ: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية»(254) .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لؤم بالرجل إلا أن يكون غيورًا(255) .

وأوصى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ابنته فقال: «إياك والغيرة؛ فإنَّها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب؛ فإنَّه يورث البغضاء، وعليك بالكحل؛ فإنَّه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء».

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التعامل مع الغضب بهدوء

قد يحدث أحيانًا خلاف بين الرجل وزوجته، وتغضب الزوجة، بسبب فهمها لشيء معين، وبعض الأزواج قد يستخدم الاستبداد في هذه الحالة، فيتركها وغضبها، ولا يبالي بها، وهذا شيء يفسد البيوت.

وفي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل البيت، نرى أن من آداب العشرة: التعامل مع الغضب بالحوار والإقناع، ولا مانع من تقدم الهدايا.

ومن أمثلة ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قالت - يعني صفية -: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إليَّ، قتل زوجي وأبي، وقومي فما زال يعتذر إليَّ، ويقول: يا صفية إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل، وفعل، حتى ذهب ذلك من نفسي»(256) .

وفي رواية: «أما إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك، إنهم قالوا لي كذا وكذا، وقالوا فيَّ كذا وكذا»، فما قمت من مقعدي، ومن الناس أحد أحب إليَّ منه صلى الله عليه وسلم».

في هذا الحديث نشهد نموذجًا رائعًا من نماذج الإقناع عن طريق الحوار.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كانت هذه المرأة من اليهود، هؤلاء القوم الذين لقي النبي صلى الله عليه وسلم منهم كل شر وبلاء، فقد اشتدت عداوتهم له، وامتدت حربهم معه سنين عددًا، وهو الذي سالمهم عندما قدم المدينة، وصان حقوقهم الدينية والمدنية، وصالحهم على أن يكونوا معه لا عليه، ولكن أبوا إلا نقض العهود، وجاهروا بالعداوة والبغضاء، وتحالفوا مع أعدائه عليه، ممَّا اضطر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخوض معهم معارك حربية كغزوة بني النضير، وغزوة بني قريظة، وغزو خيبر، وغيرها.

وقد أسفرت هذه المعارك عن مقتل حيي بن أخطب والد صفية في معركة بني قريظة، ومقتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق في معركة خيبر، كما أسفرت هذه المعارك عن مقتل عدد كبير من قومها، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إليها.

لكن الأمر سرعان ما تغير فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان من أبغض الناس إليها يصبح من أحب الناس إليها.

كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل صفية من الكفر إلى الإيمان؟

ومن اليهودية - ومعروف تعصب اليهود لدينهم - إلى الإسلام؟

ومن امرأة كارهة له، وشديدة البغض لشخصه، إلى امرأة يصبح النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليها من أبيها وزوجها، والناس أجمعين؟

بل أصبح أحب إليها من نفسها، وتفديه بكل ما تملك، وإذا ألمَّ به

مرض تمنت أن يكون فيها، وأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمًا معافًى.

اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية: إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمز بها أزواجه، فأبصرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: «مضمضن»، فقلن: من أي شيء؟ فقال: «من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة»(257) .

والجواب أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سلك في تعامله مع زوجه الطاهرة صفية مسلكين، استطاع بهما أن ينقلها من زوجة شديدة الكره والبغضاء له، إلى زوجة تفديه بنفسها وأهلها والناس أجمعين:

المسلك الأول: أنَّه صلى الله عليه وسلم استعمل معها أسلوب الحوار والإقناع.

يدل على ذلك قولها: «فما زال يعتذر إليَّ، ويقول: «يا صفية، إنَّ أباك ألب عليَّ العرب وفعل، وفعل» حتى ذهب ذلك من نفسي».

وأما المسلك الثاني: فهو حسن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع صفية، ولطيف معاشرته لها.

1 - أحسن إليها لكونها بنت رجل له منزلته في قومه.

فوالدها حيي بن أخطب: كان سيد بني النضير من ذرية نبي الله هارون عليه السلام ووصف بأنَّه: سيد الحاضر والبادي، وسيد الحيين كليهما أي بني

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النضير، وبني قريظة يحملهم في الحرب، ويطعمهم في المحل(258)

2 - لم يكرهها على الإسلام: فقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فقال: «إن تكوني على دينك لم نكرهك، فإن اخترت الله ورسوله اتخذتك لنفسي»، قالت: بل أختار الله ورسوله(259) .

3 - أعتقها من العبودية:

4 - ورضيها أن تكون زوجته، وهذا شرف ما بعده شرف؛ إذ نالت بهذا الاختيار لقب: أم المؤمنين، وأصبحت زوجة سيد المرسلين:

عن أنس بن مالك قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية فأعتقها، وتزوجها(260) .

5 - أكرمها بوليمة بعد أن تزوجها:

يدل على ذلك ما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم بين خبير والمدينة ثلاث ليالٍ، ويُبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمة، وما كان فيها من خبز ولحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالًا بالأنطاع فبُسِطت فألقي عليها التمر والأَقِط والسمن»(261) .

6 - حسن معاملته لها، ورفقه بها:

عن أنس رضي الله عنه قال: «فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحوِّي لصفية بنت

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حيي وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب»(262)

وتحدثنا صفية رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتقول:

ما رأيت أحدًا قطُّ أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقد رأيته ركب بي في خيبر، وأنا على عجز ناقته ليلًا، فجعلت أنعس فتضرب رأسي مؤخرة الرحل فيمسني بيده، ويقول: «يا هذه مهلًا»(263) .

7 - دفاعه صلى الله عليه وسلم عنها، وتفخيم شأنها، لكونها ذات شرف ونسب، وزجر من يؤذيها:

يدل على ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه قال:

بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تبكي.

فقال: «ما يبكيك؟».

فقالت: قال لي حفصة: إني بنت يهودي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفتخر عليك؟»، ثم قال: «اتقي الله يا حفصة»(264) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي رواية عن صفية بنت حيي، قالت: دخل عليَّ رسول الله، وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له.

فقال: «ألا قلت: فكيف تكونان خيرًا مني، وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى».

وكأن الذي بلغها أنَّهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وقالوا: نحن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبنات عمه(265) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحاجة إلى الوعظ والتذكير بالله

الرجل هو المسؤول عن البيت، لهذا كان الأمر من رب العالمين أن يحرص الرجل على نجاة أهله، وسلامة دينهم، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].

وقال عليه الصلاة والسلام : «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته...، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته...»(266) .

قال علي رضي الله عنه في قوله تعالى : ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدبوهم»(267) .

ولهذا كان من آداب العشرة: أن يعظ الرجل أهله، ويذكرهم بالله إذا رأى منهم خطأً.

ومن أمثلة ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية كذا وكذا؛ تعني: قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».

قالت: وحكيت له إنسانًا، أي: بأن أفعل مثل فعله، أو أقول مثل قوله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على وجه التنقيص.

فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانًا، وأن لي كذا وكذا»(268) .

ومن الوعظ والتذكير بالله: أن يدعو الرجل لزوجته.

يدل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا غضبي، فأخذ بطرف المفصل من أنفي، فعركه، ثم قال: «يا عويش، قولي: اللهم اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من الشيطان»(269) .

وفي رواية: كانت عائشة رضي الله عنها إذا غضبت عرك النبي صلى الله عليه وسلم بأنفها ثم يقول: «يا عويش، قولي: اللهم رب محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن»(270) .

وفي رواية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب على عائشة وضع يده على منكبها، فقال: «اللهم اغفر لها ذنبها، وأذهب غيظ قلبها، وأعذها من مضلات الفتن»(271) .

وكان عروة بن الزبير رضي الله عنه إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار، قرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: ١٣١]، ثم يقول: «الصلاةَ الصلاة، رحمكم الله»(272)

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم: «الصلاةَ، الصلاةَ»، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾(273) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تعمير البيوت بذكر الله

علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الشيطان حريص أشد الحرص على الإفساد بين الزوجين. عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت»(274) .

ولهذا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجين أن يبدءا حياتهما بذكر الله والاستعاذة بالله من الشيطان. عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنَّه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا»(275) .

وهذا ما علمه الصحابة - رضوان الله عليهم - للأزواج، أن يحرصوا على ذكر الله.

عن أبي وائل أنه قال: جاء رجلٌ يقال له: أبو حريز إلى ابن مسعودٍ فقال: إني تزوجت امرأةً بكرًا وقد خشيت أن تكرهني! فقال ابن مسعودٍ: إن الألفة من الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تعالى وإن الفرقة من الشيطان يكره ما أحل الله لها. فإذا دخلت فمرها أن تصلي خلفك ركعتين ثم قل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لها في! اللهم وارزقها مني وارزقني منها! اللهم اجمع بيننا كما جمعت وفرق بيننا إذا فرقت في خيرٍ، ثم إذا دنوت منها فخذ بناصيتها وادع الله بالبركة واسأل الله من خيرها وتعوذ من شرها(276)

كذلك ينبغي على الزوج أن يبدأ حياته بصلاة ركعتين مع زوجته، وأن يكثر من الدعاء، إذا أراد أن يؤلف الله عز وجل بينه وبين زوجته.

عن أبي وائل قال: جاء رجل من بجيلة إلى عبد الله، فقال: إني قد تزوجت جارية بكرا، وإني قد خشيت أن تفركني، فقال عبد الله: «إن الإلف من الله، وإن الفرك من الشيطان، ليكره إليه ما أحل الله له، فإذا أدخلت عليك فمرها فلتصل خلفك ركعتين»، قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فقال: قال عبد الله: "وقل: اللهم، بارك لي في أهلي، وبارك لهم في، اللهم ارزقني منهم، وارزقهم مني، اللهم، اجمع بيننا ما جمعت إلى خير، وفرق بيننا إذا فرقت إلى خير"(277) .

وعن أبي سعيد مولى بني أسيد قال: تزوجت امرأة، وأنا مملوك، فدعوت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم أبو ذر، وابن مسعود، وحذيفة، فتقدم حذيفة ليصلي بهم، فقال أبو ذر، أو رجل: ليس لك ذلك، فقدموني، وأنا مملوك، فأممتهم فعلموني قالوا: «إذا أدخل عليك أهلك فصل ركعتين، ومرها

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فلتصل خلفك، وخذ بناصيتها، وسل الله خيرا، وتعوذ بالله من شرها»(278)

وعن ابن جريج قال: حدثت: أن سلمان الفارسي تزوج امرأة، فلما دخل عليها وقف على بابها، فإذا هو بالبيت مستور، فقال: ما أدري أمحموم بيتكم؟ أم تحولت الكعبة في كندة؟ والله لا أدخله حتى تهتك أستاره، فلما هتكوها فلم يبق منها شيء، دخل فرأى متاعا كثيرا وجواري، فقال: ما هذا المتاع؟ قالوا: متاع امرأتك وجواريها قال: والله ما أمرني حبي بهذا، أمرني أن أمسك مثل أثاث المسافر، وقال لي: «من أمسك من الجواري فضلا عما نكح أو ينكح، ثم بغين، فإثمهن عليه»، ثم عمد إلى أهله، فوضع يده على رأسها، وقال لمن عندها: ارتفعن، فلم يبق إلا امرأته، فقال: هل أنت مطيعتي رحمك الله؟ قالت: قد جلست مجلس من يطاع قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: «إن تزوجت يوما فليكن أول ما تلتقيان عليه على طاعة الله»، فقومي فلنصل ركعتين، فما سمعتني أدعو به فأمني، فصليا ركعتين، وأمنت فبات عندها، فلما أصبح جاءه أصحابه، فلما انتحاه رجل من القوم، فقال: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنه، ثم الثاني، ثم الثالث، فلما رأى ذلك صرف وجهه إلى القوم، وقال: رحمكم الله، فيما المسألة عما غيبت الجدرات، والحجب، والأستار، بحسب امرئ أن يسأل عما ظهر إن أخبر، أو لم يخبر(279) .

كذلك تعلمنا أن ندعو للعروسين بالبركة، لأن هذا هو أصل الخير الذي يبغيانه في بيتهما وحياتهما.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن عقيل بن أبي طالب: أنه تزوج امرأة من بني جشم، فقيل له: بالرفاء والبنين قال: لا تقولوا ذلك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وأمرنا أن نقول: «بارك الله لك، وبارك عليك»(280) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العتاب عند الغضب

إذا كان الأصل في العشرة الزوجية التغافل والعفو، فلا بأس أحيانًا من العتاب، في موقف لا ينبغي أن يمر دونما حساب.

من أمثلة ذلك: غيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين خديجة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع حدًّا لذلك.

قالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يومًا، فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن!

قالت: فرأيته غضب غضبًا شديدًا، أُسْقطت في خلدي، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت.

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت، قال: «كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت مني الولد إذ حرمتموه مني».

قالت: فغدا وراح عليَّ بها شهرًا»(281) .

وكما أن العتاب يكون بين الزوجين، كذلك أيضًا ينبغي لولي أمر المرأة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن يعاتبها إذا رأى منها خطأً في حق زوجها، وأن ينصحها، بل قد يحتاج الأمر إلى الشدة أحيانًا إذا رأى حاجة إليها.

وهذا هدي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بناتهم، وخاصة إذا كانت البنات زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، «فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا»(282) .

فهنا جاء أبو بكر رضي الله عنه ليعاتب ابنته عائشة، لأنه رأى أنها تعطل زوجها عن مسؤولياته ودوره في قيادة الأمة لأمر شخصي خاص بها.

قال النووي: فيه تأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب ونحوه، وفيه تأديب الرجل ابنته وإن كانت كبيرة مزوجة خارجة عن بيته(283) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهكذا ينبغي أن يكون ولي أمر المرأة، حريصًا على مصلحة كلا الطرفين، زوج ابنته وابنته، بل لا يمتنع أبدًا أن يكون في صف الزوج مساندًا له إذا رأى أنه صاحب الحق، ولا يمنعه عن ذلك حبه لابنته.

وهذا ما نجده في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يعاتب ابنته حفصة لأنها أغضبت زوجها - رسول الله صلى الله عليه وسلم -، ثم يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويناقش معه المشكلة، ولا يتركه حتى يسري الغضب عنه ويضحك.

عن عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، فقال عمر، فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب، عليك بعيبتك، قال فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله، لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاعدا على أسكفة المشربة، مدل رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلي، فلم يقل شيئا، ثم قلت: يا رباح،

استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلي، فلم يقل شيئا، ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله، لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها، لأضربن عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إلي أن ارقه، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق، قال: فابتدرت عيناي، قال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب» قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصفوته، وهذه خزانتك، فقال: «يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟»، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت، وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام، إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكانت عائشة بنت أبي بكر، وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: «لا»، قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه،

أفأنزل، فأخبرهم أنك لم تطلقهن، قال: «نعم، إن شئت»، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرا، ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت، فنزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين، قال: «إن الشهر يكون تسعا وعشرين»، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله عز وجل آية التخيير(284)

بل ينبغي لولي المرأة أن يعظ بنته ويوجهها، حتى لا يقع منها الخطأ في حق زوجها، كما ورد في رواية أخرى للحديث من فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

عن عبيد بن حنين، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما، يحدث أنه قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به، قال: ثم قال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر أتأمره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال: فقلت لها: ما لك، ولما ها هنا وفيم تكلفك في أمر أريده، فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان، فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان، فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله، وغضب رسوله صلى الله عليه وسلم، يا بنية لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها يريد عائشة قال: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها، فكلمتها فقالت أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب، دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح افتح فقلت: جاء الغساني، فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له يرقى عليها بعجلة، وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس

الدرجة، فقلت له: قل: هذا عمر بن الخطاب فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة»(285)

وفي موقف آخر يقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه موقفًا مؤيدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبًا لابنته عائشة، بل كاد أن يضربها، والذي حال بينه وبينها هو زوجها - رسول الله صلى الله عليه وسلم -.

عن النعمان بن بشير قال: أستأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع صوت عائشة عاليًا، وهي تقول: والله لقد علمت أن عليًّا أحبُ إليك من أبي.

فأهوى إليها أبو بكر ليلطمها، وقال: يا ابنة أم رومان، أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة، كيف رأيتني، أنقذتك من الرجل».

في رواية مسند أحمد: فلما خرج أبو بكر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يترضاها يقول لها: «ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك».

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم استأذن أبو بكر بعد ذلك، وقد اصطلح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة.

وفي رواية مسند أحمد: فوجده يضاحكها.

فقال أبو بكر: أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قد فعلنا»(286) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التثبت قبل إصدار الأحكام

من أخطر الحوادث التي تعرض لها بيت النبوة، وكانت تمس الحياة الخاصة للنبي صلى الله عليه وسلم من قِبَل المنافقين، حادثة الإفك: تلك المحنة - محنة الإفك والبهتان - التي عرضت للسيدة الطاهرة عائشة رضي الله عنها .

والقصة معروفة ومشهورة في كتب السنة، لكن السؤال: كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الحدث الجلل تربويًّا؟

نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غيَّر من أسلوبه في تعامله مع زوجه عائشة ممَّا أشعرها بأن شيئًا ما قد حدث، لكنها لا تدري ما هو؟ فلم يعد يجلس عندها، ولم تعد ترى منه ذلك اللطف الذي كانت تراه منه لاسيما في حالة المرض.

تقول رضي الله عنها : «فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا شهرًا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولم أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنِّي لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يقول: «كيف تيكم؟» فذاك يريبني ولا أشعر بالشر...».

وقد بقيتْ على هذا الحال شهرًا كاملًا ولم تدر ما حدث إلا في الأيام الأخيرة، وقد أخبرتها بذلك أم مسطح عندما خرجت معها قبل المناصع،

فلما رجعت إلى بيتها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم أتأذن لي أن آتي أبوي؟ فأذِن لها فذهبت إلى أهلها لتستيقن من الخبر، وتخفف عن نفسها شيئًا من عظيم ما ألمَّ بها، ووقع عليها.

وهي تصف ما حدث بعد أن تأكدت من الخبر من والدتها -: «وقد بكيت ليلتين ويومًا لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي».

وأما اليوم الأخير من البكاء، فهو يوم البراءة، تقول السيدة عائشة: وأصبح أبواي عندي، فبينما أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت: فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم فجلس، فقالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء...».

وهذا الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على حكمته البليغة في تعامله مع هذا الحادث الجلل فهو صلى الله عليه وسلم لم يعتزلها اعتزالًا كليًّا؛ لأنَّ الاعتزال عقوبة على مخالفة، ولم تثبت أية مخالفة تستحق عليها الاعتزال، والهجران...، وهو صلى الله عليه وسلم لم يعاملها بالطريقة التي كان يعاملها بها قبل شيوع حادث الإفك، وقالة السوء، ليشعرها بأن شيئًا ما قد حدث، ويحتاج إلى تحقيق فيه للكشف عن الحقيقة.

وهذا الموقف بحد ذاته درس تربوي نتعلم منه كيف نتعامل مع الأشخاص الذين يشاع عنهم شائعات الافتراء، ويذاع عنهم كلمات الزور والبهتان...، فلا

بُدَّ من الحذر الشديد، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام، واتخاذ المواقف المعادية من غير ما حجةٍ واضحة أو دليل صحيح.

قال الحافظ ابن حجر: «وفيه - أي: في حديث الإفك - من الفوائد: ملاطفة الزوجة، وحسن معاشرتها، والتقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي وإن لم يتحقق، وفائدة ذلك: أن تتفطن لتغيير الحال فتعتذر أو تعترف.

وفيه: - أي في حديث الإفك - من الفوائد: إشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا كان السبب - أي سبب الهجران - محققًا فيترك - أي الكلام - أصلًا، وإن كان مظنونًا فيخفف، وإن كان مشكوكًا فيه أو محتملًا، فيحسن التقليل منه لا للعمل بما قيل بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه؛ لأنَّ ذلك من خوارم المروءة»(287) .

ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يتثبت ويستقصي، ويسأل الصحابة والصحابيات - رضوان الله عليهم -.

وفي تأخر نزول الوحي حكم بالغة لعل من أهمها أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلم الأمة من خلال هذه الحادثة كيف يتعاملون مع مثل هذه الحوادث الحساسة، حفاظًا على الأسرة المسلمة من التصدع والانهيار، ومن ثَمَّ حفاظًا على المجتمع الإسلامي من أن تفتك به مثلُ هذه الإشاعات المغرضة لاسيما إذا تعلقت بالأعراض.

قال ابن القيم رحمه الله «واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوحي شهرًا في شأنها، وما ذاك إلا لأنَّ الله سبحانه وتعالى أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده، وكرامتهم عليه، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه، بل يكون هو وحده المتولي لذلك الثائر لرسوله وأهل بيته»(288)

كان هذا هو موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهناك موقف آخر لا بُدَّ من تسجيله، وهو موقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه مما حدث لابنته الطاهرة السيدة عائشة رضي الله عنها ، ويتمثل في عدة مظاهر:

أولًا: لم يخبرها بما حدث، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها : «ثم قدمنا فلم أنشب أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى ذلك إلى أبوي، وأبواي لا يذكران لي من ذلك شيئًا...»(289) .

ثانيًا: تأثره الشديد وبكاؤه مع ابنته مما يدل على تعاطفه معها، وعدم إيذائها:

تقول السيدة عائشة لأمها - أمِّ رومان - بعد أن أكدت لها خبر الإفك: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعبرت، فبكيت، فسمع أبو بكر صوتي، وهو فوق البيت يقرأ، فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من أمرها، ففاضت عيناه(290) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثالثًا: اهتمامه بها، وجلوسه عندها لاسيما عند اشتداد الأزمة في أيامها الأخيرة: تقول رضي الله عنها : وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا لا يرقأ لي دمع، ولا أَكتحلُ بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي(291) .

وفي رواية أخرى: وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي(292) .

رابعًا: تسليمه المطلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمانه العميق بالوحي فعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة وقال لها: «أما بعد: يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري.

قالت: السيدة عائشة لأبيها: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال.

فقال: ما أدري والله ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم(293) . وفي رواية قال: لا أفعل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه.

وكان رضي الله عنه مقتنعًا ببراءة ابنته، يدل على ذلك تعبيره عن حزنه البالغ لما حدث لابنته من اتهام، ودفاعه عنها بقوله: فما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر، والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد الله، ولا ندع له شيئًا، فيقال لنا في الإسلام»(294) ، ومع ذلك كان مسلمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيبه بشيء.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما موقف الصحابية الجليلة أم رومان والدة السيدة عائشة فقد كان موقفًا رائعًا غير متعجل ولا متسرع، بل يحمي في طياته موقف الأم التي عرفت منزلة الصديقة وبراءتها، وطهارتها فقالت لها بلهجة ملؤها الاطمئنان والثقة: أي بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قطُّ وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها...».

قال الحافظ ابن حجر: «وفي هذا الكلام من فطنة أمها، وحسن تأتِّيها في تربيتها ما لا مزيد عليه؛ فإنَّها علمت أن ذلك يعظم عليها فهونت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك؛ لأن المرء يتأسى بغيره فيما يقع له، وأدمجت في ذلك ما تطيب به خاطرها من أنها فائقة في الجمال والحظوة، وذلك مما يعجب المرأة أن توصف به...»(295) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الاعتذار وإصلاح الأخطاء

من آداب العشرة حتى تستقيم الحياة الزوجية: أن من أخطأ في شيء فعليه أن يعتذر، ويصلح خطأه. عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين، فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام، فضربت يد الرسول - أي الخادم - فسقطت القصعة فانكسرت، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام، ويقول: «غارت أمكم، كلوا»، فأكلوا فأمسك حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها، فدفعت القصعة الصحيحة إلى الرسول، وترك المكسورة في بيت التي كسرتها»(296) .

وفي رواية الترمذي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «طعام بطعام، وإناء بإناء»(297) .

وفي رواية عن عائشة: يا رسول الله، ما كفارته؟ قال: «إناء كإناء، وطعام كطعام»(298) .

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقبها بادئ ذي بدء، ولم يعنفها بكلمة جارحة، بل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التمس لها مبررًا ودافعًا لفعلها، وبين أن الذي حملها على ما قامت به هو غيرتها، فقال: «غارت أمكم...».

يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجًا في التعامل مع الأحداث، وذلك في البحث عن الدوافع والأسباب؛ فإنَّ الدافع له أثر كبير في تفسير الفعل.

والدافع هنا لكلا المتخاصمتين، هو: حب سول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي أن يكون الحب سببًا للإساءة إلى المحبوب ولا يجزى الإحسان بالسيئة.

قال الحافظ ابن حجر: قوله «غارت أمكم...» اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لئلَّا يحمل صنيعها على ما يذم، بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة؛ فإنَّها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها(299) .

وقال أيضًا: فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها؛ لأنَّها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة(300) .

إنَّ أسلوبه صلى الله عليه وسلم في معالجة هذا الخلاف المتمثل بالهدوء والتفهم لطبيعة المشكلة، بل وتبرير موقفها هو الذي دفع عائشة رضي الله عنها للتراجع والندم على ما بدر منها بعد شعورها بالذنب، ثم بعد ذلك بادرت بالسؤال عما يكفر ذنبها، ويُرضي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام الرضا.

لكن ما دام أن هذه المشكلة لها تعلق بحق الغير - وهو هنا إتلافها لإناء أم سلمة - فقد قضى لها بالتعويض بإناء مماثل من بيت عائشة.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التأديب عند الحاجة إليه

قد يصل الخلاف أحيانًا لدرجة يحتاج فيها الزوج إلى تأديب زوجته، لكن التأديب يكون على قدر الخطأ، ومن الأساليب التي استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في معالجة الخلافات الزوجية أسلوب التأديب بالدفع. يدل على ذلك ما جاء عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب، أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي قال: فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعني؟

قلنا: بلى.

قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب، فوضع نعليه عند رجليه، ووضع رداءه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت.

ثم انتقل رويدًا، وأخذ رداءه رويدًا، ثم فتح الباب رويدًا، وخرج فأجافه رويدًا.

قالت: وجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنَّعتُ إزاري، وانطلقت في أثره.

فجاء صلى الله عليه وسلم البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات، وأطال القيام ثم

انحرف، فانحرفت، فأسرعت، وهرول، فهرولت، فأحضر، فأحضرت، وسبقته فدخلت، فليس إلَّا أن اضطجعت، فدخل فقال: «ما لكِ يا عائشة، حشيا رابية؟»(301)

قلت: لا شيء يا رسول الله.

قال: «لتخُبريني، أو ليُخبرنِّي اللطيف الخبير».

قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر.

قال: «فأنت السواد الذي رأيتُ أمامي؟».

قلت: نعم.

قالت: فلهدني لهدة في صدري أوجعتني.

ثم قال: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟!».

قالت: مهما يكتم الناس، فقد علمه الله.

قال: «نعم؛ فإنَّ جبريل أتاني حين رأيت، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك، فناداني فأخفى منك، فأجبته، فأخفيتُ منك، وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم"، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون»(302)

والشاهد في هذا الحديث قول السيدة عائشة: «فلهدني لهدة في صدري أوجعتني».

واللهد كما قال علماء اللغة هو: الدفع الشديد في الصدر.

قال العلامة السندي رحمه الله : وهذا كان تأديبًا لها من سوء الظن(303) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الهجر دواء أحيانًا

قد يحتاج الأمر أحيانًا في بعض المشكلات الزوجية إلى الهجر.

«والهجر - ولاسيما الهجر في المضاجع - عقوبة نفسية بالغة، وليست عقوبة حسية تؤلم المرأة لما يفوتها من سرور ومتعة؛ فإنَّ فوات السرور والمتعة أيامًا لا يؤلم المرأة هذا الإيلام الذي يجعل الهجر في المضاجع من أصعب العقوبات دون الطلاق.

فأبلغ العقوبات ولا ريب هي العقوبة التي تمس الإنسان في غروره، وتشككه في صميم كيانه: في المزية التي يعتز بها، ويحسبها مناط وجوده وتكوينه.

والمرأة تعلم أنها ضعيفة إلى جانب الرجل، ولكنها لا تأسى لذلك ما علمت أنها فاتنة له، وأنها غالبته بفتنتها، وقادرة على تعويض ضعفها بما تبثه فيه من شوق إليها، ورغبته فيها.

فليكن له ما شاء من قوة، فلها ما تشاء من سحر وفتنة، وعزاؤها الأكبر عن ضعفها أن فتنتها لا تقاوم، وحسبها أنها لا تقاوم بديلًا في القوة والضلاعة في الأجساد والعقول.

فإذا قاربت الرجل مضاجعةً له، وهي في أشد حالاتها إغراء بالفتنة ثم

لم يبالها، ولم يؤخذ بسحرها فما الذي يقع في وقرها وهي تهجس بما تهجس به في صدرها؟

يقع في وقرها أن تشك في صميم أنوثتها، وأن ترى الرجل في أقدر حالاته جديرًا بهيبتها وإذعانها، وأن تشعر بالضعف ثم لا تتعزى بالفتنة، ولا بغلبة الرغبة.

فهو مالك أمره إلى جانبها، وهي إلى جانبه لا تملك شيئًا إلا أن تثوب إلى التسليم، وتفر من هوان سحرها في نظرها، قبل فرارها من هوان سحرها في نظر مضاجعها.

فهذا تأديب نفس، وليس بتأديب جسد، بل هذا هو الصراع الذي تتجرد فيه الأنثى من كل سلاح؛ لأنَّها جربت أمضى سلاح في يديها فارتدت بعده إلى الهزيمة التي لا تكابر نفسها فيها.

فإنَّما تكابر ضعفها حين تلوذ بفتنتها فإذا لاذت بها فخذلتها فلن يبقى لها ما تلوذ به بعد ذاك.

وهنا حكمة العقوبة البالغة التي لا تقاس بفوات متعة، ولا باغتنام فرصة للحديث والمعاتبة، إنَّما العقوبة إبطال العصيان، ولن يبطل العصيان بشيء كما يبطل بإحساس العاصي غاية ضعفه، وغاية قوة من يعصيه.

والهجر في المضاجع هو مثابة الرجوع إلى هذا الإحساس»(304) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والهجر: إما أن يكون في المضاجع وهو أشد، وإما أن يكون خارج البيت وهو أخف، ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه أنَّه هجرهن خارج البيت، وقد عنون البخاري رحمه الله لبعض الأحاديث الواردة في قصة الهجر بقوله: «باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم نساءه في غير بيوتهن».

قال المهلب - أحد شراح الحديث -: هذا الذي أشار إليه البخاري كأنه أراد أن يَسْتَّن الناس بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من الهجر في غير البيوت رفقًا بالنساء؛ لأنَّ هجرانهن مع الإقامة معهن في البيوت آلم لأنفسهن، وأوجع لقلوبهن بما يقع من الأعراض في تلك الحال، ولما في الغيبة عن الأعين من التسلية عن الرجال».

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : «والحق أنَّ ذلك - أي الهجر - يختلف باختلاف الأحوال، فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها، وبالعكس، بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس وخصوصًا النساء لضعف نفوسهن»(305) .

وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قرار الهجر في قصة التحريم بعد خلافات متعددة سببتها الغيرة، وكان آخر هذه الخلافات إفشاء سره من قبل حفصة رضي الله عنها ، ممَّا أغضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التصرف الخطير الذي يؤدي إلى تدمير الأسرة عن طريق الكشف عن أسرارها، وإظهار خصوصياتها، فلابد من التأديب إذن.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد اختلف العلماء في سبب قصة التحريم، والراجح هو أنَّ ذلك كان بسبب قصة تحريمه صلى الله عليه وسلم مارية، فقد ذهبت حفصة يومًا إلى بيت أبيها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، فلما رجعت ووجدت عنده مارية قالت: يا نبي الله لقد جئت إليَّ شيئًا إلى أحد من أزواجك بمثله في يومي(306) ، وفي دوري، وعلى فراشي، قال: ألا ترضين أن أُحرمها فلا أقربها؟ قالت: بلى: فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد. فذكرته لعائشة...»(307) ، وكانت عائشة وحفصة متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فقالت لها: أبشري إن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم عليه وليدته، فأظهره الله عليه، وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١](308) .

«فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة، تسعًا وعشرين ليلة، وكان قد قال: «ما أنا بداخل عليهن شهرًا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله...».

ونستفيد من هذه الحادثة درسًا تربويًّا رائعًا في فقه الأسرة المسلمة،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهو كتمان الأسرار في الحياة الزوجية، وعدم إفشائها مهما كان حجم السر، ومهما كان نوعه.

قال تعالى : ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].

كما نشهد في هذه الحادثة أدبًا بليغًا في التعامل مع الخلافات الزوجية الخاصة، وذلك بالسكوت عن أسبابها وعدم التصريح بها، لاسيما إذا كنت تتعلق بخصوصيات الزوج والزوجة، والكناية عنها بلفظ عام دون الدخول في التفاصيل، يدل على ذلك قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].

فالآية تتحدث عن شيء معين حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تحدد أي شيء كان ذلك المحرَّم. وقوله تعالى : ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾.

فقوله تعالى : ﴿حَدِيثًا﴾ هكذا بصيغة التنكير، ولم يحدد نوع الحديث الذي أسرَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه.

ولقد تأدب الصحابة بهذا الأدب الكريم، فهذا سيدنا ابن عباس رضي الله عنه يقول: «مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع هيبة له...». وما منعه من السؤال إلَّا أنَّه يعلم أن المشكلة هي أمر خاص لا

ينبغي التعمق في البحث عن أسبابه، وكشف أسراره، والمهم هو أخذ العبرة منه.

ولولا أن هذا الأمر يتعلق بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفعه ذلك إلى التحقيق والبحث والسؤال عن كل ما يتعلق به من أحكام وأحوال.

قال الحافظ ابن حجر: وفيه - أي في حديث عمر من الفوائد - حرص الصحابة على العلم والضبط بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم»(309) .

وهذا الدافع هو الذي جعل عمر يحدثه بذلك، ولا يكتمه عنه مع كراهيته للسؤال، فعندما سأله ابن عباس، قال له عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس، «قال الزهري: كره - والله - ما سأله عنه ولم يكتمه عنه؟».

ولا عجب بعد ذلك أن نجد هذا الخلاف الكبير بين العلماء في تحديد السبب الحقيقي لحادثة التحريم.

كما نستفيد من هذه الحادثة درسًا عمليًّا في الحياة الزوجية، وهو مبدأ الصراحة في التعامل، وألا يدفعه عن هذا المبدأ أي دافع، ولو كان هو مداراة الزوجة وكريم عشرته معها، انطلاقًا من قوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وفي هذا التحريم: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم المدارة حلًّا مؤقتًا للمشكلة الطارئة في بيتِه، وقد جاء الخطاب الرباني ليصحح المسار في هذه الحادثة، ويعلم الأمة من وراء ذلك أسلوب الصراحة في التعامل، وهو منهج يبعث على الاطمئنان ويؤدي إلى الراحة والارتياح عند كلا الطرفين في

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حياتهم الزوجية.

ثم بعد هذا الهجر الذي دام شهرًا أنزل الله الوحي ليضع حدًّا لهذه المشكلة عن طريق التوبة الخالصة. «وهنا نجد أن السياق قد تغير من الحكاية عن حادث وقع، إلى مواجهة وخطاب للمرأتين، كأن الأمر حاضر: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وفي هذا إيماء إلى أن فيما فعلتاه انحرافًا عن أدب المعاشرة الذي أمر الله به، وأن عليهما أن تتوبا مما صنعتاه ليقع بذلك صلاح ما فسد من قلوبهما»(310) .

ونستفيد من قصة التحريم درسًا مهمًّا من آداب الحياة الزوجية، وذلك بأن لا يستقصي الزوج عيوب زوجته، وألا يترصد أخطاءها ومواطن الضعف عندها، فإن ذلك يبعث على السآمة والملل في نفسها، ممَّا يؤدي إلى فساد الحياة الزوجية، قال تعالى وهو يتحدث عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم من إفشاء بعض نسائه السر: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكذب للإصلاح بين الزوجين

رُوي أنَّ ابن أبي عُذرة الدؤلي - أيام خلافة عمر رضي الله عنه - كان يخلع النساء اللائي يتزوج بهن، فطارت له في النساء من ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله، ثم قال لامرأته:

- أنشدك بالله هل تبغضينني؟

قالت: لا تنشدني بالله.

قال: فإني أنشدك بالله.

قالت: نعم.

فقال لابن الأرقم: أتسمع؟

ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه ، فقال: «إنَّكم لَتَحَدَّثُونَ أني أظلم النساء، وأخلعهن، فاسأل ابن الأرقم، فسأله فأخبره، فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة، فجاءت هي وعمها، فقال: أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه؟»، فقالت: إني أول من تاب، وراجع أمر الله تعالى ، إنَّه ناشدني فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والإحسان»(311) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فمع غلظ تحريم الكذب، وتشديد الشرع فيه، غير أنه أباح طرفًا منه ليستصلح الرجل زوجته، ويستطيب نفسها: فعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنَّها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرا»، قالت: «ولم أسمعه يرخص في شيء ممَّا يقول الناس إلا في ثلاث: يعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، والمرأة زوجَها»(312) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

آخر الدواء... الطلاق

يأتي أسلوب الطلاق في نهاية الخطوات التي تتخذ لمعالجة الخلافات الزوجية، وذلك بعد أن يستنفذ الزوجان كل الأساليب الممكنة في معالجة ما طرأ من خلاف، وبعد أن يجربا الحلول كافة التي قد تساعد على أن تعود الحياة الزوجية إلى طبيعتها من الاستقرار والهدوء والاطمئنان.

ومن هنا فقد أباحته شرعة الإسلام، وشرعت له من الضوابط والحدود ما جعلته يحقق أهدافه في معالجة المشكلات، وحل الأزمات، وصانته بسياج منيع كيلا يساء استعماله، وحتى لا يتخذ ذريعة لظلم مِنْ قِبَلِ متعسفٍ يرى فيه استعمالًا لحق مشروع.

فالطلاق حل لمشكلة متفاقمة، أو مشكلة قائمة من قبل أن تتفاقم، وإنهاء لعلاقة ليس فيها أمارات النجاح، ولا علامات التقدم.

وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق مرتين:

الأولى: مع حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، لكنه راجعها.

والثانية: مع بنت النعمان الجونية الكندية فقد طلقها قبل الدخول بها، ولم يراجعها، بل أمر لها بمتعة الطلاق، وألحقها بأهلها.

أما قصة طلاقه صلى الله عليه وسلم لحفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم

طلق حفصة ثم راجعها(313)

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: لعل رسول الله قد طلقك، إنَّه كان قد طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا»(314) .

وعن عقبة بن عامر الجهني قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته.

فنزل جبريل من الغد، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر(315) .

وعن قيس بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة، فدخل عليها خالالها: قدامة، وعثمان، فبكت، وقالت: والله ما طلقني عن شبع وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: «قال لي جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة، قوامة، وإنها زوجتك في الجنة»(316) .

ويبدو أن سبب طلاقها هو ما كان في طبعها من حدة وشدة، ولهذا كان عمر رضي الله عنه دائم النصح لابنته ضمانًا لحسن معاشرتها للنبي صلى الله عليه وسلم سمع

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يومًا من زوجته أن ابنته تراجع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان فمضى من فوره حتى دخل عليها فسألها إن كان ما سمعه حقًّا؟

فقال لها: أي حفصة أتغاضب إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟

فقالت: نعم.

فقلت: خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي؟ لا تستكثري على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، واسأليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم»(317) .

وأما قصة طلاقه صلى الله عليه وسلم لبنت النعمان الجونية الكندية فقد روى البخاري في «صحيحه» من طريق الأوزاعي قال: سألت الزهري: أيُ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه؟

قال: أخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك.

فقال لها: «لقد عُذت بعظيم الحقي بأهلك»(318) .

وهناك روايتان تحددان بشكل واضح سبب تصرفها ذاك، وتلفظها

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالتعوذ المذكور:

الأولى: ما جاء في صحيح البخاري عن أبي أُسيد رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشَوْط، حتى انتهينا إلى حائطين، فجلس بينهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «اجلسوا ههنا»، ودخل، وقد أُتي بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمةُ بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها.

فلما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هبي نفسك لي».

قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسُوقة؟

قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك.

فقال: «لقد عُذت بمعاذ».

ثم خرج علينا فقال: يا أبا أُسيد اكسها رازقيتين، وألحقها بأهلها»(319) .

وواضح في هذه الرواية: أنَّ ابنة الجون هذه كان بها غرور وكبر وترفع أنَّها بنت زعيم من زعماء العرب، ورئيس من رؤساء القبائل، وهي صفات لا تصلح معها أن تكون إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا تؤهلها أن تفوز بلقب «أم المؤمنين» يدل على ذلك قولها: وهل تهب الملكة نفسها للسُوقة!

جوابًا على كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التودد والمؤانسة: «هبي نفسك لي».

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما الرواية الثانية: فهي ما جاء في صحيح البخاري(320) أيضًا، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت فنزلت في أُجُم بني ساعدة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاءها، فدخل عليها، فإذا امرأة منكِّسةٌّ رأسها، فلما كلمها النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أعوذ بالله منك، فقال: «قد أعذتك مني».

فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا.

قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك.

قالت: كنت أنا أشقى من ذلك.

فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ثم قال: اسقنا يا سهل...».

وواضح من هذه الرواية الثانية: أن التصرف الذي صدر من ابنة الجون إنَّما كان بسبب عدم معرفتها بالنبي صلى الله عليه وسلم فتلفظت بما تلفظت به، وصدر منها ما صدر.

واعتذارها بكونها لا تدري أن الداخل عليها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذار غير مقبول؛ إذ يستبعد أن يدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه المقدمات التي سبقت مجيئها، ثم لا تعرفه...

وإذا سلمنا بأنَّها كانت صادقة في هذا الاعتذار؛ فإنَّ تصرفها المذكور

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يدل على تسرعها في الجواب، وعدم تثبتها في الأمور، وهي صفات لا تصلح معها أن تكون إحدى نسائه صلى الله عليه وسلم في بيته الكريم.

وهناك تفسير آخر، وهو أن يقال:

لعلها كانت لا تعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه كان مجهولًا عندها، فهذا مستبعد؛ لأنَّه ليس من المعقول أن لا تخبر بدخوله صلى الله عليه وسلم عليها، كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات...

وإنَما كانت تعني استنكار دخوله المتواضع عليها، لقد ظنت - وهي تعيش في بيت الزعامة - أن يدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبهة الملوك، وعاداتهم ورسومهم في الزواج، فلما دخل عليها بالهيئة المتواضعة، التي دخل فيها، استنكفت ذلك، ونكست رأسها، وعاملت النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة الجافة التي لا تليق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا يؤكد ما جاء في الرواية الأولى من أن صفة الترفع والغرور إنما هي خصال كانت متأصلة في طبيعة ابنة الجون، ومن هنا اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قراره الحاسم في فراقها.

وقد جاء في بعض الروايات الضعيفة من أن سبب تعوذها هو: مكيدةٌ من بعض النساء.

وفي رواية: مكيدة من عائشة أو حفصة لإبعادها عن بيت النبوة.

وهي روايات واهية لا يلتفت إليها.

البغض مبرر للطلاق

كما تقدم أنَّه ليس كل البيوت يبنى على الحب، وأن الناس يتعاشرون بالإسلام والإحسان، إلَّا أنَّ الشريعة لم تمنع المرأة إذا أبغضت زوجها أن تطلب الطلاق.

وقد ثبتت أحاديث تدل على أن المرأة إذا أبغضت الزوج لم يكن لوليها إكراهها على عشرته، فمن ذلك: ما ثبت من أن بَرِيرة - وهي جارية حبشية - ملكها عتبة بن أبي لهب وزوجها عبدا من عبيد المغيرة ما كانت لترضاه لو كان لها أمرها، فأشفقت عليها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فاشترتها، وأعتقتها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ملكتِ نفسك، فاختاري»، وكان زوجها مغيث يطوف خلفها في سكك المدينة، يبكي عليها، وهي تأباه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ألا تعجبون من شدة حبه لها، وبغضها له؟»، ثم قال صلى الله عليه وسلم لها: «لو راجعتِهِ؛ فإنَّه أبو ولدكِ»، قالت: «يا رسول الله، أتأمرني؟»، وفي رواية: «أشيء واجب علي؟»، فقال صلى الله عليه وسلم : «لا، إنَّما أنا شافع»، قالت: «فلا حاجة لي فيه، لو أعطاني كذا وكذا ما كنت عنده»(321) .

وإذا أحبته لم يكن لوليها التفريق بينهما.

عن مَعقِل بن يَسار رضي الله عنه قال: «كانت لي أخت تخطَبُ إلي، وأمْنَعُها

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من الناس، فأتاني ابن عَم لي، فأنكحتُها إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طَلقَها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عِدَّتُها، فلما خُطِبت إلي أتاني يخطبها مع الخُطاب، فقلتُ له: خُطِبَتْ إلي فمنعتُها الناسَ، وآثرتُك بها، فَزَوجتُكَها، ثم طَلقْتَها طلاقًا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خُطِبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب؟! والله لا أنكحتكها أبدا، قال: فَفِي نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] الآية، فكفرتُ عن يميني، وأنكَحتُها إياه»(322)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فهرس المصادر والمراجع

«أحكام القرآن»، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة، (1424 هـ = 2003 م).

«أخلاق النبي وآدابه»، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني، دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، (1998 م).

«أدب النساء»، عبد الملك بن حَبِيب بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي الإلبيري القرطبي، أبو مروان، دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى، (1412 هـ = 1992 م).

«الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين»، عبد الرحمن بن محمد بن الحسن، ابن منصور ابن عساكر الدمشقيّ الشافعي، دار الفكر - دمشق، الطبعة: الأولى، (1406 هـ).

«الأساليب النبوية في معالجة المشكلات النبوية»، د. عبد السميع الأنيس، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى (1426 هـ).

«الإصابة في تمييز الصحابة»، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، (1415 هـ).

«الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف»، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، الثانية - بدون تاريخ.

«تاريخ الرقة ومن نزلها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين والفقهاء والمحدثين»، محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري، أبو علي، دار البشائر، الطبعة: الأولى، (1419 هـ = 1998 م).

«تاريخ دمشق»، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر، دار الفكر

للطباعة والنشر والتوزيع، (1415 هـ 1995 م).

«التاريخ الكبير»، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن.

«التحرير والتنوير»، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، الدار التونسية للنشر - تونس، (1984 هـ).

«تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي»، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، دار طيبة.

الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، أبو محمد، زكي الدين المنذري، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، (1417 م).

«التلخيص الحبير»، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى (1419هـ = 1989 م).

«تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار»، (مسند علي)، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، مطبعة المدني - القاهرة.

«تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان»، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، (1420هـ =2000 م).

«جامع البيان في تأويل القرآن»، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، (1420 هـ = 2000 م).

«الجامع الكبير»، (سنن الترمذي)، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، دار الغرب الإسلامي - بيروت، (1998 م).

«جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام»، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، دار العروبة - الكويت، الطبعة: الثانية، (1407 هـ = 1987 م).

«حاشية السندي على سنن النسائي»، (مطبوع مع السنن) محمد بن عبد الهادي التتوي،

أبو الحسن، نور الدين السندي، مكتب المطبوعات الإسلامية حلب، الطبعة: الثانية، (1406 هـ 1986 م).

«زاد المعاد»، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة: السابعة والعشرون، (1415 هـ = 1994 م).

«زاد المسير في علم التفسير»، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، (1422 هـ).

«السلسلة الصحيحة»، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.

«سنن ابن ماجه»، أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، دار الرسالة العالمية، (1430 هـ = 2009 م).

«سنن أبي داود»، أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.

«سنن سعيد بن منصور»، أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني، الدار السلفية - الهند، الطبعة: الأولى، (1403 هـ = 1982 م).

«السنن الكبرى»، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنات، الطبعة: الثالثة، (1424 هـ = 2003 م).

«سنن النسائي»، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة: الثانية، (1406 هـ = 1986 م).

«السيرة الحلبية»، علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، أبو الفرج، نور الدين ابن برهان الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية، (1427 هـ).

«سير أعلام النبلاء»، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز

الذهبي، دار الحديث القاهرة، (1427 هـ 2006 م).

«شرح السنة»، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، (1403 هـ = 1983 م).

«شرح مشكل الآثار»، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، (1415 هـ = 1494 م).

«شعب الإيمان»، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، (1423 هـ = 2003 م).

«الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية»، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الرابعة، (1407 هـ = 1987 م).

«صحيح البخاري»، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، (1422 هـ).

«صحيح مسلم»، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، (1408 هـ = 1988 م).

«ضعيف الجامع الصغير وزيادته»، لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني، المكتب الإسلامي.

«الطبقات الكبرى»، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة: الثانية، (1408 م).

«العقد الفريد»، أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه، دار الكتب

العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (1404 هـ).

«عمل اليوم»، أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن عبد الله بن إبراهيم بن بُدَيْح، الدِّيْنَوَريُّ، المعروف بـ«ابن السُّنِّي»، دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن - جدة/ بيروت.

«عودة الحجاب»، محمد إسماعيل المقدم، دار الصفوة، القاهرة، (1980 م).

«العين»، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري، دار ومكتبة الهلال.

«غريب الحديث»، أبو عُبيد القاسم بن سلّام بن عبد الله الهروي البغدادي، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن، الطبعة: الأولى، (1384 هـ = 1964 م).

«فتح الباري شرح صحيح البخاري»، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة - بيروت، (1379 م).

«فتح القدير»، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، دار الفكر، بدون طبعة وبدون تاريخ.

«القاموس المحيط»، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الثامنة، (1426 هـ = 2005 م).

«لسان العرب»، محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى، دار صادر - بيروت، الطبعة: الثالثة، (1414 هـ).

«مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ وَمَنْبَعُ الفَوَائِدِ»، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، دَارُ المَأْمُون لِلتُّرَاثِ.

«محاسن التأويل»، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، دار الكتب العلميه - بيروت، الطبعة: الأولى، (1418 هـ).

«مختار الصحاح»، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي

الرازي، المكتبة العصرية الدار النموذجية، بيروت صيدا، الطبعة: الخامسة، (1420 هـ 1999 م).

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها، عبد الله بن عفيفي الباجوري، مكتبة الثقافة، المدينة المنورة، الطبعة: الثانية، (1932 م).

«المستدرك على الصحيحين»، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، (1411 هـ = 1990 م).

«المسند»، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، مؤسسة الرسالة، الأولى، (1421 هـ = 2001 م).

«مسند أبي يعلى»، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي، الموصلي، دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة: الأولى، (1404 هـ = 1984 م).

«المصباح المنير في غريب الشرح الكبير»، أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس، المكتبة العلمية - بيروت.

«مصنف ابن أبي شيبة»، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، (1409 هـ).

«مصنف عبد الرزاق»، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني، المجلس العلمي - الهند، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، (1403 هـ).

«المعجم الأوسط»، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، دار الحرمين - القاهرة.

«المعرفة والتاريخ»، يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي الفسوي، أبو يوسف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الثانية، (1401 هـ = 1981 م).

«المغازي»، محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، الواقدي، دار الأعلمي - بيروت، الطبعة: الثالثة، (1409 هـ = 1989 م).

«المفردات في غريب القرآن»، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت، الطبعة: الأولى، (1412 هـ).

«المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج»، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثانية، (1392 هـ).

«الموسوعة الفقهية الكويتية»، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت.

«الموطأ»، مالك بن أنس، مؤسسة الرسالة، بيروت، (1412 هـ).

«نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر»، (مطبوع ملحقا بكتاب سبل السلام)، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، دار الحديث - القاهرة، الطبعة: الخامسة، (1418 هـ = 1997 م).

«النهاية في غريب الحديث والأثر»، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير، المكتبة العلمية - بيروت، (1399هـ = 1979 م).

صفحة 175 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 176 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
الحاشية
النسخة المصوّرة — آداب العشرة بين الزوجين في تراث الآل والأصحاب
يُحمّل المصدر المصوّر…